Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
As-Sajdah 32:7–13
32:7–9Page 415
ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥۖ وَبَدَأَ خَلۡقَ ٱلۡإِنسَٰنِ مِن طِينٖ ٧
Who perfected everything which He created and began the creation of man from clay.
ثُمَّ جَعَلَ نَسۡلَهُۥ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن مَّآءٖ مَّهِينٖ ٨
Then He made his posterity out of the extract of a liquid disdained.
ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦۖ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ٩
Then He proportioned him and breathed into him from His [created] soul1 and made for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect]; little are you grateful.
﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾
خَبَرٌ آخَرُ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ أوْ وصْفٌ آخَرُ لِـ ”عالِمُ الغَيْبِ“، وهو ارْتِقاءٌ في الِاسْتِدْلالِ مَشُوبٌ بِامْتِنانٍ عَلى النّاسِ أنْ أحْسَنَ خَلْقَهم في جُمْلَةِ إحْسانِ خَلْقِ كُلِّ شَيْءٍ وبِتَخْصِيصِ خَلْقِ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ. والمَقْصُودُ: أنَّهُ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ - وخاصَّةً الإنْسانَ - خَلْقًا بَعْدُ أنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا، وأخْرَجَ أصْلَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ كَوَّنَ فِيهِ نِظامَ النَّسْلِ مِن ماءٍ، فَكَيْفَ تُعْجِزُهُ إعادَةُ أجْزائِهِ.
والإحْسانُ: جَعْلُ الشَّيْءِ حَسَنًا، أيْ مَحْمُودًا غَيْرَ مَعِيبٍ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ وافِيًا بِالمَقْصُودِ مِنهُ فَإنَّكَ إذا تَأمَّلْتَ الأشْياءَ رَأيْتَها مَصْنُوعَةً عَلى ما يَنْبَغِي، فَصَلابَةُ الأرْضِ مَثَلًا لِلسَّيْرِ عَلَيْها، ورِقَّةُ الهَواءِ لِيَسْهُلَ انْتِشاقُهُ لِلتَّنَفُّسِ، وتَوَجُّهُ لَهِيبِ النّارِ إلى فَوْقُ لِأنَّها لَوْ كانَتْ مِثْلَ الماءِ تَلْتَهِبُ يَمِينًا وشِمالًا لَكَثُرَتِ الحَرائِقُ فَأمّا الهَواءُ فَلا يَقْبَلُ الِاحْتِراقَ.
وقَوْلُهُ (خَلَقَهُ) قَرَأهُ
نافِعٌ
وعاصِمٌ
وحَمْزَةُ
والكِسائِيُّ
وخَلَفٌ
بِصِيغَةِ فِعْلِ المُضِيِّ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِـ ”شَيْءٍ“ أيْ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ المَوْجُوداتِ الَّتِي خَلَقَها وهم يَعْرِفُونَ كَثِيرًا مِنها.
وقَرَأهُ الباقُونَ بِسُكُونِ اللّامِ عَلى أنَّهُ اسْمٌ هو بَدَلٌ مِن ”كُلَّ شَيْءٍ“ بَدَلَ اشْتِمالٍ.
صفحة ٢١٦
وتَخَلَّصَ مِن هَذا الوَصْفِ العامِّ إلى خَلْقِ الإنْسانِ لِأنَّ في خِلْقَةِ الإنْسانِ دَقائِقُ في ظاهِرِهِ وباطِنِهِ وأعْظَمُها العَقْلُ.
والإنْسانُ أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ، وبَدْءُ خَلْقِهِ هو خَلْقُ أصْلِهِ آدَمَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١]، أيْ خَلَقْنا أباكم ثُمَّ صَوَّرْناهُ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ. ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى هُنا قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ بُدِئَ مِن أوَّلِ نَسْلٍ لِآدَمَ وحَوّاءَ، وقَدْ تَقَدَّمَ خَلْقُ آدَمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. ومِن في قَوْلِهِ ”مِن طِينٍ“ ابْتِدائِيَّةٌ.
والنَّسْلُ: الأبْناءُ والذُّرِّيَّةُ. سُمِّيَ نَسْلًا لِأنَّهُ يَنْسَلُّ، أيْ يَنْفَصِلُ مِن أصْلِهِ وهو مَأْخُوذٌ مِن نَسَلَ الصُّوفُ والوَبَرُ إذا سَقَطَ عَنْ جِلْدِ الحَيَوانِ، وهو مِن بابَيْ كَتَبَ وضَرَبَ.
و”مِن“ في قَوْلِهِ ”مِن سُلالَةٍ“ ابْتِدائِيَّةٌ. وسُمِّيَتِ النُّطْفَةُ الَّتِي يَتَقَوَّمُ مِنها تَكْوِينُ الجَنِينِ سُلالَةً كَما في الآيَةِ لِأنَّها تَنْفَصِلُ عَنِ الرَّجُلِ، فَقَوْلُهُ ”مِن ماءٍ مَهِينٍ“ بَيانٌ لِـ ”سُلالَةٍ“ . و”مِن“ بَيانِيَّةٌ، فالسُّلالَةُ هي الماءُ المَهِينُ، هَذا هو الظّاهِرُ لِمُتَعارَفِ النّاسِ؛ ولَكِنْ في الآيَةِ إيماءٌ عِلْمِيٌّ لَمْ يُدْرِكْهُ النّاسُ إلّا في هَذا العَصْرِ وهو أنَّ النُّطْفَةَ يَتَوَقَّفُ تَكَوُّنُ الجَنِينِ عَلَيْها لِأنَّهُ يَتَكَوَّنُ مِن ذَرّاتٍ فِيها تَخْتَلِطُ مَعَ سُلالَةٍ مِنَ المَرْأةِ وما زادَ عَلى ذَلِكَ يَذْهَبُ فَضْلُهُ، فالسُّلالَةُ الَّتِي تَنْفَرِزُ مِنَ الماءِ المَهِينِ هي النَّسْلُ لا جَمِيعُ الماءِ المَهِينِ، فَتَكُونُ ”مِن“ في قَوْلِهِ ”مِن ماءٍ مَهِينٍ“ لِلتَّبْعِيضِ أوْ لِلِابْتِداءِ.
والمَهِينُ: الشَّيْءُ المُمْتَهَنُ الَّذِي لا يُعْبَأُ بِهِ. والغَرَضُ مِن إجْراءِ هَذا الوَصْفِ عَلَيْهِ الِاعْتِبارُ بِنِظامِ التَّكْوِينِ إذْ جَعَلَ اللَّهُ تَكْوِينَ هَذا الجِنْسِ المُكْتَمِلِ التَّرْكِيبِ العَجِيبِ الآثارِ مِن نَوْعِ ماءٍ مِهْراقٍ لا يُعْبَأُ بِهِ ولا يُصانُ.
والتَّسْوِيَةُ: التَّقْوِيمُ، قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ”سَوّاهُ“ عائِدٌ إلى ”نَسْلِهِ“ لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ ولِأنَّهُ ظاهِرُ العَطْفِ بِـ ”ثُمَّ“ وإنْ كانَ آدَمُ قَدْ سُوِّيَ ونُفِخَ فِيهِ مِنَ الرُّوحِ، قالَ تَعالى:
صفحة ٢١٧
﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] . وذِكْرُ التَّسْوِيَةِ ونَفْخِ الرُّوحِ في جانِبِ النَّسْلِ يُؤْذِنُ بِأنَّ أصْلَهُ كَذَلِكَ، فالكَلامُ إيجازٌ.
وإضافَةُ الرُّوحِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِلتَّنْوِيهِ بِذَلِكَ السِّرِّ العَجِيبِ الَّذِي لا يَعْلَمُ تَكْوِينَهُ إلّا هو تَعالى، فالإضافَةُ تُفِيدُ أنَّهُ مِن أشَدِّ المَخْلُوقاتِ اخْتِصاصًا بِاللَّهِ تَعالى وإلّا فالمَخْلُوقاتُ كُلُّها لِلَّهِ.
والنَّفْخُ: تَمْثِيلٌ لِسَرَيانِ اللَّطِيفَةِ الرُّوحانِيَّةِ في الكَثِيفَةِ الجَسَدِيَّةِ مَعَ سُرْعَةِ الإيداعِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] في سُورَةِ الحِجْرِ.
والِانْتِقالُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ في قَوْلِهِ ”وجَعَلَ لَكُمُ“ التِفاتٌ لِأنَّ المُخاطَبِينَ مِن أفْرادِ النّاسِ وجَعْلَ السَّمْعِ والأبْصارِ والأفْئِدَةِ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ غَيْرُ خاصٍّ بِالمُخاطَبِينَ فَلَمّا انْتَهَضَ الِاسْتِدْلالُ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ وإتْقانِ المُرادِ مِنَ المَصْنُوعاتِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم بِطَرِيقَةِ الغَيْبَةِ الشّامِلِ لِلْمُخاطَبِينَ وغَيْرِهِمْ ناسَبَ أنْ يُلْتَفَتَ إلى الحاضِرِينَ بِنَقْلِ الكَلامِ إلى الخِطابِ لِأنَّهُ آثَرُ بِالِامْتِنانِ وأسْعَدُ بِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالتَّوْبِيخِ في قَوْلِهِ ”قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ“ . والِامْتِنانُ بِقُوى الحَواسِّ وقُوى العَقْلِ أقْوى مِنَ الِامْتِنانِ بِالخَلْقِ وتَسْوِيَتِهِ لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِالحَواسِّ والإدْراكِ مُتَكَرِّرٌ مُتَجَدِّدٌ فَهو مَحْسُوسٌ بِخِلافِ التَّكْوِينِ والتَّقْوِيمِ فَهو مُحْتاجٌ إلى النَّظَرِ في آثارِهِ.
والعُدُولُ عَنْ أنْ يُقالَ: وجَعَلَكم سامِعِينَ مُبْصِرِينَ عالِمِينَ إلى ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ أعْرَقُ في الفَصاحَةِ، ولِما تُؤْذِنُ بِهِ اللّامُ مِن زِيادَةِ المِنَّةِ في هَذا الجَعْلِ إذْ كانَ جَعْلًا لِفائِدَتِهِمْ ولِأجْلِهِمْ، ولِما في تَعْلِيقِ الأجْناسِ مِنَ السَّمْعِ والأبْصارِ والأفْئِدَةِ بِفِعْلِ الجَعْلِ مِنَ الرَّوْعَةِ والجَلالِ في تَمَكُّنِ التَّصَرُّفِ، ولِأنَّ كَلِمَةَ الأفْئِدَةِ أجْمَعُ مِن كَلِمَةِ عاقِلِينَ لِأنَّ الفُؤادَ يَشْمَلُ الحَواسَّ الباطِنَةَ كُلَّها والعَقْلُ بَعْضٌ مِنها.
وأفْرَدَ السَّمْعَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ لا يُجْمَعُ، وجَمَعَ الأبْصارَ والأفْئِدَةَ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ النّاسِ.
وتَقْدِيمُ السَّمْعِ عَلى البَصَرِ تَقَدَّمَ وجْهُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]
صفحة ٢١٨
فِي سُورَةِ البَقَرَةِ. وتَقْدِيمُ السَّمْعِ والأبْصارِ هُنا عَكْسَ آيَةِ البَقَرَةِ لِأنَّهُ رُوعِيَ هُنا تَرْتِيبُ حُصُولِها في الوُجُودِ فَإنَّهُ يَكْتَسِبُ المَسْمُوعاتِ والمُبْصِراتِ قَبْلَ اكْتِسابِ التَّعَقُّلِ.
و”قَلِيلًا“ اسْمُ فاعِلٍ مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ”لَكم“، و”ما تَشْكُرُونَ“ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ وهو مُرْتَفِعٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِـ ”قَلِيلًا“، أيْ: أنْعَمَ عَلَيْكم بِهَذِهِ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ وحالُكم قِلَّةُ الشُّكْرِ. ثُمَّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَلِيلًا مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ وهي كَوْنُ الشَّيْءِ حاصِلًا ولَكِنَّهُ غَيْرُ كَثِيرٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ العَدَمِ كَقَوْلِهِ تَعالى ”﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥]“ . وعَلى الوَجْهَيْنِ يَحْصُلُ التَّوْبِيخُ لِأنَّ النِّعَمَ المُسْتَحِقَّةَ لِلشُّكْرِ وافِرَةٌ دائِمَةٌ فالتَّقْصِيرُ في شُكْرِها وعَدَمُ الشُّكْرِ سَواءٌ.
32:10Page 415
وَقَالُوٓاْ أَءِذَا ضَلَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدِۭۚ بَلۡ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ كَٰفِرُونَ ١٠
And they say, "When we are lost [i.e., disintegrated] within the earth, will we indeed be [recreated] in a new creation?" Rather, they are, in the meeting with their Lord, disbelievers.
﴿وقالُوا أاْذا ضَلَلْنا في الأرْضِ إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ .
الواوُ لِلْحالِ، والحالُ لِلتَّعْجِيبِ مِنهم كَيْفَ أحالُوا إعادَةَ الخَلْقِ وهم يَعْلَمُونَ النَّشْأةَ الأُولى، ولَيْسَتِ الإعادَةُ بِأعْجَبَ مِن بَدْءِ الخَلْقِ وخاصَّةً بَدْءَ خَلْقِ آدَمَ عَنْ عَدَمٍ، وخُلُوُّ الجُمْلَةِ الماضَوِيَّةِ عَنْ حَرْفِ (قَدْ) لا يَقْدَحُ في كَوْنِها حالًا عَلى التَّحْقِيقِ.
والِاسْتِفْهامُ في ”أاْذا ضَلَلْنا“ لِلتَّعَجُّبِ والإحالَةِ، أيْ أظْهَرُوا في كَلامِهِمُ اسْتِبْعادَ البَعْثِ بَعْدَ فَناءِ الأجْسادِ واخْتِلاطِها بِالتُّرابِ، مُغالَطَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وتَرْوِيجًا لِكُفْرِهِمْ. والضَّلالُ: الغِيابُ، ومِنهُ: ضَلالُ الطَّرِيقِ، والضّالَّةُ: الدّابَّةُ الَّتِي ابْتَعَدَتْ عَنْ أهْلِها فَلَمْ يُعْرَفْ مَكانُها. وأرادُوا بِذَلِكَ إذا تَفَرَّقَتْ أجْزاءُ أجْسادِنا في خِلالِ الأرْضِ واخْتَلَطَتْ بِتُرابِ الأرْضِ. وقِيلَ: الضَّلالُ في الأرْضِ: الدُّخُولُ فِيها بِناءً عَلى أنَّهُ يُقالُ: أضَلَّ النّاسُ المَيِّتَ، أيْ دَفَنُوهُ. وأنْشَدُوا قَوْلَ النّابِغَةِ في رِثاءِ النُّعْمانِ بْنِ الحارِثِ الغَسّانِيِّ:
فَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ وغُودِرَ بِالجَوْلانِ حَزْمٌ ونائِلُ
وقَرَأهُ نافِعٌ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ: (﴿أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾) بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى
صفحة ٢١٩
الإخْبارِ اكْتِفاءً بِدُخُولِ الِاسْتِفْهامِ عَلى أوَّلِ الجُمْلَةِ ومُتَعَلِّقِها. وقَرَأ الباقُونَ (﴿أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾) بِهَمْزَتَيْنِ أُولاهُما لِلِاسْتِفْهامِ والثّانِيَةُ تَأْكِيدًا لِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ الدّاخِلَةِ عَلى ﴿أاْذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ .
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِتَرْكِ الِاسْتِفْهامِ في المَوْضِعَيْنِ عَلى أنَّ الكَلامَ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهَكُّمِ.
وتَأْكِيدُ جُمْلَةِ (﴿إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾) بِحَرْفِ ”إنَّ“ لِأنَّهم حَكَوُا القَوْلَ الَّذِي تَعَجَّبُوا مِنهُ وهو ما في القُرْآنِ مِن تَأْكِيدِ تَجْدِيدِ الخَلْقِ فَحَكَوْهُ بِالمَعْنى كَما في الآيَةِ الأُخْرى ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٧]، أيْ يُحَقِّقُ لَكم ذَلِكَ.
و”إذا“ ظَرْفٌ وهو مَعْمُولٌ لِما في جُمْلَةِ (﴿إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾) مِن مَعْنى الكَوْنِ. والخَلْقُ: مَصْدَرٌ.
و”في“ لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ ومَعْناها المُصاحَبَةُ.
والجَدِيدُ: المُحْدَثُ، أيْ غَيْرِ خَلْقِنا الَّذِي كُنّا فِيهِ.
و”بَلْ“ مِن ﴿بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ إضْرابٌ عَنْ كَلامِهِمْ، أيْ لَيْسَ إنْكارُهُمُ البَعْثَ لِلِاسْتِبْعادِ والِاسْتِحالَةِ لِأنَّ دَلائِلَ إمْكانِهِ واضِحَةٌ لِكُلِّ مُتَأمِّلٍ ولَكِنَّ الباعِثَ عَلى إنْكارِهِمْ إيّاهُ هو كُفْرُهم بِلِقاءِ اللَّهِ، أيْ كُفْرُهُمُ الَّذِي تَلَقَّوْهُ عَنْ أئِمَّتِهِمْ عَنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، فالمَعْنى: بَلْ هم قَدْ أيْقَنُوا بِانْتِفاءِ البَعْثِ فَهم مُتَعَنِّتُونَ في الكُفْرِ مُصِرُّونَ عَلَيْهِ لا تَنْفَعُهُمُ الآياتُ والأدِلَّةُ، فالكُفْرُ المُثْبَتُ هُنا كُفْرٌ خاصٌّ وهو غَيْرُ الكُفْرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم (﴿أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾) فَإنَّهُ كُفْرٌ بِلِقاءِ اللَّهِ لَكِنَّهم أظْهَرُوهُ في صُورَةِ الِاسْتِبْعادِ تَشْكِيكًا لِلْمُؤْمِنِينَ وتَرْوِيجًا لِكُفْرِهِمْ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى ”كافِرُونَ“ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ. والإتْيانُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِإفادَةِ الدَّوامِ عَلى كُفْرِهِمْ والثَّباتِ عَلَيْهِ.
32:11Page 415
۞ قُلۡ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلۡمَوۡتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ ١١
Say, "The angel of death who has been entrusted with you will take you. Then to your Lord you will be returned."
صفحة ٢٢٠
﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾
اسْتِئْنافُّ ابْتِدائِيٌّ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ المُقاوَلاتِ لِأنَّ جُمْلَةَ ”قُلْ“ في مَعْنى جَوابٍ لِقَوْلِهِمْ (﴿أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠]) أُمِرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْ يُعِيدَ إعْلامَهم بِأنَّهم مَبْعُوثُونَ بَعْدَ المَوْتِ. فالمَقْصُودُ مِنَ الجُمْلَةِ هو قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ [الجاثية: ١٥] إذْ هو مَناطُ إنْكارِهِمْ، وأمّا أنَّهم يَتَوَفّاهم مَلَكُ المَوْتِ فَذَكَرَهُ لِتَذْكِيرِهِمْ بِالمَوْتِ وهم لا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّهم ألْهَتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا عَنِ النَّظَرِ في إمْكانِ البَعْثِ والِاسْتِعْدادِ لَهُ فَذُكِّرُوا بِهِ ثُمَّ أُدْمِجَ فِيهِ ذِكْرُ مَلَكِ المَوْتِ لِزِيادَةِ التَّخْوِيفِ مِنَ المَوْتِ والتَّعْرِيضِ بِالوَعِيدِ مِن قَوْلِهِ ”الَّذِي وُكِّلَ بِكم“ فَإنَّهُ مُوَكَّلٌ بِكُلِّ مَيِّتٍ بِما يُناسِبُ مُعامَلَتَهُ عِنْدَ قَبْضِ رُوحِهِ.
وفِيهِ إبْطالٌ لِجَهْلِهِمْ بِأنَّ المَوْتَ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ كَما خَلَقَهم يُمِيتُهم وكَما يُمِيتُهم يُحْيِيهِمْ، وأنَّ الإماتَةَ والإحْياءَ بِإذْنِهِ وتَسْخِيرِ مَلائِكَتِهِ في الحالَيْنِ، وذَلِكَ إبْطالٌ لِقَوْلِهِ ﴿ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا﴾ [الجاثية: ٢٤] فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّهم لا يَخْرُجُونَ عَنْ قَبْضَةِ تَصَرُّفِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ لا في حالِ الحَياةِ ولا في حالِ المَماتِ. وإذا كانَ مَوْتُهم بِفِعْلِ مَلَكِ المَوْتِ المُوَكَّلِ مِنَ اللَّهِ بِقَبْضِ أرْواحِهِمْ ظَهَرَ أنَّهم مَرْدُودَةٌ إلَيْهِمْ أرْواحُهم مَتى شاءَ اللَّهُ.
والتَّوَفِّي: الإماتَةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] في سُورَةِ الأنْعامِ وقَوْلِهِ ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ﴾ [الأنفال: ٥٠] في الأنْفالِ.
ومَلَكُ المَوْتِ هو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِقَبْضِ الأرْواحِ وقَدْ ورَدَ ذِكْرُهُ في القُرْآنِ مُفْرَدًا كَما هُنا ووَرَدَ مَجْمُوعًا في قَوْلِهِ ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ﴾ [الأنفال: ٥٠] في سُورَةِ الأنْفالِ وقَوْلِهِ ”﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ [الأنعام: ٦١]“ في سُورَةِ الأنْعامِ؛ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ مَلائِكَةً كَثِيرِينَ لَقَبْضِ الأرْواحِ وجَعَلَ مُبَلِّغَ أمْرِ اللَّهِ بِذَلِكَ عِزْرائِيلَ فَإسْنادُ التَّوَفِّي إلَيْهِ كَإسْنادِهِ إلى اللَّهِ في قَوْلِهِ ”﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ﴾ [الزمر: ٤٢]“، وجَعَلَ المَلائِكَةَ المُوَكَّلِينَ بِقَبْضِ الأرْواحِ أعْوانًا لَهُ وأُولَئِكَ يُسَلِّمُونَ الأرْواحَ إلى عِزْرائِيلَ فَهو يَقْبِضُها ويُودِعُها في مَقارِّها الَّتِي أعَدَّها
صفحة ٢٢١
اللَّهُ لَها، ولَمْ يَرِدِ اسْمُ عِزْرائِيلَ في القُرْآنِ. وقِيلَ: إنَّ مَلَكَ المَوْتِ في هَذِهِ الآيَةِ مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ فَتَكُونُ كَقَوْلِهِ ”﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ [الأنعام: ٦١]“ .
32:12Page 416
وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ رَبَّنَآ أَبۡصَرۡنَا وَسَمِعۡنَا فَٱرۡجِعۡنَا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ١٢
If you could but see when the criminals are hanging their heads before their Lord, [saying], "Our Lord, we have seen and heard, so return us [to the world]; we will work righteousness. Indeed, we are [now] certain."
﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾
أرْدَفَ ذِكْرَ إنْكارِهِمُ البَعْثَ بِتَصْوِيرِ حالِ المُنْكِرِينَ أثَرَ البَعْثِ وذَلِكَ عِنْدَ حَشْرِهِمْ إلى الحِسابِ، وجِيءَ في تَصْوِيرِ حالِهِمْ بِطَرِيقَةِ حَذْفِ جَوابِ لَوْ حَذْفًا يُرادِفُهُ أنْ تَذْهَبَ نَفْسُ السّامِعِ كُلَّ مَذْهَبٍ مِن تَصْوِيرِ فَظاعَةِ حالِهِمْ وهَوْلِ مَوْقِفِهِمْ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِمْ، وبِتَوْجِيهِ الخِطابِ إلى غَيْرِ مُعَيَّنٍ لِإفادَةِ تَناهِي حالِهِمْ في الظُّهُورِ حَتّى لا يَخْتَصَّ بِهِ مُخاطَبٌ. والمَعْنى: لَوْ تَرى أيُّها الرّائِي لَرَأيْتَ أمْرًا عَظِيمًا.
والمُجْرِمُونَ هُمُ الَّذِينَ قالُوا (﴿أاْذا ضَلَلْنا في الأرْضِ إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠])، فَهو إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِقَصْدِ التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ مُجْرِمُونَ، أيْ آتُونَ بِجُرْمٍ وهو جُرْمُ تَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ وتَعْطِيلِ الدَّلِيلِ.
والنّاكِسُ: الَّذِي يَجْعَلُ أعْلى شَيْءٍ إلى أسْفَلَ، يُقالُ: نَكَّسَ رَأْسَهُ، إذا طَأْطَأهُ لِأنَّهُ كَمَن جَعَلَ أعْلى الشَّيْءِ إلى أسْفَلَ.
ونَكْسُ الرُّءُوسِ عَلامَةُ الذُّلِّ والنَّدامَةِ، وذَلِكَ مِمّا يُلاقُونَ مِنَ التَّقْرِيعِ والإهانَةِ.
والعِنْدِيَّةُ: عِنْدِيَّةُ السُّلْطَةِ، أيْ: وهم في حُكْمِ رَبِّهِمْ لا يَسْتَطِيعُونَ مَحِيدًا عَنْهُ، فَشَبَّهَ ذَلِكَ بِالكَوْنِ في مَكانٍ مُخْتَصٍّ بِرَبِّهِمْ في أنَّهم لا يُفْلِتُونَ مِنهُ.
وجُمْلَةُ ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا﴾ إلى آخِرِها مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ هو في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ يَقُولُونَ أوْ قائِلِينَ: أبْصَرْنا وسَمِعْنا، وهم يَقُولُونَ ذَلِكَ نَدامَةً وإقْرارًا بِأنَّ ما تَوَعَّدَهُمُ القُرْآنُ بِهِ حَقٌّ.
وحَذْفُ مَفْعُولِ أبْصَرْنا ومَفْعُولِ سَمِعْنا لِدَلالَةِ المَقامِ، أيْ أبْصَرْنا مِنَ الدَّلائِلِ المُبْصَرَةِ ما يُصَدِّقُ ما أخْبَرَنا بِهِ فَقَدْ رَأوُا البَعْثَ مِنَ القُبُورِ ورَأوْا ما يُعامَلُ بِهِ المُكَذِّبُونَ، وسَمِعْنا مِن أقْوالِ المَلائِكَةِ ما فِيهِ تَصْدِيقُ الوَعِيدِ الَّذِي تَوَعَّدَنا
صفحة ٢٢٢
بِهِ، أيْ فَعَلِمْنا أنَّ ما دَعانا إلَيْهِ الرَّسُولُ هو الحَقُّ الَّذِي بِهِ النَّجاةُ مِنَ العَذابِ فارْجِعْنا إلى الدُّنْيا نَعْمَلْ صالِحًا كَما قالُوا في مَوْطِنٍ آخَرَ ﴿رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ [إبراهيم: ٤٤] .
وقَوْلُهُ ”﴿إنّا مُوقِنُونَ﴾“ تَعْلِيلٌ لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ بِأنَّهم صارُوا مُوقِنِينَ بِحَقِيَّةِ ما يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ ﷺ إلَيْهِ فَكانَتْ ”إنَّ“ مُغَنِيَةً غَناءَ فاءِ التَّفْرِيعِ المُفِيدَةِ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ ما يَمْنَعُنا مِن تَحْقِيقِ ما وُعِدْنا بِهِ شَكٌ ولا تَكْذِيبٌ، إنّا أيْقَنّا الآنَ أنَّ ما دُعِينا إلَيْهِ حَقٌّ.
فاسْمُ الفاعِلِ في قَوْلِهِ ”مُوقِنُونَ“ واقِعٌ زَمانَ الحالِ كَما هو أصْلُهُ.
32:13Page 416
وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا وَلَٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّي لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ١٣
And if We had willed, We could have given every soul its guidance, but the word1 from Me will come into effect [that] "I will surely fill Hell with jinn and people all together.
﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾
اعْتِراضٌ بَيْنَ القَوْلِ المُقَدَّرِ قَبْلَ قَوْلِهِ ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا﴾ [السجدة: ١٢] وبَيْنَ الجَوابِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ﴾ [السجدة: ١٤] فالواوُ الَّتِي في صَدْرِ الجُمْلَةِ اعْتِراضِيَّةٌ، وهي مِن قَبِيلِ واوِ الحالِ.
ومَفْعُولُ فِعْلِ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ عَلى ما هو الغالِبُ في فِعْلِ المَشِيئَةِ الواقِعِ شَرْطًا اسْتِغْناءً عَنِ المَفْعُولِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوابُ الشَّرْطِ.
والمَعْنى: لَوْ شِئْنا لَجَبَلْنا كُلَّ نَفْسٍ عَلى الِانْسِياقِ إلى الهُدى بِدُونِ اخْتِيارٍ كَما جُبِلَتِ العَجْماواتُ عَلى ما أُلْهِمَتْ إلَيْهِ مِن نِظامِ حَياةِ أنْواعِها فَلَكانَتِ النُّفُوسُ غَيْرَ مُحْتاجَةٍ إلى النَّظَرِ في الهُدى وضِدِّهِ، ولا إلى دَعْوَةٍ مِنَ اللَّهِ إلى طَرِيقِ الهُدى، ولَكِنَّ اللَّهَ لَمّا أرادَ أنْ يَكِلَ إلى نَوْعِ الإنْسانِ تَعْمِيرَ هَذا العالَمِ، وأنْ يَجْعَلَهُ عُنْوانًا لِعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ، وأنْ يُفَضِّلَهُ عَلى جَمِيعِ الأنْواعِ والأجْناسِ العامِرَةِ لِهَذا العالَمِ؛ اقْتَضى لِتَحْقِيقِ هَذِهِ الحِكْمَةِ أنْ يَخْلُقَ في الإنْسانِ عَقْلًا يُدْرِكُ بِهِ النَّفْعَ والضُّرَّ، والكَمالَ والنَّقْصَ، والصَّلاحَ والفَسادَ، والتَّعْمِيرَ والتَّخْرِيبَ، وتَنْكَشِفُ لَهُ بِالتَّدَبُّرِ عَواقِبُ الأعْمالِ المُشْتَبِهَةِ والمُمَوَّهَةِ بِحَيْثُ يَكُونُ لَهُ اخْتِيارُ ما يَصْدُرُ عَنْهُ مِن أجْناسِ وأنْواعِ الأفْعالِ الَّتِي هي في مُكْنَتِهِ بِإرادَةٍ تَتَوَجَّهُ إلى الشَّيْءِ وضِدِّهِ، وخَلَقَ فِيهِ مِن أسْبابِ
صفحة ٢٢٣
العَمَلِ وآلاتِهِ مِنَ الجَوارِحِ والأعْضاءِ إذا كانَتْ سَلِيمَةً فَكانَ بِذَلِكَ مُسْتَطِيعًا لِأنْ يَعْمَلَ وأنْ لا يَعْمَلَ عَلى وِفاقِ مَيْلِهِ واخْتِيارِهِ وكَسْبِهِ. وهَذا المَعْنى هو الَّذِي سَمّاهُ الأشْعَرِيُّ بِالكَسْبِ وبِالِاسْتِطاعَةِ، وتَكَفَّلَ لَهُ بِإعانَتِهِ عَلى ما خَلَقَ لَهُ مِنَ الإدْراكِ يَدْعُوهُ إلى ما يُرِيدُهُ اللَّهُ مِنهُ مِنَ الهُدى والصَّلاحِ في هَذا العالَمِ بِواسِطَةِ رُسُلٍ مِن نَوْعِهِ يُبَلِّغُونَ إلَيْهِ مُرادَ رَبِّهِمْ فَطَرَهم عَلى الصِّفاتِ المَلَكِيَّةِ وجَعَلَهم وسائِطَ بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاسِ في إبْلاغِ مُرادِ رَبِّهِمْ إلَيْهِمْ.
ووَعْدُهُ النّاسَ بِالجَزاءِ عَلى فِعْلِ الخَيْرِ وفِعْلِ الشَّرِّ بِما فِيهِ باعِثٌ عَلى الخَيْرِ ورادِعٌ عَنِ الشَّرِّ.
وقَدْ أرادَ اللَّهُ أنْ يُفَضِّلَ هَذا النَّوْعَ بِأنْ يَجْعَلَ مِنهُ عُمّارًا لِعالَمِ الكَمالِ الخالِدِ عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ فَجَعَلَ لِأهْلِ الكَمالِ الدِّينِيِّ مَراتِبَ سامِيَةً مُتَفاوِتَةً في عالَمِ الخُلْدِ عَلى تَفاوُتِ نُفُوسِهِمْ في مَيْدانِ السَّبْقِ إلى الكَمالاتِ، وجَعَلَ أضْدادَ هَؤُلاءِ عُمّارًا لِهُوَّةِ النَّقائِصِ فَمَلَأ مِنهم تِلْكَ الهُوَّةَ المُسَمّاةَ جَهَنَّمَ.
فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ البالِغِ مِنَ الإيجازِ مَبْلَغَ الإعْجازِ، إذْ حَذَفَ مُعْظَمَ ما أُرِيدَ بِحَرْفِ الِاسْتِدْراكِ الوارِدِ عَلى قَوْلِهِ ﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾؛ فَإنَّ مُقْتَضى الِاسْتِدْراكِ أنْ يُقَّدَّرَ: ولَكِنّا لَمْ نَشَأْ ذَلِكَ بَلْ شِئْنا أنْ نَخْلُقَ النّاسَ مُخْتارِينَ بَيْنَ طَرِيقَيِ الهُدى والضَّلالِ، ووَضَعْنا لَهم دَواعِيَ الرَّجاءِ والخَوْفِ، وأرَيْناهم وسائِلَ النَّجاةِ والِارْتِباكِ بِالشَّرائِعِ قالَ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، أيِ الطَّرِيقَيْنِ، وحَقَّقْنا الأخْبارَ عَنِ الجَزاءَيْنِ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ بِالجَنَّةِ وجَهَنَّمَ فَلْأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ بِأهْلِ الضَّلالِ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ، فَدَخَلَ هَذا في قَوْلِهِ ﴿حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ بِما يُشْبِهُ دَلالَةَ الِاقْتِضاءِ، وقَدْ أوْمَأ إلى هَذا قَوْلُ النَّبِي ﷺ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الجَنَّةَ وخَلَقَ لَها مِلْأها وخَلَقَ النّارَ وخَلَقَ لَها مِلْأها» .
وإنَّما اخْتِيرَ الِاقْتِصارُ في المَنطُوقِ بِهِ الدّالِّ عَلى المَحْذُوفِ عَلى شِقِّ مَصِيرِ أهْلِ الضَّلالِ لِأنَّهُ الأنْسَبُ بِسِياقِ الِاعْتِراضِ إثْرَ كَلامِ أهْلِ الضَّلالَةِ في يَوْمِ الجَزاءِ، ولِأنَّهُ أظْهَرُ في تَعَلُّقِ مَضْمُونِ جُمْلَةِ الِاعْتِراضِ بِمَضْمُونِ اقْتِراحِهِمْ، أيْ لَوْ كانَ
صفحة ٢٢٤
إرْجاعُهم إلى الدُّنْيا لِيَعْمَلُوا الصّالِحاتِ مُقْتَضًى لِحِكْمَتِنا لَكُنّا جَبَلْناهم عَلى الهُدى في حَياتِهِمُ الدُّنْيا فَكانُوا يَأْتُونَ الصّالِحاتِ بِالقَسْرِ والإلْجاءِ.
فالمُرادُ ”القَوْلُ“ ما أوْعَدَ اللَّهُ بِهِ أهْلَ الشِّرْكِ والضَّلالِ.
والجِنَّةُ: الجِنُّ وهم شَياطِينُ.
وجَعَلَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ قَوْلَهُ ﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ إلى آخِرِهِ جَوابًا مُوَجَّهًا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى إلى المُجْرِمِينَ عَنْ قَوْلِهِمْ ”﴿رَبَّنا أبْصَرْنا﴾ [السجدة: ١٢]“ إلَخْ.
ووُجُودُ الواوِ في أوَّلِ هَذا الكَلامِ يُنادِي عَلى أنَّهُ لَيْسَ جَوابًا لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ فَهم أقَلُّ مِن أنْ يُجْعَلُوا أهْلًا لِتَلَقِّي هَذِهِ الحِكْمَةِ بَلْ حَقُّهُمُ الإعْراضُ عَنْ جَوابِهِمْ كَما جاءَ في آيَةِ ”سُورَةِ المُؤْمِنُونَ“ ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦] ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، ولِأنَّهُ لا يُلاقِي سُؤالَهم لِأنَّهم سَألُوا الرُّجُوعَ لِيَعْمَلُوا صالِحًا ولَمْ يَكُنْ كَلامُهُمُ اعْتِذارًا عَنْ ضَلالِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يُؤْتِهِمُ الهُدى في الحَياةِ الدُّنْيا، وإنَّما هَذا بَيانٌ مِنَ اللَّهِ ساقَهُ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والمُؤْمِنِينَ لِيُحِيطُوا عِلْمًا بِدَقائِقِ الحِكْمَةِ الرَّبّانِيَّةِ.
وعَدَلَ عَنِ الإضافَةِ في حَقَّ القَوْلُ مِنِّي فَلَمْ يَقُلْ: حَقَّ قَوْلِي، لِأنَّهُ أُرِيدَ الإشارَةُ إلى قَوْلٍ مَعْهُودٍ وهو ما في سُورَةِ ص ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] أيْ حَقَّ القَوْلُ المَعْهُودُ، واجْتُلِبَتْ (مِنَ) الِابْتِدائِيَّةُ لِتَعْظِيمِ شَأْنِ هَذا القَوْلِ بِأنَّهُ مِنَ اللَّهِ.
وعَدَلَ عَنْ ضَمِيرِ العَظَمَةِ إلى ضَمِيرِ النَّفْسِ لِإفادَةِ الِانْفِرادِ بِالتَّصَرُّفِ ولِأنَّهُ الأصْلُ، مَعَ ما في هَذا الِاخْتِلافِ مِنَ التَّفَنُّنِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences