Ibn 'AshurAl‑Ahzab · 33:14–17

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Ahzab 33:14–17

33:14Page 419

وَلَوۡ دُخِلَتۡ عَلَيۡهِم مِّنۡ أَقۡطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلۡفِتۡنَةَ لَأٓتَوۡهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلَّا يَسِيرٗا ١٤

And if they had been entered upon from all its [surrounding] regions and fitnah [i.e., disbelief] had been demanded of them, they would have done it and not hesitated over it except briefly.

﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لَأتَوْها وما تَلَبَّثُوا بِها إلّا يَسِيرًا﴾

مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ زِيادَةُ تَقْرِيرٍ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿وما هي بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ [الأحزاب: ١٣] فَإنَّها لِتَكْذِيبِهِمْ في إظْهارِهِمُ التَّخَوُّفَ عَلى بُيُوتِهِمْ، ومُرادُهم خَذْلُ المُسْلِمِينَ. ولَمْ أجِدْ فِيما رَأيْتُ مِن كَلامِ المُفَسِّرِينَ ولا مِن أهْلِ اللُّغَةِ مَن أفْصَحَ عَنْ مَعْنى (الدُّخُولِ) في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ وما ذَكَرُوا إلّا مَعْنى الوُلُوجِ إلى المَكانِ مِثْلَ وُلُوجِ البُيُوتِ أوِ المُدُنِ، وهو الحَقِيقَةُ. والَّذِي أراهُ أنَّ الدُّخُولَ كَثُرَ إطْلاقُهُ عَلى دُخُولٍ خاصٍّ وهو اقْتِحامُ الجَيْشِ أوِ المُغِيرِينَ أرْضًا أوْ بَلَدًا لِغَزْوِ أهْلِهِ قالَ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِئاءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠] إلى قَوْلِهِ ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ﴾ [المائدة: ٢١]، وأنَّهُ يُعَدّى غالِبًا إلى المَغْزُوِّينَ بِحَرْفِ عَلى. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ [المائدة: ٢٣] إلى قَوْلِهِ ﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾ [المائدة: ٢٤] فَإنَّهُ ما يَصْلُحُ إلّا مَعْنى دُخُولِ القِتالِ والحَرْبِ لِقَوْلِهِ ﴿فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ [المائدة: ٢٣] لِظُهُورِ أنَّهُ لا يُرادُ: إذا دَخَلْتُمْ دُخُولَ ضِيافَةٍ أوْ تَجَوُّلٍ أوْ تَجَسُّسٍ،

صفحة ٢٨٧

فَيُفْهَمُ مِنَ الدُّخُولِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ مَعْنى الغَزْوِ والفَتْحِ كَما نَقُولُ: عامُ دُخُولِ التَّتارِ بَغْدادَ، ولِذَلِكَ فالدُّخُولُ في قَوْلِهِ ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾ هو دُخُولُ الغَزْوِ فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ دُخِلَتْ عائِدًا إلى مَدِينَةِ يَثْرِبَ لا إلى البُيُوتِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣] . والمَعْنى: لَوْ غُزِيَتِ المَدِينَةُ مِن جَوانِبِها إلَخْ.

وقَوْلُهُ عَلَيْهِمْ يَتَعَلَّقُ بِـ دُخِلَتْ لِأنَّ بِناءَ دُخِلَتْ لِلنّائِبِ مُقْتَضٍ فاعِلًا مَحْذُوفًا. فالمُرادُ: دُخُولُ الدّاخِلِينَ عَلى أهْلِ المَدِينَةِ كَما جاءَ عَلى الأصْلِ في قَوْلِهِ ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ [المائدة: ٢٣] في سُورَةِ العُقُودِ.

والأقْطارُ: جَمْعُ قُطْرٍ بِضَمِّ القافِ وسُكُونِ الطّاءِ وهو النّاحِيَةُ مِنَ المَكانِ. وإضافَةُ أقْطارِ وهو جَمْعٌ تُفِيدُ العُمُومَ، أيْ مِن جَمِيعِ جَوانِبِ المَدِينَةِ وذَلِكَ أشَدُّ هُجُومِ العَدُوِّ عَلى المَدِينَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٠] . وأسْنَدَ فِعْلَ دُخِلَتْ إلى المَجْهُولِ لِظُهُورِ أنَّ فاعِلَ الدُّخُولِ قَوْمٌ غُزاةٌ. وقَدْ أبْدى المُفَسِّرُونَ في كَيْفِيَّةِ نَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ احْتِمالاتٍ مُتَفاوِتَةً في مَعانِي الكَلِماتِ وفي حاصِلِ المَعْنى المُرادِ، وأقْرَبُها ما قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَلى غُمُوضٍ فِيهِ، ويَلِيهِ ما في الكَشّافِ.

والَّذِي يَنْبَغِي التَّفْسِيرُ بِهِ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ يُرِيدُونَ أوْ مِن ضَمِيرِ ﴿وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ [الأحزاب: ١٣] زِيادَةً في تَكْذِيبِ قَوْلِهِمْ ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣] .

والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في دُخِلَتْ عائِدٌ إلى المَدِينَةِ لِأنَّ إضافَةَ الأقْطارِ يُناسِبُ المُدُنَ والمُواطِنَ ولا يُناسِبُ البُيُوتَ. فَيَصِيرُ المَعْنى: لَوْ دَخَلَ الغُزاةُ عَلَيْهِمُ المَدِينَةَ وهم قاطِنُونَ فِيها.

وثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِي، وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُعْطَفَ بِالواوِ لا بِـ ثُمَّ لِأنَّ المَذْكُورَ بَعْدَ ثُمَّ هُنا داخِلٌ في فِعْلِ شَرْطِ لَوْ ووارِدٌ عَلَيْهِ جَوابُها، فَعَدَلَ عَنِ الواوِ إلى ثُمَّ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما بَعْدَ ثُمَّ أهَمُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَها كَشَأْنِ (ثُمَّ) في عَطْفِ

صفحة ٢٨٨

الجُمَلِ، أيْ أنَّهم مَعَ ذَلِكَ يَأْتُونَ الفِتْنَةَ، والفِتْنَةُ هي أنْ يَفْتِنُوا المُسْلِمِينَ، أيِ الكَيْدُ لَهم وإلْقاءُ التَّخاذُلِ في جَيْشِ المُسْلِمِينَ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن فَسَّرَ الفِتْنَةَ بِالشِّرْكِ ولا وجْهَ لَهُ ومِنهم مَن فَسَّرَها بِالقِتالِ وهو بَعِيدٌ.

والإتْيانُ: القُدُومُ إلى مَكانٍ. وقَدْ أشْعَرَ هَذا الفِعْلُ بِأنَّهم يَخْرُجُونَ مِنَ المَدِينَةِ الَّتِي كانُوا فِيها لِيَفْتِنُوا المُسْلِمِينَ. وضَمِيرُ النَّصْبِ في (أتَوْها) عائِدٌ إلى الفِتْنَةِ والمُرادُ مَكانُها وهو مَكانُ المُسْلِمِينَ، أيْ لَأتَوْا مَكانَها ومَظِنَّتِها. وضَمِيرُ بِها لِلْفِتْنَةِ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿وما تَلَبَّثُوا بِها﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (لَأتَوْها)، والتَّلَبُّثُ: اللُّبْثُ، أيِ الِاسْتِقْرارُ في المَكانِ وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْإبْطاءِ، أيْ ما أبْطَئُوا بِالسَّعْيِ في الفِتْنَةِ ولا خافُوا أنْ تُؤْخَذَ بُيُوتُهم.

والمَعْنى: لَوْ دَخَلَتْ جُيُوشُ الأحْزابِ المَدِينَةَ وبَقِيَ جَيْشُ المُسْلِمِينَ خارِجَها (أيْ مَثَلًا لِأنَّ الكَلامَ عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ) وسَألَ الجَيْشُ الدّاخِلُ الفَرِيقَ المُسْتَأْذِنِينَ أنْ يُلْقُوا الفِتْنَةَ في المُسْلِمِينَ بِالتَّفْرِيقِ والتَّخْزِيلِ لَخَرَجُوا لِذَلِكَ القَصْدِ مُسْرِعِينَ ولَمْ يُثَبِّطْهُمُ الخَوْفُ عَلى بُيُوتِهِمْ أنْ يَدْخُلَها اللُّصُوصُ أوْ يَنْهَبَها الجَيْشُ: إمّا لِأنَّهم آمِنُونَ مِن أنْ يَلْقَوْا سُوءًا مِنَ الجَيْشِ الدّاخِلِ لِأنَّهم أوْلِياءُ لَهُ ومُعاوِنُونَ، فَهم مِنهم وإلَيْهِمْ، وإمّا لِأنَّ كَراهَتَهُمُ الإسْلامَ تَجْعَلُهم لا يَكْتَرِثُونَ بِنَهْبِ بُيُوتِهِمْ.

والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ إلّا يَسِيرًا يُظْهِرُ أنَّهُ تَهَكُّمٌ بِهِمْ فَيَكُونُ المَقْصُودُ تَأْكِيدَ النَّفْيِ بِصُورَةِ الِاسْتِثْناءِ.

ويُحْتَمَلُ أنَّهُ عَلى ظاهِرِهِ، أيْ إلّا رَيْثَما يَتَأمَّلُونَ فَلا يُطِيلُونَ التَّأمُّلَ فَيَكُونُ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِهِ تَأْكِيدَ قِلَّةِ التَّلَبُّثِ، فَهَذا هو التَّفْسِيرُ المُنْسَجِمُ مَعَ نَظْمِ القُرْآنِ أحْسَنَ انْسِجامٍ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو جَعْفَرٍ (لَأتَوْها) بِهَمْزَةٍ تَلِيها مُثَنّاةٌ فَوْقِيَّةٌ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ (لَآتَوْها) بِألِفٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ عَلى مَعْنى: لَأعْطَوْها، أيْ لَأعْطَوُا الفِتْنَةَ سائِلِيها، فَإطْلاقُ فِعْلِ (أتَوْها) مُشاكَلَةٌ لِفِعْلِ (سُئِلُوا) .

33:15Page 419

وَلَقَدۡ كَانُواْ عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبۡلُ لَا يُوَلُّونَ ٱلۡأَدۡبَٰرَۚ وَكَانَ عَهۡدُ ٱللَّهِ مَسۡـُٔولٗا ١٥

And they had already promised Allāh before not to turn their backs [i.e., flee]. And ever is the promise to Allāh [that about which one will be] questioned.

صفحة ٢٨٩

﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾

هَؤُلاءِ هم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلَمَةَ وهُمُ الَّذِينَ قالَ فَرِيقٌ مِنهم ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣] واسْتَأْذَنَ النَّبِيءَ ﷺ، أيْ كانُوا يَوْمَ أُحُدٍ جَبُنُوا ثُمَّ تابُوا وعاهَدُوا النَّبِيءَ ﷺ أنَّهم لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ في غَزْوَةٍ بَعْدَها، وهُمُ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا واللَّهُ ولِيُّهُما﴾ [آل عمران: ١٢٢]؛ فَطَرَأ عَلى نَفَرٍ مِن بَنِي حارِثَةَ نِفاقٌ وضَعْفٌ في الإيمانِ فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ وأراهم أنَّ مِنهم فَرِيقًا قُلَّبًا لا يَرْعى عَهْدًا ولا يَسْتَقِرُّ لَهُمُ اعْتِقادٌ وأنَّ ذَلِكَ لِضَعْفِ يَقِينِهِمْ وغَلَبَةِ الجُبْنِ عَلَيْهِمْ حَتّى يَدْعُوَهم إلى نَبْذِ عَهْدِ اللَّهِ. وهَذا تَنْبِيهٌ لِلْقَبِيلَيْنِ لِيَزْجُرُوا مَن نَكَثَ مِنهم.

وتَأْكِيدُ هَذا الخَبَرِ بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ وفِعْلِ كانَ، مَعَ أنَّ الكَلامَ مُوَجَّهٌ إلى المُؤْمِنِينَ تَنْزِيلًا لِلسّامِعِينَ مَنزِلَةَ مَن يَتَرَدَّدُ في أنَّهم عاهَدُوا اللَّهَ عَلى الثَّباتِ.

وزِيادَةُ مِن قَبْلُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ العَهْدَ قَدِيمٌ مُسْتَقِرٌّ وهو عَهْدُ يَوْمِ أُحُدٍ.

وجُمْلَةُ ﴿لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ عاهَدُوا.

والتَّوْلِيَةُ: التَّوَجُّهُ بِالشَّيْءِ وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ الوَلْيِ وهو القُرْبُ، قالَ تَعالى: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] .

والأدْبارُ: الظُّهُورُ. وتَوْلِيَةُ الأدْبارِ: كِنايَةٌ عَنِ الفِرارِ فَإنَّ الَّذِي اسْتَأْذَنُوا لِأجْلِهِ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ أرادُوا مِنهُ الفِرارَ ألا تَرى قَوْلَهُ ﴿إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ [الأحزاب: ١٣]، والفِرارُ مِمّا عاهَدُوا اللَّهَ عَلى تَرْكِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا﴾ إلَخْ. والمُرادُ بِعَهْدِ اللَّهِ: كُلُّ عَهْدٍ يُوَثِّقُهُ الإنْسانُ مَعَ رَبِّهِ.

والمَسْئُولُ: كِنايَةٌ عَنِ المُحاسَبِ عَلَيْهِ كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «وكُلُّكم مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»، وكَما تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٨] . وهَذا تَهْدِيدٌ.

33:16Page 420

قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلۡفِرَارُ إِن فَرَرۡتُم مِّنَ ٱلۡمَوۡتِ أَوِ ٱلۡقَتۡلِ وَإِذٗا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٦

Say, [O Muḥammad], "Never will fleeing benefit you if you should flee from death or killing; and then [if you did], you would not be given enjoyment [of life] except for a little."

صفحة ٢٩٠

﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا﴾

جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣] ولِذَلِكَ فُصِلَتْ لِأنَّها جَرَتْ عَلى أُسْلُوبِ التَّقاوُلِ والتَّجاوُبِ، وما بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ مِن قَوْلِهِ ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب: ١٤] إلى قَوْلِهِ مَسْئُولًا اعْتِراضٌ كَما تَقَدَّمَ. وهَذا يُرَجِّحُ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمْ يَأْذَنْ لَهم بِالرُّجُوعِ إلى المَدِينَةِ وأنَّهُ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِما أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَقُولَهُ لَهم، أيْ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم ما أرَدْتُمْ إلّا الفِرارَ جُبْنًا والفِرارُ لا يَدْفَعُ عَنْكُمُ المَوْتَ أوِ القَتْلَ، فَمَعْنى نَفْيِ نَفْعِهِ: نَفْيُ ما يُقْصَدُ مِنهُ لِأنَّ نَفْعَ الشَّيْءِ هو أنْ يَحْصُلَ مِنهُ ما يُقْصَدُ لَهُ. فَقَوْلُهُ مِنَ المَوْتِ يَتَعَلَّقُ بِـ الفِرارُ وفَرَرْتُمْ ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِـ يَنْفَعُكم لِأنَّ مُتَعَلِّقَ يَنْفَعُكم غَيْرُ مَذْكُورٍ لِظُهُورِهِ مِنَ السِّياقِ، فالفائِدَةُ مُسْتَغْنِيَةٌ عَنِ المُتَعَلِّقِ، أيْ لَنْ يَنْفَعَكم بِالنَّجاةِ.

ومَعْنى نَفْيِ نَفْعِ الفِرارِ وإنْ كانَ فِيهِ تَعاطِي سَبَبِ النَّجاةِ، هَذا السَّبَبُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ لِوُجُوبِ الثَّباتِ في وجْهِ العَدُوِّ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ فَيَتَمَحَّضُ في هَذا الفِرارِ مُراعاةُ جانِبِ الحَقِيقَةِ وهو ما قُدِّرَ لِلْإنْسانِ مِنَ اللَّهِ إذْ لا مُعارِضَ لَهُ، فَلَوْ كانَ الفِرارُ مَأْذُونًا فِيهِ لِجازَ مُراعاةُ ما فِيهِ مِن أسْبابِ النَّجاةِ؛ فَقَدْ كانَ المُسْلِمُونَ مَأْمُورِينَ بِثَباتِ الواحِدِ لِلْعَشَرَةِ مِنَ العَدُوِّ فَكانَ حِينَئِذٍ الفِرارُ مِن وجْهِ عَشَرَةِ أضْعافِ المُسْلِمِينَ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ وأُذِنَ فِيما زادَ عَلى ذَلِكَ، ولَمّا نَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ بِأنْ يَثْبُتَ المُسْلِمُونَ لِضِعْفِ عَدَدِهِمْ مِنَ العَدُوِّ فالفِرارُ فِيما زادَ عَلى ذَلِكَ مَأْذُونٌ فِيهِ، وكَذَلِكَ إذْ كانَ المُسْلِمُونَ زَحْفًا فَإنَّ الفِرارَ حَرامٌ ساعَتَئِذٍ.

وأحْسَبُ أنَّ الأمْرَ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ كانَ قَبْلَ النَّسَخِ فَلِذَلِكَ وبَّخَ اللَّهُ الَّذِينَ أضْمَرُوا الفِرارَ فَإنَّ عَدَدَ جَيْشِ الأحْزابِ يَوْمَئِذٍ كانَ بِمِقْدارِ أرْبَعَةِ أمْثالِ جَيْشِ المُسْلِمِينَ ولَمْ يَكُنِ المُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ زَحْفًا فَإنَّ الحالَةَ حالَةُ حِصارٍ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أيْضًا: أنَّكم إنْ فَرَرْتُمْ فَنَجَوْتُمْ مِنَ القَتْلِ لا يَنْفَعُكُمُ الفِرارُ مِنَ المَوْتِ بِالأجَلِ وعَسى أنْ تَكُونَ آجالُكم قَرِيبَةً.

صفحة ٢٩١

والمَوْتُ أُرِيدَ بِهِ: المَوْتُ الزُّؤامُ وهو المَوْتُ حَتْفَ أنْفِهِ لِأنَّهُ قُوبِلَ بِالقَتْلِ. والمَعْنى: أنَّ الفِرارَ لا يَدْفَعُ المَوْتَ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ يَقَعُ بِالفارِّ في الوَقْتِ الَّذِي عَلِمَ أنَّ الفارَّ يَمُوتُ فِيهِ ويُقْتَلُ فَإذا خُيِّلَ إلى الفارِّ أنَّ الفِرارَ قَدْ دَفَعَ عَنْهُ خَطَرًا فَإنَّما ذَلِكَ في الأحْوالِ الَّتِي عَلِمَ اللَّهُ أنَّها لا يُصِيبُ الفارَّ فِيها أذًى ولا بُدَّ لَهُ مِن مَوْتٍ حَتْفَ أنْفِهِ أوْ قَتْلٍ في الإبّانِ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ يَمُوتُ فِيهِ أوْ يُقْتَلُ.

ولِهَذا عَقَّبَ بِجُمْلَةِ ﴿وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ جَوابًا عَنْ كَلامٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ، أيْ إنْ خُيِّلَ إلَيْكم أنَّ الفِرارَ نَفَعَ الَّذِي فَرَّ في وقْتٍ ما فَما هو إلّا نَفْعٌ زَهِيدٌ لِأنَّهُ تَأْخِيرٌ في أجَلِ الحَياةِ وهو مَتاعٌ قَلِيلٌ، أيْ إعْطاءُ الحَياةِ مُدَّةً مُنْتَهِيَةً، فَإنَّ (إذَنْ) قَدْ تَكُونُ جَوابًا لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ المَذْكُورُ، كَقَوْلِ العَنْبَرِيِّ:

لَوْ كُنْتَ مِن مَأْزِنٍ لَمْ تَسْتَبِحْ إبِلِي بَنُو اللَّقِيطَةِ مِن ذُهْلِ بْنِ شَيْبانَ

إذَنْ لَقامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ ∗∗∗ عِنْدَ الحَفِيظَةِ إنْ ذُو لَوْثَةٍ لانا

فَإنَّ قَوْلَهُ: (إذَنْ) لَقامَ بِنَصْرِي، جَوابٌ وجَزاءٌ عَنْ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ: لَمْ تَسْتَبِحْ إبِلِي. والتَّقْدِيرُ: فَإنِ اسْتَباحُوا إبِلِي إذَنْ لَقامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ، وهو الَّذِي أشْعَرَ كَلامُ المَرْزُوقِيِّ بِاخْتِيارِهِ خِلافًا لِما في مُغْنِي اللَّبِيبِ.

والأكْثَرُ أنَّ (إذَنْ) إنْ وقَعَتْ بَعْدَ الواوِ والفاءِ العاطِفَتَيْنِ أنْ لا يُنْصَبَ المُضارِعُ بَعْدَها، ووَرَدَ نَصْبُهُ نادِرًا.

والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ تَخْلِيقُ المُسْلِمِينَ بِخُلُقِ اسْتِضْعافِ الحَياةِ الدُّنْيا وصَرْفُ هِمَمِهِمْ إلى السَّعْيِ نَحْوَ الكَمالِ الَّذِي بِهِ السَّعادَةُ الأبَدِيَّةُ سَيْرًا وراءَ تَعالِيمِ الدِّينِ الَّتِي تَقُودُ النُّفُوسَ إلى أوْجِ المَلَكِيَّةِ.

33:17Page 420

قُلۡ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعۡصِمُكُم مِّنَ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ سُوٓءًا أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ رَحۡمَةٗۚ وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ١٧

Say, "Who is it that can protect you from Allāh1 if He intends for you an ill or intends for you a mercy?" And they will not find for themselves besides Allāh any protector or any helper.

﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾

يَظْهَرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمُ﴾ [الأحزاب: ١٦] الآيَةَ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَمَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ، أيْ فَلا عاصِمَ

صفحة ٢٩٢

لَكم مِن نُفُوذِ مُرادِهِ فِيكم. وإعادَةُ فِعْلِ قُلْ تَكْرِيرٌ لِأجْلِ الِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ.

والمَعْنى: لِأنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ وإرادَتَهُ مُحِيطَةٌ بِالمَخْلُوقاتِ فَمَتى شاءَ عَطَّلَ تَأْثِيرَ الأسْبابِ أوْ عَرْقَلَها بِالمَوانِعِ فَإنْ يَشَأْ شَرًّا حَرَمَ الِانْتِفاعَ بِالأسْبابِ أوِ الِاتِّقاءَ بِالمَوانِعِ فَرُبَّما أتَتِ الرَّزايا مِن وُجُوهِ الفَوائِدِ، ومَتى شاءَ خَيْرًا خاصًّا بِأحَدٍ لَطَفَ لَهُ بِتَمْهِيدِ الأسْبابِ وتَيْسِيرِها حَتّى يُلاقِيَ مِنَ التَّيْسِيرِ ما لَمْ يَكُنْ مُتَرَقَّبًا، ومَتى لَمْ تَتَعَلَّقْ مَشِيئَتُهُ بِخُصُوصٍ أرْسَلَ الأحْوالَ في مَهْيَعِها وخَلّى بَيْنَ النّاسِ وبَيْنَ ما سَبَّبَهُ في أحْوالِ الكائِناتِ فَنالَ كُلُّ أحَدٍ نَصِيبًا عَلى حَسَبِ فِطْنَتِهِ ومَقْدِرَتِهِ واهْتِدائِهِ، فَإنَّ اللَّهَ أوْدَعَ في النُّفُوسِ مَراتِبَ التَّفْكِيرِ والتَّقْدِيرِ؛ فَأنْتُمْ إذا عَصَيْتُمُ اللَّهَ ورَسُولَهُ وخَذَلْتُمُ المُؤْمِنِينَ تَتَعَرَّضُونَ لِإرادَتِهِ بِكُمُ السُّوءَ فَلا عاصِمَ لَكم مِن مُرادِهِ، فالِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ في مَعْنى النَّفْيِ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّ الحِيلَةَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَنْفَعُهم وأنَّ الفِرارَ يَعْصِمُهم مِنَ المَوْتِ إنْ كانَ قِتالٌ.

وجُمْلَةُ ﴿مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ﴾ إلَخْ جَوابُ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ ﴿إنْ أرادَ بِكم سُوءًا﴾ إلَخْ، دَلِيلُ الجَوابِ عِنْدَ نُحاةِ البَصْرَةِ.

والعِصْمَةُ: الوِقايَةُ والمَنعُ مِمّا يَكْرَهُهُ المَعْصُومُ.

وقُوبِلَ السُّوءُ بِالرَّحْمَةِ لِأنَّ المُرادَ سُوءٌ خاصٌّ وهو السُّوءُ المَجْعُولُ عَذابًا لَهم عَلى مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ وهو سُوءُ النِّقْمَةِ فَهو سُوءٌ خاصٌّ مُقَدَّرٌ مِنَ اللَّهِ لِأجْلِ تَعْذِيبِهِمْ إنْ أرادَهُ، فَيَجْرِي عَلى خِلافِ القَوانِينِ المُعْتادَةِ.

وعَطْفُ ﴿أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾ عَلى أرادَ بِكُمُ المَجْعُولِ شَرْطًا يَقْتَضِي كَلامًا مُقَدَّرًا في الجَوابِ المُتَقَدِّمِ، فَإنَّ إرادَتَهُ الرَّحْمَةَ تُناسِبُ فِعْلَ يَعْصِمُكم لِأنَّ الرَّحْمَةَ مَرْغُوبَةٌ. فالتَّقْدِيرُ: أوْ يَحْرِمُكم مِنهُ إنْ أرادَ بِكم رَحْمَةً، فَهو مِن دَلالَةِ الِاقْتِضاءِ إيجازًا لِلْكَلامِ، كَقَوْلِ الرّاعِي:

إذا ما الغانِياتُ بَرَزْنَ يَوْمًا وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعَيُونا

تَقْدِيرُهُ: وكَحَّلْنَ العُيُونَ، لِأنَّ العُيُونَ لا تُزَجَّجُ ولَكِنَّها تُكَحَّلُ حِينَ تُزَجَّجُ الحَواجِبُ وذَلِكَ مِنَ التَّزَيُّنِ.

* * *

صفحة ٢٩٣

﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ﴾، أوْ هي مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أجْزاءِ القَوْلِ، والتَّقْدِيرانِ مُتَقارِبانِ لِأنَّ الواوَ الِاعْتِراضِيَّةَ تَرْجِعُ إلى العاطِفَةِ. والكَلامُ مُوَجَّهٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ ولَيْسَ هو مِن قَبِيلِ الِالتِفاتِ. والمَقْصُودُ لازِمُ الخَبَرِ وهو إعْلامُ النَّبِيءِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِبُطْلانِ تَحَيُّلاتِهِمْ وأنَّهم لا يَجِدُونَ نَصِيرًا غَيْرَ اللَّهِ وقَدْ حَرَمَهُمُ اللَّهُ النَّصْرَ لِأنَّهم لَمْ يَعْقِدُوا ضَمائِرَهم عَلى نَصْرِ دِينِهِ ورَسُولِهِ. والمُرادُ بِالوَلِيِّ: الَّذِي يَتَوَلّى نَفْعَهم، وبِالنَّصِيرِ: النَّصِيرُ في الحَرْبِ فَهو أخَصُّ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском