Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Luqman 31:31–33
31:31–32Page 414
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱلۡفُلۡكَ تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنۡ ءَايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ ٣١
Do you not see that ships sail through the sea by the favor of Allāh that He may show you of His signs? Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.
وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوۡجٞ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ فَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا كُلُّ خَتَّارٖ كَفُورٖ ٣٢
And when waves come over them like canopies, they supplicate Allāh, sincere to Him in religion [i.e., faith]. But when He delivers them to the land, there are [some] of them who are moderate [in faith]. And none rejects Our signs except everyone treacherous and ungrateful.
﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكم مِن آياتِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿وإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ﴾
اسْتِئْنافٌ جاءَ عَلى سُنَنِ الِاسْتِئْنافَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَهُ في قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [لقمان: ٢٠] وقَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ [لقمان: ٢٩]، وجِيءَ بِها غَيْرَ مُتَعاطِفَةٍ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ السّامِعُ أنَّ العَطْفَ عَلى ما تَخَلَّلَ مِنها، وجاءَ هَذا الِاسْتِئْنافُ الثّالِثُ دَلِيلًا ثالِثًا عَلى عَظِيمِ حِكْمَةِ اللَّهِ في نِظامِ هَذا العالِمِ وتَوْفِيقِ البَشَرِ لِلِانْتِفاعِ بِما هَيَّأهُ اللَّهُ لِانْتِفاعِهِمْ بِهِ.
فَلَمّا أتى الِاسْتِئْنافانِ الأوَّلانِ عَلى دَلائِلِ صُنْعِ اللَّهِ في السَّماواتِ والأرْضِ جاءَ في هَذا الثّالِثِ دَلِيلٌ عَلى بَدِيعِ صُنْعِ اللَّهِ بِخَلْقِ البَحْرِ وتَيْسِيرِ الِانْتِفاعِ بِهِ في إقامَةِ نِظامِ
صفحة ١٨٩
المُجْتَمَعِ البَشَرِيِّ، وتَخَلَّصَ مِنهُ إلى اتِّخاذِ فَرِيقٍ مِنَ النّاسِ مُوجِباتِ الشُّكْرِ دَواعِيَ كُفْرٍ.
فَكانَ خَلْقُ البَحْرِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ العَظِيمَةِ مُيَسِّرًا لِلِانْتِفاعِ بِالأسْفارِ فِيهِ حِينَ لا تُغْنِي طُرُقُ البَرِّ في التَّنَقُّلِ غَناءً فَجَعَلَهُ قابِلًا لِحَمْلِ المَراكِبِ العَظِيمَةِ، وألْهَمَ الإنْسانَ لِصُنْعِ تِلْكَ المَراكِبِ عَلى كَيْفِيَّةٍ تَحْفَظُها مِنَ الغَرَقِ في عُبابِ البَحْرِ، وعَصَمَهم مِن تَوالِي الرِّياحِ والمَوْجِ في أسْفارِهِمْ، وهَداهم إلى الحِيلَةِ في مُصانَعَتِها إذا طَرَأتْ حَتّى تَنْجَلِيَ، ولِذَلِكَ وصَفَ هَذا الجَرْيَ بِمُلابَسَةِ نِعْمَةِ اللَّهِ فَإنَّ النّاسَ كُلَّما مَخَرَتْ بِهِمُ الفُلْكُ في البَحْرِ كانُوا مُلابِسِينَ لِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالسَّلامَةِ إلّا في أحْوالٍ نادِرَةٍ، وقَدْ سُمِّيَتْ هَذِهِ النِّعْمَةُ أمْرًا في قَوْلِهِ ﴿والفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ [الحج: ٦٥] في سُورَةِ الحَجِّ، أيْ بِتَقْدِيرِهِ ونِظامِ خَلْقِهِ.
وتَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ في قَوْلِهِ ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ﴾ [العنكبوت: ٦٥] في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، وفي قَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢] الآياتِ مِن سُورَةِ يُونُسَ وقَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ والفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ [الحج: ٦٥] في سُورَةِ الحَجِّ.
ويَتَعَلَّقُ لِيُرِيَكم بِـ (تَجْرِي) أيْ تَجْرِي في البَحْرِ جَرْيًا، عِلَّةُ خَلْقِهِ أنْ يُرِيَكُمُ اللَّهُ بَعْضَ آياتِهِ، أيْ آياتِهِ لَكم فَلَمْ يَذْكُرْ مُتَعَلِّقَ الآياتِ لِظُهُورِهِ مِن قَوْلِهِ لِيُرِيَكم وجَرْيُ الفُلْكِ في البَحْرِ آيَةٌ مِن آياتِ القُدْرَةِ في بَدِيعِ الصُّنْعِ أنْ خَلَقَ ماءَ البَحْرِ بِنِظامٍ، وخَلَقَ الخَشَبَ بِنِظامٍ، وجَعَلَ لِعُقُولِ النّاسِ نِظامًا فَحَصَلَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ إمْكانُ سَيْرِ الفُلْكِ فَوْقَ عُبابِ البَحْرِ.
والمَعْنى أنَّ جَرْيَ السُّفُنِ فِيهِ حِكَمٌ كَثِيرَةٌ مَقْصُودَةٌ مِن تَسْخِيرِهِ، مِنها أنْ يَكُونَ آيَةً لِلنّاسِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ ووَحْدانِيَّتِهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ.
ولَيْسَ يَلْزَمُ مِن لامِ التَّعْلِيلِ انْحِصارُ الغَرَضِ مِنَ المُعَلَّلِ في مَدْخُولِها لِأنَّ العِلَلَ جُزْئِيَّةٌ لا كُلِّيَّةٌ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ لَها مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ يُرِيَكم مِن آياتِهِ. ولَها مَوْقِعُ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ إذْ يَخْطُرُ بِبالِ السّامِعِ أنْ يَسْألَ: كَيْفَ لَمْ يَهْتَدِ المُشْرِكُونَ بِهَذِهِ الآياتِ، فَأُفِيدَ أنَّ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِدَلالَتِها عَلى
صفحة ١٩٠
مَدْلُولِها هو (﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾) ثَناءً عَلى هَذا الفَرِيقِ صَرِيحًا، وتَعْرِيضًا بِالَّذِينَ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِدَلالَتِها.
واقْتِرانُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ إنَّ لِأنَّهُ يُفِيدُ في مِثْلِ هَذا المَقامِ مَعْنى التَّعْلِيلِ والتَّنْسِيبِ.
وجَعَلَ ذَلِكَ عِدَّةَ آياتٍ لِأنَّ في ذَلِكَ دَلائِلَ كَثِيرَةً، أيِ الَّذِينَ لا يُفارِقُهُمُ الوَصْفانِ.
والصَّبّارُ: مُبالَغَةٌ في المَوْصُوفِ بِالصَّبْرِ، والشَّكُورُ كَذَلِكَ، أيِ الَّذِينَ لا يُفارِقُهُمُ الوَصْفانِ. وهَذانِ وصْفانِ لِلْمُؤْمِنِينَ المُوَحِّدِينَ في الصَّبْرِ لِلضَّرّاءِ والشُّكْرِ لِلسَّرّاءِ إذْ يَرْجُونَ بِهِمْ رِضى اللَّهِ تَعالى الَّذِي لا يَتَوَكَّلُونَ إلّا عَلَيْهِ في كَشْفِ الضُّرِّ والزِّيادَةِ مِنَ الخَيْرِ. وقَدْ تَخَلَّقُوا بِذَلِكَ بِما سَمِعُوا مِنَ التَّرْغِيبِ في الوَصْفَيْنِ والتَّحْذِيرِ مِن ضِدَّيْهِما قالَ ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧] وقالَ ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] فَهم بَيْنَ رَجاءِ الثَّوابِ وخَوْفِ العِقابِ لِأنَّهم آمَنُوا بِالحَياةِ الخالِدَةِ ذاتِ الجَزاءِ وعَلِمُوا أنَّ مَصِيرَهم إلى اللَّهِ الَّذِي أمَرَ ونَهى، فَصارا لَهم خُلُقًا تَطَبَّعُوا عَلَيْهِ فَلَمْ يُفارِقاهُمُ البَتَّةَ أوْ إلّا نادِرًا؛ فَأمّا المُشْرِكُونَ فَنَظَرُهم قاصِرٌ عَلى الحَياةِ الحاضِرَةِ فَهم أُسَراءُ العالَمِ الحِسِّيِّ فَإذا أصابَهم ضُرٌّ ضَجِرُوا وإذا أصابَهم نَفْعٌ بَطَرُوا، فَهم أخْلِياءُ مِنَ الصَّبْرِ والشُّكْرِ، فَلِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ كِنايَةً رَمْزِيَّةً عَنِ المُؤْمِنِينَ وتَعْرِيضًا رَمْزِيًّا بِالمُشْرِكِينَ.
ووَجْهُ إيثارِ خُلُقَيِ الصَّبْرِ والشُّكْرِ هُنا لِلْكِنايَةِ بِهِما، مِن شُعَبِ الإيمانِ، أنَّهُما أنْسَبُ بِمَقامِ السَّيْرِ في البَحْرِ إذْ راكِبُ البَحْرِ بَيْنَ خَطَرٍ وسَلامَةٍ وهُما مَظْهَرُ الصَّبْرِ والشُّكْرِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ﴾ [يونس: ٢٢] الآيَةَ في سُورَةِ يُونُسَ.
وفِي قَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ حُسْنُ التَّخَلُّصِ إلى التَّفْصِيلِ الَّذِي عَقَّبَهُ في قَوْلِهِ ﴿وإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ﴾ الآيَةَ، فَعُطِفَ عَلى آياتِ سَيْرِ الفُلْكِ إشارَةً إلى أنَّ النّاسَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عِنْدَ تِلْكَ الآياتِ عِنْدَ الِاضْطِرارِ، وغَفْلَتِهِمْ عَنْها في حالِ السَّلامَةِ، وهو ما تَقَدَّمَ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ
صفحة ١٩١
دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] وقَوْلِهِ في سُورَةِ يُونُسَ ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢] الآياتِ.
والغِشْيانُ مُسْتَعارٌ لِلْمَجِيءِ لِأنَّهُ يُشْبِهُ التَّغْطِيَةَ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ [الأعراف: ٥٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والظُّلَلُ: بِضَمِّ الظّاءِ وفَتْحِ اللّامِ: جَمْعُ ظُلَّةٍ بِالضَّمِّ وهي: ما أظَلَّ مِن سَحابٍ.
والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ تَدُلُّ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا نَجّاهُمُ انْقَسَمُوا فَمِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم غَيْرُهُ كَما سَيَأْتِي. وجَعَلَ ابْنُ مالِكٍ الفاءَ داخِلَةً عَلى جَوابِ (لَمّا) أيْ رابِطَةً لِلْجَوابِ ومُخالِفُوهُ يَمْنَعُونَ اقْتِرانَ جَوابِ (لَمّا) بِالفاءِ كَما في مُغْنِي اللَّبِيبِ.
والمُقْتَصِدُ: الفاعِلُ لِلْقَصْدِ وهو التَّوَسُّطُ بَيْنَ طَرَفَيْنِ، والمَقامُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ الِاقْتِصادُ في الكُفْرِ لِوُقُوعِ تَذْيِيلِهِ بِقَوْلِهِ ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ﴾ ولِقَوْلِهِ في نَظِيرِهِ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، وقَدْ يُطْلَقُ المُقْتَصِدُ عَلى الَّذِي يَتَوَسَّطُ حالُهُ بَيْنَ الصَّلاحِ وضِدِّهِ. كَما قالَ تَعالى ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٦] .
والجاحِدُ الكَفُورُ: هو المُفْرِطُ في الكُفْرِ والجَحْدُ. والجُحُودُ: الإنْكارُ والنَّفْيُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] في سُورَةِ الأنْعامِ. وعُلِمَ أنَّ هُنالِكَ قِسْمًا ثالِثًا وهو المُوقِنُ بِالآياتِ الشّاكِرُ لِلنِّعْمَةِ وأُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ قالَ في سُورَةِ فاطِرَ ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢] وهَذا الِاقْتِصارُ كَقَوْلِ جَرِيرٍ:
كانَتْ حَنِيفَةُ أثْلاثًا فَثُلْثـُهُـمُ مِنَ العَبِيدِ وثُلْثٌ مِن مَوالِيها
أيْ والثُّلْثُ الآخَرُ مِن أنْفُسِهِمْ.
والخَتّارُ: الشَّدِيدُ الخَتْرِ، والخَتْرُ: أشَدُّ الغَدْرِ.
وجُمْلَةُ وما يَجْحَدُ إلى آخِرِها تَذْيِيلٌ لِأنَّها تَعُمُّ كُلَّ جاحِدٍ سَواءٌ مَن جَحَدَ آيَةَ
صفحة ١٩٢
سَيْرِ الفُلْكِ وهَوْلِ البَحْرِ ويَجْحَدُ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِالنَّجاةِ ومَن يَجْحَدُ غَيْرَ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ ونِعَمِهِ، والمَعْنى: ومِنهم جاحِدٌ بِآياتِنا.
وفِي الِانْتِقالِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ في قَوْلِهِ بِآياتِنا التِفاتٌ.
والباءُ في بِآياتِنا لِتَأْكِيدِ تَعْدِيَةِ الفِعْلِ إلى المَفْعُولِ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وقَوْلِ النّابِغَةِ:
لَكَ الخَيْرُ إنْ وارَتْ بِكَ الأرْضُ واحِدًا
وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] .
31:33Page 414
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡ وَٱخۡشَوۡاْ يَوۡمٗا لَّا يَجۡزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوۡلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ٣٣
O mankind, fear your Lord and fear a Day when no father will avail his son, nor will a son avail his father at all. Indeed, the promise of Allāh is truth, so let not the worldly life delude you and be not deceived about Allāh by the Deceiver [i.e., Satan].
﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ ولا مَوْلُودٌ هو جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾
إنْ لَمْ يَكُنْ يا أيُّها النّاسُ خِطابًا خاصًّا بِالمُشْرِكِينَ فَهو عامٌّ لِجَمِيعِ النّاسِ كَما تَقَرَّرَ في أُصُولِ الفِقْهِ، فَيَعُمُّ المُؤْمِنَ والمُشْرِكَ والمُعَطِّلَ في ذَلِكَ الوَقْتِ وفي سائِرِ الأزْمانِ إذِ الجَمِيعُ مَأْمُورُونَ بِتَقْوى اللَّهِ وأنَّ الخُطُواتِ المُوصِلَةَ إلى التَّقْوى مُتَفاوِتَةٌ عَلى حَسَبِ تَفاوُتِ بُعْدِ السّائِرِينَ عَنْها، وقَدْ كانَ فِيما سَبَقَ مِنَ السُّورَةِ حُظُوظٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وحُظُوظٌ لِلْمُشْرِكِينَ فَلا يَبْعُدُ أنْ تُعَقَّبَ بِما يَصْلُحُ لِكِلا الفَرِيقَيْنِ، وإنْ كانَ الخِطابُ خاصًّا بِالمُشْرِكِينَ جَرْيًا عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ يا أيُّها النّاسُ خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ، فالمُرادُ بِالتَّقْوى: الإقْلاعُ عَنِ الشِّرْكِ.
ومَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ ما تَقَدَّمَها مِنَ الآياتِ مَوْقِعُ مَقْصِدِ الخُطْبَةِ بَعْدَ مُقَدِّماتِها إذْ كانَتِ المُقَدِّماتُ الماضِيَةُ قَدْ هَيَّأتِ النُّفُوسَ إلى قَبُولِ الهِدايَةِ والتَّأثُّرِ بِالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ، وإنَّ لِاصْطِيادِ الحُكَماءِ فُرَصًا يَحْرِصُونَ عَلى عَدَمِ إضاعَتِها، وأحْسَنُ مُثُلِها قَوْلُ الحَرِيرِيِّ في المَقامَةِ الحادِيَةَ عَشْرَةَ (فَلَمّا ألْحَدُوا المَيْتَ، وفاتَ قَوْلُ لَيْتَ، أشْرَفَ شَيْخٌ مِن رَباوَةٍ، مُتَخَصِّرٌ بِهَراوَةٍ، فَقالَ: لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ، فاذْكُرُوا أيُّها الغافِلُونَ، وشَمِّرُوا أيُّها المُقَصِّرُونَ) إلَخْ فَأمّا القُلُوبُ القاسِيَةُ، والنُّفُوسُ المُتَعاصِيَةُ، فَلَنْ تَأْسُوَها آسِيَةٌ.
صفحة ١٩٣
ولِاعْتِبارِ هَذا المَوْقِعِ جُعِلَتِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا لِأنَّها بِمَنزِلَةِ الفَذْلَكَةِ والنَّتِيجَةِ.
والتَّقْوى تَبْتَدِئُ مِنَ الِاعْتِرافِ بِوُجُودِ الخالِقِ ووَحْدانِيَّتِهِ وتَصْدِيقِ الرَّسُولِ ﷺ وتَنْتَهِي إلى اجْتِنابِ المَنهِيّاتِ وامْتِثالِ المَأْمُوراتِ في الظّاهِرِ والباطِنِ في سائِرِ الأحْوالِ. وتَقَدَّمَ تَفْصِيلُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في سُورَةِ الحَجِّ.
وخَشْيَةُ اليَوْمِ: الخَوْفُ مِن أهْوالِ ما يَقَعُ فِيهِ إذِ الزَّمانُ لا يُخْشى لِذاتِهِ، فانْتَصَبَ يَوْمًا عَلى المَفْعُولِ بِهِ. والأمْرُ بِخَشْيَتِهِ تَتَضَمَّنُ وُقُوعَهُ فَهو كِنايَةٌ عَنْ إثْباتِ البَعْثِ وذَلِكَ حَظُّ المُشْرِكِينَ مِنهُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى صارَ سِمَةً عَلَيْهِمْ قالَ تَعالى ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ [الفرقان: ٢١] .
وجُمْلَةُ ﴿لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ﴾ إلَخْ صِفَةُ يَوْمٍ وحُذِفَ مِنها العائِدُ المَجْرُورُ بِـ (في) تَوَسُّعًا بِمُعامَلَتِهِ مُعامَلَةَ العائِدِ المَنصُوبِ كَقَوْلِهِ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجَزى إذا عُدِّيَ بِـ (عَنْ) فَهو بِمَعْنى قَضى عَنْهُ ودَفَعَ عَنْهُ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِلْمُتَقاضِي: المُتَجازِي.
وجُمْلَةُ (ولا مَوْلُودٌ) إلَخْ عَطْفٌ عَلى الصِّفَةِ ومَوْلُودٌ مُبْتَدَأٌ، وهو ضَمِيرُ فَصْلٍ. وجازَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ.
وذِكْرُ الوالِدِ والوَلَدِ هُنا لِأنَّهُما أشَدُّ مَحَبَّةً وحَمِيَّةً مِن غَيْرِهِما فَيُعْلَمُ أنَّ غَيْرَهُما أوْلى بِهَذا النَّفْيِ قالَ تَعالى ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] ﴿وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ [عبس: ٣٥] الآيَةَ.
وابْتُدِئَ بِـ (الوالِدِ) لِأنَّهُ أشَدُّ شَفَقَةً عَلى ابْنِهِ فَلا يَجِدُ لَهُ مَخْلَصًا مِن سُوءٍ إلّا فِعْلَهُ.
ووَجْهُ اخْتِيارِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ في إفادَةِ عُمُومِ النَّفْيِ هُنا دُونَ طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ وأهْلُها يَوْمَئِذٍ خَلِيطٌ مِن مُسْلِمِينَ وكافِرِينَ، ورُبَّما كانَ الأبُ مُسْلِمًا والوَلَدُ كافِرًا ورُبَّما كانَ العَكْسُ، وقَدْ يَتَوَهَّمُ بَعْضُ الكافِرِينَ حِينَ تُداخِلُهُمُ الظُّنُونُ في مَصِيرِهِمْ
صفحة ١٩٤
بَعْدَ المَوْتِ أنَّهُ إذا ظَهَرَ صِدْقُ وعِيدِ القُرْآنِ إيّاهم فَإنَّ مَن لَهُ أبٌ مُسْلِمٌ أوِ ابْنٌ مُسْلِمٌ يَدْفَعُ عَنْهُ هُنالِكَ بِما يَدُلُّ بِهِ عَلى رَبِّ هَذا الدِّينِ، وقَدْ كانَ قارًّا في نُفُوسِ العَرَبِ التَّعْوِيلُ عَلى المَوْلى والنَّصِيرِ تَعْوِيلًا عَلى أنَّ الحَمِيَّةَ والأنَفَةَ تَدْفَعُهم إلى الدِّفاعِ عَنْهم في ذَلِكَ الجَمْعِ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ مُخْتَلِفِينَ لَهم لِضِيقِ عَطَنِ أفْهامِهِمْ يَقِيسُونَ الأُمُورَ عَلى مُعْتادِهِمْ.
وهَذا أيْضًا وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ نَفْيِ جَزاءِ الوالِدِ عَنْ ولَدِهِ وبَيْنَ نَفْيِ جَزاءِ الوَلَدِ عَنْ والِدِهِ لِيَشْمَلَ الفَرِيقَيْنِ في الحالَتَيْنِ فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّ أحَدَ الفَرِيقَيْنِ أرْجى في المَقْصُودِ.
ثُمَّ أُوثِرَتْ جُمْلَةُ ﴿ولا مَوْلُودٌ هو جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا﴾ بِطُرُقٍ مِنَ التَّوْكِيدِ لَمْ تَشْتَمِلْ عَلى مِثْلِها جُمْلَةُ ﴿لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ﴾ فَإنَّها نُظِمَتْ جُمْلَةً اسْمِيَّةً، ووُسِّطَ فِيها ضَمِيرُ الفَصْلِ، وجُعِلَ النَّفْيُ فِيها مُنْصَبًّا إلى الجِنْسِ. ونُكْتَةُ هَذا الإيثارِ مُبالَغَةُ تَحْقِيقِ عَدَمِ جُزْءِ هَذا الفَرِيقِ عَنِ الآخَرِ إذْ كانَ مُعْظَمُ المُؤْمِنِينَ مِنَ الأبْناءِ والشَّبابِ، وكانَ آباؤُهم وأُمَّهاتُهم في الغالِبِ عَلى الشِّرْكِ مِثْلُ أبِي قُحافَةَ والِدِ أبِي بَكْرٍ وأبِي طالِبٍ والِدِ عَلِيٍّ وأُمِّ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وأُمِّ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ، فَأُرِيدَ حَسْمُ أطْماعِ آبائِهِمْ وما عَسى أنْ يَكُونَ مِن أطْماعِهِمْ أنْ يَنْفَعُوا آباءَهم في الآخِرَةِ بِشَيْءٍ.
وعُبِّرَ فِيها بِـ (مَوْلُودٌ) دُونَ ولَدٍ لِإشْعارِ مَوْلُودٍ بِالمَعْنى الِاشْتِقاقِيِّ دُونَ (ولَدٍ) الَّذِي هو اسْمٌ بِمَنزِلَةِ الجَوامِدِ لِقَصْدِ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ تِلْكَ الصِّلَةَ الرَّقِيقَةَ لا تُخَوِّلُ صاحِبَها التَّعَرُّضَ لِنَفْعِ أبِيهِ المُشْرِكِ في الآخِرَةِ وفاءً لَهُ بِما تُومِئُ إلَيْهِ المَوْلُودِيَّةُ مِن تَجَشُّمِ المَشَقَّةِ مِن تَرْبِيَتِهِ، فَلَعَلَّهُ يَتَجَشَّمُ الإلْحاحَ في الجَزاءِ عَنْهُ في الآخِرَةِ حَسْمًا لِطَمَعِهِ في الجَزاءِ عَنْهُ، فَهَذا تَعْكِيسٌ لِلتَّرْقِيقِ الدُّنْيَوِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] وقَوْلِهِ ﴿وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] .
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ عِلَّةٌ لِجُمْلَتَيِ ﴿اتَّقُوا رَبَّكم واخْشَوْا يَوْمًا﴾ . ووَعْدُ اللَّهِ: هو البَعْثُ، قالَ تَعالى ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] ﴿قُلْ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً ولا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبإ: ٣٠] .
وأُكِّدَ الخَبَرُ بِـ (إنَّ) مُراعاةً لِمُنْكِرِي البَعْثِ، وإذْ قَدْ كانَتْ شُبْهَتُهم في إنْكارِهِ
صفحة ١٩٥
مُشاهَدَةَ النّاسِ يَمُوتُونَ ويَخْلُفُهم أجْيالٌ آخَرُونَ ولَمْ يَرْجِعْ أحَدٌ مِمَّنْ ماتَ مِنهم ﴿وقالُوا ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] وقالُوا ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩] .
فُرِّعَ عَلى هَذا التَّأْكِيدِ إبْطالُ شُبْهَتِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾، أيْ لا تَغُرَّنَّكم حالَةُ الحَياةِ الدُّنْيا بِأنْ تَتَوَهَّمُوا الباطِلَ حَقًّا والضُّرَّ نَفْعًا، فَإسْنادُ التَّغْرِيرِ إلى الحَياةِ الدُّنْيا مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّ الدُّنْيا ظَرْفُ الغَرُورِ أوْ شُبْهَتُهُ، وفاعِلُ التَّغْرِيرِ حَقِيقَةً هُمُ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِالأقْيِسَةِ الباطِلَةِ فَيُشَبِّهُونَ عَلَيْهِمْ إبْطاءَ الشَّيْءِ بِاسْتِحالَتِهِ فَذُكِرَتْ هُنا وسِيلَةُ التَّغْرِيرِ وشُبْهَتُهُ ثُمَّ ذُكِرَ بَعْدَهُ الفاعِلُ الحَقِيقِيُّ لِلتَّغْرِيرِ وهو الغَرُورُ. والغَرُورُ بِفَتْحِ الغَيْنِ: مَن يَكْثُرُ مِنهُ التَّغْرِيرُ، والمُرادُ بِهِ الشَّيْطانُ بِوَسْوَسَتِهِ وما يَلِيهِ في نُفُوسِ دُعاةِ الضَّلالَةِ مِن شُبَهِ التَّمْوِيهِ لِلْباطِلِ في صُورَةٍ وما يُلْقِيهِ في نُفُوسِ أتْباعِهِمْ مِن قَبُولِ تَغْرِيرِهِمْ.
وعُطِفَ ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ لِأنَّهُ أُدْخِلَ في تَحْذِيرِهِمْ مِمَّنْ يُلْقُونَ إلَيْهِمُ الشُّبَهَ أوْ مِن أوْهامِ أنْفُسِهِمُ الَّتِي تُخَيِّلُ لَهُمُ الباطِلَ حَقًّا لِيَهِمُوا آراءَهم. وإذا أُرِيدَ بِالغُرُورِ الشَّيْطانُ أوْ ما يَشْمَلُهُ فَذَلِكَ أشَدُّ في التَّحْذِيرِ لِما تَقَرَّرَ مِن عَداوَةِ الشَّيْطانِ لِلْإنْسانِ، كَما قالَ تَعالى ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] وقالَ ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]، فَفي التَّحْذِيرِ شَوْبٌ مِنَ التَّنْفِيرِ.
والباءُ في قَوْلِهِ ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ﴾ هي كالباءِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ [الإنفطار: ٦] . وقَرَّرَ في الكَشّافِ في سُورَةِ الِانْفِطارِ مَعْنى الباءِ بِما يَقْتَضِي أنَّها لِلسَّبَبِيَّةِ، وبِالضَّرُورَةِ يَكُونُ السَّبَبُ شَأْنًا مِن شُئُونِ اللَّهِ يُناسِبُ المَقامَ لا ذاتَ اللَّهِ تَعالى. والَّذِي يُناسِبُ هُنا أنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنِ الِاغْتِرارِ بِما يُسَوِّلُهُ الغَرُورُ لِلْمُشْرِكِينَ كَتَوَهُّمِ أنَّ الأصْنامَ شُفَعاءُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ في الدُّنْيا واقْتِناعِهِمْ بِأنَّهُ إذا ثَبَتَ البَعْثُ عَنِ احْتِمالٍ مَرْجُوحٍ عِنْدَهم شَفَعَتْ لَهم يَوْمَئِذٍ أصْنامُهم، أوْ يَغُرُّهم بِأنَّ اللَّهَ لَوْ أرادَ البَعْثَ كَما يَقُولُ الرَّسُولُ ﷺ لَبَعَثَ آباءَهم وهم يَنْظُرُونَ، أوْ أنْ يَغُرَّهم بِأنَّ اللَّهَ لَوْ أرادَ بَعْثَ النّاسِ لَعَجَّلَ لَهم ذَلِكَ وهو ما حَكى اللَّهُ عَنْهم ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] فَذَلِكَ كُلُّهُ غُرُورٌ لَهم مُسَبَّبٌ بِشُئُونِ اللَّهِ تَعالى فَفي
صفحة ١٩٦
هَذا ما يُوَضِّحُ مَعْنى الباءِ في قَوْلِهِ ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ . وقَدْ جاءَ مِثْلُهُ في سُورَةِ الحَدِيدِ. وهَذا الِاسْتِعْمالُ في تَعْدِيَةِ فِعْلِ الغَرُورِ بِالباءِ قَرِيبٌ مِن تَعْدِيَتِهِ بِـ (مِنَ) الِابْتِدائِيَّةِ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
أغَرَّكِ مِنِّي أنَّ حُبَّكِ قاتِلِي
أيْ لا يَغُرَّنَّكِ مِن مُعامَلَتِي مَعَكِ أنَّ حُبَّكِ قاتِلِي.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences