Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Ahzab 33:37–42, continued
وجُمْلَةُ ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ زَوَّجْناكَها. وأمْرُ اللَّهِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ مِن إباحَةِ تَزَوُّجِ مَن كُنَّ حَلائِلَ الأدْعِياءِ، فَهو مَعْنى الأمْرِ التَّشْرِيعِيِّ فِيهِ. ومَعْنى (مَفْعُولًا) أنَّهُ مُتَّبَعٌ مُمْتَثَلٌ فَلا يُنَزَّهُ أحَدٌ عَنْهُ، قالَ تَعالى ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] .
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الأمْرُ التَّكْوِينِيُّ وهو ما عَلِمَ أنَّهُ يَكُونُ وقَدَّرَ أسْبابَ كَوْنِهِ،
صفحة ٤٠
فَيَكُونُ مَعْنى (مَفْعُولًا) واقِعًا. والأمْرُ مِن إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ، والمَفْعُولُ هو المُسَبَّبُ.
وتَزَوُّجُ النَّبِيءِ ﷺ زَيْنَبَ مِن أمْرِ اللَّهِ بِالمَعْنَيَيْنِ.
33:38–39Page 423
مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنۡ حَرَجٖ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُۥۖ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قَدَرٗا مَّقۡدُورًا ٣٨
There is not to be upon the Prophet any discomfort concerning that which Allāh has imposed upon him.1 [This is] the established way of Allāh with those [prophets] who have passed on before. And ever is the command of Allāh a destiny decreed.
ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخۡشَوۡنَهُۥ وَلَا يَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا ٣٩
[Allāh praises] those who convey the messages of Allāh1 and fear Him and do not fear anyone but Allāh. And sufficient is Allāh as Accountant.
﴿ما كانَ عَلى النَّبِيءِ مَن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾
اسْتِئْنافٌ لِزِيادَةِ بَيانِ مُساواةِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْأُمَّةِ في إباحَةِ تَزَوُّجِ مُطَلَّقَةِ دَعِيِّهِ وبَيانِ أنَّ ذَلِكَ لا يَخِلُّ بِصِفَةِ النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّ تَناوُلَ المُباحاتِ مِن سُنَّةِ الأنْبِياءِ قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]، وأنَّ النَّبِيَّ إذا رامَ الِانْتِفاعَ بِمُباحٍ لِمَيْلِ نَفْسِهِ إلَيْهِ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَتَناوَلَهُ لِئَلّا يُجاهِدَ نَفْسَهُ فِيما لَمْ يُؤْمَرْ بِمُجاهِدَةِ النَّفْسِ فِيهِ؛ لِأنَّ الألْيَقَ بِهِ أنْ يَسْتَبْقِيَ عَزِيمَتَهُ ومُجاهَدَتَهُ لِدَفْعِ ما أُمِرَ بِتَجَنُّبِهِ.
وفِي هَذا الِاسْتِئْنافِ ابْتِداءٌ لِنَقْضِ أقْوالِ المُنافِقِينَ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ امْرَأةَ ابْنِهِ.
ومَعْنى ﴿فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ قَدَّرَهُ، إذْ أذِنَهُ بِفِعْلِهِ. وتَعْدِيَةُ فِعْلِ (فَرَضَ) بِاللّامِ تَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى بِخِلافِ تَعَدِّيهِ بِحَرْفِ (عَلى) كَقَوْلِهِ ﴿قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ في أزْواجِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠] .
والسُّنَّةُ: السِّيرَةُ مِن عَمَلٍ أوْ خُلُقٍ يُلازِمُهُ صاحِبُهُ. ومَضى القَوْلُ في هَلِ السُّنَّةُ اسْمٌ جامِدٌ أوْ مَصْدَرٌ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وعَلى الأوَّلِ فانْتِصابُ سُنَّةَ اللَّهِ هُنا عَلى أنَّهُ اسْمٌ وُضِعَ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ لِدَلالَتِهِ عَلى مَعْنى فِعْلٍ ومَصْدَرٍ. قالَ في الكَشّافِ كَقَوْلِهِمْ: تُرْبًا وجَنْدَلًا، أيْ في الدُّعاءِ، أيْ تَرِبَ تُرْبًا. وأصْلُهُ: تُرْبٌ لَهُ وجَنْدَلٌ لَهُ. وجاءَ عَلى مُراعاةِ الأصْلِ قَوْلُ المَعَرِّي:
تَمَنَّتْ قُوَيْقًا والسَّراةُ حِيالَها تُرابٌ لَها مِن أيَنُقٍ وجِمالٍ
صفحة ٤١
ساقَهُ مَساقَ التَّعَجُّبِ المَشُوبِ بِغَضَبٍ.
وعَلى الثّانِي فانْتِصابُ (سُنَّةَ) عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ، فالفِعْلُ مُقَدَّرٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَصْدَرُ أوْ نائِبُهُ. فالتَّقْدِيرُ: سَنَّ اللَّهُ سُنَّتَهُ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ.
والمَعْنى: أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ مُتَّبِعٌ سُنَّةَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ سَبَقُوهُ اتِّباعًا لِما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ كَما فَرَضَ لَهم، أيْ أباحَ.
والمُرادُ بِـ (الَّذِينِ خَلَوْا): الأنْبِياءُ بِقَرِينَةِ سِياقِ لَفْظِ النَّبِيِّ، أيِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِ النُّبُوَّةِ. وقَدْ زادَهُ بَيانًا قَوْلُهُ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ﴾، فالأنْبِياءُ كانُوا مُتَزَوِّجِينَ وكانَ لِكَثِيرٍ مِنهم عِدَّةُ أزْواجٍ، وكانَ بَعْضُ أزْواجِهِمْ أحَبَّ إلَيْهِمْ مِن بَعْضِهِنَّ.
فَإنْ وقْفَنا عِنْدَ ما جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ وما بَيَّنَتْهُ الآثارُ الصَّحِيحَةُ فالعِبْرَةُ بِأحْوالِ جَمِيعِ الأنْبِياءِ.
وإنْ تَلَقَّيْنا بِشَيْءٍ مِنَ الإغْضاءِ بَعْضَ الآثارِ الضَّعِيفَةِ الَّتِي أُلْصِقَتْ بِقِصَّةِ تَزَوُّجِ زَيْنَبَ كانَ داوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِبْرَةً بِالخُصُوصِ، فَقَدْ كانَتْ لَهُ زَوْجاتٌ كَثِيراتٌ، وكانَ قَدْ أحَبَّ أنْ يَتَزَوَّجَ زَوْجَةَ (أُورْيا) وهي الَّتِي ضَرَبَ اللَّهُ لَها مَثَلًا بِالخَصْمِ الَّذِينَ تُسَوَّرُوا المِحْرابَ وتَشاكَوْا بَيْنَ يَدَيْهِ. وسَتَأْتِي في سُورَةِ ”ص“، وقَدْ ذُكِرَتِ القِصَّةُ في سِفْرِ المُلُوكِ. ومَحَلُّ التَّمْثِيلِ بِداوْدَ في أصْلِ انْصِرافِ رَغْبَتِهِ إلى امْرَأةٍ لَمْ تَكُنْ حَلالًا لَهُ فَصارَتْ حَلالًا لَهُ، ولَيْسَ مَحِلُّ التَّمْثِيلِ فِيما حَفَّ بِقِصَّةِ داوُدَ مِن لَوْمِ اللَّهِ إيّاهُ عَلى ذَلِكَ كَما قالَ ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ [ص: ٢٤] الآيَةَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُنْتَفٍ في قِصَّةِ تَزَوُّجِ زَيْنَبَ.
وجُمْلَةُ ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ مُعْتَرَضَةٌ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ إنْ كانَتْ جُمْلَةُ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ﴾ صِفَةً لِـ ﴿الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ أوْ تَذْيِيلٌ مِثْلَ جُمْلَةِ ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] إنْ كانَتْ جُمْلَةُ (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ) مُسْتَأْنَفَةً كَما سَيَأْتِي، والقَوْلُ فِيهِ مِثْلُ نَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا.
صفحة ٤٢
والقَدَرُ بِفَتْحِ الدّالِ: إيجادُ الأشْياءِ عَلى صِفَةٍ مَقْصُودَةٍ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ القَدْرِ بِسُكُونِ الدّالِ، وهو الكِمِّيَّةُ المُحَدَّدَةُ المَضْبُوطَةُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾ [الرعد: ١٧] في سُورَةِ الرَّعْدِ وقَوْلِهِ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] في سُورَةِ الحِجْرِ. ولَمّا كانَ مِن لَوازِمِ هَذا المَعْنى أنْ يَكُونَ مَضْبُوطًا مُحْكَمًا كَثُرَتِ الكِنايَةُ بِالقَدَرِ عَنِ الإتْقانِ والصُّدُورِ عَنِ العِلْمِ. ومِنهُ حَدِيثُ: ”كُلُّ شَيْءٍ بِقَضاءٍ وقَدَرٍ“، أيْ مِنَ اللَّهِ.
واصْطَلَحَ عُلَماءُ الكَلامِ: أنَّ القَدَرَ اسْمٌ لِلْإرادَةِ الأزَلِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ، ويُطْلِقُونَهُ عَلى الشَّيْءِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ القَدَرُ وهو المَقْدُورُ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، فالمَعْنى: وكانَ أمْرُ اللَّهِ مُقَدَّرًا عَلى حِكْمَةٍ أرادَها اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ الأمْرِ، فاللَّهُ لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِتَزَوُّجِ زَيْنَبَ الَّتِي فارَقَها زَيْدٌ كانَ عالِمًا بِأنَّ ذَلِكَ لائِقٌ بِرَسُولِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَما قَدَّرَ لِأسْلافِهِ مِنَ الأنْبِياءِ.
وفِي قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ﴾ جِيءَ بِالمَوْصُولِ دُونَ اسْمِ الإشارَةِ أوِ الضَّمِيرِ لِما في هَذِهِ الصِّلَةِ مِن إيماءٍ إلى انْتِفاءِ الحَرَجِ عَنِ الأنْبِياءِ في تَناوُلِ المُباحِ بِأنَّ اللَّهَ أرادَ مِنهم تَبْلِيغَ الرِّسالَةِ وخَشْيَةَ اللَّهِ بِتَجَنُّبِ ما نَهى عَنْهُ ولَمْ يُكَلِّفْهم إشْقاقَ نُفُوسِهِمْ بِتَرْكِ الطَّيِّباتِ الَّتِي يُرِيدُونَها، ولا حَجْبَ وِجْدانِهِمْ عَنْ إدْراكِ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ مِن حُسْنِ الحَسَنِ وقُبْحِ القَبِيحِ، ولا عَنِ انْصِرافِ الرَّغْبَةِ إلى تَناوُلِ ما حَسُنَ لَدَيْهِمْ إذا كانَ ذَلِكَ في حُدُودِ الإباحَةِ، ولا كَلَّفَهم مُراعاةَ أمْيالِ النّاسِ ومُصْطَلَحاتِهِمْ وعَوائِدِهِمُ الرّاجِعَةِ إلى الحَيْدَةِ بِالأُمُورِ عَنْ مَناهِجِها، فَإنَّ في تَناوُلِهِمْ رَغَباتِهِمُ المُباحَةَ عَوْنًا لَهم عَلى النَّشاطِ في تَبْلِيغِ رِسالاتِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ﴾، أيْ لا يَخْشَوْنَ أحَدًا خَشْيَةً تَقْتَضِي فِعْلَ شَيْءٍ أوْ تَرْكَهُ.
ثُمَّ إنَّ جُمْلَةَ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ﴾ إلى آخِرِها يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلَّذِينِ خَلَوْا مِن قَبْلُ، أيِ الأنْبِياءِ. وإذْ قَدْ عُلِمَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مُتَّبِعٌ ما أذِنَ اللَّهُ لَهُ اتِّباعَهُ مِن سُنَّةِ الأنْبِياءِ قَبْلَهُ عُلِمَ أنَّهُ مُتَّصِفٌ بِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ﴾ بِحُكْمِ قِياسِ المُساواةِ، فَعُلِمَ أنَّ الخَشْيَةَ الَّتِي في قَوْلِهِ ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] لَيْسَتْ خَشْيَةَ خَوْفٍ تُوجِبُ تَرْكَ ما يَكْرَهُهُ النّاسُ أوْ فِعْلَ ما يَرْغَبُونَهُ بِحَيْثُ يَكُونُ النّاسُ مُحْتَسِبِينَ عَلى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ
صفحة ٤٣
والسَّلامُ - ولَكِنَّها تَوَقُّعُ أنْ يَصْدُرَ مِنَ النّاسِ وهُمُ المُنافِقُونَ ما يَكْرَهُهُ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ (﴿وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾)، أيِ اللَّهُ حَسِيبُ الأنْبِياءِ لا غَيْرُهُ.
هَذا هو الوَجْهُ في سِياقِ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ، فَلا تَسْلُكْ في مَعْنى الآيَةِ مَسْلَكًا يُفْضِي بِكَ إلى تَوَهُّمِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ حَصَلَتْ مِنهُ خَشْيَةُ النّاسِ وأنَّ اللَّهَ عَرَّضَ بِهِ في قَوْلِهِ ﴿ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ﴾ تَصْرِيحًا بَعْدَ أنْ عَرَّضَ بِهِ تَلْمِيحًا في قَوْلِهِ ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] بَلِ النَّبِيءُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمْ يَكْتَرِثْ بِهِمْ وأقَدَمَ عَلى تَزَوُّجِ زَيْنَبَ، فَكُلُّ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ الَّتِي ما نَزَلَتْ إلّا بَعْدَ تَزَوُّجِ زَيْنَبَ كَما هو صَرِيحُ قَوْلِهِ زَوَّجْناكَها ولَمْ يَتَأخَّرْ إلى نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.
وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في مَقامِ الإضْمارِ في قَوْلِهِ ﴿وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ حَيْثُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِقَصْدِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ جارِيَةً مَجْرى المَثَلِ والحِكْمَةِ.
وإذْ قَدْ كانَ هَذا وصْفَ الأنْبِياءِ فَلَيْسَ في الآيَةِ مَجالُ الِاسْتِدْراكِ عَلَيْها بِمَسْألَةِ التُّقْيَةِ في قَوْلِهِ تَعالى (إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً) .
33:40Page 423
مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ٤٠
Muḥammad is not the father of [any] one of your men, but [he is] the Messenger of Allāh and seal [i.e., last] of the prophets. And ever is Allāh, of all things, Knowing.
﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتِمَ النَّبِيئِينَ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ " اسْتِئْنافٌ لِلتَّصْرِيحِ بِإبْطالِ أقْوالِ المُنافِقِينَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وما يُلْقِيهِ اليَهُودُ في نُفُوسِهِمْ مِنَ الشَّكِّ.
وهُوَ ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] . والغَرَضُ مِن هَذا العُمُومِ قَطْعُ تَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ولَدٌ مِنَ الرِّجالِ تَجْرِي عَلَيْهِ أحْكامُ النُّبُوَّةِ حَتّى لا يَتَطَرَّقَ الإرْجافُ والِاخْتِلاقُ إلى مَن يَتَزَوَّجَهُنَّ مِن أيامى المُسْلِمِينَ أصْحابِهِ مِثْلَ أُمِّ سَلَمَةَ وحَفْصَةَ.
ومِن رِجالِكم وصْفٌ لِـ (أحَدٍ)، وهو احْتِراسٌ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ أبُو بَناتٍ. والمَقْصُودُ: نَفْيُ أنْ يَكُونَ أبًا لِأحَدٍ مِنَ الرِّجالِ في حِينِ نُزُولِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ كانَ وُلِدَ لَهُ أوْلادٌ أوْ ولَدانِ بِمَكَّةَ مِن خَدِيجَةَ وهُمُ الطَّيِّبُ، والطّاهِرُ ( أوْ هُما اسْمانِ
صفحة ٤٤
لِواحِدٍ والقاسِمُ، ووُلِدَ لَهُ إبْراهِيمُ بِالمَدِينَةِ مِن مارِيَةَ القِبْطِيَّةِ، وكُلُّهم ماتُوا صِبْيانًا ولَمْ يَكُنْ مِنهم مَوْجُودٌ حِينَ نُزُولِ الآيَةِ.
والمَنفِيُّ هو وصْفُ الأُبُوَّةِ المُباشِرَةِ لِأنَّها الغَرَضُ الَّذِي سِيقَ الكَلامُ لِأجْلِهِ والَّذِي وهِمَ فِيهِ مَن وهِمَ فَلا التِفاتَ إلى كَوْنِهِ جَدًّا لِلْحَسَنِ، والحُسَيْنِ، ومُحْسِنٍ أبْناءِ ابْنَتِهِ فاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - إذْ لَيْسَ ذَلِكَ بِمَقْصُودٍ. ولا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ نَفْيُ أُبُوَّتِهِ لَهم بِمَعْنى الأُبُوَّةِ العُلْيا، أوِ المُرادُ أُبُوَّةُ الصُّلْبِ دُونَ أُبُوَّةِ الرَّحِمِ.
وإضافَةُ رِجالٍ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ والعُدُولُ عَنْ تَعْرِيفِهِ بِاللّامِ لِقَصْدِ تَوْجِيهِ الخِطابِ إلى الخائِضِينَ في قَضِيَّةِ تَزَوُّجِ زَيْنَبَ إخْراجًا لِلْكَلامِ في صِيغَةِ التَّغْلِيطِ والتَّغْلِيظِ.
وأمّا تَوْجِيهُهُ بِأنَّهُ كالِاحْتِرازِ عَنْ أحْفادِهِ وأنَّهُ قالَ مِن رِجالِكم وأمّا الأحْفادُ فَهم مِن رِجالِهِ فَفِيهِ سَماجَةٌ وهو أنْ يَكُونَ في الكَلامِ تَوْجِيهٌ بِأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ بَرِيءٌ مِنَ المُخاطَبِينَ أعْنِي المُنافِقِينَ، ولَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُمُ الصِّلَةُ الشَّبِيهَةُ بِصِلَةِ الأُبُوَّةِ الثّابِتَةِ بِطَرِيقَةِ لَحْنِ الخِطابِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] كَما تَقَدَّمَ.
واسْتِدْراكُ قَوْلِهِ ﴿ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ لِرَفْعِ ما قَدْ يُتَوَهَّمُ مِن نَفْيِ أُبُوَّتِهِ، مِنِ انْفِصالِ صِلَةِ التَّراحُمِ والبِرِّ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأُمَّةِ فَذُكِّرُوا بِأنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَهو كالأبِ لِجَمِيعِ أُمَّتِهِ في شَفَقَتِهِ ورَحْمَتِهِ بِهِمْ، وفي بِرِّهِمْ وتَوْقِيرِهِمْ إيّاهُ، شَأْنَ كُلِّ نَبِيٍّ مَعَ أُمَّتِهِ.
والواوُ الدّاخِلَةُ عَلى (لَكِنْ) زائِدَةٌ و(لَكِنْ) عاطِفَةٌ ولَمْ تَرِدْ (لَكِنْ) في كَلامِ العَرَبِ عاطِفَةً إلّا مُقْتَرِنَةٌ بِالواوِ كَما صَرَّحَ بِهِ المُرادِيُّ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ. وحَرْفُ (لَكِنْ) مُفِيدٌ الِاسْتِدْراكَ.
وعَطْفُ صِفَةِ خاتِمَ النَّبِيئِينَ عَلى صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ تَكْمِيلٌ وزِيادَةٌ في التَّنْوِيهِ بِمَقامِهِ ﷺ وإيماءٌ إلى أنَّ في انْتِفاءِ أُبُوَّتهِ لِأحَدٍ مِنَ الرِّجالِ حِكْمَةً قَدَّرَها اللَّهُ تَعالى وهي إرادَةُ أنْ لا يَكُونَ إلّا مِثْلَ الرُّسُلِ أوْ أفْضَلَ في جَمِيعِ خَصائِصِهِ.
وإذا قَدْ كانَ الرُّسُلُ لَمْ يَخْلُ عَمُودُ أبْنائِهِمْ مِن نَبِيءٍ كانَ كَوْنُهُ خاتَمَ النَّبِيئِينَ مُقْتَضِيًا أنْ لا يَكُونَ لَهُ أبْناءٌ بَعْدَ وفاتِهِ لِأنَّهم لَوْ كانُوا أحْياءً بَعْدَ وفاتِهِ ولَمْ تُخْلَعْ
صفحة ٤٥
عَلَيْهِمْ خُلْعَةُ النُّبُوَّةِ لِأجْلِ خَتْمِ النُّبُوَّةِ بِهِ، كانَ ذَلِكَ غَضًّا فِيهِ دُونَ سائِرِ الرُّسُلِ وذَلِكَ ما لا يُرِيدُهُ اللَّهُ بِهِ. ألا تَرى أنَّ اللَّهَ لَمّا أرادَ قَطْعَ النُّبُوءَةِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ صَرَفَ عِيسى عَنِ التَّزَوُّجِ.
فَلا تَجْعَلْ قَوْلَهُ ﴿وخاتِمَ النَّبِيئِينَ﴾ داخِلًا في حَيِّزِ الِاسْتِدْراكِ لِما عَلِمْتَ مِن أنَّهُ تَكْمِيلٌ واسْتِطْرادٌ بِمُناسَبَةِ إجْراءِ وصْفِ الرِّسالَةِ عَلَيْهِ. وبِبَيانِ الحِكْمَةِ يَظْهَرُ حُسْنُ مَوْقِعِ التَّذْيِيلِ بِجُمْلَةِ ﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ إذْ أظْهَرَ مُقْتَضى حِكْمَتِهِ فِيما قَدَّرَهُ مِنَ الأقْدارِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧] إلى قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧] .
والآيَةُ نَصٌّ في أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ خاتَمَ النَّبِيئِينَ وأنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ في البَشَرِ لِأنَّ النَّبِيئِينَ عامٌّ، فَخاتَمُ النَّبِيئِينَ هو خاتَمُهم في صِفَةِ النُّبُوءَةِ. ولا يُعَكِّرُ عَلى نَصِّيَّةِ الآيَةِ أنَّ العُمُومَ دِلالَتُهُ عَلى الأفْرادِ ظَنِّيَّةٌ لِأنَّ ذَلِكَ لِاحْتِمالِ وُجُودِ مُخَصَّصٍ. وقَدْ تَحَقَّقْنا عَدَمَ المُخَصَّصِ بِالِاسْتِقْراءِ.
وقَدْ أجْمَعَ الصَّحابَةُ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ خاتَمُ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ وعُرِفَ ذَلِكَ وتَواتَرَ بَيْنَهم وفي الأجْيالِ مِن بَعْدِهِمْ ولِذَلِكَ لَمْ يَتَرَدَّدُوا في تَكْفِيرِ مُسَيْلِمَةَ، والأسْوَدِ العَنْسِيِّ فَصارَ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَمَن أنْكَرَهُ فَهو كافِرٌ خارِجٌ عَنِ الإسْلامِ ولَوْ كانَ مُعْتَرِفًا بِأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَسُولُ اللَّهِ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ. وهَذا النَّوْعُ في اخْتِلافِ بَعْضِهِمْ في حُجِّيَّةِ الإجْماعِ إذِ المُخْتَلِفُ في حُجِّيَّتِهِ هو الإجْماعُ المُسْتَنِدُ لِنَظَرٍ وأدِلَّةٍ اجْتِهادِيَّةٍ بِخِلافِ المُتَواتِرِ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ في كَلامِ الغَزالِيِّ في خاتِمَةِ كِتابِ الِاقْتِصادِ في الِاعْتِقادِ مُخالَفَةً لِهَذا عَلى ما فِيهِ مِن قِلَّةِ تَحْرِيرٍ. وقَدْ حَمَلَ عَلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ حَمْلَةً غَيْرَ مُنْصِفَةٍ وألْزَمَهُ إلْزامًا فاحِشًا يُنَزَّهُ عَنْهُ عِلْمُهُ ودِينُهُ فَرَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِما.
ولِذَلِكَ لا يَتَرَدَّدُ مُسْلِمٌ في تَكْفِيرِ مَن يُثْبِتُ نُبُوءَةً لِأحَدٍ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ وفي إخْراجِهِ مِن حَظِيرَةِ الإسْلامِ، ولا تُعْرَفُ طائِفَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أقْدَمَتْ عَلى ذَلِكَ إلّا
صفحة ٤٦
البابِيَّةُ والبَهائِيَّةُ وهُما نِحْلَتانِ مُشْتَقَّةٌ ثانِيَتُهُما مِنَ الأُولى. وكانَ ظُهُورُ الفِرْقَةِ الأُولى في بِلادِ فارِسَ في حُدُودِ سَنَةِ مِائَتَيْنِ وألْفٍ، وتَسَرَّبَتْ إلى العِراقِ، وكانَ القائِمُ بِها رَجُلًا مِن أهْلِ شِيرازٍ يَدْعُوهُ أتْباعُهُ (السَّيِّدَ عَلِي مُحَمَّد) كَذا اشْتُهِرَ اسْمُهُ، كانَ في أوَّلِ أمْرِهِ مِن غُلاةِ الشِّيعَةِ الإمامِيَّةِ. أخَذَ عَنْ رَجُلٍ مِنَ المُتَصَوِّفِينَ اسْمُهُ الشَّيْخُ أحْمَدُ زَيْنُ الدِّينِ الأحْسائِيُّ الَّذِي كانَ يَنْتَحِلُ التَّصَوُّفَ بِالطَّرِيقَةِ الباطِنِيَّةِ، وهي الطَّرِيقَةُ المُتَلَقّاةُ عَنِ الحَلّاجِ. وكانَتْ طَرِيقَتُهُ تُعْرَفُ بِالشَّيْخِيَّةِ، ولَمّا أظْهَرَ نِحْلَتَهُ عَلِيُّ مُحَمَّد هَذا لَقَّبَ نَفْسَهُ بابَ العِلْمِ فَغَلَبَ عَلَيْهِ اسْمُ البابِ. وعُرِفَتْ نِحْلَتُهُ بِالبابِيَّةِ وادَّعى لِنَفْسِهِ النُّبُوءَةَ، وزَعَمَ أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ بِكِتابٍ اسْمُهُ (البَيانُ) وأنَّ القُرْآنَ أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿خَلَقَ الإنْسانَ عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ [الرحمن: ٣] .
وكِتابُ البَيانِ مُؤَلَّفٌ بِالعَرَبِيَّةِ الضَّعِيفَةِ ومَخْلُوطٌ بِالفارِسِيَّةِ. وقَدْ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالقَتْلِ سَنَةَ ١٢٦٦ في تَبْرِيزَ.
وأمّا البَهائِيَّةُ فَهي شُعْبَةٌ مِنَ البابِيَّةِ تُنْسَبُ إلى مُؤَسِّسِها المُلَقَّبِ بِبَهاءِ اللَّهِ، واسْمُهُ مِيرْزا حُسَيْن عَلَي مِن أهْلِ طَهْرانَ، تَتَلْمَذَ لِلْبابِ بِالمُكاتَبَةِ وأخْرَجَتْهُ حُكُومَةُ شاهِ العَجَمِ إلى بَغْدادٍ بَعْدَ قَتْلِ البابِ. ثُمَّ نَقَلَتْهُ الدَّوْلَةُ العُثْمانِيَّةُ مِن بَغْدادٍ إلى أدِرْنَةَ ثُمَّ إلى عَكّا، وفِيها ظَهَرَتْ نِحْلَتُهُ، وهم يَعْتَقِدُونَ نُبُوءَةَ البابِ، وقَدِ التَفَّ حَوْلَهُ أصْحابُ نِحْلَةِ البابِيَّةِ وجَعَلُوهُ خَلِيفَةَ البابِ، فَقامَ اسْمُ البَهائِيَّةِ مَقامَ اسْمُ البابِيَّةِ فالبَهائِيَّةُ هُمُ البابِيَّةُ. وقَدْ كانَ البَهاءُ بَنى بِناءً في جَبَلِ الكَرْمَلِ لِيَجْعَلَهُ مَدْفَنًا لِرُفاتِ البابِ، وآلَ أمْرُهُ إلى أنْ سَجَنَتْهُ السَّلْطَنَةُ العُثْمانِيَّةُ في سِجْنِ عَكّا فَلَبِثَ في السِّجْنِ سَبْعَ سَنَواتٍ، ولَمْ يُطْلَقْ مِنَ السِّجْنِ إلّا عِنْدَما أُعْلِنَ الدُّسْتُورُ التُّرْكِيُّ فَكانَ في عِدادِ المَساجِينِ السِّياسِيِّينَ الَّذِينَ أُطْلِقُوا يَوْمَئِذٍ، فَرَحَلَ مُنْتَقِلًا في أُورُبّا وأمِيرِكا مُدَّةَ عامَيْنِ ثُمَّ عادَ إلى حَيْفا فاسْتَقَرَّ بِها إلى أنْ تُوُفِّيَ سَنَةَ ١٣٤٠، وبَعْدَ مَوْتِهِ نَشَأ شِقاقٌ بَيْنَ أبْنائِهِ وإخْوَتِهِ فَتَفَرَّقُوا في الزِّعامَةِ وتَضاءَلَتْ نِحْلَتُهم.
فَمَن كانَ مِنَ المُسْلِمِينَ مُتَّبِعًا لِلْبَهائِيَّةِ أوِ البابِيَّةِ فَهو خارِجٌ عَنِ الإسْلامِ مُرْتَدٌّ عَنْ دِينِهِ تَجْرِي عَلَيْهِ أحْكامُ المُرْتَدِّ. ولا يَرِثُ مُسْلِمًا ويَرِثُهُ جَماعَةُ المُسْلِمِينَ ولا يَنْفَعُهم قَوْلُهم: إنّا مُسْلِمُونَ ولا نُطْقُهم بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ لِأنَّهم يُثْبِتُونَ الرِّسالَةَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ ولَكِنَّهم قالُوا بِمَجِيءِ رَسُولٍ مِن بَعْدِهِ. ونَحْنُ كَفَّرْنا الغُرابِيَّةَ مِنَ الشِّيعَةِ
صفحة ٤٧
لِقَوْلِهِمْ: بِأنَّ جِبْرِيلَ أُرْسِلَ إلى عَلِيٍّ ولَكِنَّهُ شُبِّهَ لَهُ مُحَمَّدٌ بِعَلِيٍّ إذْ كانَ أحَدُهُما أشْبَهُ بِالآخَرِ مِنَ الغُرابِ بِالغُرابِ (وكَذَبُوا) فَبَلَّغَ الرِّسالَةَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، فَهم أثْبَتُوا الرِّسالَةَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ ولَكِنَّهم زَعَمُوهُ غَيْرَ المُعَيَّنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وتُشْبِهُ طُقُوسُ البَهائِيَّةِ طُقُوسَ الماسُونِيَّةِ إلّا أنَّ البَهائِيَّةَ تَنْتَسِبُ إلى التَّلَقِّي مِنَ الوَحْيِ الإلَهِيِّ، فَبِذَلِكَ فارَقَتِ الماسُونِيَّةِ وعُدَّتْ في الأدْيانِ والمِلَلِ ولَمْ تُعَدَّ في الأحْزابِ.
وانْتَصَبَ رَسُولَ اللَّهِ مَعْطُوفًا عَلى ﴿أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ عَطْفًا بِالواوِ المُقْتَرِنَةِ بِـ (لَكِنْ) لِتُفِيدَ رَفْعَ النَّفْيِ الَّذِي دَخَلَ عَلى عامِلِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وخاتِمَ النَّبِيئِينَ﴾ بِكَسْرِ تاءِ (خاتِمَ) عَلى أنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ مِن خَتَمَ. وقَرَأ عاصِمٌ بِفَتْحِ التّاءِ عَلى تَشْبِيهِهِ بِالخاتَمِ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ المَكْتُوبُ في أنَّ ظُهُوَرَهُ كانَ غَلْقًا لِلنُّبُوَّةِ.
33:41–42Page 423
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرٗا كَثِيرٗا ٤١
O you who have believed, remember Allāh with much remembrance
وَسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا ٤٢
And exalt Him morning and afternoon.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ إقْبالٌ عَلى مُخاطَبَةِ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَشْغَلُوا ألْسِنَتَهم بِذِكْرِ اللَّهِ وتَسْبِيحِهِ، أيْ أنْ يُمْسِكُوا عَنْ مُماراةِ المُنافِقِينَ أوْ عَنْ سَبِّهِمْ فِيما يُرْجِفُونَ بِهِ في قَضِيَّةِ تَزَوُّجِ زَيْنَبَ فَأمَرَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَعْتاضُوا عَنْ ذَلِكَ بِذِكْرِ اللَّهِ وتَسْبِيحِهِ خَيْرًا لَهم، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آبائِكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠] أيْ خَيْرًا مِنَ التَّفاخُرِ بِذِكْرِ آبائِكم وأحْسابِكم، فَذَلِكَ أنْفَعُ لَهم وأبْعَدُ عَنْ أنْ تَثُورَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والمُنافِقِينَ ثائِرَةُ فِتْنَةٍ في المَدِينَةِ، فَهَذا مِن نَحْوِ قَوْلِهِ لِنَبِيِّهِ ﴿ودَعْ أذاهُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٨] ومِن نَحْوِ قَوْلِهِ ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، فَأُمِرُوا بِتَشْغِيلِ ألْسِنَتِهِمْ وأوْقاتِهِمْ بِما يَعُودُ بِنَفْعِهِمْ وتَجَنُّبِ ما عَسى أنْ يُوقِعَ في مُضِرَّةٍ.
وفِيهِ تَسْجِيلٌ عَلى المُنافِقِينَ بِأنَّ خَوْضَهم في ذَلِكَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ عَلامَةٌ عَلى النِّفاقِ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ لا يُخالِفُونَ أمْرَ رَبِّهِمْ.
والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ لِلْمُناسَبَةِ الَّتِي أشَرْنا إلَيْها.
صفحة ٤٨
والذِّكْرُ: ذِكْرُ اللِّسانِ وهو المُناسِبُ لِمَوْقِعِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وبَعْدَها.
والتَّسْبِيحُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الصَّلَواتُ النَّوافِلُ فَلَيْسَ عَطْفُ (وسَبِّحُوهُ) عَلى (اذْكُرُوا اللَّهَ) مَن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَأْمُورُ بِهِ مِنَ التَّسْبِيحِ قَوْلَ: سُبْحانَ اللَّهِ، فَيَكُونُ عَطَفُ (وسَبَّحُوهُ) عَلى (اذْكُرُوا اللَّهَ) مَن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ اهْتِمامًا بِالخاصِّ لِأنَّ مَعْنى التَّسْبِيحِ التَّنْزِيهُ عَمّا لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ مِنَ النَّقائِصِ، فَهو مَن أكْمَلِ الذِّكْرِ لِاشْتِمالِهِ عَلى جَوامِعِ الثَّناءِ والتَّحْمِيدِ، ولِأنَّ في التَّسْبِيحِ إيماءً إلى التَّبَرُّؤِ مِمّا يَقُولُهُ المُنافِقُونَ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ فَيَكُونُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] فَإنَّ كَلِمَةَ: سُبْحانَ اللَّهِ، يَكْثُرُ أنْ تُقالَ في مَقامِ التَّبَرُّؤِ مِن نِسْبَةِ ما لا يَلِيقُ إلى أحَدٍ كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «سُبْحانَ اللَّهِ، المُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ» . «وقَوْلِ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ حِينَ أخَذَ عَلى النِّساءِ البَيْعَةَ (أنْ لا يَزْنِينَ): سُبْحانَ اللَّهِ أتَزْنِي الحُرَّةُ» .
والبُكْرَةُ: أوَّلُ النَّهارِ. والأصِيلُ: العَشِيُّ الوَقْتُ الَّذِي بَعْدَ العَصْرِ. وانْتَصَبا عَلى الظَّرْفِيَّةِ الَّتِي يَتَنازَعُها الفِعْلانِ (اذْكُرُوا اللَّهَ. . وسَبَّحُوهُ) .
والمَقْصُودُ مِنَ البُكْرَةِ والأصِيلِ إعْمارُ أجْزاءِ النَّهارِ بِالذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ بِقَدْرِ المُكْنَةِ لِأنَّ ذِكْرَ طَرَفَيِ الشَّيْءِ يَكُونُ كِنايَةً عَلى اسْتِيعابِهِ كَقَوْلِ طَرْفَةَ:
لَكالطِّوَلِ المُرَخى وثِنْياهُ بِاليَدِ
ومِنهُ قَوْلُهم: المَشْرِقُ والمَغْرِبُ، كِنايَةً عَنِ الأرْضِ كُلِّها، والرَّأْسُ والعَقِبُ كِنايَةُ الجَسَدِ كُلِّهِ، والظَّهْرُ والبَطْنُ كَذَلِكَ.
وقَدَّمَ البُكْرَةَ عَلى الأصِيلِ لِأنَّ البُكْرَةَ أسْبَقُ مِنَ الأصِيلِ لا مَحالَةَ. ولَيْسَ الأصِيلُ جَدِيرًا بِالتَّقْدِيمِ في الذِّكْرِ كَما قُدِّمَ لَفْظُ (تُمْسُونَ) في قَوْلِهِ في سُورَةِ الرُّومِ ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] لِأنَّ كَلِمَةَ المَساءِ تَشْمَلُ أوَّلَ اللَّيْلِ فَقَدَّمَ لَفْظَ (تُمْسُونَ) هُنالِكَ رَعَيًا لِاعْتِبارِ اللَّيْلِ أسْبَقَ في حِسابِ أيّامِ الشَّهْرِ عِنْدَ العَرَبِ وفي الإسْلامِ، ولَيْسَتْ كَذَلِكَ كَلِمَةُ الأصِيلِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences