Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Ahzab 33:22–27
33:22Page 420
وَلَمَّا رَءَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ قَالُواْ هَٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۚ وَمَا زَادَهُمۡ إِلَّآ إِيمَٰنٗا وَتَسۡلِيمٗا ٢٢
And when the believers saw the companies, they said, "This is what Allāh and His Messenger had promised us, and Allāh and His Messenger spoke the truth." And it increased them only in faith and acceptance.
صفحة ٣٠٤
﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾
لَمّا ذُكِرَتْ أقْوالُ المُنافِقِينَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ المُؤْذِنَةُ بِما يُداخِلُ قُلُوبَهم مِنَ الخَوْفِ وقِلَّةِ الإيمانِ والشَّكِّ فِيما وعَدَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ والمُؤْمِنِينَ مِنَ النَّصْرِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ١٢] قُوبِلَتْ أقْوالُ أُولَئِكَ بِأقْوالِ المُؤْمِنِينَ حِينَما نَزَلَتْ بِهِمُ الأحْزابُ ورَأوْا كَثْرَتَهم وعَدَدَهَمْ وكانُوا عَلى بَصِيرَةٍ مِن تَفَوُّقِهِمْ عَلَيْهِمْ في القُوَّةِ والعَدَدِ أضْعافًا وعَلِمُوا أنَّهم قَدِ ابْتُلُوا وزُلْزِلُوا، كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يُخِرْ عَزائِمَهم ولا أدْخَلَ عَلَيْهِمْ شَكًّا فِيما وعَدَهُمُ اللَّهُ مِنَ النَّصْرِ.
وكانَ اللَّهُ وعَدَهُمُ النَّصْرَ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنها قَوْلُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] . فَلَمّا رَأى المُسْلِمُونَ الأحْزابَ وابْتُلُوا وزُلْزِلُوا ورَأوْا مِثْلَ الحالَةِ الَّتِي وُصِفَتْ في تِلْكَ الآيَةِ عَلِمُوا أنَّهم مَنصُورُونَ عَلَيْهِمْ، وعَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ هو الوَعْدُ الَّذِي وعَدَهُمُ اللَّهُ بِآيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. وكانَتْ آيَةُ البَقَرَةِ نَزَلَتْ قَبْلَ وقْعَةِ الأحْزابِ بِعامٍ، كَذا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأيْضًا فَإنَّ النَّبِيءَ ﷺ أخْبَرَ المُسْلِمِينَ: «أنَّ الأحْزابَ سائِرُونَ إلَيْكم بَعْدَ تِسْعٍ أوْ عَشْرٍ»، فَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ وزُلْزِلُوا راجَعَهُمُ الثَّباتُ النّاشِئُ عَنْ قُوَّةِ الإيمانِ وقالُوا ﴿هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾، أيْ مِنَ النَّظَرِ ومِنَ الإخْبارِ بِمَسِيرِ الأحْزابِ وصَدَّقُوا وعْدَ اللَّهِ إيّاهم بِالنَّصْرِ وإخْبارَ النَّبِيءِ ﷺ بِمَسِيرِ الأحْزابِ، فالإشارَةُ بِهَذا إلى ما شاهَدُوهُ مِن جُيُوشِ الأحْزابِ وإلى ما يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنَ الشِّدَّةِ والصَّبْرِ عَلَيْها وكُلُّ ذَلِكَ وعْدُ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ . ثُمَّ أُخْبِرُوا عَنْ صِدْقِ اللَّهِ ورَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما أخْبَرا بِهِ وصَدَّقُوا اللَّهَ فِيما وعَدَهم مِنَ النَّصْرِ خِلافًا لِقَوْلِ المُنافِقِينَ ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] فالوَعْدُ راجِعٌ إلى الأمْرَيْنِ والصِّدْقُ كَذَلِكَ.
والوَعْدُ: إخْبارُ مُخْبِرٍ بِأنَّهُ سَيَعْمَلُ عَمَلًا لِلْمُخْبَرِ (بِالفَتْحِ) .
فَفِعْلُ صَدَقَ فِيما حُكِيَ مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ ﴿وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾
صفحة ٣٠٥
مُسْتَعْمَلٌ في الخَبَرِ عَنْ صِدْقٍ مَضى وعَنْ صِدْقٍ سَيَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ مُحَقَّقٍ وُقُوعُهُ بِحَيْثُ يُجْعَلُ اسْتِقْبالُهُ كالمُضِيِّ مِثْلَ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] فَهو مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى التَّحَقُّقِ.
أوْ هو اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ، ولا شَكَّ أنَّ مَحْمَلَ الفِعْلِ عَلى الصِّدْقِ في المُسْتَقْبَلِ أنْسَبُ بِمَقامِ الثَّناءِ عَلى المُؤْمِنِينَ وأعْلَقُ بِإناطَةِ قَوْلِهِمْ بِفِعْلِ ﴿رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: ولَمّا جاءَتِ الأحْزابُ. فَإنْ أبَيْتَ اسْتِعْمالَ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ فاقْصُرْهُ عَلى المَجازِ واطْرَحِ احْتِمالَ الإخْبارِ عَنَ الصِّدْقِ الماضِي.
وضَمِيرُ زادَهُمُ المُسْتَتِرُ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ اسْمُ الإشارَةِ، أيْ وما زادَهم ما رَأوْا إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا، أيْ بِعَكْسِ حالِ المُنافِقِينَ إذْ زادَهم شَكًّا في تَحَقُّقِ الوَعْدِ، والمَعْنى: وما زادَ ذَلِكَ المُؤْمِنِينَ إلّا إيمانًا، أيْ ما زادَ في خَواطِرِ نُفُوسِهِمْ إلّا إيمانًا، أيْ لَمْ يَزِدْهم خَوْفًا عَلى الخَوْفِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَحْصُلَ لِكُلِّ مُتَرَقِّبٍ أنْ يُنازِلَهُ العَدُوُّ الشَّدِيدُ، بَلْ شَغَلَهم عَنِ الخَوْفِ والهَلَعِ شاغِلُ الِاسْتِدْلالِ بِذَلِكَ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ فِيما أخْبَرَهم بِهِ وفِيما وعَدَهُمُ اللَّهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ النَّصْرِ فَأعْرَضَتْ نُفُوسُهم عَنْ خَواطِرِ الخَوْفِ إلى الِاسْتِبْشارِ بِالنَّصْرِ المُتَرَقَّبِ.
والتَّسْلِيمُ: الِانْقِيادُ والطّاعَةُ لِأنَّ ذَلِكَ تَسْلِيمُ النَّفْسِ لِلْمُنْقادِ إلَيْهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] في سُورَةِ النِّساءِ. ومِنَ التَّسْلِيمِ هُنا تَسْلِيمُ أنْفُسِهِمْ لِمُلاقاةِ عَدُوٍّ شَدِيدٍ دُونَ أنْ يَتَطَلَّبُوا الإلْقاءَ بِأيْدِيهِمْ إلى العَدُوِّ وأنْ يُصالِحُوهُ بِأمْوالِهِمْ. فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ أنَّهُ «لَمّا اشْتَدَّ البَلاءُ عَلى المُسْلِمِينَ اسْتَشارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّعْدَيْنِ سَعْدَ بْنَ عُبادَةَ وسَعْدَ بْنَ مُعاذٍ في أنْ يُعْطِيَ ثُلُثَ ثِمارِ المَدِينَةِ تِلْكَ السَّنَةِ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ، والحارِثَ بْنَ عَوْفٍ وهُما قائِدا غَطَفانَ عَلى أنْ يَرْجِعا عَنِ المَدِينَةِ، فَقالا: يا رَسُولَ اللَّهِ أهْوَ أمْرٌ تُحِبُّهُ فَنَصْنَعُهُ، أمْ شَيْءٌ أمَرَكَ اللَّهُ بِهِ لا بُدَّ لَنا مِنَ العَمَلِ بِهِ، أمْ شَيْءٌ تَصْنَعُهُ لَنا ؟ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَلْ شَيْءٌ أصْنَعُهُ لَكم واللَّهِ ما أصْنَعُ ذَلِكَ إلّا لِأنِّي رَأيْتُ العَرَبَ قَدْ رَمَتْكم عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ وكالَبُوكم مِن كُلِّ جانِبٍ فَأرَدْتُ أنْ أكْسِرَ عَنْكم مِن شَوْكَتِهِمْ إلى أمَرٍ ما. فَقالَ
صفحة ٣٠٦
سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ كُنّا نَحْنُ وهَؤُلاءِ القَوْمِ عَلى الشِّرْكِ بِاللَّهِ لا نَعْبُدُ اللَّهَ ولا نَعْرِفُهُ وهم لا يَطْمَعُونَ أنْ يَأْكُلُوا مِنها ثَمَرَةً واحِدَةً إلّا قِرًى أوْ بَيْعًا أفَحِينَ أكْرَمَنا اللَّهُ بِالإسْلامِ وهَدانا إلَيْهِ وأعَزَّنا بِكَ وبِهِ نُعْطِيهِمْ أمْوالَنا ؟ ما لَنا بِهَذا مِن حاجَةٍ، واللَّهِ لا نُعْطِيهِمْ إلّا السَّيْفَ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وبَيْنَهم، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأنْتَ وذاكَ» . فَهَذا مَوْقِفُ المُسْلِمِينَ في تِلْكَ الشِّدَّةِ وهَذا تَسْلِيمُ أنْفُسِهِمْ لِلْقِتالِ.
ومِنَ التَّسْلِيمِ الرِّضى بِما يَأْمُرُ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ الثَّباتِ مَعَهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] . وإذْ قَدْ عُلِمَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ لِقَوْلِهِ ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ﴾ إلى آخِرِهِ فَقَدْ تَعَيَّنَ أنَّ الإيمانَ الَّذِي زادَهم ذَلِكَ هو زِيادَةٌ عَلى إيمانِهِمْ، أيْ إيمانٌ مَعَ إيمانِهِمْ.
والإيمانُ الَّذِي زادَهُمُوهُ أُرِيدَ بِهِ مَظْهَرٌ مِن مَظاهِرِ إيمانِهِمُ القَوِيِّ، فَجَعَلَ تَكَرُّرَ مَظاهِرِ الإيمانِ وآثارِهِ كالزِّيادَةِ في الإيمانِ لِأنَّ تَكَرُّرَ الأعْمالِ يُقَوِّي الباعِثَ عَلَيْها في النَّفْسِ ويُباعِدُ بَيْنَ صاحِبِهِ وبَيْنَ الشَّكِّ والِارْتِدادِ فَكَأنَّهُ يَزِيدُ في ذَلِكَ الباعِثِ، وهَذا مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] وقَوْلِهِ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا﴾ [التوبة: ١٢٤] كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ بَراءَةَ، فَكَذَلِكَ القَوْلُ في ضِدِّ الزِّيادَةِ وهو النَّقْصُ، وإلّا فَإنَّ حَقِيقَةَ الإيمانِ وهو التَّصْدِيقُ بِالشَّيْءِ إذا حَصَلَتْ بِمُقَوِّماتِها فَهي واقِعَةٌ، فَزِيادَتُها تَحْصِيلُ حاصِلٍ ونَقْصُها نَقْصٌ لَها وانْتِفاءٌ لِأصْلِها. وهَذا هو مَحْمَلُ ما ورَدَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن إضافَةِ الزِّيادَةِ إلى الإيمانِ وكَذَلِكَ ما يُضافُ إلى الكُفْرِ والنِّفاقِ مِنَ الزِّيادَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾ [التوبة: ٩٧] وقَوْلِهِ ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٥] .
وإلى هَذا المَحْمَلِ يَرْجِعُ خِلافُ الأيِمَّةِ في قَبُولِ الإيمانِ الزِّيادَةَ والنَّقْصَ فَيَئُولُ إلى خِلافٍ لَفْظِيٍّ.
33:23Page 421
مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلٗا ٢٣
Among the believers are men true to what they promised Allāh. Among them is he who has fulfilled his vow [to the death], and among them is he who awaits [his chance]. And they did not alter [the terms of their commitment] by any alteration -
﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾
أعْقَبَ الثَّناءَ عَلى جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ الخُلَّصِ عَلى ثَباتِهِمْ ويَقِينِهِمْ واسْتِعْدادِهِمْ لِلِقاءِ
صفحة ٣٠٧
العَدُوِّ الكَثِيرِ يَوْمَئِذٍ وعَزْمِهِمْ عَلى بَذْلِ أنْفُسِهِمْ ولَمْ يُقَدَّرْ لَهم لِقاؤُهُ كَما يَأْتِي في قَوْلِهِ ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥] بِالثَّناءِ عَلى فَرِيقٍ مِنهم كانُوا وفَّوْا بِما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ وفاءً بِالعَمَلِ والنِّيَّةِ، لِيَحْصُلَ بِالثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ ثَناءٌ عَلى إخْوانِهِمُ الَّذِينَ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِن لِقاءِ العَدُوِّ يَوْمَئِذٍ لِيَعْلَمَ أنَّ صِدْقَ أُولَئِكَ يُؤْذِنُ بِصِدْقِ هَؤُلاءِ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ يَدٌ واحِدَةٌ.
والإخْبارُ عَنْهم بِرِجالٍ زِيادَةٌ في الثَّناءِ لِأنَّ الرِّجْلَ مُشْتَقٌّ مِنَ الرِّجْلِ وهي قُوَّةُ اعْتِمادِ الإنْسانِ كَما اشْتُقَّ الأيْدُ مِنَ اليَدِ، فَإنْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ مَعَ بَقِيَّةِ آيِ السُّورَةِ بَعْدَ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ فَهي تَذْكِيرٌ بِما حَصَلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِن قَبْلُ، وإنْ كانَتْ نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ فَمَوْضِعُها في هَذِهِ السُّورَةِ إنَّما هو بِتَوْقِيفٍ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ فَهو تَنْبِيهٌ عَلى المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ عَلى تَقْدِيرِ: أنَّها نَزَلَتْ مَعَ سُورَةِ الأحْزابِ. وأيًّا ما كانَ وقْتُ نُزُولِ الآيَةِ فَإنَّ المُرادَ مِنها: رِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ ثَبَتُوا في وجْهِ العَدُوِّ يَوْمَ أُحُدٍ وهم: عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وأنَسُ بْنُ النَّضْرِ، وطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وحَمْزَةُ، وسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، ومُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ. فَأمّا أنَسُ بْنُ النَّضْرِ وحَمْزَةُ ومُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ فَقَدِ اسْتَشْهَدُوا يَوْمَ أُحُدٍ، وأمّا
طَلْحَةُ فَقَدْ قُطِعَتْ يَدُهُ يَوْمَئِذٍ وهو يُدافِعُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأمّا بَقِيَّتُهم فَقَدْ قاتَلُوا ونَجَوْا. وسِياقُ الآيَةِ ومَوْقِعُها يَقْتَضِيانِ أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ وقْعَةِ الخَنْدَقِ. وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ رِوايَةَ البَيْهَقِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ حِينَ انْصَرَفَ مِن أُحُدٍ مَرَّ عَلى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ وهو مَقْتُولٌ عَلى طَرِيقِهِ فَوَقَفَ ودَعا لَهُ ثُمَّ تَلا ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ الآيَةَ.
ومَعْنى ﴿صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ أنَّهم حَقَّقُوا ما عاهَدُوا عَلَيْهِ فَإنَّ العَهْدَ وعْدٌ، وهو إخْبارٌ بِأنَّهُ يَفْعَلُ شَيْئًا في المُسْتَقْبَلِ فَإذا فَعَلَهُ فَقَدْ صَدَقَ. وفِعْلُ الصِّدْقِ يُسْتَعْمَلُ قاصِرًا وهو الأكْثَرُ، ويُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا إلى المُخْبَرِ (بِفَتْحِ الباءِ) يُقالُ: صَدَقَهُ الخَبَرُ، أيْ قالَ لَهُ الصِّدْقَ، ولِذَلِكَ فَإنَّ تَعْدِيَتَهُ هُنا إلى ﴿ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ إنَّما هو عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ صَدَقُوا فِيما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِمْ في المَثَلِ: صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرِهِ، أيْ في سِنِّ بَكْرِهِ.
والنَّحْبُ: النَّذْرُ وما يَلْتَزِمُهُ الإنْسانُ مَن عَهْدٍ ونَحْوِهِ، أيْ مِنَ المُؤْمِنِينَ مَن وفّى
صفحة ٣٠٨
بِما عاهَدَ عَلَيْهِ مِنَ الجِهادِ كَقَوْلِ أنَسِ بْنِ النَّضْرِ حِينَ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وقالَ: أوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ غِبْتُ عَنْهُ، أما واللَّهِ لَئِنْ أرانِيَ اللَّهُ مَشْهَدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيما بَعْدُ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ ما أصْنَعُ فَشَهِدَ أُحُدًا وقاتَلَ حَتّى قُتِلَ. ومِثْلُ الَّذِينَ شَهِدُوا أيّامَ الخَنْدَقِ فَإنَّهم قَضَوْا نَحْبَهم يَوْمَ قُرَيْظَةَ.
وقَدْ حَمَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ ﴿قَضى نَحْبَهُ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى مَعْنى المَوْتِ في الجِهادِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ بِتَشْبِيهِ المَوْتِ بِالنَّذْرِ في لُزُومِ الوُقُوعِ، ورُبَّما ارْتَقى بِبَعْضِ المُفَسِّرِينَ ذَلِكَ إلى جَعْلِ النَّحْبِ مِن أسْماءِ المَوْتِ، ويَمْنَعُ مِنهُ ما ورَدَ في حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ في طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ (إنَّهُ مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ»)، وهو لَمْ يَمُتْ في حَياةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وأمّا قَوْلُهُ ﴿وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ فَهو في مَعْنى ﴿صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ وإنَّما ذُكِرَ هُنا لِلتَّعْرِيضِ بِالمُنافِقِينَ الَّذِينَ عاهَدُوا اللَّهَ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ ثُمَّ ولَّوْا يَوْمَ الخَنْدَقِ فَرَجَعُوا إلى بُيُوتِهِمْ في المَدِينَةِ.
وانْتَصَبَ تَبْدِيلًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُؤَكِّدٌ لِـ بَدَّلُوا المَنفِيِّ. ولَعَلَّ هَذا التَّوْكِيدَ مَسُوقٌ مَساقَ التَّعْرِيضِ بِالمُنافِقِينَ الَّذِينَ بَدَّلُوا عَهْدَ الإيمانِ لَمّا ظَنُّوا أنَّ الغَلَبَةَ تَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ.
33:24Page 421
لِّيَجۡزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّٰدِقِينَ بِصِدۡقِهِمۡ وَيُعَذِّبَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ إِن شَآءَ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٢٤
That Allāh may reward the truthful for their truth and punish the hypocrites if He wills or accept their repentance. Indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.
﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾
لامُ التَّعْلِيلِ يَتَنازَعُهُ مِنَ التَّعَلُّقِ كُلٌّ مِن صَدَقُوا وما بَدَّلُوا أيْ صَدَقَ المُؤْمِنُونَ عَهْدَهم وبَدَّلَهُ المُنافِقُونَ لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ.
ولامُ التَّعْلِيلِ بِالنِّسْبَةِ إلى فِعْلِ ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَةِ مَعْناهُ، وبِالنِّسْبَةِ إلى فِعْلِ ويُعَذِّبُ مُسْتَعارٌ لِمَعْنى فاءِ العاقِبَةِ تَشْبِيهًا لِعاقِبَةِ فِعْلِهِمْ بِالعِلَّةِ الباعِثَةِ عَلى ما اجْتَرَحُوهُ مِنَ التَّبْدِيلِ والخَيْسِ بِالعَهْدِ تَشْبِيهًا يُفِيدُ عِنايَتَهم بِما فَعَلُوهُ مِنَ التَّبْدِيلِ حَتّى كَأنَّهم ساعُونَ إلى طَلَبِ ما حَقَّ عَلَيْهِمْ مِنَ
صفحة ٣٠٩
العَذابِ عَلى فِعْلِهِمْ، أوْ تَشْبِيهًا إيّاهم في عِنادِهِمْ وكَيْدِهِمْ بِالعالَمِ بِالجَزاءِ السّاعِي إلَيْهِ وإنْ كانَ فِيهِ هَلاكُهُ.
والجَزاءُ: الثَّوابُ لِأنَّ أكْثَرَ ما يُسْتَعْمَلُ فِعْلُ جَزى أنْ يَكُونَ في الخَيْرِ، ولِأنَّ ذِكْرَ سَبَبِ الجَزاءِ وهو بِصِدْقِهِمْ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ جَزاءُ إحْسانٍ، وقَدْ جاءَ الجَزاءُ في ضِدِّ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في مَقامِ إضْمارِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى عَظَمَةِ الجَزاءِ.
وتَعْلِيقُ التَّعْذِيبِ عَلى المَشِيئَةِ تَنْبِيهٌ لَهم بِسَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ وأنَّهُ لا يَقْطَعُ رَجاءَهم في السَّعْيِ إلى مَغْفِرَةِ ما أتَوْهُ بِأنْ يَتُوبُوا فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَلَمّا قابَلَ تَعْذِيبَهُ إيّاهم بِتَوْبَتِهِ عَلَيْهِمْ تَعَيَّنَ أنَّ التَّعْذِيبَ باقٍ عِنْدَ عَدَمِ تَوْبَتِهِمْ لِقَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] .
والتَّوْبَةُ هُنا هي التَّوْبَةُ مِنَ النِّفاقِ، أيْ هي إخْلاصُ الإيمانِ، وقَدْ تابَ كَثِيرٌ مِنَ المُنافِقِينَ بَعْدَ ذَلِكَ، مِنهم مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيٌرٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجَزاءِ والتَّعْذِيبِ كِلَيْهِما عَلى التَّوْزِيعِ، أيْ غَفُورٌ لِلْمُذْنِبِ إذا أنابَ إلَيْهِ، رَحِيمٌ بِالمُحْسِنِ أنْ يُجازِيَهُ عَلى قَدْرِ نَصَبِهِ.
وفِي ذِكْرِ فِعْلِ كانَ إفادَةُ أنَّ المَغْفِرَةَ والرَّحْمَةَ صِفَتانِ ذاتِيَّتانِ لَهُ كَما قَدَّمْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، مِن ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا﴾ [يونس: ٢] في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ.
33:25Page 421
وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيۡظِهِمۡ لَمۡ يَنَالُواْ خَيۡرٗاۚ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلۡقِتَالَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزٗا ٢٥
And Allāh repelled those who disbelieved, in their rage, not having obtained any good. And sufficient was Allāh for the believers in battle, and ever is Allāh Powerful and Exalted in Might.
﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ [الأحزاب: ٩] وهو الأنْسَبُ بِسِياقِ الآياتِ بَعْدَها، أيْ أرْسَلَ عَلَيْهِمْ رِيحًا ورَدَّهم، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ [الأحزاب: ٢٠]، أيْ يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وقَدْ رَدَّ اللَّهُ الأحْزابَ فَذَهَبُوا.
صفحة ٣١٠
والرَّدُّ: الإرْجاعُ إلى المَكانِ الَّذِي صَدَرَ مِنهُ فَإنَّ رَدَّهم إلى دِيارِهِمْ مِن تَمامِ النِّعْمَةِ عَلى المُسْلِمِينَ بَعْدَ نِعْمَةِ إرْسالِ الرِّيحِ عَلَيْهِمْ لِأنَّ رُجُوعَهم أعْمَلُ في اطْمِئْنانِ المُسْلِمِينَ. وعَبَّرَ عَنِ الأحْزابِ بِالَّذِينَ كَفَرُوا لِلْإيماءِ إلى أنَّ كُفْرَهم هو سَبَبُ خَيْبَتِهِمُ العَجِيبَةِ الشَّأْنِ.
والباءُ في ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ لِلْمُلابَسَةِ، وهو ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ رَدَّهم مَغِيظِينَ.
وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ دُونَ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى عِظَمِ شَأْنِ هَذا الرَّدِّ العَجِيبِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى:﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٤] .
والغَيْظُ: الحَنْقُ والغَضَبُ، وكانَ غَضَبُهم عَظِيمًا يُناسِبُ حالَ خَيْبَتِهِمْ لِأنَّهم تَجَشَّمُوا كُلْفَةَ التَّجَمُّعِ والإنْفاقِ وطُولِ المُكْثِ حَوْلَ المَدِينَةِ بِلا طائِلٍ وخابَتْ آمالُهم في فَتْحِ المَدِينَةِ وأكْلِ ثِمارِها وإفْناءِ المُسْلِمِينَ، وهم يَحْسَبُونَ أنَّها مُنازَلَةُ أيّامٍ قَلِيلَةٍ، ثُمَّ غاظَهم ما لَحِقَهم مِنَ النَّكْبَةِ بِالرِّيحِ والِانْهِزامِ الَّذِي لَمْ يَعْرِفُوا سَبَبَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿لَمْ يَنالُوا خَيْرًا﴾ حالٌ ثانِيَةٌ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ جُمْلَةَ ﴿لَمْ يَنالُوا خَيْرًا﴾ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِبَيانِ مُوجِبِ غَيْظِهِمْ.
وكَفى بِمَعْنى أغْنى، أيْ أراحَهم مِن كُلْفَةِ القِتالِ بِأنْ صَرَفَ الأحْزابَ. وكَفى بِهَذا المَعْنى تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ يُقالُ: كَفَيْتُكَ مُهِمَّكَ ولَيْسَتْ هي الَّتِي تُزادُ الباءُ في مَفْعُولِها فَتِلْكَ بِمَعْنى: حَسْبُ.
وفِي قَوْلِهِ ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ كُلْفَةَ القِتالِ، أوْ أرْزاءَ القِتالِ، فَإنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا يَوْمَئِذٍ بِحاجَةٍ إلى تَوْفِيرِ عَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ بَعْدَ مُصِيبَةِ يَوْمِ أُحُدٍ ولَوِ التَقَوْا مَعَ جَيْشِ المُشْرِكِينَ لَكانَتْ أرْزاؤُهم كَثِيرَةً ولَوِ انْتَصَرُوا عَلى المُشْرِكِينَ.
والقَوْلُ في إظْهارِ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ كالقَوْلِ في ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾ .
صفحة ٣١١
وجُمْلَةُ ﴿وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى آخِرِها.
والقُوَّةُ: القُدْرَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾ [هود: ٨٠] في سُورَةِ هُودٍ.
والعِزَّةُ: العَظَمَةُ والمَنَعَةُ، وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وذُكِرَ فِعْلُ (كانَ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ العِزَّةَ والقُوَّةَ وصْفانِ ثابِتانِ لِلَّهِ تَعالى، ومِن تَعَلُّقاتِ قُوَّتِهِ وعِزَّتِهِ أنْ صَرَفَ ذَلِكَ الجَيْشَ العَظِيمَ خائِبِينَ مُفْتَضِحِينَ وألْقى بَيْنَهُ وبَيْنَ أحْلافِهِ مِن قُرَيْظَةَ الشَّكَّ، وأرْسَلَ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ والقُرَّ، وهَدى نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ الغَطَفانِيَّ إلى الإسْلامِ دُونَ أنْ يَشْعُرَ قَوْمُهُ فاسْتَطاعَ النُّصْحَ لِلْمُسْلِمِينَ بِالكَيْدِ لِلْمُشْرِكِينَ. ذَلِكَ كُلُّهُ مُعْجِزَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ .
33:26–27Page 421
وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَٰهَرُوهُم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن صَيَاصِيهِمۡ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَ فَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ وَتَأۡسِرُونَ فَرِيقٗا ٢٦
And He brought down those who supported them among the People of the Scripture1 from their fortresses and cast terror into their hearts [so that] a party [i.e., their men] you killed, and you took captive a party [i.e., the women and children].
وَأَوۡرَثَكُمۡ أَرۡضَهُمۡ وَدِيَٰرَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُمۡ وَأَرۡضٗا لَّمۡ تَطَـُٔوهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٗا ٢٧
And He caused you to inherit their land and their homes and their properties and a land which you have not trodden.1 And ever is Allāh, over all things, competent.
﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ ﴿وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾
كانَ يَهُودُ قُرَيْظَةَ قَدْ أعانُوا الأحْزابَ وحاصَرُوا المَدِينَةَ مَعَهم وكانَ
حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ مِن بَنِي النَّضِيرِ مُنْضَمًّا إلَيْهِمْ وهو الَّذِي حَرَّضَ أبا سُفْيانَ عَلى غَزْوِ المَدِينَةِ. فَلَمّا صَرَفَ اللَّهُ الأحْزابَ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَغْزُوَ قُرَيْظَةَ وهم فَرِيقٌ مِنَ اليَهُودِ يُعْرَفُونَ بِبَنِي قُرَيْظَةَ وكانَتْ مَنازِلُهم وحُصُونُهم بِالجَنُوبِ الشَّرْقِيِّ مِنَ المَدِينَةِ تُعَرَفُ قَرْيَتُهم بِاسْمِهِمْ، «وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ عادَ إلى المَدِينَةِ مِنَ الخَنْدَقِ ظُهْرًا وكانَ بِصَدَدِ أنْ يَغْتَسِلَ ويَسْتَقِرَّ فَلَمّا جاءَهُ الوَحْيُ بِأنْ يَغْزُوَ قُرَيْظَةَ نادى في النّاسِ أنْ لا يُصَلِّيَنَّ أحَدُكُمُ العَصْرَ إلّا في بَنِي قُرَيْظَةَ» . وخَرَجَ الجَيْشُ الَّذِي كانَ بِالخَنْدَقِ مَعَهُ فَنَزَلُوا عَلى قَرْيَةِ قُرَيْظَةَ واسْتَعْصَمَ أهْلُ القَرْيَةِ بِحُصُونِهِمْ فَحاصَرَهُمُ المُسْلِمُونَ نَحْوًا مِن عِشْرِينَ لَيْلَةً، فَلَمّا جَهَدَهُمُ الحِصارُ وخامَرَهُمُ الرُّعْبُ مِن أنْ يَفْتَحَ المُسْلِمُونَ بِلادَهم فَيَسْتَأْصِلُوهم طَمِعُوا أنْ يَطْلُبُوا أنْ يُسَلِّمُوا بِلادَهم عَلى أنْ يَحْكُمَ حَكَمٌ في
صفحة ٣١٢
صِفَةِ ذَلِكَ التَّسْلِيمِ. ويُقالُ لِهَذا النَّوْعِ مِنَ المُصالَحَةِ: النُّزُولُ عَلى حُكْمِ حَكَمٍ، فَأرْسَلُوا شاسَ بْنَ قَيْسٍ إلى النَّبِيءِ ﷺ يَعْرِضُونَ أنْ يَنْزِلُوا عَلى مِثْلِ ما نَزَلَتْ عَلَيْهِ بَنُو النَّضِيرِ مِنَ الجَلاءِ عَلى أنَّ لَهم ما حَمَلَتِ الإبِلُ إلّا الحَلْقَةَ، فَأبى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبُولَ ذَلِكَ وبَعْدَ مُداوَلاتٍ نَزَلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، فَحَكَمَ سَعْدٌ أنْ تُقْتَلَ المُقاتِلَةُ وتُسْبى النِّساءُ والذَّرارِيُّ وأنْ تَكُونَ دِيارُهم لِلْمُهاجِرِينَ دُونَ الأنْصارِ فَأمْضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما حَكَمَ بِهِ سَعْدٌ كَما هو مُفَصَّلٌ في السِّيرَةِ.
ومَعْنى ظاهَرُوهم ناصَرُوهم وأعانُوهم، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا﴾ [التوبة: ٤] في سُورَةِ (بَراءَةَ) .
والإنْزالُ: الإهْباطُ، أيْ مِنَ الحُصُونِ أوْ مِنَ المُعْتَصَماتِ كالجِبالِ.
والصَّياصِي: الحُصُونُ، وأصْلُها أنَّها جَمْعُ صِيصَيَةٍ وهي القَرْنُ لِلثَّوْرِ ونَحْوِهِ. قالَ عَبْدُ بَنِي الحَسْحاسِ:
فَأصْبَحَتِ الثِّيرانُ غَرْقى وأصْبَحَتْ نِساءُ تَمِيمٍ يَلْتَقِطْنَ الصَّياصِيا
أيِ القُرُونَ لِبَيْعِها كانُوا يَسْتَعْمِلُونَ القُرُونَ في مَناسِجِ الصُّوفِ ويَتَّخِذُونَ أيْضًا مِنها أوْعِيَةً لِلْكُحْلِ ونَحْوِهِ فَلَمّا كانَ القَرْنُ يُدافِعُ بِهِ الثَّوْرُ عَنْ نَفْسِهِ سُمِّيَ المَعْقِلُ الَّذِي يَعْتَصِمُ بِهِ الجَيْشُ صِيصَيَةً والحُصُونُ صَياصِيَ.
والقَذْفُ: الإلْقاءُ السَّرِيعُ، أيْ جَعَلَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ بِأمْرِهِ التَّكْوِينِيِّ فاسْتَسْلَمُوا ونَزَلُوا عَلى حُكْمِ المُسْلِمِينَ.
والفَرِيقُ الَّذِينَ قُتِلُوا هُمُ الرِّجالُ وكانُوا زُهاءَ سَبْعِمِائَةٍ والفَرِيقُ الَّذِينَ أُسِرُوا هُمُ النِّساءُ والصِّبْيانُ.
والخِطابُ مِن قَوْلِهِ ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ إلى آخِرِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ تَكْمِلَةً لِلنِّعْمَةِ الَّتِي أنْبَأ عَنْها قَوْلُهُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ [الأحزاب: ٩] الآيَةَ، أيْ فَأهْلَكَنا الجُنُودَ ورَدَّهُمُ اللَّهُ بِغَيْظِهِنَّ وسَلَّطَكم عَلى أحْلافِهِمْ وأنْصارِهِمْ.
صفحة ٣١٣
وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ في ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ لِلِاهْتِمامِ بِذِكْرِهِ لِأنَّ ذَلِكَ الفَرِيقَ هم رِجالُ القَبِيلَةِ الَّذِينَ بِقَتْلِهِمْ يَتِمُّ الِاسْتِيلاءُ عَلى الأرْضِ والأمْوالِ والأسْرى، ولِذَلِكَ لَمْ يُقَدَّمْ مَفْعُولُ تَأْسِرُونَ إذْ لا داعِيَ إلى تَقْدِيمِهِ فَهو عَلى أصْلِهِ.
وقَوْلُهُ ﴿وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ أيْ تَنْزِلُوا بِها غُزاةً وهي أرْضٌ أُخْرى غَيْرَ أرْضِ قُرَيْظَةَ وُصِفَتْ بِجُمْلَةِ ﴿لَمْ تَطَئُوها﴾ أيْ لَمْ تَمْشُوا فِيها. فَقِيلَ: إنَّ اللَّهَ بَشَّرَهم بِأرْضٍ أُخْرى يَرِثُونَها مِن بَعْدُ. قالَ قَتادَةُ: كُنّا نُحَدَّثُ أنَّها مَكَّةَ. وقالَ مُقاتِلٌ وابْنُ رُومانَ: هي خَيْبَرُ، وقِيلَ: أرْضُ فارِسَ والرُّومِ. وعَلى هَذِهِ التَّفاسِيرِ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ فِعْلُ (أوْرَثَكم) مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ؛ فَأمّا في حَقِيقَتِهِ فَبِالنِّسْبَةِ إلى مَفْعُولِهِ وهو ﴿أرْضُهم ودِيارُهم وأمْوالُهُمْ﴾، وأمّا اسْتِعْمالُهُ في مَجازِهِ فَبِالنِّسْبَةِ إلى تَعْدِيَتِهِ إلى (أرْضًا لَمْ تَطَئُوها)، أيْ أنْ يُورِثَكم أرْضًا أُخْرى لَمْ تَطَئُوها، مِن بابِ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] أوْ يُئَوَّلُ فِعْلُ (أوْرَثَكم) بِمَعْنى: قَدَّرَ أنْ يُورِثَكم. وأظْهَرُ هَذِهِ الأقْوالِ أنَّها أرْضُ خَيْبَرَ فَإنَّ المُسْلِمِينَ فَتَحُوها بَعْدَ غَزْوَةِ قُرَيْظَةَ بِعامٍ وشَهْرٍ.
ولَعَلَّ المُخاطَبِينَ بِضَمِيرِ (أوْرَثَكم) هُمُ الَّذِينَ فَتَحُوا خَيْبَرَ لَمْ يَنْقُصْ مِنهم أحَدٌ أوْ فُقِدَ مِنهُ القَلِيلُ ولِأنَّ خَيْبَرَ مِن أرْضِ أهْلِ الكِتابِ وهم مِمَّنْ ظاهَرُوا المُشْرِكِينَ فَيَكُونُ قَصْدُها مِن قَوْلِهِ وأرْضًا مُناسِبًا تَمامَ المُناسَبَةِ.
وفِي التَّذْيِيلِ بِقَوْلِهِ ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ إيماءً إلى البِشارَةِ بِفَتْحٍ عَظِيمٍ يَأْتِي مِن بَعْدِهِ.
وعِنْدِي: أنَّ المُرادَ بِالأرْضِ الَّتِي لَمْ يَطَئُوها أرْضُ بَنِي النَّضِيرِ وأنَّ مَعْنى ﴿لَمْ تَطَئُوها﴾ لَمْ تَفْتَحُوها عَنْوَةً فَإنَّ الوَطْءَ يُطْلَقُ عَلى مَعْنى الأخْذِ الشَّدِيدِ، قالَ الحارِثُ بْنُ وعْلَةَ الذُّهَلِيُّ:
ووَطَئْتَنا وطْئًا عَلى حَنَقٍ ∗∗∗ وطْءَ المُقَيَّدِ نابِتِ الهَرْمِ
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهم أنْ تَطَئُوهُمْ﴾ [الفتح: ٢٥]، فَإنَّ أرْضَ بَنِي النَّضِيرِ كانَتْ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن غَيْرِ إيجافٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences