Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Ar-Rum 30:35–40
30:35Page 408
أَمۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِۦ يُشۡرِكُونَ ٣٥
Or have We sent down to them an authority [i.e., a proof or scripture], and it speaks of what they have been associating with Him?
﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهْوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾
أمْ مُنْقَطِعَةٌ، فَهي مِثْلُ (بَلْ) لِلْإضْرابِ وهو إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ. وإذْ كانَ حَرْفُ (أمْ) حَرْفَ عَطْفٍ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما بَعْدَها إضْرابًا عَنِ الكَلامِ السّابِقِ فَهو عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ بِمَنزِلَةِ ابْتِداءٍ، والكَلامُ تَوْبِيخٌ ولَوْمٌ مُتَّصِلٌ بِالتَّوْبِيخِ الَّذِي أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٤] .
وفِيهِ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ إعْراضًا عَنْ مُخاطَبَتِكم إلى مُخاطَبَةِ المُسْلِمِينَ تَعْجِيبًا مِن حالِ أهْلِ الشِّرْكِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما بَعْدَها مُتَّصِلًا بَقَوْلِهِ ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أهْواءَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الروم: ٢٩] فَهو عَطْفُ ذَمٍّ عَلى ذَمٍّ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
وحَيْثُما وقَعَتْ (أمْ) فالِاسْتِفْهامُ مُقَدَّرٌ بَعْدَها لِأنَّها مُلازِمَةٌ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ. فالتَّقْدِيرُ: بَلْ أأنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا وهو اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ، أيْ ما أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ أنَّهُ تَقْرِيرٌ عَلى الإنْكارِ كَأنَّ السّائِلَ يَسْألُ المَسْئُولَ لِيُقِرَّ بِنَفْيِ المَسْئُولِ عَنْهُ.
والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ. ولَمّا جُعِلَ السُّلْطانُ مَفْعُولًا لِلْإنْزالِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِهِ كِتابٌ كَما قالُوا ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] . ويَتَعَيَّنُ أنَّ المُرادَ بِالتَّكَلُّمِ الدَّلالَةُ بِالكِتابَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩] أيْ تَدُلُّ كِتابَتُهُ، أيْ كُتِبَ فِيهِ بِقَلَمِ القُدْرَةِ أنَّ الشِّرْكَ حَقٌّ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ آتَيْناهم
صفحة ١٠٠
كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف: ٢١] . وقَدَّمَ ”بِهِ“ عَلى ”مُشْرِكُونَ“ لِلِاهْتِمامِ بِالتَّنْبِيهِ عَلى سَبَبِ إشْراكِهِمُ الدّاخِلِ في حَيِّزِ الإنْكارِ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.
30:36–37Page 408
وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ فَرِحُواْ بِهَاۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ إِذَا هُمۡ يَقۡنَطُونَ ٣٦
And when We let the people taste mercy, they rejoice therein, but if evil afflicts them for what their hands have put forth, immediately they despair.
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٣٧
Do they not see that Allāh extends provision for whom He wills and restricts [it]? Indeed in that are signs for a people who believe.
﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
أُعِيدَ الكَلامُ عَلى أحْوالِ المُشْرِكِينَ زِيادَةً في بَسْطِ الحالَةِ الَّتِي يَتَلَقَّوْنَ بِها الرَّحْمَةَ وضِدَّها تَلَقِّيًا يَسْتَوُونَ فِيهِ بَعْدَ أنْ مُيِّزَ فِيما تَقَدَّمَ حالُ تَلَقِّي المُشْرِكِينَ لِلرَّحْمَةِ بِالكُفْرانِ المُقْتَضِي أنَّ المُؤْمِنِينَ لا يَتَلَقُّونَها بِالكُفْرانِ. فَأُرِيدَ تَنْبِيهُهم هُنا إلى حالَةِ تَلَقِّيهِمْ ضِدَّ الرَّحْمَةِ بِالقُنُوطِ لِيَحْذَرُوا ذَلِكَ ويَرْتاضُوا بِرَجاءِ الفَرَجِ والِابْتِهالِ إلى اللَّهِ في ذَلِكَ والأخْذِ في أسْبابِ انْكِشافِها. والرَّحْمَةُ أُطْلِقَتْ عَلى أثَرِ الرَّحْمَةِ وهو المَنافِعُ والأحْوالُ الحَسَنَةُ المُلائِمَةُ كَما يَنْبَغِي عَنْهُ مُقابَلَتُها بِالسَّيِّئَةِ وهي ما يَسُوءُ صاحِبَهُ ويُحْزِنُهُ فالمَقْصِدُ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَخَلُّقُ المُسْلِمِينَ بِالخُلِقِ الكامِلِ، فَ (النّاسَ) مُرادٌ بِهِ خُصُوصُ المُشْرِكِينَ بِقَرِينَةِ أنَّ الآيَةَ خُتِمَتْ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
وقُدِّمَتْ في هَذِهِ الآيَةِ إصابَةُ الرَّحْمَةِ عَلى إصابَةِ السَّيِّئَةِ عَكْسَ الَّتِي قَبْلَها لِلِاهْتِمامِ بِالحالَةِ الَّتِي جُعِلَتْ مَبْدَأ العِبْرَةِ وأصْلَ الِاسْتِدْلالِ، فَقَوْلُهُ (فَرِحُوا بِها) وصْفٌ لِحالِ النّاسِ عِنْدَما تُصِيبُهُمُ الرَّحْمَةُ لِيُبْنى عَلَيْهِ ضِدُّهُ في قَوْلِهِ ﴿إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ لِما يَقْتَضِيهِ القُنُوطُ مِنَ التَّذَمُّرِ والغَضَبِ، فَلَيْسَ في الكَلامِ تَعْرِيضٌ بِإنْكارِ الفَرَحِ حَتّى نَضْطَرَّ إلى تَفْسِيرِ الفَرَحِ بِالبَطَرِ ونَحْوِهِ لِأنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ بِلا داعٍ. والمَعْنى: أنَّهم كَما يَفْرَحُونَ عِنْدَ الرَّحْمَةِ ولا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ زَوالُها ولا يَحْزَنُونَ مِن خَشْيَتِهِ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَصْبِرُوا عِنْدَما يَمَسُّهُمُ الضُّرُّ ولا يَقْنَطُوا مِن زَوالِهِ لِأنَّ قُنُوطَهم مِن زَوالِهِ غَيْرُ جارٍ عَلى قِياسِ حالِهِمْ عِنْدَما تُصِيبُهم رَحْمَةٌ حِينَ لا يَتَوَقَّعُونَ زَوالَها، فالقُنُوطُ هو مَحَلُّ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ وإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ [فصلت: ٤٩] في أنَّ مَحَلَّ التَّعْجِيبِ هو
صفحة ١٠١
اليَأْسُ والقُنُوطُ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الإذاقَةِ آنِفًا.
والقُنُوطُ: اليَأْسُ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الحِجْرِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ [الحجر: ٥٥] .
وأُدْمِجَ في خِلالِ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ لِتَنْبِيهِهِمْ إلى أنَّ ما يُصِيبُهم مِن حالَةٍ سَيِّئَةٍ في الدُّنْيا إنَّما سَبَّبُها أفْعالُهُمُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ أسْبابًا لِمُسَبِّباتٍ مُؤَثِّرَةٍ لا يُحِيطُ بِأسْرارِها ودَقائِقِها إلّا اللَّهُ تَعالى، فَما عَلى النّاسِ إلّا أنْ يُحاسِبُوا أنْفُسَهم ويُجْرُوا أسْبابَ إصابَةِ السَّيِّئاتِ، ويَتَدارَكُوا ما فاتَ، فَذَلِكَ أنْجى لَهم مِنَ السَّيِّئاتِ وأجْدَرُ مِنَ القُنُوطِ. وهَذا أدَبٌ جَلِيلٌ مِن آدابِ التَّنْزِيلِ قالَ تَعالى ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَقْنَطُونَ) بِفَتْحِ النُّونِ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ قَنِطَ مِن بابِ حَسِبَ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ بِكَسْرِ النُّونِ عَلى أنَّهُ مُضارِعٌ قَنَطَ مِن بابِ ضَرَبَ وهُما لُغَتانِ فِيهِ.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ إهْمالَ التَّأمُّلِ في سُنَّةِ اللَّهِ الشّائِعَةِ في النّاسِ: مِن لَحاقِ الضُّرِّ وانْفِراجِهِ، ومِن قِسْمَةِ الحُظُوظِ في الرِّزْقِ بَيْنَ بَسْطٍ وتَقْتِيرٍ فَإنَّهُ كَثِيرُ الوُقُوعِ كُلَّ حِينٍ فَكَما أنَّهم لَمْ يَقْنَطُوا مِن بَسْطِ الرِّزْقِ عَلَيْهِمْ في حِينِ تَقْتِيرِهِ فَكَدَحُوا في طَلَبِ الرِّزْقِ بِالأسْبابِ والدُّعاءِ فَكَذَلِكَ كانَ حَقُّهم أنْ يَتَلَقَّوُا السُّوءَ النّادِرَ بِمِثْلِ ما يَتَلَقَّوْنَ بِهِ ضِيقَ الرِّزْقِ، فَيَسْعَوْا في كَشْفِ السَّيِّئَةِ بِالتَّوْبَةِ والِابْتِهالِ إلى اللَّهِ وبِتَعاطِي أسْبابِ زَوالِها مِنَ الأسْبابِ الَّتِي نَصَبَها اللَّهُ تَعالى، فَجُمْلَةُ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ إلَخْ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها﴾ .
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ في مَعْنى النَّفْيِ؛ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ عَدَمَ الرُّؤْيَةِ تَنْزِيلًا لِرُؤْيَتِهِمْ ذَلِكَ مَنزِلَةَ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ لِإهْمالِ آثارِها مِنَ الِاعْتِبارِ بِها. فالتَّقْدِيرُ: إذا هم يَقْنَطُونَ كَيْفَ لَمْ يَرَوْا بَسْطَ اللَّهِ الرِّزْقَ وتَقْتِيرَهُ كَأنَّهم لَمْ يَرَوْا ذَلِكَ.
والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ تَذْيِيلٌ، أيْ في جَمِيعِ ما ذُكِرَ آياتٌ كَثِيرَةٌ حاصِلَةٌ كَثْرَتُها مِنِ اشْتِمالِ كُلِّ حالَةٍ مِن تِلْكَ الأحْوالِ عَلى أسْبابٍ
صفحة ١٠٢
خَفِيَّةٍ وظاهِرَةٍ، ومُسَبِّباتِها كَذَلِكَ، ومِن تَعَدُّدِ أحْوالِ النّاسِ مِنَ الِاعْتِبارِ بِها والأخْذِ مِنها، كُلٌّ عَلى حَسَبِ اسْتِعْدادِهِ.
وخُصَّ القَوْمُ المُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ لِأنَّهم أعْمَقُ بَصائِرَ بِما ارْتاضَتْ عَلَيْهِ أنْفُسُهم مِن آدابِ الإيمانِ ومِن نَصْبِ أنْفُسِهِمْ لِطَلَبِ العِلْمِ والحِكْمَةِ مِن عُلُومِ الدِّينِ وحِكْمَةِ النُّبُوءَةِ.
30:38Page 408
فَـَٔاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٣٨
So give the relative his right, as well as the needy and the traveler. That is best for those who desire the face [i.e., approval] of Allāh, and it is they who will be the successful.
﴿فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾
فاءُ التَّفْرِيعِ تُفِيدُ أنَّ الكَلامَ بَعْدَها مُتَرَتِّبٌ عَلى الكَلامِ الَّذِي قَبْلَها، وقَدِ اشْتَمَلَ الكَلامُ قَبْلَها عَلى لَحاقِ آثارِ رَحْمَةِ اللَّهِ بِالنّاسِ، وإصابَةِ السُّوءِ إيّاهم، وعَلى أنَّ ما يُصِيبُهم مِنَ السُّوءِ بِما قَدَّمَتْ أيْدِي النّاسِ، وذَكَرَ بَسْطَ الرِّزْقِ وتَقْدِيرَهُ. وتَضَمَّنَ ذَلِكَ أنَّ الفَرَحَ يُلْهِيهِمْ عَنِ الشُّكْرِ، وأنَّ القُنُوطَ يُلْهِيهِمْ عَنِ المُحاسَبَةِ في الأسْبابِ، فَكانَ الأمْرُ بِإيتاءِ الضُّعَفاءِ والمَنكُوبِينَ إرْشادًا إلى وسائِلَ شُكْرِ النِّعْمَةِ عِنْدَ حُصُولِها شُكْرًا مِن نَوْعِها واسْتِكْشافِ الضُّرِّ عِنْدَ نُزُولِهِ، وإلى أنَّ مِنَ الحَقِّ التَّوْسِعَةَ عَلى المُضَيَّقِ عَلَيْهِمُ الرِّزْقُ، كَما يُحِبُّ أنْ يُوَسِّعَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ؛ فالخِطابُ بِالأمْرِ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِاعْتِبارِ مَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِمَّنْ يَحِقُّ عَلَيْهِ الإيتاءُ وهو الَّذِي بُسِطَ لَهُ في الرِّزْقِ، أيْ فَآتُوا ذا القُرْبى حَقَّهُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
والإيتاءُ: الإعْطاءُ. وهو مُشْعِرٌ بِأنَّ المُعْطى مالٌ، ويُقَوِّي ذَلِكَ وُقُوعُ الآيَةِ عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ﴾ [الروم: ٣٧] . وصِيغَةُ الأمْرِ مِن قَوْلِهِ فَآتِ مُجْمَلٌ. والأصْلُ في مَحْمَلِها الوُجُوبُ مَعَ أنَّ المَأْمُورَ بِإيتائِهِ عَبَّرَ عَنْهُ بِأنَّهُ حَقٌّ والأصْلُ في الحَقِّ الوُجُوبُ. وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ المُرادَ حَقٌّ في مالِ المُؤْتِي.
وعَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ: صِلَةُ الرَّحِمِ (أيْ بِالمالِ) فَرْضٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا
صفحة ١٠٣
تُقْبَلْ صَدَقَةُ أحَدٍ ورَحِمُهُ مُحْتاجَةٌ. وقالَ الحَسَنُ: حَقُّ ذِي القُرْبى المُواساةُ في اليُسْرِ، وقَوْلٌ مَيْسُورٌ في العُسْرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مُعْظَمُ ما قُصِدَ أمْرُ المَعُونَةِ بِالمالِ ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «في المالِ حَقٌّ سِوى الزَّكاةِ» ولِلْمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ حَقٌّ، وبَيِّنٌ أنَّ حَقَّ هَذَيْنِ في المالِ اهــ. أقُولُ ولِذَلِكَ قالَ جَمْعٌ كَثِيرٌ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ المَوارِيثِ، وقالَ فَرِيقٌ: لَمْ تُنْسَخْ بَلْ لِلْقَرِيبِ حَقٌّ في البِرِّ عَلى كُلِّ حالٍ، أيْ لا نَسْخَ في جَمِيعِ ما تَضَمَّنَتْهُ بَلْ نَسَخَ بَعْضَهَ بِآيَةِ المَوارِيثِ وبَقِيَ ما عَداهُ. قُلْتُ: وما بَقِيَ غَيْرَ مَنسُوخٍ مُخْتَلِفَةٌ أحْكامُهُ، وهو مُجْمَلٌ تُبَيِّنُهُ أدِلَّةٌ أُخْرى مُتَفَرِّقَةٌ مِنَ الشَّرِيعَةِ.
والقُرْبى: قُرْبُ النَّسَبِ والرَّحِمِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿والجارِ ذِي القُرْبى﴾ [النساء: ٣٦] في سُورَةِ النِّساءِ.
والمِسْكِينُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] في سُورَةِ التَّوْبَةِ.
وابْنُ السَّبِيلِ: المُسافِرُ المُجْتازُ بِالقَرْيَةِ أوْ بِالحَيِّ.
ووَقَعَ الحَقُّ مُجْمَلًا والحَوالَةُ في بَيانِهِ عَلى ما هو مُتَعارَفٌ بَيْنَ النّاسِ وعَلى ما يُبَيِّنُهُ النَّبِيءُ ﷺ . وكانَتِ الصَّدَقَةُ قَبْلَ الهِجْرَةِ واجِبَةً عَلى الجُمْلَةِ مَوْكُولَةً إلى حِرْصِ المُؤْمِنِ. وقَدْ أُطْلِقَ عَلَيْها اسْمُ الزَّكاةِ في آياتٍ مَكِّيَّةٍ كَثِيرَةٍ، وقُرِنَتْ بِالصَّلاةِ؛ فالمُرادُ بِها في تِلْكَ الآياتِ الصَّدَقَةُ الواجِبَةُ وكانَتْ غَيْرَ مَضْبُوطَةٍ بِنُصُبٍ ثُمَّ ضُبِطَتْ بِأصْنافٍ ونُصُبٍ ومَقادِيرَ مُخْرَجَةٍ عَنْها. قالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (فَإنَّ الزَّكاةَ حَقُّ المالِ) . وإنَّما ضُبِطَتْ بَعْدَ الهِجْرَةِ فَصارَ ما عَداها مِنَ الصَّدَقَةِ غَيْرَ واجِبٍ، وقُصِرَ اسْمُ الزَّكاةِ عَلى الواجِبَةِ وأُطْلِقَ عَلى ما عَداها اسْمُ الصَّدَقَةِ أوِ البِرِّ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَجِماعُ حَقِّ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ المُواساةُ بِالمالِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ واجِبٌ لَهم. وكانَ هَذا في صَدْرِ الإسْلامِ ثُمَّ نُسِخَ بِفَرْضِ الزَّكاةِ، ثُمَّ إنَّ لِكُلِّ صِنْفٍ مِن هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ حَقًّا؛ فَحَقُّ ذِي القُرْبى يَخْتَلِفُ بِحَسْبِ حاجَتِهِ؛ فَلِلْغَنِيِّ حَقُّهُ في الإهْداءِ تَوَدُّدًا، ولِلْمُحْتاجِ حَقٌّ أقْوى. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ ذُو القُرابَةِ الضَّعِيفُ المالِ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ بِهِ ضَعْفُهُ مَبْلَغَ المَسْكَنَةِ بِقَرِينَةِ التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالحَقِّ، وبِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ ﴿لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ﴾ [الروم: ٣٩] عَلى أحَدِ الِاحْتِمالاتِ في تَفْسِيرِهِ. وأمّا إعْطاءُ
صفحة ١٠٤
القَرِيبِ الغَنِيِّ فَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرادٍ هُنا ولَيْسَ مِمّا يَشْمَلُهُ لَفْظُ (حَقَّهُ) وإنَّما يَدْخُلُ في حُسْنِ المُعامَلَةِ المُرَغَّبِ فِيها.
وحَقُّ المِسْكِينِ: سَدُّ خَلَّتِهِ. وحَقُّ ابْنِ السَّبِيلِ: الضِّيافَةُ كَما في الحَدِيثِ جائِزَتُهُ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ والمَقْصُودُ إبْطالُ عادَةِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ إذْ كانُوا يُؤْثِرُونَ البَعِيدَ عَلى القَرِيبِ في الإهْداءِ والإيصاءِ حُبًّا لِلْمِدْحَةِ، ويُؤْثِرُونَ بِعَطاياهُمُ السّادَةَ وأهْلَ السُّمْعَةِ تَقَرُّبًا إلَيْهِمْ، فَأُمِرَ المُسْلِمُونَ أنْ يَتَجَنَّبُوا ذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ بِالمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٨٠] كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ هُنا ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِينَ يَتَوَخَّوْنَ بِعَطاياهم إرْضاءَ اللَّهِ وتَحْصِيلَ ثَوابِهِ وهُمُ المُؤْمِنُونَ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ خَيْرٌ إلى الإيتاءِ المَأْخُوذِ مِن قَوْلِهِ ﴿فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ الآيَةَ.
وذِكْرُ الوَجْهِ هُنا تَمْثِيلٌ كَأنَّ المُعْطِي أعْطى المالَ بِمَرْأًى مِنَ اللَّهِ لِأنَّ الوَجْهَ هو مَحَلُّ النَّظَرِ. وفِيهِ أيْضًا مُشاكَلَةٌ تَقْدِيرِيَّةٌ لِأنَّ هَذا الأمْرَ أُرِيدَ بِهِ مُقابَلَةُ ما كانَ يَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ الإعْطاءِ لِوَجْهِ المُعْطى مِن أهْلِ الوَجاهَةِ في القَوْمِ فَجَعَلَ هُنا الإعْطاءَ لِوَجْهِ اللَّهِ، والمُرادُ: أنَّهُ لِامْتِثالِ أمْرِهِ وتَحْصِيلِ رِضاهُ.
واسْمُ الإشارَةِ في قَوْلِهِ (ذَلِكَ خَيْرٌ) لِلتَّنْوِيهِ بِالمَأْمُورِ بِهِ، و”خَيْرٌ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْضِيلًا والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَفْهُومٌ مِنَ السِّياقِ أنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ مِن صَنِيعِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ الَّذِينَ يُعْطُونَ الأغْنِياءَ البُعَداءَ لِلرِّياءِ والسُّمْعَةِ، أوِ المُرادُ ذَلِكَ خَيْرٌ مَن بَذْلِ المالِ في المُراباةِ الَّتِي تُذْكَرُ بَعْدُ في قَوْلِهِ ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا﴾ [الروم: ٣٩] الآيَةَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَيْرُ ما قابَلَ الشَّرَّ، أيْ ذَلِكَ فِيهِ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهو ثَوابُ اللَّهِ.
وفِي قَوْلِهِ ”وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ“ صِيغَةُ قَصْرٍ مِن أجْلِ ضَمِيرِ الفَصْلِ، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ أُولَئِكَ المُتَفَرِّدُونَ بِالفَلاحِ، وهو نَجاحُ عَمَلِهِمْ في إيتاءٍ مِن ذِكْرٍ
صفحة ١٠٥
لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى لا لِلرِّياءِ والفَخْرِ. فَمَن آتى لِلرِّياءِ والفَخْرِ فَلا فَلاحَ لَهُ مِن إيتائِهِ.
30:39Page 408
وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن رِّبٗا لِّيَرۡبُوَاْ فِيٓ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ فَلَا يَرۡبُواْ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن زَكَوٰةٖ تُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُضۡعِفُونَ ٣٩
And whatever you give for interest [i.e., advantage] to increase within the wealth of people1 will not increase with Allāh. But what you give in zakāh,2 desiring the face [i.e., approval] of Allāh - those are the multipliers.3
﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِتُرْبُوا في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ .
لَمّا جَرى التَّرْغِيبُ والأمْرُ بِبَذْلِ المالِ لِذَوِي الحاجَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ وما في ذَلِكَ مِنَ الفَلاحِ أعْقَبَ بِالتَّزْهِيدِ في ضَرْبٍ آخَرَ مِن إعْطاءِ المالِ لا يَرْضى اللَّهُ تَعالى بِهِ وكانَ الرِّبا فاشِيًّا في زَمَنِ الجاهِلِيَّةِ وصَدْرِ الإسْلامِ وخاصَّةً في ثَقِيفٍ وقُرَيْشٍ. فَلَمّا أرْشَدَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ إلى مُواساةِ أغْنِيائِهِمْ فُقَراءَهم أتْبَعَ ذَلِكَ بِتَهْيِئَةِ نُفُوسِهِمْ لِلْكَفِّ عَنِ المُعامَلَةِ بِالرِّبا لِلْمُقْتَرِضِينَ مِنهم، فَإنَّ المُعامَلَةَ بِالرِّبا تُنافِي المُواساةَ لِأنَّ شَأْنَ المُقْتَرِضِ أنَّهُ ذُو خَلَّةٍ، وشَأْنُ المُقْرِضِ أنَّهُ ذُو جِدَةٍ فَمُعامَلَتُهُ المُقْتَرِضَ مِنهُ بِالرِّبا افْتِراصٌ لِحاجَتِهِ واسْتِغْلالٌ لِاضْطِرارِهِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالمُؤْمِنِينَ.
و”ما“ شُرْطِيَّةٌ تُفِيدُ العُمُومَ، فالجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَعْدَ جُمْلَةٍ ﴿فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ [الروم: ٣٨] إلَخْ. والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ. ومَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِمَنزِلَةِ الِاسْتِدْراكِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى إيتاءِ مالٍ هو ذَمِيمٌ. وجِيءَ بِالجُمْلَةِ شَرْطِيَّةً لِأنَّها أنْسَبُ بِمَعْنى الِاسْتِدْراكِ عَلى الكَلامِ السّابِقِ، فالخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ الَّذِينَ كانُوا يُقْرِضُونَ بِالرِّبا قَبْلَ تَحْرِيمِهِ.
ومَعْنى آتَيْتُمْ: آتى بَعْضُكم بَعْضًا لِأنَّ الإيتاءَ يَقْتَضِي مُعْطِيًا وآخِذًا.
وقَوْلُهُ (﴿لِتُرْبُوا في أمْوالِ النّاسِ﴾) خِطابٌ لِلْفَرِيقِ الآخِذِ.
و(لِتُرْبُوا) لِتَزِيدُوا، أيْ لِأنْفُسِكم أمْوالًا عَلى أمْوالِكم. وقَوْلُهُ ﴿فِي أمْوالِ النّاسِ﴾ (في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ بِمَعْنى (مِنِ) الِابْتِدائِيَّةِ، أيْ لِتَنالُوا زِيادَةً وأرْباحًا تَحْصُلُ لَكم مِن أمْوالِ النّاسِ، فَحَرْفُ (في) هُنا كالَّذِي في قَوْلِ سَبْرَةَ الفَقْعَسِيِّ:
ونَشْرَبُ في أثْمانِها ونُقامِرُ
صفحة ١٠٦
أيْ نَشْرَبُ ونُقامِرُ مِن أثْمانِ إبِلِنا. وتَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥] في سُورَةِ النِّساءِ.
و(مِن) في قَوْلِهِ ”مِن رِبًا“ وقَوْلُهُ (مِن زَكاةٍ) بَيانِيَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِإبْهامِ (ما) الشَّرْطِيَّةِ في المَوْضِعَيْنِ. وتَقَدَّمَ الرِّبا في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ. ومَعْنى ﴿فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ أنَّهُ عَمَلٌ ناقِصٌ عِنْدَ اللَّهِ غَيْرُ ذاكَ عِنْدَهُ، والنَّقْصُ يُكَنّى بِهِ عَنِ المَذَمَّةِ والتَّحْقِيرِ.
وهَذا التَّفْسِيرُ هو المُناسِبُ لِمَحْمَلِ لَفْظِ الرِّبا عَلى حَقِيقَتِهِ المَشْهُورَةِ، ولِمُوافَقَةِ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] ولِمُناسَبَةِ ذِكْرِ الإضْعافِ في قَوْلِهِ هُنا ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ وقَوْلِهِ ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ السُّدِّيِّ والحَسَنِ، وقَدِ اسْتَقامَ بِتَوْجِيهِهِ المَعْنى مِن جِهَةِ العَرَبِيَّةِ في مَعْنى (في) مِن قَوْلِهِ ﴿فِي أمْوالِ النّاسِ﴾ .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ (رِبًا) في الآيَةِ أطُلِقَ عَلى الزِّيادَةِ في مالٍ لِغَيْرِهِ، أيْ إعْطاءُ المالِ لِذَوِي الأمْوالِ قَصْدَ الزِّيادَةِ في أمْوالِهِمْ تَقَرُّبًا إلَيْهِمْ، فَيَشْمَلُ هِبَةَ الثَّوابِ والهِبَةَ لِلزُّلْفى والمَلْقَ. ويَكُونُ الغَرَضُ مِنَ الآيَةِ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ مِن ذَلِكَ لا يُغْنِي عَنْهم مِن مُوافَقَةِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى شَيْئًا وإنَّما نَفْعُهُ لِأنْفُسِهِمْ. ودَرَجَ عَلى هَذا المَعْنى جَمٌّ غَفِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ فَيَصِيرُ المَعْنى: وما أعْطَيْتُمْ مِن زِيادَةٍ لِتَزِيدُوا في أمْوالِ النّاسِ، وتَصِيرُ كَلِمَةُ (لِتُرْبُوا) تَوْكِيدًا لَفْظِيًّا لِيَعْلَقَ بِهِ قَوْلُهُ ﴿فِي أمْوالِ النّاسِ﴾ .
وقَوْلُهُ ﴿وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ﴾ إلَخْ رُجُوعٌ إلى قَوْلِهِ ﴿فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ [الروم: ٣٨] الآيَةَ لِأنَّ ذَلِكَ الحَقَّ هو المُسَمّى بِالزَّكاةِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ جَوابٌ ﴿وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ﴾ أيْ فَمُؤْتَوْهُ المُضْعِفُونَ، أيْ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَصَلَ لَهُمُ الإضْعافُ وهو إضْعافُ الثَّوابِ. وضَمِيرُ الفَصْلِ جِنْسُ المُضْعِفِينَ عَلى هَؤُلاءِ، وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِإضْعافِ مَن عَداهم لِأنَّ إضْعافَ مَن عَداهم إضْعافٌ دُنْيَوِيٌّ زائِلٌ.
واسْمُ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ لِلتَّنْوِيهِ بِهَؤُلاءِ والدَّلالَةِ عَلى
صفحة ١٠٧
أنَّهم أحْرِياءُ بِالفَلاحِ. واسْمُ الإشارَةِ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ اقْتَضاهُ مَقامُ اجْتِلابِ اسْمِ الإشارَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (آتَيْتُمْ) بِهَمْزَتَيْنِ، أيْ أعْطَيْتُمْ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (أتَيْتُمْ) بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، أيْ قَصَدْتُمْ، أيْ فَعَلْتُمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (لِيَرْبُوَ) بِتَحْتِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ وفَتْحَةِ إعْرابٍ عَلى واوِ (لِيَرْبُوَ) . وكُتِبَ في المَصاحِفِ بِألِفٍ بَعْدَ الواوِ ولَيْسَ واوَ جَماعَةٍ بِالِاتِّفاقِ، ورَسْمُ المُصْحَفِ سُنَّةٌ، وقَرَأ نافِعٌ (لِتُرْبُوا) بِتاءِ الخِطابِ مَضْمُومَةً وواوٍ ساكِنَةٍ هي واوُ الجَماعَةِ.
30:40Page 408
ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ ثُمَّ رَزَقَكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡۖ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَفۡعَلُ مِن ذَٰلِكُم مِّن شَيۡءٖۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٤٠
Allāh is the one who created you, then provided for you, then will cause you to die, and then will give you life. Are there any of your "partners" who does anything of that? Exalted is He and high above what they associate with Him.
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾
هَذا الِاسْتِئْنافُ الثّانِي مِنَ الأرْبَعَةِ الَّتِي أُقِيمَتْ عَلَيْها دَلائِلُ انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالتَّصَرُّفِ في النّاسِ وإبْطالِ ما زَعَمُوهُ مِنَ الإشْراكِ في الإلَهِيَّةِ كَما أنْبَأ عَنْهُ قَوْلُهُ ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ وإدْماجًا لِلِاسْتِدْلالِ عَلى وُقُوعِ البَعْثِ.
وقَدْ جاءَ هَذا الِاسْتِئْنافُ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ١١] واطَّرَدَ الِافْتِتاحُ بِمِثْلِهِ في الآياتِ الَّتِي أُرِيدَ بِها إثْباتُ البَعْثِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ١١] وسَيَأْتِي في الآيَتَيْنِ بَعْدَ هَذِهِ.
و(ثُمَّ) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنَيَيِ التَّراخِي الزَّمَنِيِّ والرُّتْبِيِّ.
و﴿هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ في مَعْنى النَّفْيِ ولِذَلِكَ زِيدَتْ مِنَ الدّالَّةُ عَلى تَحْقِيقِ نَفْيِ الجِنْسِ كُلِّهِ في قَوْلِهِ ”مِن شَيْءٍ“ . والمَعْنى: ما مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكم.
فَ (مِنَ) الأُولى بَيانِيَّةٌ هي بَيانٌ لِلْإبْهامِ الَّذِي في مَن يَفْعَلُ، فَيَكُونُ مَن
صفحة ١٠٨
يَفْعَلُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ، تَقْدِيرُهُ: حَصَلَ، أوْ وجَدَ، أوْ هي تَبْعِيضِيَّةٌ صِفَةٌ لِمُقَدَّرٍ، أيْ هَلْ أحَدٌ مِن شُرَكائِكم.
و(مِنَ) الثّانِيَةُ في قَوْلِهِ (مِن ذَلِكم) تَبْعِيضِيَّةٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِن شَيْءٍ. و(مِنَ) الثّالِثَةُ زائِدَةٌ لِاسْتِغْراقِ النَّفْي.
وإضافَةُ شُرَكاءَ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ لِأنَّ المُخاطَبِينَ هُمُ الَّذِينَ خَلَعُوا عَلى الأصْنامِ وصْفَ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ فَكانُوا شُرَكاءَ بِزَعْمِ المُخاطَبِينَ ولَيْسُوا شُرَكاءَ في نَفْسِ الأمْرِ، وهَذا جارٍ مَجْرى التَّهَكُّمِ، كَقَوْلِ خالِدِ بْنِ الصَّعْقِ لِعَمْرِو بْنِ مَعْدِيَكْرِبَ في مَجْمَعٍ مِن مَجامِعِ العَرَبِ بِظاهِرِ الكُوفَةِ فَجُعِلَ عَمْرٌو يُحَدِّثُهم عَنْ غاراتِهِ فَزَعَمَ أنَّهُ أغارَ عَلى نَهْدٍ فَخَرَجُوا إلَيْهِ يَقْدُمُهم خالِدُ بْنُ الصَّعْقِ وأنَّهُ قَتَلَهُ، فَقالَ لَهُ خالِدُ بْنُ الصَّعْقِ (مَهْلًا أبا ثَوْرٍ قَتِيلُكَ يَسْمَعُ)، أيِ القَتِيلُ بِزَعْمِكَ. والقَرِينَةُ قَوْلُهُ (يَسْمَعُ) كَما أنَّ القَرِينَةَ في هَذِهِ الآيَةِ هي جُمْلَةُ التَّنْزِيهِ عَنِ الشَّرِيكِ.
والإشارَةُ بِـ ”ذَلِكم“ إلى الخَلْقِ، والرِّزْقِ، والإماتَةِ، والإحْياءِ، وهي مَصادِرُ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ. وأُفْرِدَ اسْمُ الإشارَةِ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ.
وجُمْلَةُ ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِإنْشاءِ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنِ الشَّرِيكِ في الإلَهِيَّةِ. ومَوْقِعُها بَعْدَ الجُمْلَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ مَوْقِعُ النَّتِيجَةِ بَعْدَ القِياسِ، فَإنَّ حاصِلَ مَعْنى الجُمْلَةِ الأُولى أنَّ الإلَهَ الحَقَّ وهو مُسَمّى اسْمِ الجَلالَةِ هو الَّذِي خَلَقَ ورَزَقَ ويُمِيتُ ويُحْيِي، فَهَذا في قُوَّةِ مُقَدِّمَةٍ هي صُغْرى قِياسٍ، وحاصِلُ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ أنْ لا أحَدَ مِنَ الأصْنامِ بِفاعِلٍ ذَلِكَ، وهَذِهِ في قُوَّةِ مُقَدِّمَةٍ هي كُبْرى قِياسٍ وهو مِنَ الشَّكْلِ الثّانِي، وحاصِلُ مَعْنى تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ الشَّرِيكِ أنْ لا شَيْءَ مِنَ الأصْنامِ بِإلَهِ. وهَذِهِ نَتِيجَةُ قِياسٍ مِنَ الشَّكْلِ الثّانِي.
ودَلِيلُ المُقَدِّمَةِ الصُّغْرى إقْرارُ الخَصْمِ، ودَلِيلُ المُقَدِّمَةِ الكُبْرى العَقْلُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (تُشْرِكُونَ) بِفَوْقِيَّةٍ عَلى الخِطابِ تَبَعًا لِلْخِطابِ في (آتَيْتُمْ) . وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِتَحْتِيَّةٍ عَلى الِالتِفاتِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences