Ibn 'AshurLuqman · 31:14–17

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Luqman 31:14–17

31:14–15Page 412

وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنٖ وَفِصَٰلُهُۥ فِي عَامَيۡنِ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ إِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ ١٤

And We have enjoined upon man [care] for his parents. His mother carried him, [increasing her] in weakness upon weakness, and his weaning is in two years. Be grateful to Me and to your parents; to Me is the [final] destination.

وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗاۖ وَٱتَّبِعۡ سَبِيلَ مَنۡ أَنَابَ إِلَيَّۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٥

But if they endeavor to make you associate with Me that of which you have no knowledge,1 do not obey them but accompany them in [this] world with appropriate kindness and follow the way of those who turn back to Me [in repentance]. Then to Me will be your return, and I will inform you about what you used to do.

﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ وفِصالُهُ في عامَيْنِ أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ إلَيَّ المَصِيرُ﴾ ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ إلَيَّ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

إذا دَرَجْنا عَلى أنَّ لُقْمانَ لَمْ يَكُنْ نَبِيئًا مُبَلِّغًا عَنِ اللَّهِ وإنَّما كانَ حَكِيمًا مُرْشِدًا كانَ هَذا الكَلامُ اعْتِراضًا بَيْنَ كَلامَيْ لُقْمانَ لِأنَّ صِيغَةَ هَذا الكَلامِ مَصُوغَةٌ عَلى أُسْلُوبِ الإبْلاغِ والحِكايَةِ لِقَوْلٍ مِن أقْوالِ اللَّهِ. والضَّمائِرُ ضَمائِرُ العَظَمَةِ جَرَّتْهُ مُناسِبَةُ حِكايَةِ نَهْيِ لُقْمانَ لِابْنِهِ عَنِ الإشْراكِ وتَفْظِيعِهِ بِأنَّهُ عَظِيمٌ. فَذَكَرَ اللَّهُ هَذا لِتَأْكِيدِ ما في وصِيَّةِ لُقْمانَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ بِتَعْمِيمِ النَّهْيِ في الأشْخاصِ والأحْوالِ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ النَّهْيَ خاصٌّ بِابْنِ لُقْمانَ أوْ بِبَعْضِ الأحْوالِ فَحَكى اللَّهُ أنَّ اللَّهَ أوْصى بِذَلِكَ كُلَّ إنْسانٍ وأنْ لا هَوادَةَ فِيهِ ولَوْ في أحْرَجِ الأحْوالِ وهي حالُ مُجاهَدَةِ الوالِدَيْنِ أوْلادَهم عَلى الإشْراكِ. وأحْسَنُ مِن هَذِهِ المُناسَبَةِ أنْ تَجْعَلَ مُناسَبَةَ هَذا الكَلامِ أنَّهُ لَمّا حَكى وِصايَةَ لُقْمانَ لِابْنِهِ بِما هو شُكْرُ اللَّهِ بِتَنْزِيهِهِ عَنِ الشِّرْكِ في الإلَهِيَّةِ بَيَّنَ اللَّهُ أنَّهُ تَعالى أسْبَقُ مِنَّةً عَلى عِبادِهِ إذْ أوْصى الأبْناءَ بِبَرِّ الآباءِ فَدَخَلَ في العُمُومِ المِنَّةُ عَلى لُقْمانَ جَزاءً عَلى رَعْيِهِ لِحَقِّ اللَّهِ في ابْتِداءِ مَوْعِظَةِ ابْنِهِ فاللَّهُ أسْبَقُ بِالإحْسانِ إلى الَّذِينَ أحْسَنُوا بِرَعْيِ حَقِّهِ، ويُقَوِّي هَذا التَّفْسِيرَ اقْتِرانُ شُكْرِ اللَّهِ وشُكْرِ الوالِدَيْنِ في الأمْرِ.

وإذا دَرَجْنا عَلى أنَّ لُقْمانَ كانَ نَبِيئًا فَهَذا الكَلامُ مِمّا أبْلَغَهُ لُقْمانُ لِابْنِهِ وهو مِمّا أُوتِيَهُ مِنَ الوَحْيِ ويَكُونَ قَدْ حُكِيَ بِالأُسْلُوبِ الَّذِي أُوحِيَ بِهِ إلَيْهِ عَلى نَحْوِ أُسْلُوبِ قَوْلِهِ ﴿أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ [لقمان: ١٢] . وهَذا الِاحْتِمالُ أنْسَبُ بِسِياقِ الكَلامِ، ويُرَجِّحُهُ اخْتِلافُ

صفحة ١٥٧

الأُسْلُوبِ بَيْنَها وبَيْنَ آيَتَيْ سُورَةِ العَنْكَبُوتِ وسُورَةِ الأحْقافِ لِأنَّ ما هُنا حِكايَةُ ما سَبَقَ في أُمَّةٍ أُخْرى والأُخْرَيَيْنِ خِطابٌ أنِفَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ لُقْمانَ لَمّا أبْلَغَ ابْنَهَ هَذا قالَ لَهُ: إنِ اللَّهَ رَضِيَنِي لَكَ فَلَمْ يُوصِنِي بِكَ ولَمْ يَرْضَكَ لِي فَأوْصاكَ بِي.

والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ هو قَوْلُهُ ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي﴾ إلى آخِرِهِ وما قَبْلَهُ تَمْهِيدٌ لَهُ وتَقْرِيرٌ لِواجِبِ بِرِّ الوالِدَيْنِ لِيَكُونَ النَّهْيُ عَنْ طاعَتِهِما إذًا أمَرًا بِالإشْراكِ بِاللَّهِ نَهْيًا عَنْهُ في أوْلى الحالاتِ بِالطّاعَةِ حَتّى يَكُونَ النَّهْيُ عَنِ الشِّرْكِ فِيما دُونَ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ مَفْهُومًا بِفَحْوى الخِطابِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن حُسْنِ الإدْماجِ المُناسِبِ لِحِكْمَةِ لُقْمانَ سَواءٌ كانَ هَذا مِن كَلامِ لُقْمانَ أوْ كانَ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى.

وعَلى كِلا الِاعْتِبارَيْنِ لا يَحْسُنُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَضِيَّةِ إسْلامِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ وامْتِعاضِ أُمِّهِ، لِعَدَمِ مُناسَبَتِهِ السِّياقَ، ولِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ نَظِيرَ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ نَزَلَ في ذَلِكَ، وأنَّها المُناسِبَةُ لِسَبَبِ النُّزُولِ فَإنَّها أُخْلِيَتْ عَنِ الأوْصافِ الَّتِي فِيها تَرْقِيقٌ عَلى الأُمِّ بِخِلافِ هَذِهِ، ولا وجْهَ لِنُزُولِ آيَتَيْنِ في غَرَضٍ واحِدٍ ووَقْتٍ مُخْتَلِفٍ وسَيَجِيءُ بَيانُ المُوصى بِهِ.

والوَهْنُ - بِسُكُونِ الهاءِ - مَصْدَرُ وهَنَ يَهِنُ مِن بابِ ضَرَبَ. ويُقالُ: وهَنٌ، بِفَتْحِ الهاءِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ وهَنَ يُوهِنُ كَوَجِلَ يَوْجَلُ. وهو الضَّعْفُ وقِلَّةُ الطّاقَةِ عَلى تَحَمُّلِ شَيْءٍ.

وانْتَصَبَ (وهْنًا) عَلى الحالِ مِن (أُمُّهُ) مُبالَغَةً في ضَعْفِها حَتّى كَأنَّها نَفْسُ الوَهْنِ، أيْ واهِنَةً في حَمْلِهِ، و﴿عَلى وهْنٍ﴾ صِفَةٌ لِ (وهْنًا) أيْ وهْنًا واقِعًا عَلى وهْنٍ، كَما يُقالُ: رَجَعَ عَوْدًا عَلى بَدْءٍ، إذا اسْتَأْنَفَ عَمَلًا فَرَغَ مِنهُ فَرَجَعَ إلَيْهِ، أيْ بَعْدَ بَدْءٍ، أوْ (عَلى) بِمَعْنى مَعَ كَما في قَوْلِ الأحْوَصِ:

إنِّي عَلى ما قَدْ عَلِمْتَ مُحَسَّدٌ أنْمِي عَلى البَغْضاءِ والشَّنَآنِ

فَإنَّ حَمْلَ المَرْأةِ يُقارِنُهُ التَّعَبُ مَن ثِقَلِ الجَنِينِ في البَطْنِ، والضُّعْفُ مِنِ انْعِكاسِ

صفحة ١٥٨

دَمِّها إلى تَغْذِيَةِ الجَنِينِ، ولا يَزالُ ذَلِكَ الضَّعْفُ يَتَزايَدُ بِامْتِدادِ زَمَنِ الحَمْلِ فَلا جَرَمَ أنَّهُ وهْنٌ عَلى وهْنٍ.

وجُمْلَةُ ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ﴾ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْوِصايَةِ بِالوالِدَيْنِ قَصْدًا لِتَأْكِيدِ تِلْكَ الوِصايَةِ لِأنَّ تَعْلِيلَ الحُكْمِ يُفِيدُهُ تَأْكِيدًا، ولِأنَّ في مَضْمُونِ هَذِهِ الجُمْلَةِ ما يُثِيرُ الباعِثَ في نَفْسِ الوَلَدِ عَلى أنْ يَبَرَّ بِأُمِّهِ ويَسْتَتْبِعَ البِرَّ بِأبِيهِ.

وإنَّما وقَعَ تَعْلِيلُ الوِصايَةِ بِالوالِدَيْنِ بِذِكْرِ أحْوالٍ خاصَّةٍ بِأحَدِهِما وهي الأُمُّ اكْتِفاءً بِأنَّ تِلْكَ الحالَةَ تَقْتَضِي الوِصايَةَ بِالأبِ أيْضًا لِلْقِياسِ فَإنَّ الأبَ يُلاقِي مَشاقَّ وتَعَبًا في القِيامِ عَلى الأُمِّ لِتَتَمَكَّنَ مِنَ الشُّغْلِ بِالطِّفْلِ في مُدَّةِ حَضانَتِهِ ثُمَّ هو يَتَوَلّى تَرْبِيَتَهُ والذَّبَّ عَنْهُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ ويَسْتَغْنِيَ عَنِ الإسْعافِ كَما قالَ تَعالى ﴿وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤]، فَجَمَعَهُما في التَّرْبِيَةِ في حالِ الصِّغَرِ مِمّا يَرْجِعُ إلى حِفْظِهِ وإكْمالِ نَشْأتِهِ. فَلَمّا ذُكِرَتْ هُنا الحالَةُ الَّتِي تَقْتَضِي البِرَّ بِالأُمِّ مِنَ الحَمْلِ والإرْضاعِ كانَتْ مُنَبِّهَةً إلى ما لِلْأبِ مِن حالَةٍ تَقْتَضِي البِرَّ بِهِ عَلى حِسابِ ما تَقْتَضِيهِ تِلْكَ العِلَّةُ في كِلَيْهِما قُوَّةً وضَعْفًا. ولا يَقْدَحُ في القِياسِ التَّفاوُتُ بَيْنَ المَقِيسِ والمَقِيسِ عَلَيْهِ في قُوَّةِ الوَصْفِ المُوجِبِ لِلْإلْحاقِ. وقَدْ نَبَّهَ عَلى هَذا القِياسِ تَشْرِيكُهُما في التَّحَكُّمِ عَقِبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ وقَوْلِهِ ﴿وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ .

وحَصَلَ مِن هَذا النَّظْمِ البَدِيعِ قَضاءُ حَقِّ الإيجازِ.

وأمّا رُجْحانُ الأُمِّ في هَذا البابِ عِنْدَ التَّعارُضِ في مُقْتَضَياتِ البُرُورِ تَعارُضًا لا يُمْكِنُ مَعَهُ الجَمْعُ فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في تَفْسِيرِهِ: (شَرَكَ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ الأُمَّ والأبَ في رُتْبَةِ الوَصِيَّةِ بِهِما ثُمَّ خَصَّصَ الأُمَّ بِذِكْرِ دَرَجَةِ الحَمْلِ ودَرَجَةِ الرَّضاعِ فَتَحْصُلُ لِلْأُمِّ ثَلاثُ مَراتِبَ ولِلْأبِ واحِدَةٌ، وأشْبَهَ ذَلِكَ «قَوْلَ الرَّسُولِ ﷺ حِينَ قالَ لَهُ رَجُلٌ: مَن أبَرُّ ؟ قالَ: أُمَّكَ. قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أُمَّكَ. قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أُمَّكَ. قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أباكَ» . فَجُعِلَ لَهُ الرُّبْعُ مِنَ المَبَرَّةِ. وهَذا كَلامٌ مَنسُوبٌ مِثْلُهُ لِابْنِ بَطّالٍ في شَرْحِ صَحِيحِ البُخارِيِّ. ولا يَخْفى أنَّ مَساقَ الحَدِيثِ لِتَأْكِيدِ البِرِّ بِالأُمِّ إذْ قَدْ يَقَعُ التَّفْرِيطُ في الوَفاءِ بِالواجِبِ لِلْأُمِّ مِنَ الِابْنِ اعْتِمادًا عَلى ما يُلاقِيهِ مِنَ اللِّينِ مِنها بِخِلافِ جانِبِ الأبِ فَإنَّهُ قَوِيٌّ ولِأبْنائِهِ تَوَقٍّ مِن شِدَّتِهِ عَلَيْهِمْ، فَهَذا

صفحة ١٥٩

هُوَ مَساقُ الحَدِيثِ. ولا مَعْنى لِأخْذِهِ عَلى ظاهِرِهِ حَتّى نَذْهَبَ إلى تَجْزِئَةِ البِرِّ بَيْنَ الأُمِّ والأبِ أثْلاثًا أوْ أرْباعًا. وهو ما اسْتَشْكَلَهُ القَرافِيُّ في فائِدَةٍ مِنَ الفَرْقِ الثّالِثِ والعِشْرِينَ، وحَسْبُنا نَظْمُ هَذِهِ الآيَةِ البَدِيعِ في هَذا الشَّأْنِ. وأمّا لَفْظُ الحَدِيثِ فَهو مَسُوقٌ لِتَأْكِيدِ البِرِّ بِالأُمِّ خَشْيَةَ التَّفْرِيطِ فِيهِ، ولَيْسَ مَعْنى ( ثُمَّ) فِيهِ إلّا مُحاكاةَ قَوْلِ السّائِلِ (ثُمَّ مَن) بِقَرِينَةِ أنَّهُ عَطَفَ بِها لَفْظَ الأُمِّ في المَرَّتَيْنِ ولا مَعْنى لِتَفْضِيلِ الأُمِّ عَلى نَفْسِها في البِرِّ. وإذْ كانَ السِّياقُ مَسُوقًا لِلِاهْتِمامِ تَعَيَّنَ أنَّ عَطْفَ الأبِ عَلى الأُمِّ في المَرَّةِ الثّالِثَةِ عَطْفٌ في الِاهْتِمامِ فَلا يُنْتَزَعُ مِنهُ تَرْجِيحٌ عِنْدَ التَّعارُضِ. ولَعَلَّ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلِمَ مِنَ السّائِلِ إرادَةَ التَّرْخِيصِ لَهُ في عَدَمِ البِرِّ. وقَدْ قالَ مالِكٌ لِرَجُلٍ سَألَهُ: أنَّ أباهُ في بَلَدِ السُّودانِ كَتَبَ إلَيْهِ أنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ وأنَّ أُمَّهُ مَنَعَتْهُ فَقالَ لَهُ مالِكٌ: أطِعْ أباكَ ولا تَعْصِ أُمَّكَ. وهَذا يَقْتَضِي إعْراضَهُ عَنْ تَرْجِيحِ جانِبِ أحَدِ الأبَوَيْنِ وأنَّهُ مُتَوَقِّفٌ في هَذا التَّعارُضِ لِيَحْمِلَ الِابْنَ عَلى تَرْضِيَةِ كِلَيْهِما. وقالَ اللَّيْثُ: يُرَجَّحُ جانِبُ الأُمِّ. وقالَ الشّافِعِيُّ

يُرَجَّحُ جانِبُ الأبِ.

وجُمْلَةُ ﴿وفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾ إلَخْ، فَهي في مَوْقِعِ الحالِ أيْضًا. وفي الجُمْلَةِ تَقْدِيرُ ضَمِيرٍ رابِطٍ إيّاها بِصاحِبِها، إذِ التَّقْدِيرُ: وفِصالُها إيّاهُ، فَلَمّا أُضِيفَ الفِصالُ إلى مَفْعُولِهِ عُلِمَ أنَّ فاعِلَهُ هو الأُمُّ.

والفِصالُ: اسْمٌ لِلْفِطامِ، فَهو فَصْلٌ عَنِ الرَّضاعَةِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فَإنْ أرادا فِصالًا﴾ [البقرة: ٢٣٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وذُكِرَ الفِصالُ في مَعْرِضِ تَعْلِيلِ أحَقِّيَّةِ الأُمِّ بِالبَرِّ، لِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الإرْضاعَ مِن قَبْلِ الفِصالِ، ولِلْإشارَةِ إلى ما تَتَحَمَّلُهُ الأُمُّ مِن كَدَرِ الشَّفَقَةِ عَلى الرَّضِيعِ حِينَ فِصالِهِ، وما تُشاهِدُهُ مِن حُزْنِهِ وألَمِهِ في مَبْدَأِ فِطامِهِ.

وذُكِرَ لِمُدَّةِ فِطامِهِ أقْصاها وهو عامانِ لِأنَّ ذَلِكَ أنْسَبُ بِالتَّرْقِيقِ عَلى الأُمِّ، وأُشِيرَ إلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ الفِطامُ قَبْلَ العامَيْنِ بِحَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ لِأنَّ الظَّرْفِيَّةَ تَصْدُقُ مَعَ اسْتِيعابِ المَظْرُوفِ جَمِيعَ الظَّرْفِ، ولِذَلِكَ فَمُوقِعُ (في) أبْلَغُ مِن مَوْقِعِ (مِن) التَّبْعِيضِيَّةِ في قَوْلِ سَبْرَةَ بْنِ عَمْرٍو الفَقْعَسِيِّ:

صفحة ١٦٠

ونَشْرَبُ في أثْمانِها ونُقامِرُ

لِأنَّهُ يَصْدُقُ بِأنْ يَسْتَغْرِقَ الشَّرابُ والمُقامَرَةُ كامِلَ أثْمانِ إبِلِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥] في سُورَةِ النِّساءِ، وقَدْ حَمَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، أوِ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى هَذا المَعْنى فَأُخِذَ مِنهُ أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ جَمْعًا بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ، وآيَةِ سُورَةِ الأحْقافِ كَما سَيَأْتِي هُنالِكَ.

وجُمْلَةُ ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ تَفْسِيرٌ لِفِعْلِ وصَّيْنا. و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ، وإنَّما فُسِّرَتِ الوَصِيَّةُ بِالوالِدَيْنِ بِما فِيهِ الأمْرُ بِشُكْرِ اللَّهِ مَعَ شُكْرِهِما عَلى وجْهِ الإدْماجِ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي﴾ إلَخْ.

وجُمْلَةُ ﴿إلَيَّ المَصِيرُ﴾ اسْتِئْنافٌ لِلْوَعْظِ والتَّحْذِيرِ مِن مُخالَفَةِ ما أوْصى اللَّهُ بِهِ مِنَ الشُّكْرِ لَهُ. وتَعْرِيفُ المَصِيرِ تَعْرِيفَ الجِنْسِ، أيْ مَصِيرُ النّاسِ كُلُّهم. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ (ألْ) عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلْحَصْرِ، أيْ لَيْسَ لِلْأصْنامِ مَصِيرٌ في شَفاعَةٍ ولا غَيْرِها.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ ﴿وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي﴾ [العنكبوت: ٨] إلى ﴿فَلا تُطِعْهُما﴾ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ؛ سِوى أنَّهُ قالَ هُنا ﴿عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي﴾ وقالَ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ ﴿لِتُشْرِكَ بِي﴾ [العنكبوت: ٨] فَأمّا حَرْفُ (عَلى) فَهو أدَلُّ عَلى تَمَكُّنِ المُجاهَدَةِ، أيْ مُجاهَدَةٌ قَوِيَّةٌ لِلْإشْراكِ، والمُجاهَدَةُ: شِدَّةُ السَّعْيِ والإلْحاحِ. والمَعْنى: إنْ ألَحّا وبالَغا في دَعْوَتِكَ إلى الإشْراكِ بِي فَلا تُطِعْهُما. وهَذا تَأْكِيدٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الإصْغاءِ إلَيْهِما إذا دَعَوْا إلى الإشْراكِ.

وأمّا آيَةُ العَنْكَبُوتِ فَجِيءَ فِيها بِلامِ العِلَّةِ لِظُهُورِ أنَّ سَعْدًا كانَ غَنِيًّا عَنْ تَأْكِيدِ النَّهْيِ عَنْ طاعَةِ أُمِّهِ لِقُوَّةِ إيمانِهِ.

وقالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّ امْرَأةَ لُقْمانَ وابْنَهَ كانا مُشْرِكَيْنِ فَلَمْ يَزَلْ لُقْمانُ يَعِظُهُما حَتّى آمَنا، وبِهِ يَزِيدُ ذِكْرُ مُجاهَدَةِ الوالِدَيْنِ عَلى الشِّرْكِ اتِّضاحًا.

والمُصاحَبَةُ: المُعاشَرَةُ. ومِنهُ «حَدِيثُ مُعاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ ( أنَّهُ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مَن أحَقُّ النّاسِ بِحُسْنِ صَحابَتِي ؟ قالَ: أمُّكَ» إلَخْ.

صفحة ١٦١

والمَعْرُوفُ: الشَّيْءُ المُتَعارَفُ المَأْلُوفُ الَّذِي لا يُنْكَرُ فَهو الشَّيْءُ الحَسَنُ، أيْ صاحِبْ والِدَيْكَ صُحْبَةً حَسَنَةً. وانْتَصَبَ مَعْرُوفًا عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ مَفْعُولٍ مُطْلَقٍ لِ (صاحِبْهُما)، أيْ صِحابًا مَعْرُوفًا لِأمْثالِهِما. وفُهِمَ مِنهُ اجْتِنابُ ما يُنْكَرُ في مُصاحَبَتِهِما، فَشَمَلَ ذَلِكَ مُعامَلَةَ الِابْنِ أبَوَيْهِ بِالمُنْكَرِ، وشَمَلَ ذَلِكَ أنْ يَدْعُوَ الوالِدُ إلى ما يُنْكِرُهُ اللَّهُ ولا يَرْضى بِهِ ولِذَلِكَ لا يُطاعانِ إذا أمَرا بِمَعْصِيَةٍ. وفُهِمَ مِن ذِكْرِ ﴿وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ أثَرَ قَوْلِهِ ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي﴾ إلَخْ، أنَّ الأمْرَ بِمُعاشَرَتِهِما بِالمَعْرُوفِ شامِلٌ لِحالَةِ كَوْنِ الأبَوَيْنِ مُشْرِكَيْنِ فَإنَّ عَلى الِابْنِ مُعاشَرَتَهُما بِالمَعْرُوفِ كالإحْسانِ إلَيْهِما وصِلَتِهِما. وفي الحَدِيثِ: «أنَّ أسْماءَ بِنْتَ أبِي بَكْرٍ قالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّ أُمِّي جاءَتْ راغِبَةً أفَأصِلُها ؟ فَقالَ: نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ» وكانَتْ مُشْرِكَةً وهي قُتَيْلَةُ بِنْتُ عَبْدِ العُزّى. وشَمَلَ المَعْرُوفُ ما هو مَعْرُوفٌ لَهُما أنْ يَفْعَلاهُ في أنْفُسِهِما، وإنْ كانَ مُنْكَرًا لِلْمُسْلِمِ فَلِذَلِكَ قالَ فُقَهاؤُنا: إذا أنْفَقَ الوَلَدُ عَلى أبَوَيْهِ الكافِرَيْنِ الفَقِيرَيْنِ وكانَ عادَتُهُما شُرْبَ الخَمْرِ اشْتَرى لَهُما الخَمْرَ لِأنَّ شُرْبَ الخَمْرِ لَيْسَ بِمُنْكَرٍ لِلْكافِرِ، فَإنْ كانَ الفِعْلُ مُنْكَرًا في الدِّينَيْنِ فَلا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ أنْ يُشايِعَ أحَدَ أبَوَيْهِ عَلَيْهِ.

واتِّباعُ سَبِيلِ مَن أنابَ هو الِاقْتِداءُ بِسِيرَةِ المُنِيبِينَ لِلَّهِ، أيِ الرّاجِعِينَ إلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الإنابَةِ في سُورَةِ الرُّومِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ [الروم: ٣١] وفي سُورَةِ هُودٍ. فالمُرادُ بِمَن أنابَ: المُقْلِعُونَ عَنِ الشِّرْكِ وعَنِ المَنهِيّاتِ الَّتِي مِنها عُقُوقُ الوالِدَيْنِ وهُمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ إلى التَّوْحِيدِ ومَنِ اتَّبَعُوهم في ذَلِكَ.

وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ السّابِقَةِ وثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ المُفِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِما بَعْدَها، أيْ وعِلاوَةً عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنْبِئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْإنْسانِ والوالِدَيْنِ، أيْ مَرْجِعُ الجَمِيعِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الرُّجُوعِ أوْ هو لِلتَّخْصِيصِ، أيْ لا يَنْفَعُكم شَيْءٌ مِمّا تَأْمَلُونَهُ مِنَ الأصْنامِ. وفَرَّعَ عَلى هَذا (فَأُنْبِئُكم) إلَخْ. والإنْباءُ كِنايَةٌ عَنْ إظْهارِ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ لِأنَّ المُلازَمَةَ بَيْنَ إظْهارِ الشَّيْءِ وبَيْنَ العِلْمِ بِهِ ظاهِرَةٌ.

صفحة ١٦٢

وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ.

وفِي هَذِهِ الضَّمائِرِ تَغْلِيبُ الخِطابِ عَلى الغَيْبَةِ لِأنَّ الخِطابَ أهَمُّ لِأنَّهُ أعْرَفُ.

31:16Page 412

يَٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٖ فَتَكُن فِي صَخۡرَةٍ أَوۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَأۡتِ بِهَا ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٞ ١٦

[And Luqmān said], "O my son, indeed if it [i.e., a wrong] should be the weight of a mustard seed and should be within a rock or [anywhere] in the heavens or in the earth, Allāh will bring it forth. Indeed, Allāh is Subtle1 and Aware.

﴿يا بُنَيِّ إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ يَأْتِ بِها اللَّهُ إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾

تَكْرِيرُ النِّداءِ لِتَجْدِيدِ نَشاطِ السّامِعِ لِوَعْيِ الكَلامِ.

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ ﴿إنْ تَكُ مِثْقالُ﴾ بِرَفْعِ (مِثْقالُ) عَلى أنَّهُ فاعِلُ (تَكُ) مِن كانَ التّامَّةِ. وإنَّما جِيءَ بِفِعْلِهِ بِتاءِ المُضارَعَةِ لِلْمُؤَنَّثَةِ، وأُعِيدَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ بِها مُؤَنَّثًا مَعَ أنَّ مِثْقالَ لَفْظٌ غَيْرُ مُؤَنَّثٍ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى حَبَّةٍ فاكْتَسَبَ التَّأْنِيثَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ إذا كانَ المُضافُ لَوْ حُذِفَ لَما اخْتَلَّ الكَلامُ بِحَيْثُ يُسْتَغْنى بِالمُضافِ إلَيْهِ عَنِ المُضافِ، وعَلَيْهِ فَضَمِيرُ ”إنَّها“ لِلْقِصَّةِ والحادِثَةِ وهو المُسَمّى بِضَمِيرِ الشَّأْنِ وهو يَقَعُ بِصُورَةِ ضَمِيرِ المُفْرَدَةِ المُؤَنَّثَةِ بِتَأْوِيلِ القِصَّةِ، ويُخْتارُ تَأْنِيثُ هَذا الضَّمِيرِ إذا كانَ في القِصَّةِ لَفْظٌ مُؤَنَّثٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾ [الحج: ٤٦]، ويَكْثُرُ وُقُوعُ ضَمِيرِ الشَّأْنِ بَعْدَ (إنَّ) كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [طه: ٧٤] ومِن ذَلِكَ تَقْدِيرُ ضَمِيرِ الشَّأْنِ اسْمًا لِحَرْفِ (أنَّ) المَفْتُوحَةِ المُخَفَّفَةِ، وهو يُفِيدُ الِاهْتِمامَ بِإقْبالِ المُخاطَبِ عَلى ما يَأْتِي بَعْدَهُ، فاجْتَمَعَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ ثَلاثَةُ مُؤَكِّداتٍ: النِّداءُ، وإنَّ، وضَمِيرُ القِصَّةِ، لِعَظَمِ خَطَرِ ما بَعْدَهُ المُقَيَّدِ تَقْرِيرِ وصْفِهِ تَعالى بِالعِلْمِ المُحِيطِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ مِنَ الكائِناتِ ووَصْفِهِ بِالقُدْرَةِ المُحِيطَةِ بِجَمِيعِ المُمْكِناتِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ .

وقَدْ أُفِيدَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ دَلالَةِ الفَحْوى؛ فَذُكِرَ أدَقُّ الكائِناتِ حالًا مِن حَيْثُ تَعَلُّقِ العِلْمِ والقُدْرَةِ بِهِ، وذَلِكَ أدَقُّ الأجْسامِ المُخْتَفِي في أصْلَبِ مَكانٍ أوْ أقْصاهُ وأعَزِّهِ مَنالًا، أوْ أوْسَعِهِ وأشَدِّهِ انْتِشارًا، لِيُعْلَمَ أنَّ ما هو أقْوى مِنهُ في الظُّهُورِ والدُّنُوِّ مِنَ التَّناوُلِ أوْلى بِأنْ يُحِيطَ بِهِ عِلْمُ اللَّهِ وقُدْرَتُهُ.

صفحة ١٦٣

وقَرَأهُ الباقُونَ بِنَصْبِ (مِثْقالَ) عَلى الخَبَرِيَّةِ لِ (تَكُ) مِن (كانَ) النّاقِصَةِ، وتَقْدِيرِ اسْمٍ لَها يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ مَعَ كَوْنِ الفِعْلِ مُسْنَدًا لِمُؤَنَّثٍ، أيْ إنْ تَكُ الكائِنَةُ، فَضَمِيرُ إنَّها مُرادٌ مِنهُ الخَصْلَةُ مِن حَسَنَةٍ أوْ سَيِّئَةٍ أخْذًا مِنَ المَقامِ.

والمِثْقالُ بِكَسْرِ المِيمِ: ما يُقَدَّرُ بِهِ الثِّقَلُ ولِذَلِكَ صِيغَ عَلى زِنَةِ اسْمِ الآلَةِ.

والحَبَّةُ: واحِدَةُ الحَبِّ وهو بِذْرُ النَّباتِ مِن سَنابِلَ أوْ قُطْنِيَّةٍ بِحَيْثُ تَكُونُ تِلْكَ الواحِدَةُ زَرِيعَةً لِنَوْعِها مِنَ النَّباتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ قَوْلُهُ ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١] وقَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ [الأنعام: ٩٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والخَرْدَلُ: نَبْتٌ لَهُ جِذْرٌ وساقٌ قائِمَةٌ مُتَفَرِّعَةٌ أُسْطُوانِيَّةٌ أوْراقُها كَبِيرَةٌ يُخْرِجُ أزْهارًا صَغِيرَةً صُفْرًا سُنْبُلِيَّةً تَتَحَوَّلُ إلى قُرُونٍ دَقِيقَةٍ مُرَبَّعَةِ الزَّوايا تُخْرِجُ بُزُورًا دَقِيقَةً تُسَمّى الخَرْدَلَ أيْضًا، ولُبُّ تِلْكَ البُزُورِ شَدِيدُ الحَرارَةِ يَلْدَغُ اللِّسانَ والجِلْدَ، وهي سَرِيعَةُ التَّفَتُّقِ يَنْفَتِقُ عَنْها قِشْرُها بِدَقٍّ أوْ إذا بُلَّتْ بِمائِعٍ، فَتُسْتَعْمَلُ في الأدْوِيَةِ ضِماداتٍ عَلى المَواضِعِ الَّتِي فِيها التِهابٌ داخِلِيٌّ مِن نَزْلَةٍ أوْ ذاتِ جَنْبٍ وهو كَثِيرُ الِاسْتِعْمالِ في الطِّبِّ قَدِيمًا وحَدِيثًا، وقَدْ أخَذَ الأطِبّاءُ يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ بِعَقاقِيرَ أُخْرى. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها﴾ [الأنبياء: ٤٧] .

وقَوْلُهُ ﴿أوْ في السَّماواتِ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿فِي صَخْرَةٍ﴾ لِأنَّ الصَّخْرَةَ مِن أجْزاءِ الأرْضِ فَذَكَرَ بَعْدَها ﴿أوْ في السَّماواتِ﴾ عَلى مَعْنى أوْ كانَتْ في أعَزِّ مَنالًا مِنَ الصَّخْرَةِ، وعَطَفَ عَلَيْهِ ﴿أوْ في الأرْضِ﴾ وإنَّما الصَّخْرَةُ جُزْءٌ مِنَ الأرْضِ لِقَصْدِ تَعْمِيمِ الأمْكِنَةِ الأرْضِيَّةِ فَإنَّ الظَّرْفِيَّةَ تَصْدُقُ بِهِما، أيْ ذَلِكَ كُلُّهُ سَواءٌ في جانِبِ عِلْمِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، كَأنَّهُ قالَ: فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أوْ حَيْثُ كانَتْ مِنَ العالَمِ العُلْوِيِّ والعالَمِ السُّفْلِيِّ وهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١] .

والإتْيانُ كِنايَةٌ عَنِ التَّمَكُّنِ مِنها، وهو أيْضًا كِنايَةٌ رَمْزِيَّةٌ عَنِ العِلْمِ بِها لِأنَّ الإتْيانَ بِأدَقِّ الأجْسامِ مِن أقْصى الأمْكِنَةِ وأعْمَقِها وأصْلَبِها لا يَكُونُ إلّا عَنْ عِلْمٍ بِكَوْنِها في ذَلِكَ المَكانِ وعِلْمٍ بِوَسائِلِ اسْتِخْراجِها مِنهُ.

صفحة ١٦٤

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ لُقْمانَ فَهي كالمَقْصِدِ مِنَ المُقَدِّمَةِ أوْ كالنَّتِيجَةِ مِنَ الدَّلِيلِ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ لِأنَّ النَّتِيجَةَ كَبَدَلِ الِاشْتِمالِ يَشْتَمِلُ عَلَيْها القِياسُ ولِذَلِكَ جِيءَ بِالنَّتِيجَةِ كُلِّيَّةً بَعْدَ الِاسْتِدْلالِ بِجُزْئِيَّةٍ. وإنَّما لَمْ نَجْعَلْها تَعْلِيلًا لِأنَّ مَقامَ تَعْلِيمِ لُقْمانَ ابْنَهُ يَقْتَضِي أنَّ الِابْنَ جاهِلٌ بِهَذِهِ الحَقائِقِ، وشَرْطُ التَّعْلِيلِ أنْ يَكُونَ مُسْلِمًا مَعْلُومًا قَبْلَ العِلْمِ بِالمُعَلَّلِ لِيَصِحَّ الِاسْتِدْلالُ بِهِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ كَلامِ لُقْمانَ تَعْلِيمًا مِنَ اللَّهِ لِلْمُسْلِمِينَ.

واللَّطِيفُ: مَن يَعْلَمُ دَقائِقَ الأشْياءِ ويَسْلُكُ في إيصالِها إلى مَن تَصْلُحُ بِهِ مَسْلَكَ الرِّفْقِ، فَهو وصْفٌ مُؤْذِنٌ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ الكامِلَيْنِ، أيْ يَعْلَمُ ويُقَدِّرُ ويُنَفِّذُ قُدْرَتَهُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] في الأنْعامِ.

فَفِي تَعْقِيبِ ﴿يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ بِوَصْفِهِ بِـ ”اللَّطِيفُ“ إيماءٌ إلى أنَّ التَّمَكُّنَ مِنها وامْتِلاكَها بِكَيْفِيَّةٍ دَقِيقَةٍ تُناسِبُ فَلْقَ الصَّخْرَةِ واسْتِخْراجَ الخَرْدَلَةِ مِنها مَعَ سَلامَتِها وسَلامَةِ ما اتَّصَلَ بِهِما مِنِ اخْتِلالِ نِظامِ صُنْعِهِ، وهُنا قَدِ اسْتَوْفى أُصُولَ الِاعْتِقادِ الصَّحِيحِ.

31:17Page 412

يَٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱنۡهَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ ١٧

O my son, establish prayer, enjoin what is right, forbid what is wrong, and be patient over what befalls you. Indeed, [all] that is of the matters [requiring] resolve.1

﴿يا بُنَيِّ أقِمِ الصَّلاةَ وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ إنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾

انْتَقَلَ مِن تَعْلِيمِهِ أُصُولَ العَقِيدَةِ إلى تَعْلِيمِهِ أُصُولَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ فابْتَدَأها بِإقامَةِ الصَّلاةِ، والصَّلاةُ التَّوَجُّهُ إلى اللَّهِ بِالخُضُوعِ والتَّسْبِيحِ والدُّعاءِ في أوْقاتٍ مُعَيَّنَةٍ في الشَّرِيعَةِ الَّتِي يَدِينُ بِها لُقْمانُ، والصَّلاةُ عِمادُ الأعْمالِ لِاشْتِمالِها عَلى الِاعْتِرافِ بِطاعَةِ اللَّهِ وطَلَبِ الِاهْتِداءِ لِلْعَمَلِ الصّالِحِ.

وإقامَةُ الصَّلاةِ إدامَتُها والمُحافَظَةُ عَلى أدائِها في أوْقاتِها. وتَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

وشَمِلَ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ الإتْيانَ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ كُلِّها عَلى وجْهِ الإجْمالِ لِيَتَطَلَّبَ

صفحة ١٦٥

بَيانُهُ في تَضاعِيفِ وصايا أبِيهِ كَما شَمِلَ النَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ اجْتِنابَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ كَذَلِكَ.

والأمْرُ بِأنْ يَأْمُرَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ يَقْتَضِي إيتانَ الأمْرِ وانْتِهاءَهُ في نَفْسِهِ لِأنَّ الَّذِي يَأْمُرُ بِفِعْلِ الخَيْرِ ويَنْهى عَنْ فِعْلِ الشَّرِّ يَعْلَمُ ما في الأعْمالِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، ومَصالِحَ ومَفاسِدَ، فَلا جَرَمَ أنْ يَتَوَقّاها في نَفْسِهِ بِالأوْلَوِيَّةِ مِن أمْرِهِ النّاسَ ونَهْيِهِ إيّاهم.

فَهَذِهِ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ مِنَ الحِكْمَةِ والتَّقْوى إذْ جَمَعَ لِابْنِهِ الإرْشادَ إلى فِعْلِهِ الخَيْرَ وبَثِّهِ في النّاسِ وكَفِّهِ عَنِ الشَّرِّ وزَجْرِهِ النّاسَ عَنِ ارْتِكابِهِ، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلى ما يُصِيبُهُ.

وُوجْهُ تَعْقِيبِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ بِمُلازَمَةِ الصَّبْرِ أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ قَدْ يَجُرّانِ لِلْقائِمِ بِهِما مُعاداةً مِن بَعْضِ النّاسِ أوْ أذًى مِن بَعْضٍ فَإذا لَمْ يَصْبِرْ عَلى ما يُصِيبُهُ مِن جَرّاءِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ أوْشَكَ أنْ يَتْرُكَهُما.

ولَمّا كانَتْ فائِدَةُ الصَّبْرِ عائِدَةً عَلى الصّابِرِ بِالأجْرِ العَظِيمِ عُدَّ الصَّبْرُ هُنا في عِدادِ الأعْمالِ القاصِرَةِ عَلى صاحِبِها ولَمْ يَلْتَفِتْ إلى ما في تَحَمُّلِ أذى النّاسِ مِن حُسْنِ المُعامَلَةِ مَعَهم حَتّى يَذْكُرَ الصَّبْرَ مَعَ قَوْلِهِ (ولا تُصاعِرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ) لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ هو المَقْصُودُ الأوَّلُ مِنَ الأمْرِ بِالصَّبْرِ.

والصَّبْرُ: هو تَحَمُّلُ ما يَحِلُّ بِالمَرْءِ مِمّا يُؤْلِمُ أوْ يُحْزِنُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ مَوْقِعُها كَمُوقِعِ جُمْلَةِ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦] يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ لُقْمانَ وأنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى.

صفحة ١٦٦

والإشارَةُ بِـ (ذَلِكَ) إلى المَذْكُورِ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ والصَّبْرِ عَلى ما أصابَ. والتَّأْكِيدُ لِلِاهْتِمامِ.

والعَزْمُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى: الجَزْمِ والإلْزامِ. والعَزِيمَةُ: الإرادَةُ الَّتِي لا تَرَدُّدَ فِيها.

و”عَزْمِ“ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ مِن مَعْزُومِ الأُمُورِ، أيِ الَّتِي عَزَمَها اللَّهُ وأوْجَبَها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском