Ibn 'AshurAs‑Sajdah · 32:23–27

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

As-Sajdah 32:23–27

32:23Page 417

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٢٣

And We certainly gave Moses the Scripture, so do not be in doubt over his meeting.1 And We made it [i.e., the Torah] guidance for the Children of Israel.

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾

لَمّا جَرى ذِكْرُ إعْراضِ المُشْرِكِينَ عَنْ آياتِ اللَّهِ وهي آياتُ القُرْآنِ في قَوْلِهِ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾ [السجدة: ٢٢]، اسْتَطْرَدَ إلى تَسْلِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ ما لَقِيَ مِن قَوْمِهِ هو نَظِيرُ ما لَقِيَهُ مُوسى مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّسْلِيَةِ بِالتَّنْظِيرِ والتَّمْثِيلِ.

فَهَذِهِ الجُمْلَةُ وما بَعْدَها إلى قَوْلِهِ ﴿فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [السجدة: ٢٥] مُعْتَرِضاتٌ. ومَوْقِعُ التَّأْكِيدِ بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ هو ما اسْتُعْمِلَ فِيهِ الخَبَرُ مِنَ التَّسْلِيَةِ لا لِأصْلِ الأخْبارِ لِأنَّهُ أمْرٌ لا يَحْتاجُ إلى التَّأْكِيدِ، وبِهِ تَظْهَرُ رَشاقَةُ الِاعْتِراضِ بِتَفْرِيعِ ﴿فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ﴾ عَلى الخَبَرِ الَّذِي قَبْلَهُ.

صفحة ٢٣٥

وأُرِيدَ بِقَوْلِهِ ﴿آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ أرْسَلْنا مُوسى، فَذِكْرُ إيتائِهِ الكِتابَ كِنايَةً عَنْ إرْسالِهِ، وإدْماجُ ذِكْرِ الكِتابِ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ مُوسى ولَيْسَ داخِلًا في تَنْظِيرِ حالِ الرَّسُولِ ﷺ بِحالِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في تَكْذِيبِ قَوْمِهِ إيّاهُ لِأنَّ مُوسى لَمْ يُكَذِّبْهُ قَوْمُهُ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآياتِ، ولِيَتَأتّى مِن وفْرَةِ المَعانِي في هَذِهِ الآيَةِ ما لا يَتَأتّى بِدُونِ ذِكْرِ الكِتابِ.

وجُمْلَةُ ﴿فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ وهو اعْتِراضٌ بِالفاءِ، ومِثْلُهُ وارِدٌ كَثِيرًا في الكَلامِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ [النساء: ١٣٥] الآيَةَ في سُورَةِ النِّساءِ. ويَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ [ص: ٥٧] في سُورَةِ ص.

والمِرْيَةُ: الشَّكُّ والتَّرَدُّدُ. وحَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ مَجازٌ في شِدَّةِ المُلابَسَةِ، أيْ لا يَكُنِ الشَّكُّ مُحِيطًا بِكَ ومُتَمَكِّنًا مِنكَ، أيْ لا تَكُنْ مُمْتَرِيًا في أنَّكَ مِثْلَهُ سَيَنالُكَ ما نالَهُ مِن قَوْمِهِ.

والخِطابُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيءِ ﷺ فالنَّهْيُ مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ الدَّوامِ عَلى انْتِفاءِ الشَّكِّ فَهو نَهْيٌ مَقْصُودٌ مِنهُ التَّثْبِيتُ كَقَوْلِهِ ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ [هود: ١٠٩] ولَيْسَ لِطَلَبِ إحْداثِ انْكِفافٍ عَنِ المِرْيَةِ لِأنَّها لَمْ تَقَعْ مِن قَبْلُ.

واللِّقاءُ: اسْمُ مَصْدَرِ لَقِيَ وهو الغالِبُ في الِاسْتِعْمالِ دُونَ لِقًى الَّذِي هو المَصْدَرُ القِياسِيُّ. واللِّقاءُ: مُصادَفَةُ فاعِلِ هَذا الفِعْلِ مَفْعُولَهُ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى الإصابَةِ كَما يُقالُ: لَقِيتُ عَناءً، ولَقِيتُ عَرَقَ القِرْبَةِ، وهو هُنا مَجازٌ، أيْ لا تَكُنْ في مِرْيَةٍ في أنْ يُصِيبَكَ ما أصابَهُ، وضَمِيرُ الغائِبِ عائِدٌ إلى مُوسى. واللِّقاءُ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى فاعِلِهِ، أيْ مِمّا لَقِيَ مُوسى مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ مِن تَكْذِيبٍ، أيْ مِن مِثْلِ ما لَقِيَ مُوسى، وهَذا المُضافُ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ أوْ يَكُونُ جارِيًا عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ كَقَوْلِهِ: هو البَدْرُ، أيْ مِن لِقاءٍ كَلِقائِهِ، فَيَكُونُ هَذا في مَعْنى آياتٍ كَثِيرَةٍ في هَذا المَعْنى ورَدَتْ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا﴾ [الأنعام: ٣٤] وقَوْلِهِ (﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنها وإذًا لا يَلْبَثُونَ خَلْفَكَ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٦] ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الإسراء: ٧٧])

صفحة ٢٣٦

هَذا أحْسَنُ تَفْسِيرٍ لِلْآيَةِ وقَرِيبٌ مِنهُ مَأْثُورٌ عَنِ الحَسَنِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ لِقائِهِ عائِدًا إلى مُوسى عَلى مَعْنى: مِن مِثْلِ ما لَقِيَ مُوسى مِن إرْسالِهِ وهو أنْ كانَتْ عاقِبَةُ النَّصْرِ لَهُ عَلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وحُصُولُ الِاهْتِداءِ بِالكِتابِ الَّذِي أُوتِيَهُ، وتَأْيِيدُهُ بِاهْتِداءِ بَنِي إسْرائِيلَ. فَيَكُونُ هَذا المَعْنى بِشارَةً لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ سَيُظْهِرُ هَذا الدِّينَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ لِقائِهِ عائِدًا إلى الكِتابِ كَما في الكَشّافِ لَكِنْ عَلى أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَلا تَكُنْ في شَكٍّ مِن لِقاءِ الكِتابِ، أيْ مِن أنْ تَلْقى مِن إيتائِكَ الكِتابَ ما هو شِنْشِنَةُ تَلَّقِي الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ كَما تَلَقّاها مُوسى. فالنَّهْيُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحْذِيرِ مِمَّنْ ظَنَّ أنْ لا يَلْحَقَهُ في إيتاءِ الكِتابِ مِنَ المَشَقَّةِ ما لَقِيَهُ الرُّسُلُ مِن قَبْلِهِ، أيْ مِن جانِبِ أذى قَوْمِهِ وإعْراضِهِمْ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ في قَوْلِهِ فَلا تَكُنْ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ وهو مُوَجَّهٌ لِلَّذِينَ امْتَرَوْا في أنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ سَواءً كانُوا المُشْرِكِينَ أوِ الَّذِينَ يُلَقِّنُونَهم مِن أهْلِ الكِتابِ، أيْ لا تَمْتَرُوا في إنْزالِ القُرْآنِ عَلى بَشَرٍ فَقَدْ أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى مُوسى فَلا تَكُونُوا في مِرْيَةٍ مِن إنْزالِ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وهُدًى لِلنّاسِ﴾ [الأنعام: ٩١] . فالنَّهْيُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ مِن طَلَبِ الكَفِّ عَنِ المِرْيَةِ في إنْزالِ القُرْآنِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ احْتِمالاتٌ أُخْرى كَثِيرَةٌ لا تُسْفِرُ عَنْ مَعْنًى بَيِّنٍ، ومِن أبْعَدِها حَمْلُ اللِّقاءِ عَلى حَقِيقَتِهِ وعَوْدُ ضَمِيرِ الغائِبِ لِمُوسى وأنَّ المُرادَ لِقاؤُهُ لَيْلَةَ الإسْراءِ، وعَدَهُ اللَّهُ بِهِ وحَقَّقَهُ لَهُ في هَذِهِ الآيَةِ قَبْلَ وُقُوعِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَ المُبَرِّدُ حِينَ امْتَحَنَ أبا إسْحاقَ الزَّجّاجَ بِهَذِهِ المَسْألَةِ.

وضَمِيرُ النَّصْبِ في وجَعَلْناهُ هُدًى يَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى الكِتابِ أوْ عَلى مُوسى وكِلاهُما سَبَبُ هُدًى، فَوُصِفَ بِأنَّهُ هُدًى لِلْمُبالَغَةِ في حُصُولِ الِاهْتِداءِ بِهِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. وهَذا تَعْرِيضٌ

صفحة ٢٣٧

بِالمُشْرِكِينَ إذْ لَمْ يَشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلى أنْ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ بِالقُرْآنِ لِيَهْتَدُوا فَأعْرَضُوا وكانُوا أحَقَّ بِأنْ يَحْرِصُوا عَلى الِاهْتِداءِ بِالقُرْآنِ وبِهَدْيِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

32:24Page 417

وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ ٢٤

And We made from among them leaders guiding by Our command when they were patient and [when] they were certain of Our signs.

﴿وجَعَلْنا مِنهم أيِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ .

أُشِيرَ إلى ما مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جَعَلَ مِنهم أيِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِ اللَّهِ والأمْرُ يَشْمَلُ الوَحْيَ بِالشَّرِيعَةِ لِأنَّهُ أمْرٌ بِها، ويَشْمَلُ الِانْتِصابَ لِلْإرْشادِ فَإنَّ اللَّهَ أمَرَ العُلَماءَ أنْ يُبَيِّنُوا الكِتابَ ويُرْشِدُوا إلَيْهِ فَإذا هَدَوْا فَإنَّما هَدَوْا بِأمْرِهِ وبِالعِلْمِ الَّذِي أتاهم بِهِ أنْبِياؤُهم وأحْبارُهم فَأنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ لَمّا صَبَرُوا وأيْقَنُوا لِما جاءَهم مِن كِتابِ اللَّهِ ومُعْجِزاتِ رَسُولِهِمْ فَإنْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ بِآياتِنا يُوقِنُونَ دَلائِلَ صِدْقِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فالمَعْنى: أنَّهم صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ التَّكْلِيفِ والخُرُوجِ بِهِمْ مِن أرْضِ مِصْرَ وما لَقُوهُ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِنَ العَذابِ والِاضْطِهادِ وتِيهِهِمْ في البَرِّيَّةِ أرْبَعِينَ سَنَةً وتَدَبَّرُوا في الآياتِ ونَظَرُوا حَتّى أيْقَنُوا.

وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الآياتِ ما في التَّوْراةِ مِنَ الشَّرائِعِ والمَواعِظِ فَإطْلاقُ اسْمِ الآياتِ عَلَيْها مُشاكَلَةٌ تَقْدِيرِيَّةٌ لِما هو شائِعٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ مِن تَسْمِيَةِ جُمَلِ القُرْآنِ آياتٍ لِأنَّها مُعْجِزَةٌ في بَلاغَتِها خارِجَةٌ عَنْ طَوْقِ تَعْبِيرِ البَشَرِ.

فَكانَتْ دَلالاتٌ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وهَذا نَحْوُ ما وقَعَ في حَدِيثِ رَجْمِ اليَهُودِيَّيْنِ مِن قَوْلِ الرّاوِي: فَوَضَعَ اليَهُودِيُّ يَدَهُ عَلى آيَةِ الرَّجْمِ؛ أيِ الكَلامِ الَّذِي فِيهِ حُكْمُ الرَّجْمِ في التَّوْراةِ فَسَمّاهُ الرّاوِي آيَةً مُشاكَلَةً لِكَلامِ القُرْآنِ.

وفِي هَذا تَعْرِيضٌ بِالبِشارَةِ لِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأنَّهم يَكُونُونَ أيِمَّةً لِدِينِ الإسْلامِ وهُداةً لِلْمُسْلِمِينَ إذْ صَبَرُوا عَلى ما لَحِقَهم في ذاتِ اللَّهِ مِن أذى قَوْمِهِمْ وصَبَرُوا عَلى مَشاقِّ التَّكْلِيفِ ومُعاداةِ أهْلِهِمْ وقَوْمِهِمْ وظُلْمِهِمْ إيّاهم.

وتَقْدِيمُ بِآياتِنا عَلى يُوقِنُونَ لِلِاهْتِمامِ بِالآياتِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿لَمّا صَبَرُوا﴾) بِتَشْدِيدِ المِيمِ وهي (لَمّا) الَّتِي هي حَرْفُ وُجُودٍ لِوُجُودٍ وتُسَمّى التَّوْقِيتِيَّةَ، أيْ جَعَلْناهم أيِمَّةً حِينَ صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ.

وقَرَأ

صفحة ٢٣٨

حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِتَخْفِيفِ المِيمِ عَلى أنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن لامِ التَّعْلِيلِ و(ما) المَصْدَرِيَّةِ، أيْ جَعَلْناهم أيِمَّةً لِأجْلِ صَبْرِهِمْ وإيقانِهِمْ.

32:25Page 417

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٢٥

Indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.

﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (﴿وجَعَلْنا مِنهم أيِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا﴾ [السجدة: ٢٤]) يُثِيرُ سُؤالًا في نَفْسِ السّامِعِ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ سَمِعُوا ما في القُرْآنِ مِن وصْفِ اخْتِلافِ بَنِي إسْرائِيلَ وانْحِرافِهِمْ عَنْ دِينِهِمْ وشاهَدَ كَثِيرٌ مِنهم بَنِي إسْرائِيلَ في زَمانِهِ غَيْرَ مُتَحَلِّينَ بِما يُناسِبُ ما قامَتْ بِهِ أيِمَّتُهم مِنَ الهِدايَةِ فَيَوَدُّ أنْ يَعْلَمَ سَبَبَ ذَلِكَ فَكانَ في هَذِهِ الآيَةِ جَوابُ ذَلِكَ تَعْلِيمًا لِلنَّبِيءِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ.

والخِطابُ لِلنَّبِيءِ. والمُرادُ أُمَّتُهُ تَحْذِيرًا مِن ذَلِكَ وإيماءً إلى وُجُوبِ تَجَنُّبِ الِاخْتِلافِ الَّذِي لا يَدْعُو إلَيْهِ داعٍ في مَصْلَحَةِ الأُمَّةِ وفَهْمِ الدِّينِ.

والفَصْلُ: القَضاءُ والحُكْمُ، وهو يَقْتَضِي أنَّ اخْتِلافَهم أوْقَعَهم في إبْطالِ ما جاءَهم مِنَ الهُدى فَهو اخْتِلافٌ غَيْرُ مُسْتَنِدٍ إلى أدِلَّةٍ ولا جارٍ في مَهْيَعِ أصْلِ الشَّرِيعَةِ؛ ولَكِنَّهُ مُتابَعَةٌ لِلْهَوى ومَيْلٌ لِأعْراضِ الدُّنْيا كَما وصَفَهُ القُرْآنُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ في سُورَةِ البَقَرَةِ وغَيْرِها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥] .

ولَيْسَ مِنهُ اخْتِلافُ أيِمَّةِ الدِّينِ في تَفارِيعِ الأحْكامِ وفي فَهْمِ الدِّينِ مِمّا لا يُنْقِضُ أُصُولَهُ ولا يُخالِفُ نُصُوصَهُ وإنَّما هو إعْمالٌ لِأُصُولِهِ ولِأدِلَّتِهِ في الأحْوالِ المُناسِبَةِ لَها وحَمْلُ مُتَعارِضِها بَعْضِهِ عَلى بَعْضٍ فَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَحْمُودٌ غَيْرُ مَذْمُومٍ؛ وقَدِ اخْتَلَفَ أصْحابُ النَّبِيءِ ﷺ في حَياتِهِ فَلَمْ يُعَنِّفْ أحَدًا، واخْتَلَفُوا بَعْدَ وفاتِهِ فَلَمْ يُعَنِّفْ بَعْضُهم بَعْضًا.

ويَشْمَلُ ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ما كانَ اخْتِلافًا بَيْنَ المُهْتَدِينَ والضّالِّينَ مِنهم وما كانَ اتِّفاقًا مِن جَمِيعِ أُمَّتِهِمْ عَلى الضَّلالَةِ فَإنَّ ذَلِكَ خِلافٌ بَيْنَ المُجْمِعِينَ وبَيْنَ ما

صفحة ٢٣٩

نَطَقَتْ بِهِ شَرِيعَتُهم وسَنَّتْهُ أنْبِياؤُهم، ومِن أعْظَمِ ذَلِكَ الِاخْتِلافِ كِتْمانُهُمُ الشَّهادَةَ بِبَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وجَحْدِهِمْ ما أُخِذَ عَلَيْهِمْ مِنَ المِيثاقِ مِن أنْبِيائِهِمْ.

وضَمِيرُ هو في قَوْلِهِ هو يَفْصِلُ ضَمِيرُ فَصْلٍ لِقَصْرِ الفَصْلِ عَلَيْهِ تَعالى إيماءً إلى أنَّ ما يُذْكَرُ في القُرْآنِ مِن بَيانِ بَعْضِ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى أنْبِيائِهِمْ لَيْسَ مَطْمُوعًا مِنهُ أنْ يَرْتَدِعُوا عَنِ اخْتِلافِهِمْ وإنَّما هو لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ وقَطْعِ مَعْذِرَتِهِمْ لِأنَّهم لا يَقْبَلُونَ الحُجَّةَ فَلا يُفْصَلُ بَيْنَهم إلّا يَوْمَ القِيامَةِ.

32:26Page 417

أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٍۚ أَفَلَا يَسۡمَعُونَ ٢٦

Has it not become clear to them how many generations We destroyed before them, [as] they walk among their dwellings? Indeed in that are signs; then do they not hear?

﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ أفَلا يَسْمَعُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾ [السجدة: ٢٢]، ولَمّا كانَ ذَلِكَ التَّذْكِيرُ مُتَّصِلًا كَقَوْلِهِ (﴿وقالُوا أاْذا ضَلَلْنا في الأرْضِ إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ [السجدة: ١٠]) كانَ الهَدْيُ، أيِ العِلْمُ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ شامِلًا لِلْهَدْيِ إلى دَلِيلِ البَعْثِ وإلى دَلِيلِ العِقابِ عَلى الإعْراضِ عَنِ التَّذْكِيرِ فَأفادَ قَوْلُهُ ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ﴾ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: إهْلاكُ أُمَمٍ كانُوا قَبْلَهم فَجاءَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ بَعْدَهم، وذَلِكَ تَمْثِيلٌ لِلْبَعْثِ وتَقْرِيبٌ لِإمْكانِهِ. وثانِيهِما: إهْلاكُ أُمَمٍ كَذَّبُوا رُسُلَهم فَفِيهِمْ عِبْرَةٌ لَهم أنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَهم.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، أيْ هم لَمْ يَهْتَدُوا بِدَلائِلِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ الَّتِي جاءَهم بِها القُرْآنُ فَأعْرَضُوا عَنْها ولا اتَّعَظُوا بِمَصارِعِ الأُمَمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا أنْبِياءَهم وفي مَهْلِكِهِمْ آياتٌ تَزْجُرُ أمْثالَهم عَنِ السُّلُوكِ فِيما سَلَكُوهُ.

فَضَمِيرُ لَهم عائِدٌ إلى المُجْرِمِينَ أوْ إلى مَن ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ، ويَهْدِ مِنَ الهِدايَةِ وهي الدَّلالَةُ والإرْشادُ، يُقالُ: هَداهُ إلى كَذا.

وضُمِّنَ فِعْلُ يَهْدِ مَعْنى يُبَيِّنُ، فَعُدِّيَ بِاللّامِ فَأفادَ هِدايَةً واضِحَةً بَيِّنَةً. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ﴾ [الأعراف: ١٠٠] في سُورَةِ الأعْرافِ. واخْتِيرَ فِعْلُ الهِدايَةِ في هَذِهِ الآيَةِ لِإرادَةِ الدَّلالَةِ الجامِعَةِ لِلْمُشاهَدَةِ ولِسَماعِ أخْبارِ تِلْكَ الأُمَمِ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ في آخِرِها أفَلا يَسْمَعُونَ، ولِأنَّ كَثْرَةَ

صفحة ٢٤٠

ذَلِكَ المُسْتَفادَةَ مِن كَمِ الخَبَرِيَّةِ إنَّما تَحْصُلُ بِتَرْتِيبِ الِاسْتِدْلالِ في تَواتُرِ الأخْبارِ ولا تَحْصُلُ دُفْعَةً كَما تَحْصُلُ دَلالَةُ المُشاهَداتِ.

وفاعِلُ يَهْدِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ كَمِ الخَبَرِيَّةُ مِن مَعْنى الكَثْرَةِ: ولا يَجُوزُ عِنْدَ الجُمْهُورِ جَعْلُ كَمْ فاعِلَ يَهْدِ لِأنَّ كَمِ الخَبَرِيَّةَ اسْمٌ لَهُ الصَّدارَةُ في الِاسْتِعْمالِ إذْ أصْلُهُ اسْتِفْهامٌ فَتُوُسِّعَ فِيهِ.

ويَجُوزُ جَعْلُ كَمْ فاعِلًا عِنْدَ مَن لَمْ يَشْتَرِطُوا أنْ تَكُونَ كَمِ الخَبَرِيَّةُ في صَدْرِ الكَلامِ. وجُوِّزَ في الكَشّافِ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ جُمْلَةَ كَمْ أهْلَكْنا عَلى مَعْنى الحِكايَةِ لِهَذا القَوْلِ، كَما يُقالُ: تَعْصِمُ (لا إلَهَ إلّا اللَّهُ) الدِّماءَ والأمْوالَ، أيْ هَذِهِ الكَلِمَةُ أيِ النُّطْقُ بِها لِتَقَلُّدِ الإسْلامِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلَ ضَمِيرُ الجَلالَةِ دالًّا عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ ألَمْ يَهْدِ اللَّهُ لَهم فَإنَّ اللَّهَ بَيَّنَ لَهم ذَلِكَ وذَكَّرَهم بِمَصارِعِ المُكَذِّبِينَ، وتَكُونَ جُمْلَةُ كَمْ أهْلَكْنا عَلى هَذا اسْتِئْنافًا، وتَقَدَّمَ ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ [الأنعام: ٦] في أوَّلِ الأنْعامِ.

ونِيطَ الِاسْتِدْلالُ هُنا بِالكَثْرَةِ الَّتِي أفادَتْها كَمِ الخَبَرِيَّةُ لِأنَّ تَكَرُّرَ حُدُوثِ القُرُونِ وزَوالِها أقْوى دَلالَةً مِن مُشاهَدَةِ آثارِ أُمَّةٍ واحِدَةٍ.

و﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ أوَلَمْ يَرَوْا والمَعْنى: أنَّهم يَمُرُّونَ عَلى المَواضِعِ الَّتِي فِيها بَقايا مَساكِنِهِمْ مِثْلَ حِجْرِ ثَمُودَ ودِيارِ مَدْيَنَ فَتُعَضِّدُ مُشاهَدَةُ مَساكِنِهِمُ الأخْبارَ الوارِدَةَ عَنِ اسْتِئْصالِهِمْ وهي دَلائِلُ إمْكانِ البَعْثِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦٠] ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم فِيما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١]، ودَلائِلُ ما يَحِيقُ بِالمُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ؛ وفي كُلِّ أُمَّةٍ ومَوْطِنٍ دَلائِلُ كَثِيرَةٌ مُتَماثِلَةٌ أوْ مُتَخالِفَةٌ.

ولَمّا كانَ الَّذِي يُؤْثَرُ مِن أخْبارِ تِلْكَ الأُمَمِ وتَقَلُّباتِ أحْوالِها وزَوالِ قُوَّتِها ورَفاهِيَتِها أشَدَّ دَلالَةً ومَوْعِظَةً لِلْمُشْرِكِينَ - فُرِّعَ عَلَيْهِ أفَلا يَسْمَعُونَ اسْتِفْهامًا تَقْرِيرِيًّا مَشُوبًا بِتَوْبِيخٍ لِأنَّ اجْتِلابَ المُضارِعِ وهو يَسْمَعُونَ مُؤْذِنٌ بِأنَّ اسْتِماعَ أخْبارِ تِلْكَ الأُمَمِ مُتَكَرِّرٌ مُتَجَدِّدٌ فَيَكُونُ التَّوْبِيخُ عَلى الإقْرارِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ أوْقَعَ، بِخِلافِ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ أفَلا يُبْصِرُونَ. وقَدْ شاعَ تَوْجِيهُ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ إلى المَنفِيِّ، وتَقَدَّمَ

صفحة ٢٤١

عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] في سُورَةِ الأنْعامِ وقَوْلِهِ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٤٨] في سُورَةِ الأعْرافِ.

32:27Page 417

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَآءَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ فَنُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا تَأۡكُلُ مِنۡهُ أَنۡعَٰمُهُمۡ وَأَنفُسُهُمۡۚ أَفَلَا يُبۡصِرُونَ ٢٧

Have they not seen that We drive water [in clouds] to barren land and bring forth thereby crops from which their livestock eat and [they] themselves? Then do they not see?

﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى أوْ لَمْ يَهْدِ لَهم. ونِيطَ الِاسْتِدْلالُ هُنا بِالرُّؤْيَةِ لِأنَّ إحْياءَ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها ثُمَّ إخْراجَ النَّبْتِ مِنها دَلالَةٌ مُشاهَدَةٌ. واخْتِيرَ المُضارِعُ في قَوْلِهِ نَسُوقُ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ العَجِيبَةِ الدّالَّةِ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ.

والسَّوْقُ: إزْجاءُ الماشِي مِن ورائِهِ.

والماءُ: ماءُ المُزْنِ، وسَوْقُهُ إلى الأرْضِ هو سَوْقُ السَّحابِ الحامِلَةِ إيّاهُ بِالرِّياحِ الَّتِي تَنْقِلُ السَّحابَ مِن جَوٍّ إلى جَوٍّ؛ فَشُبِّهَتْ هَيْئَةُ الرِّياحِ والسَّحابِ بِهَيْئَةِ السّائِقِ لِلدّابَّةِ. والتَّعْرِيفُ في الأرْضِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ.

والجُرُزُ: اسْمٌ لِلْأرْضِ الَّتِي انْقَطَعَ نَبْتُها، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الجَرْزِ، وهو: انْقِطاعُ النَّبْتِ والحَشِيشِ، إمّا بِسَبَبِ يُبْسِ الأرْضِ أوْ بِالرَّعْيِ، والجَرْزُ: القَطْعُ. وسُمِّيَ السَّيْفُ القاطِعُ جُرازًا، قالَ الرّاجِزُ يَصِفُ أسْنانَ ناقَةٍ:

تُنْحِي عَلى الشَّوْكِ جُرازًا مِقْضَبًا والهَرْمَ تَذْرِيهِ إذْدِراءً عَجَبا

فالأرْضُ الجُرُزُ: الَّتِي انْقَطَعَ نَبْتُها. ولا يُقالُ لِلْأرْضِ الَّتِي لا تُنْبِتُ كالسِّباخِ جُرُزٌ. والزَّرْعُ: ما نَبَتَ بِسَبَبِ بَذْرِ حُبُوبِهِ في الأرْضِ كالشَّعِيرِ والبُرِّ والفِصْفِصَةِ، وأكْلُ الأنْعامِ غالِبُهُ مِنَ الكَلَأِ لا مِنَ الزَّرْعِ فَذِكْرُ الزَّرْعِ بِلَفْظِهِ، ثُمَّ ذِكْرُ أكْلِ الأنْعامِ يَدُلُّ عَلى تَقْدِيرِ: وكَلَأ. فَفي الكَلامِ اكْتِفاءٌ. والتَّقْدِيرُ: ونُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا وكَلَأً تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم. والمَقْصُودُ: الِاسْتِدْلالُ عَلى البَعْثِ وتَقْرِيبِهِ وإمْكانِهِ بِإخْراجِ النَّبْتِ مِنَ الأرْضِ بَعْدَ أنْ زالَ؛ فَوُجِّهَ الأوَّلُ، وأُدْمِجَ في هَذا الِاسْتِدْلالِ امْتِنانٌ بِقَوْلِهِ ﴿تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهُمْ﴾ .

ثُمَّ فُرِّعَ عَلَيْهِ اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرِيٌّ بِجُمْلَةِ أفَلا يُبْصِرُونَ. وتَقَدَّمَ بَيانُ مِثْلِهِ آنِفًا

صفحة ٢٤٢

فِي قَوْلِهِ أفَلا يَسْمَعُونَ. ونِيطَ الحُكْمُ بِالإبْصارِ هُنا لِأنَّ دَلالَةَ إحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها دَلالَةٌ مُشاهَدَةٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском