Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Ar-Rum 30:8–11
30:8Page 405
أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۗ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَأَجَلٖ مُّسَمّٗىۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآيِٕ رَبِّهِمۡ لَكَٰفِرُونَ ٨
Do they not contemplate within themselves?1 Allāh has not created the heavens and the earth and what is between them except in truth and for a specified term. And indeed, many of the people, in the meeting with their Lord, are disbelievers.
﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ [الروم: ٧]؛ لِأنَّهم نَفَوُا الحَياةَ الآخِرَةَ، فَسِيقَ إلَيْهِمْ هَذا الدَّلِيلُ عَلى أنَّها مِن مُقْتَضى الحِكْمَةِ.
فَضَمِيرُ يَتَفَكَّرُوا عائِدٌ إلى الغافِلِينَ عَنِ الآخِرَةِ وفي مُقَدِّمَتِهِمْ مُشْرِكُو مَكَّةَ. والِاسْتِفْهامُ تَعْجِيبِيٌّ مِن غَفْلَتِهِمْ وعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ. والتَّقْدِيرُ: هم غافِلُونَ وعَجِيبٌ عَدَمُ تَفَكُّرِهِمْ. ومُناسَبَةُ هَذا الِانْتِقالِ أنَّ لِإحالَتِهِمْ رُجُوعَ الدّالَّةِ إلى الرُّومِ بَعْدَ انْكِسارِهِمْ سَبَبَيْنَ:
أحَدُهُما: اعْتِيادُهم قَصْرَ أفْكارِهِمْ عَلى الجَوَلانِ في المَأْلُوفاتِ دُونَ دائِرَةِ المُمْكِناتِ، وذَلِكَ مِن أسْبابِ إنْكارِهِمُ البَعْثَ وهو أعْظَمُ ما أنْكَرُوهُ لِهَذا السَّبَبِ. وثانِيهُما: تَمَرُّدُهم عَلى تَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ بَعْدَ أنْ شاهَدُوا مُعْجِزَتَهُ، فانْتَقَلَ الكَلامُ إلى نَقْضِ آرائِهِمْ في هَذَيْنِ السَّبَبَيْنَ.
والتَّفَكُّرُ: إعْمالُ الفِكْرِ، أيِ الخاطِرِ العَقْلِيِّ؛ لِلِاسْتِفادَةِ مِنهُ، وهو التَّأمُّلُ في الدَّلالَةِ العَقْلِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٥٠] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والأنْفُسُ: جَمَعُ نَفْسٍ. والنَّفْسُ يُطْلَقُ عَلى الذّاتِ كُلِّها، ويُطْلَقُ عَلى باطِنِ الإنْسانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي﴾ [المائدة: ١١٦]
صفحة ٥٢
كَقَوْلِ عُمَرَ يَوْمَ السَّقِيفَةِ ”وكُنْتُ زَوَتْ في نَفْسِي مَقالَةٌ“ أيْ في عَقْلِي وباطِنِي.
وحَرْفُ ”في“ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي أنْفُسِهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلظَّرْفِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ الِاعْتِبارِيَّةِ، فَيَكُونُ ظَرْفًا لِمَصْدَرِ ”يَتَفَكَّرُوا“، أيْ تَفَكُّرًا مُسْتَقِرًّا في أنْفُسِهِمْ. ومَوْقِعُ هَذا الظَّرْفِ مِمّا قَبْلَهُ مَوْقِعُ مَعْنى الصِّفَةِ لِلتَّفَكُّرِ. وإذْ قَدْ كانَ التَّفَكُّرُ إنَّما يَكُونُ في النَّفْسِ فَذُكِرَ ﴿فِي أنْفُسِهِمْ﴾؛ لِتَقْوِيَةِ تَصْوِيرِ التَّفَكُّرِ وهو كالصِّفَةِ الكاشِفَةِ لِتُقَرِّرَ مَعْنى التَّفَكُّرِ عِنْدَ السّامِعِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] وقَوْلِهِ: ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ إلَخْ عَلى هَذا مُبَيِّنَةً لِجُمْلَةِ يَتَفَكَّرُوا؛ إذْ مَدْلُولُها هو ما يَتَفَكَّرُونَ فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٨٤] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”في“ لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلِ يَتَفَكَّرُوا تَعَلُّقَ المَفْعُولِ بِالفِعْلِ، أيْ يَتَدَبَّرُوا ويَتَأمَّلُوا في أنْفُسِهِمْ. والمُرادُ بِالأنْفُسِ الذَّواتُ، فَهو في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]، فَإنَّ حَقَّ النَّظَرِ المُؤَدِّي إلى مَعْرِفَةِ الوَحْدانِيَّةِ وتَحَقُّقَ البَعْثِ أنْ يَبْدَأ بِالنَّظَرِ في أحْوالِ خِلْقَةِ الإنْسانِ، قالَ تَعالى: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥] أيْ في دَلالَةِ مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ إلَخْ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن قَوْلِهِ: أنْفُسِهِمْ؛ إذِ الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ في دَلالَةِ أنْفُسِهِمْ، فَإنَّ دَلالَةَ أنْفُسِهِمْ تَشْتَمِلُ عَلى دَلالَةِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما بِالحَقِّ؛ لِأنَّ ”أنْفُسِهِمْ“ مَشْمُولَةٌ لِما في الأرْضِ مِنَ الخَلْقِ ودالَّةٌ عَلى ما في الأرْضِ، وكَذَلِكَ بِطَلْقِ ما في الأرْضِ دالٌّ عَلى خَلْقِ أنْفُسِهِمْ.
وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ وقَعَ تَعْلِيقُ فَعْلِ يَتَفَكَّرُوا عَنِ العَمَلِ في مَفْعُولَيْنِ لِوُجُودِ النَّفْيِ بَعْدَهُ، ومَعْنى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما بِالحَقِّ أنَّ خَلْقَهم مُلابِسٌ لِلْحَقِّ.
والحَقُّ هُنا هو ما يَحِقُّ أنْ يَكُونَ حِكْمَةً لِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وعِلَّةً لَهُ، وحَقُّ كُلِّ ماهِيَّةٍ ونَوْعٍ هو ما يَحِقُّ أنْ يَتَصَرَّفَ بِهِ مِنَ الكَمالِ في خَصائِصِهِ وأنَّهُ بِهِ
صفحة ٥٣
حَقِيقٌ كَما يَقُولُ الأبُ لِابْنِهِ القائِمِ بِبِرِّهِ: أنْتَ ابْنِي حَقًّا، ألا تَرى أنَّهم جَعَلُوا تَعْرِيفَ النَّكِرَةِ بِلامِ الجِنْسِ دالًّا عَلى مَعْنى الكَمالِ في نَحْوِ: أنْتَ الحَبِيبُ، لِأنَّ اسْمَ الجِنْسِ في المَقامِ الخِطابِيِّ يُؤْذِنُ بِكَمالِهِ في صِفاتِهِ، وإنَّما يُعْرَفُ حَقُّ كُلِّ نَوْعٍ بِالصِّفاتِ الَّتِي بِها قابِلِيَّتُهُ، ومَن يَنْظُرْ في القابِلِيّاتِ الَّتِي أوْدَعَها اللَّهُ تَعالى في أنْواعِ المَخْلُوقاتِ يَجِدْ كُلَّ الأنْواعِ مَخْلُوقَةً عَلى حُدُودٍ خاصَّةٍ بِها إذا هي بَلَغَتْها لا تَقْبَلُ أكْثَرَ مِنها؛ فالفَرَسُ والبَقَرَةُ والكَلْبُ الكائِناتُ في العُصُورِ الخالِيَةِ وإلى زَمَنِ آدَمَ لا تَتَجاوَزُ المُتَأخِّرَةُ مِن أمْثالِها حُدُودَها الَّتِي كانَتْ عَلَيْها فَهي في ذَلِكَ سَواءٌ. دَلَّتْ عَلى ذَلِكَ تَجارِبُ النّاسِ الحاضِرِينَ لِأجْيالِها الحاضِرَةِ، وأخْبارُ النّاسِ الماضِينَ عَنِ الأجْيالِ المُعاصِرَةِ لَها، وقِياسُ ما كانَ قَبْلَ أزْمانِ التّارِيخِ عَلى الأجْيالِ الَّتِي انْقَرَضَتْ قَبْلَها حاشا نَوْعِ الإنْسانِ فَإنَّ اللَّهَ فَطَرَهُ بِقابِلِيَّةٍ لِلزِّيادَةِ في كَمالاتٍ غَيْرِ مَحْدُودَةٍ عَلى حَسَبِ أحْوالِ تَجَدُّدِ الأجْيالِ في الكَمالِ والِارْتِقاءِ وجَعَلَهُ السُّلْطانَ عَلى هَذا العالَمِ والمُتَصَرِّفَ في أنْواعِ مَخْلُوقاتِ عالَمِهِ كَما قالَ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وذَلِكَ بِما أوْدَعَ فِيهِ مِنَ العَقْلِ. ودَلَّتِ المُشاهَدَةُ عَلى تَفاوُتِ أفْرادِ نَوْعِ الإنْسانِ في كَمالِ ما يَصْلُحُ لَهُ تَفاوُتًا مُتَرامِيَ الأطْرافِ، كَما قالَ البُحْتُرِيُّ:
ولَمْ أرَ أمْثالَ الرِّجالِ تَـفَـاوُتًا لَدى الفَضْلِ حَتّى عُدَّ ألْفٌ بِواحِدِ
فَدَلَّتِ التَّجْرِبَةُ في المُشاهَدَةِ كَما دَلَّتِ الأخْبارُ عَنِ الماضِي وقِياسُ ما قَبْلَ التّارِيخِ عَلى ما بَعْدَهُ، كُلُّ ذَلِكَ دَلَّ عَلى هَذا المَعْنى؛ ولِأجْلِ هَذا التَّفاوُتِ كَلَّفَ الإنْسانَ خالِقُهُ بِقَوانِينَ لِيَبْلُغَ مُرْتَقى الكَمالِ القابِلَ لَهُ في زَمانِهِ، مَعَ مُراعاةِ ما يُحِيطُ بِهِ مِن أحْوالِ زَمانِهِ، ولِيَتَجَنَّبَ إفْسادَ نَفْسِهِ وإفْسادَ بَنِي نَوْعِهِ، وقَدْ كانَ ما أُعْطِيَهُ نَوْعُ الإنْسانِ مِن شُعَبِ العَقْلِ مُخَوِّلًا إيّاهُ أنْ يَفْعَلَ عَلى حَسَبِ إرادَتِهِ وشَهْوَتِهِ، وأنْ يَتَوَخّى الصَّوابَ أوْ أنْ لا يَتَوَخّاهُ، فَلَمّا كَلَّفَهُ خالِقُهُ بِاتِّباعِ قَوانِينِ شَرائِعِهِ ارْتَكَبَ واجْتَنَبَ فالتَحَقَ تارَةً بِمَراقِي كَمالِهِ، وقَصَّرَ تارَةً عَنْها قُصُورًا مُتَفاوِتًا، فَكانَ مِنَ الحِكْمَةِ أنْ لا يُهْمَلَ مُسْتَرْسِلًا في خُطُواتِ القُصُورِ والفَسادِ، وذَلِكَ إمّا بِتَسْلِيطِ قُوَّةٍ مُلْجِئَةٍ عَلَيْهِ تَسْتَأْصِلُ المُفْسِدَ وتَسْتَبْقِي المُصْلِحَ، وإمّا بِإراضَتِهِ عَلى فِعْلِ الصَّلاحِ حَتّى يَصِيرَ مُنْساقًا إلى الصَّلاحِ بِاخْتِيارِهِ المَحْمُودِ، إلّا أنَّ حِكْمَةً أُخْرى رَبّانِيَّةً اقْتَضَتْ بَقاءَ عُمْرانِ العالَمِ وعَدَمَ اسْتِئْصالِهِ، وبِذَلِكَ تَعَطَّلَ اسْتِعْمالُ القُوَّةِ
صفحة ٥٤
المُسْتَأْصِلَةِ، فَتَعَيَّنَ اسْتِعْمالُ إراضَتِهِ عَلى الصَّلاحِ، فَجَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ الحِكْمَتَيْنِ بِأنْ جَعَلَ ثَوابًا لِلصّالِحِينَ عَلى قَدْرِ صَلاحِهِمْ وعِقابًا لِلْمُفْسِدِينَ بِمِقْدارِ عَمَلِهِمْ، واقِعًا ذَلِكَ كُلُّهُ في عالَمٍ غَيْرِ هَذا العالَمِ، وأبْلَغَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ وأنْبِيائِهِ إزالَةً لِلْوَصْمَةِ، وتَنْبِيهًا عَلى الحِكْمَةِ، فَخافَ فَرِيقٌ ورَجا فارْتَكَبَ واجْتَنَبَ، وأعْرَضَ فَرِيقٌ ونَأى فاجْتَرَحَ واكْتَسَبَ، وكانَ مِن حَقِّ آثارِ هاتِهِ الحِكَمِ أنْ لا يُحْرَمَ الصّالِحُ مِن ثَوابِهِ، وأنْ لا يَفُوتَ المُفْسِدُ بِما بِهِ لِيَظْهَرَ حَقُّ أهْلِ الكَمالِ ومَن دُونَهم مِنَ المَراتِبِ، فَجَعَلَ اللَّهُ بَقاءَ أفْرادِ النَّوْعِ في هَذا العالَمِ مَحْدُودًا بِآجالٍ مُعَيَّنَةٍ وجَعَلَ لِبَقاءِ هَذا العالَمِ كُلِّهِ أجَلًا مُعَيَّنًا، حَتّى إذا انْتَهَتْ جَمِيعُ الآجالِ جاءَ يَوْمُ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ، وتَمَيَّزَ أهْلُ النَّقْصِ مِن أهْلِ الكَمالِ.
فَكانَ جَعْلُ الآجالِ لِبَقاءِ المَخْلُوقاتِ مِن جُمْلَةِ الحَقِّ الَّذِي خُلِقَتْ مُلابِسَةً لَهُ، ولِذَلِكَ نُبِّهَ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ اهْتِمامًا بِشَأْنِهِ، وتَنْبِيهًا عَلى مَكانِهِ، وإظْهارًا أنَّهُ المَقْصِدُ بِكِيانِهِ، فَعَطَفَهُ عَلى الحَقِّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، كَما عَطَفَ ضِدَّهُ عَلى الباطِلِ، في قَوْلِهِ ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] فَقالَ ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ .
وقَدْ مَضى في سُورَةِ الأنْعامِ قَوْلُهُ ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ﴾ [الأنعام: ٧٣] الآيَةَ.
وفائِدَةُ ذِكْرِ السَّماواتِ هُنا أنَّ في أحْوالِ السَّماواتِ مِن شَمْسِها وكَواكِبِها ومَلائِكَتِها ما هو مِن جُمْلَةِ الحَقِّ الَّذِي خُلِقَتْ مُلابِسَةً لَهُ، أمّا ما وراءَ ذَلِكَ مِن أحْوالِها الَّتِي لا نَعْرِفُ نِسْبَةَ تَعَلُّقِها بِهَذا العالَمِ، فَنَكِلُ أمْرَهُ إلى اللَّهِ ونَقِيسُ غائِبَهُ عَلى الشّاهِدِ، فَنُوقِنُ بِأنَّهُ ما خُلِقَ إلّا بِالحَقِّ كَذَلِكَ.
فَشَواهِدُ حَقِّيَّةِ البَعْثِ والجَزاءِ بادِيَةٌ في دَقائِقِ خَلْقِ المَخْلُوقاتِ، ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] .
والمُسَمّى: المُقَدَّرُ. أُطْلِقَتِ التَّسْمِيَةُ عَلى التَّقْدِيرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الحج: ٥] في سُورَةِ الحَجِّ. وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى
صفحة ٥٥
﴿ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ﴾ [العنكبوت: ٥٣] في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ تَذْيِيلٌ.
وتَأْكِيدُهُ بِـ (إنَّ) لِتَنْزِيلِ السّامِعِ مَنزِلَةَ مَن يَشُكُّ في وُجُودِ مَن يَجْحَدُ لِقاءَ اللَّهِ بَعْدَ هَذا الدَّلِيلِ الَّذِي مَضى بَلْهُ أنْ يَكُونَ الكافِرُونَ بِهِ كَثِيرًا. والمُرادُ بِالكَثِيرِ هُنا: مُشْرِكُو أهْلِ مَكَّةَ وبَقِيَّةُ مُشْرِكِي العَرَبِ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ ومَن ماثَلَهم مِنَ الدَّهْرِيِّينَ. ولَمْ يُعَبِّرْ هُنا بِـ (أكْثَرِ النّاسِ) لِأنَّ المُثْبِتِينَ لِلْبَعْثِ كَثِيرُونَ مِثْلَ أهْلِ الكِتابِ والصّابِئَةِ والمَجُوسِ والقِبْطِ.
30:9Page 405
أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَأَثَارُواْ ٱلۡأَرۡضَ وَعَمَرُوهَآ أَكۡثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٩
Have they not traveled through the earth and observed how was the end of those before them? They were greater than them in power, and they plowed [or excavated] the earth and built it up more than they [i.e., the Makkans] have built it up, and their messengers came to them with clear evidences. And Allāh would not ever have wronged them, but they were wronging themselves.
﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ﴾ [الروم: ٨] وهو مِثْلُ الَّذِي عُطِفَ هو عَلَيْهِ مُتَّصِلٌ بِما يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٦] أنَّ مِن أسْبابِ عَدَمِ عِلْمِهِمْ تَكْذِيبَهُمُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي أنْبَأهم بِالبَعْثِ، فَلَمّا سِيقَ إلَيْهِمْ دَلِيلُ حِكْمَةِ البَعْثِ والجَزاءِ بِالحَقِّ أعْقَبَ بِإنْذارِهِمْ مَوْعِظَةً لَهم بِعَواقِبِ الأُمَمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم لِأنَّ المَقْصُودَ هو عاقِبَةُ تَكْذِيبِهِمْ رُسُلَ اللَّهِ وهو قَوْلُهُ ﴿وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ الآيَةَ.
والأمْرُ بِالسَّيْرِ في الأرْضِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام: ١١] في سُورَةِ الأنْعامِ وقَوْلِهِ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ﴾ [العنكبوت: ٢٠] في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ تَقْرِيرِيٌّ. وجاءَ التَّقْرِيرُ عَلى النَّفْيِ لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٤٨] وقَوْلِهِ ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأعراف: ٣٥] في الأعْرافِ، وقَوْلِهِ ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٨] في آخِرِ العَنْكَبُوتِ.
والأرْضُ: اسْمٌ لِلْكُرَةِ الَّتِي عَلَيْها النّاسُ.
صفحة ٥٦
والنَّظَرُ: هُنا نَظَرُ العَيْنِ لِأنَّ قُرَيْشًا كانُوا يَمُرُّونَ في أسْفارِهِمْ إلى الشّامِ عَلى دِيارِ ثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وفي أسْفارِهِمْ إلى اليَمَنِ عَلى دِيارِ عادٍ.
وكَيْفِيَّةُ العاقِبَةِ هي حالَةُ آخِرِ أمْرِهِمْ مِن خَرابِ بِلادِهِمْ وانْقِطاعِ أعْقابِهِمْ فَعاضَدَ دَلالَةَ التَّفَكُّرِ الَّتِي في قَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ﴾ [الروم: ٨] الآيَةَ. بِدَلالَةِ الحِسِّ بِقَوْلِهِ ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ .
وكَيْفَ اسْتِفْهامٌ مُعَلِّقُ فِعْلَ (يَنْظُرُوا) عَنْ مَفْعُولِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَيَنْظُرُوا ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ فَقِيلَ: كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ.
والعاقِبَةُ: آخِرُ الأمْرِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، بِخِلافِ العُقْبى فَهي لِلْخَيْرِ خاصَّةً إلّا في مَقامِ المُشاكَلَةِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ العاقِبَةِ في قَوْلِهِ ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] في الأعْرافِ.
وقَدْ جَمَعَ قَوْلُهُ ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وعِيدًا عَلى تَكْذِيبِهِمُ النَّبِيءَ ﷺ وتَجْهِيلًا لِإحالَتِهِمُ المُمْكِنَ، حَيْثُ أيْقَنُوا بِأنَّ الفُرْسَ لا يُغْلَبُونَ بَعْدَ انْتِصارِهِمْ.
فَهَذِهِ آثارُ أُمَمٍ عَظِيمَةٍ كانَتْ سائِدَةً عَلى الأرْضِ فَزالَ مُلْكُهم وخَلَتْ بِلادُهم مِن سَبَبِ تَغَلُّبِ أُمَمٍ أُخْرى عَلَيْهِمْ.
والمُرادُ بِالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ عادٌ وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأمْثالُهُمُ الَّذِينَ شاهَدَ العَرَبُ آثارَهَمْ. والمَعْنى: أنَّهم كانُوا مِن قَبْلِهِمْ في مِثْلِ حالَتِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ وتَكْذِيبِ الرُّسُلِ المُرْسَلِينَ إلَيْهِمْ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَقِبَهُ ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ . الآيَةَ.
* * *
﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأثارُوا الأرْضَ وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾
كُلُّ أُولَئِكَ كانُوا أشَدَّ قُوَّةً مِن قُرَيْشٍ وأكْثَرَ تَعْمِيرًا في الأرْضِ، وكُلُّهم جاءَتْهم رُسُلٌ، وكُلُّهم كانَتْ عاقِبَتُهُمُ الِاسْتِئْصالَ، كُلُّ هَذِهِ ما تُقِرُّ بِهِ قُرَيْشٌ.
صفحة ٥٧
وجُمْلَةُ ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ .
والشِّدَّةُ: صَلابَةُ جِسْمٍ، وتُسْتَعارُ بِكَثْرَةٍ لِقُوَّةِ صِفَةٍ مِنَ الأوْصافِ في شَيْءٍ تَشْبِيهًا لِكَمالِ الوَصْفِ وتَمامِهِ بِالصَّلابَةِ في عُسْرِ التَّحَوُّلِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [النمل: ٣٣] في سُورَةِ النَّمْلِ.
والقُوَّةُ: حالَةٌ بِها يُقاوِمُ صاحِبُها ما يُوجِبُ انْخِرامَهُ، فَمِن ذَلِكَ قُوَّةُ البَدَنِ، وقُوَّةُ الخَشَبِ، وتُسْتَعارُ القُوَّةُ لِما بِهِ تُدْفَعُ العادِيَةُ وتَسْتَقِيمُ الحالَةُ؛ فَهي مَجْمُوعُ صِفاتٍ يَكُونُ بِها بَقاءُ الشَّيْءِ عَلى أكْمَلِ أحْوالِهِ كَما في قَوْلِهِ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ [النمل: ٣٣] . فَقُوَّةُ الأُمَّةِ مَجْمُوعُ ما بِهِ تَدْفَعُ العَوادِيَ عَنْ كِيانِها وتَسْتَبْقِي صَلاحَ أحْوالِها مِن عُدَدٍ حَرْبِيَّةٍ وأمْوالٍ وأبْناءٍ وأزْواجٍ. وحالَةُ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ لا تُدانِي أحْوالَ تِلْكَ الأُمَمِ في القُوَّةِ، وناهِيكَ بِعادٍ فَقَدْ كانُوا مَضْرِبَ الأمْثالِ في القُوَّةِ في سائِرِ أُمُورِهِمْ، والعَرَبُ تَصِفُ الشَّيْءَ العَظِيمَ في جِنْسِهِ بِأنَّهُ عادِيٌّ نِسْبَةً إلى عادٍ.
وعَطْفُ أثارُوا عَلى كانُوا فَهو فِعْلٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الإثارَةِ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي تَحْرِيكُ أجْزاءِ الشَّيْءِ، فالإثارَةُ: رَفْعُ الشَّيْءِ المُسْتَقِرِّ وقَلْبُهُ بَعْدَ اسْتِقْرارِهِ قالَ تَعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [الروم: ٤٨] أيْ تَسُوقُهُ وتَدْفَعُهُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ.
وأُطْلِقَتِ الإثارَةُ هُنا عَلى قَلْبِ تُرابِ الأرْضِ بِجَعْلِ ما كانَ باطِنًا ظاهِرًا وهو الحَرْثُ، قالَ تَعالى ﴿لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ﴾ [البقرة: ٧١] وقالَ النّابِغَةُ يَصِفُ بَقَرَ الوَحْشِ إذا حَفَرَتِ التُّرابَ:
يُثِرْنَ الحَصى حَتّى يُباشِرْنَ بَرْدَهُ إذا الشَّمْسُ مَجَّتْ رِيقَها بِالكَلاكِلِ
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أثارُوا هُنا تَمْثِيلًا لِحالِ شِدَّةِ تَصَرُّفِهِمْ في الأرْضِ وتَغَلُّبِهِمْ عَلى مَن سِواهم بِحالِ مَن يُثِيرُ ساكِنًا ويُهَيِّجُهُ، ومِنهُ أُطْلِقَتِ الثَّوْرَةُ عَلى الخُرُوجِ عَنِ الجَماعَةِ. وهَذا الِاحْتِمالُ أنْسَبُ بِالمَقْصُودِ الَّذِي هو وصْفُ الأُمَمِ بِالقُوَّةِ والمَقْدِرَةِ مِنِ احْتِمالِ أنْ تَكُونَ الإثارَةُ بِمَعْنى حَرْثِ الأرْضِ لِأنَّهُ يَدْخُلُ في العِمارَةِ. وضَمِيرُ أثارُوا عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ كانُوا أشَدَّ.
ومَعْنى عِمارَةِ الأرْضِ: جَعْلُها عامِرَةً غَيْرَ خَلاءٍ وذَلِكَ بِالبِناءِ والغَرْسِ والزَّرْعِ.
صفحة ٥٨
يُقالُ: ضَيْعَةٌ عامِرَةٌ، أيْ مَعْمُورَةٌ بِما تَعْمُرُ بِهِ الضِّياعُ، ويُقالُ في ضِدِّهِ: ضَيْعَةٌ غامِرَةٌ. ولِكَوْنِ قُرَيْشٍ لَمْ تَكُنْ لَهم إثارَةٌ في الأرْضِ بِكِلا المَعْنَيَيْنِ إذْ كانُوا بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ لَمْ يُقَلْ في هَذا الجانِبِ: أكْثَرَ مِمّا أثارُوها.
وضَمِيرا جَمْعِ المُذَكَّرِ في قَوْلِهِ ﴿وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ راجِعٌ أوَّلُهُما إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ أثارُوا وثانِيهِما إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ .
ويُعْرَفُ تَوْزِيعُ الضَّمِيرَيْنِ بِالقَرِينَةِ مِثْلُ تَوْزِيعِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] في سُورَةِ القَصَصِ كالضَّمِيرَيْنِ في قَوْلِ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ يَذْكُرُ قِتالَ هَوازِنَ يَوْمَ حُنَيْنٍ:
عُدْنا ولَوْلا نَحْنُ أحْدَقَ جَمْعُهم ∗∗∗ بِالمُسْلِمِينَ وأحْرَزُوا ما جَمَّعُوا
وتَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] في سُورَةِ يُونُسَ، أيْ عَمَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمُ الأرْضَ أكْثَرَ مِمّا عَمَرَها هَؤُلاءِ، فَإنَّ لِقُرَيْشٍ عِمارَةً في الأرْضِ مِن غَرْسٍ قَلِيلٍ وبِناءٍ وتَفْجِيرٍ ولَكِنَّهُ يَتَضاءَلُ أمامَ عِمارَةِ الأُمَمِ السّالِفَةِ مِن عادٍ وثَمُودَ.
وتَفْرِيعُ ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ عَلى قَوْلِهِ ﴿وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ إيجازُ حَذْفٍ بَدِيعٌ، لِأنَّ مَجِيءَ الرُّسُلِ بِالبَيِّناتِ يَقْتَضِي تَصْدِيقًا وتَكْذِيبًا فَلَمّا فَرَّعَ عَلَيْهِ أنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم عَلِمَ أنَّهم كَذَّبُوا الرُّسُلَ وأنَّ اللَّهَ جازاهم عَلى تَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُ بِأنْ عاقَبَهم عِقابًا لَوْ كانَ لِغَيْرِ جُرْمٍ لَشابَهَ الظُّلْمَ، فَجُعِلَ مِن مَجْمُوعِ نَفْيِ ظُلْمِ اللَّهِ إيّاهم، ومِن إثْباتِ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم مَعْرِفَةُ أنَّهم كَذَّبُوا الرُّسُلَ وعانَدُوهم وحَلَّ بِهِمْ ما هو مَعْلُومٌ مِن مُشاهَدَةِ دِيارِهِمْ وتَناقُلِ أخْبارِهِمْ.
والِاسْتِدْراكُ ناشِئٌ عَلى ما يَقْتَضِيهُ نَفْيُ ظُلْمِ اللَّهِ إيّاهم مِن أنَّهم عُومِلُوا مُعامَلَةً سَيِّئَةً لَوْ لَمْ يَسْتَحِقُّوها لَكانَتْ مُعامَلَةَ ظُلْمٍ.
وعُبِّرَ عَنْ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ ظُلْمِهِمْ وتَكَرُّرِهِ وأنَّ اللَّهَ أمْهَلَهم فَلَمْ يُقْلِعُوا حَتّى أخَذَهم بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ تِلْكَ العاقِبَةُ، والقَرِينَةُ قَوْلُهُ (كانُوا) .
صفحة ٥٩
وتَقْدِيمُ (أنْفُسَهم) وهو مَفْعُولُ (يَظْلِمُونَ) عَلى فِعْلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِأنْفُسِهِمْ في تَسْلِيطِ ظُلْمِهِمْ عَلَيْها لِأنَّهُ ظُلْمٌ يُتَعَجَّبُ مِنهُ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ. ولَيْسَ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ هُنا لِلْحَصْرِ لِأنَّ الحَصْرَ حاصِلٌ مِن جُمْلَتَيِ النَّفْيِ والإثْباتِ.
30:10Page 405
ثُمَّ كَانَ عَٰقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ ٱلسُّوٓأَىٰٓ أَن كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسۡتَهۡزِءُونَ ١٠
Then the end of those who did evil was the worst [consequence] because they denied the signs of Allāh and used to ridicule them.
﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ أساءُوا السُّوءى أنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وكانُوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (١٠)
ثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لِأنَّ هَذِهِ العاقِبَةَ أعْظَمُ رُتْبَةً في السُّوءِ مِن عَذابِ الدُّنْيا، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ تَذْيِيلًا لِحِكايَةِ ما حَلَّ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الروم: ٩] .
والمَعْنى: ثُمَّ عاقِبَةُ كُلِّ مَن أساءُوا السُّوءى مِثْلُهم، فَيَكُونُ تَعْرِيضًا بِالتَّهْدِيدِ لِمُشْرِكِي العَرَبِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ [محمد: ١٠] فالمُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ أساءُوا﴾ كُلُّ مُسِيءٍ مَن جِنْسِ تِلْكَ الإساءَةِ وهي الشِّرْكُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنْذارًا لِمُشْرِكِي العَرَبِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم مِن قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٦] فَيَكُونُوا المُرادَ بِـ ﴿الَّذِينَ أساءُوا﴾ ويَكُونُ إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِقَصْدِ الإيماءِ بِالصِّلَةِ، أيْ أنَّ سَبَبَ عاقِبَتِهِمُ السُّوءى هو إساءَتُهم. وأصْلُ الكَلامِ: ثُمَّ كانَ عاقِبَتَهُمُ السُّوءى.
وهَذا إنْذارٌ بَعْدَ المَوْعِظَةِ ونَصٌّ بَعْدَ القِياسِ، فَإنَّ اللَّهَ وعَظَ المُكَذِّبِينَ لِلرَّسُولِ ﷺ بِعَواقِبِ الأُمَمِ الَّتِي كَذَّبَتْ رُسُلَها لِيَكُونُوا عَلى حَذَرٍ مِن مِثْلِ تِلْكَ العاقِبَةِ بِحُكْمِ قِياسِ التَّمْثِيلِ، ثُمَّ أعْقَبَ تِلْكَ المَوْعِظَةَ بِالنِّذارَةِ بِأنَّهم سَتَكُونُ لَهم مِثْلُ تِلْكَ العاقِبَةِ، وأوْقَعَ فِعْلَ كانَ الماضِي في مَوْقِعِ المُضارِعِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ مِثْلَ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] إتْمامًا لِلنِّذارَةِ.
والعاقِبَةُ: الحالَةُ الأخِيرَةُ الَّتِي تَعْقُبُ حالَةً قَبْلَها، وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام: ١١] في سُورَةِ الأنْعامِ وقَوْلِهِ ﴿والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ [طه: ١٣٢] ) في طه.
صفحة ٦٠
و﴿الَّذِينَ أساءُوا﴾ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ. والمُرادُ ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾: القُرْآنُ ومُعْجِزاتُ الرَّسُولِ ﷺ .
والسُّوءى: تَأْنِيثُ الأسْوَأِ أيِ الحالَةُ الزّائِدَةُ في الِاتِّصافِ بِالسُّوءِ وهو أشَدُّ الشَّرِّ، كَما أنَّ الحُسْنى مُؤَنَّثُ الأحْسَنِ في قَوْلِهِ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى﴾ [يونس: ٢٦] .
وتَعْرِيفُ السُّوءى تَعْرِيفُ الجِنْسِ إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ عاقِبَةٍ مَعْهُودَةٍ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ ﴿الَّذِينَ أساءُوا﴾ الأُمَمُ الَّذِينَ أثارُوا الأرْضَ وعَمَرُوها فَتَكُونُ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَوَسُّلًا إلى الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أساءُوا واسْتَحَقُّوا السُّوءَ وهي جَهَنَّمُ.
وفِعْلُ (كانَ) عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ (عاقِبَةُ) بِالرَّفْعِ عَلى أصْلِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ اسْمِ (كانَ) وخَبَرِها. وقَرَأهُ البَقِيَّةُ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ (كانَ) مُقَدَّمٌ عَلى اسْمِها وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ.
والفَصْلُ بَيْنَ (كانَ) ومَرْفُوعِها بِالخَبَرِ سَوَّغَ حَذْفَ تاءِ التَّأْنِيثِ مِن فِعْلِ (كانَ) .
و﴿أنْ كَذَّبُوا﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِ عاقِبَتِهِمُ السُّوءى بِحَذْفِ اللّامِ مَعَ (أنْ) . وآياتُ اللَّهِ: القُرْآنُ والمُعْجِزاتُ.
والباءُ في ﴿بِها يَسْتَهْزِئُونَ﴾ لِلتَّعْدِيَةِ، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِ الآياتِ، ولِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.
30:11Page 405
ٱللَّهُ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ١١
Allāh begins creation; then He will repeat it; then to Him you will be returned.
﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، وهو شُرُوعٌ فِيما أُقِيمَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُّورَةُ مِن بَسْطِ دَلائِلِ انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالتَّصَرُّفِ في النّاسِ بِإيجادِهِمْ وإعْدامِهِمْ وبِإمْدادِهِمْ وأطْوارِ حَياتِهِمْ، لِإبْطالِ أنْ يَكُونَ لِشُرَكائِهِمْ شَيْءٌ مِنَ التَّصَرُّفِ في ذَلِكَ. فَهي دَلائِلُ ساطِعَةٌ عَلى ثُبُوتِ الوَحْدانِيَّةِ الَّتِي عَمُوا عَنْها.
صفحة ٦١
وإذْ كانَ نُزُولُ أوَّلِ السُّورَةِ عَلى سَبَبِ ابْتِهاجِ المُشْرِكِينَ لِتَغَلُّبِ الفُرْسِ عَلى الرُّومِ فَقَطَعَ اللَّهُ تَطاوُلَهم عَلى المُسْلِمِينَ بِأنْ أخْبَرَ أنَّ عاقِبَةَ النَّصْرِ لِلرُّومِ عَلى الفُرْسِ نَصْرًا باقِيًا، وكانَ مَثارُ التَّنازُعِ بَيْنَ المُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ مَيْلَ كُلِّ فَرِيقٍ إلى مُقارِبِهِ في الدِّينِ جُعِلَ ذَلِكَ الحَدَثُ مُناسَبَةً لِإفاضَةِ الِاسْتِدْلالِ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى إبْطالِ دِينِ الشِّرْكِ.
وقَدْ فُصِّلَتْ هَذِهِ الدَّلائِلُ عَلى أرْبَعَةِ اسْتِئْنافاتٍ مُتَماثِلَةِ الأُسْلُوبِ، ابْتُدِئَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم بِاسْمِ الجَلالَةِ مُجْرًى عَلَيْهِ أخْبارٌ عَنْ حَقائِقَ لا قِبَلَ لَهم بِدَحْضِها لِأنَّهم لا يَسَعُهم إلّا الإقْرارُ بِبَعْضِها أوِ العَجْزُ عَنْ نَقْضِ دَلِيلِها. فالِاسْتِئْنافُ الأوَّلُ المَبْدُوءُ بِقَوْلِهِ ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، والثّانِي المَبْدُوءُ بِقَوْلِهِ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ [الروم: ٤٠] والثّالِثُ: المَبْدُوءُ بِقَوْلِهِ ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ [الروم: ٤٨] والرّابِعُ المَبْدُوءُ بِقَوْلِهِ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ [الروم: ٥٤] .
فَأمّا قَوْلُهُ ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ فاسْتِدْلالٌ بِما لا يَسَعُهم إلّا الِاعْتِرافُ بِهِ وهو بَدْءُ الخَلْقِ إذْ لا يُنازِعُونَ في أنَّ اللَّهَ وحْدَهُ هو خالِقُ الخَلْقِ ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ [الرعد: ١٦] الآيَةَ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ فَهو إدْماجٌ لِأنَّهُ إذا سُلِّمَ لَهُ بَدْءُ الخَلْقِ كانَ تَسْلِيمُ إعادَتِهِ أوْلى وأجْدَرَ. وحَسَّنَ مَوْقِعَ الِاسْتِئْنافِ وُرُودُهُ بَعْدَ ذِكْرِ أُمَمٍ غابِرَةٍ وأُمَمٍ حاضِرَةٍ خَلَفَ بَعْضُها بَعْضًا، وإذْ كانَ ذَلِكَ مِثالًا لِإعادَةِ الأشْخاصِ بَعْدَ فَنائِها وذِكْرِ عاقِبَةِ مَصِيرِ المُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ في العاجِلَةِ، ناسَبَ في مَقامِ الِاعْتِبارِ أنْ يُقامَ لَهُمُ الِاسْتِدْلالُ عَلى إمْكانِ البَعْثِ لِيَقَعَ ذِكْرُ ما يَعْقُبُهُ مِنَ الجَزاءِ مَوْقِعَ الإقْناعِ لَهم.
وتَقْدِيمُ اسْمِ الجَلالَةِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ لِمُجَرَّدِ التَّقَوِّي، وثُمَّ هُنا لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ كَما هو شَأْنُها في عَطْفِ الجُمَلِ، وذَلِكَ أنَّ شَأْنَ الإرْجاعِ إلى اللَّهِ أعْظَمُ مِن إعادَةِ الخَلْقِ إذْ هو المَقْصِدُ مِنَ الإعادَةِ ومِن بَدْءِ الخَلْقِ.
فالخِطابُ في (تُرْجَعُونَ) لِلْمُشْرِكِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ.
صفحة ٦٢
وقَرَأ الجُمْهُورُ (تُرْجَعُونَ) بِتاءِ الخِطابِ، وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى طَرِيقَةِ ما قَبْلَهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences