Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Ahzab 33:43–48
33:43Page 423
هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيۡكُمۡ وَمَلَٰٓئِكَتُهُۥ لِيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَكَانَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَحِيمٗا ٤٣
It is He who confers blessing upon you,1 and His angels [ask Him to do so] that He may bring you out from darknesses into the light. And ever is He, to the believers, Merciful.
صفحة ٤٩
﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾
تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِذِكْرِ اللَّهِ وتَسْبِيحِهِ بِأنَّ ذَلِكَ مَجْلَبَةٌ لِانْتِفاعِ المُؤْمِنِينَ بِجَزاءِ اللَّهِ عَلى ذَلِكَ بِأفْضَلَ مِنهُ مِن جِنْسِهِ وهو صَلاتُهُ وصَلاةُ مَلائِكَتِهِ. والمَعْنى: أنَّهُ يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ إذا ذَكَرْتُمُوهُ ذِكْرًا بُكْرَةً وأصِيلًا.
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ لِإفادَةِ التَّقَوِّي وتَحْقِيقِ الحُكْمِ. والمَقْصُودُ تَحْقِيقُ ما تَعَلَّقَ بِفِعْلِ يُصَلِّي مِن قَوْلِ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ.
والصَّلاةُ: الدُّعاءُ والذِّكْرُ بِخَيْرٍ، وهي مِنَ اللَّهِ الثَّناءُ. وأمَرَهُ بِتَوْجِيهِ رَحْمَتِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أيِ اذْكُرُوهُ لِيَذْكُرَكم لِقَوْلِهِ فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم وقَوْلُهُ في الحَدِيثِ القُدُسِيِّ «فَإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِنهم» .
وصَلاةُ المَلائِكَةِ: دُعاؤُهم لِلْمُؤْمِنِينَ فَيَكُونُ دُعاؤُهم مُسْتَجابًا عِنْدَ اللَّهِ فَيَزِيدُ الذّاكِرِينَ عَلى ما أعْطاهم بِصَلاتِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ. فَفِعْلُ (يُصَلِّي) مُسْنَدٌ إلى اللَّهِ وإلى مَلائِكَتِهِ لِأنَّ حَرْفَ العَطْفِ يُفِيدُ تَشْرِيكَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ في العامِلِ، فَهو عامِلٌ واحِدٌ لَهُ مَعْمُولانِ فَهو يُسْتَعْمَلُ في القَدْرِ المُشْتَرِكِ الصّالِحِ لِصَلاةِ اللَّهِ تَعالى وصَلاةِ المَلائِكَةِ الصّادِقِ في كُلٍّ بِما يَلِيقُ بِهِ بِحَسَبِ لَوازِمِ مَعْنى الصَّلاةِ الَّتِي تَتَكَيَّفُ بِالكَيْفِيَّةِ المُناسِبَةِ لِمَن أُسْنِدَتْ إلَيْهِ.
ولا حاجَةَ إلى دَعْوى اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ عَلى أنَّهُ لا مانِعَ مِنهُ عَلى الأصَحِّ، ولا إلى دَعْوى عُمُومِ المَجازِ. واجْتِلابُ (يُصَلِّي) بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِإفادَةِ تَكَرُّرِ الصَّلاةِ وتَجَدُّدِها كُلَّما تَجَدَّدَ الذِّكْرُ والتَّسْبِيحُ، أوْ إفادَةِ تَجَدُّدِها بِحَسَبِ أسْبابٍ أُخْرى مِن أعْمالِ المُؤْمِنِينَ ومُلاحَظَةِ إيمانِهِمْ.
وفِي إيرادِ المَوْصُولِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى مَعْرُوفٌ عِنْدَهم بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ بِحَسَبِ غالِبِ الِاسْتِعْمالِ: فَإمّا لِأنَّ المُسْلِمِينَ يَعْلَمُونَ عَلى وجْهِ الإجْمالِ أنَّهم لا يَأْتِيهِمْ خَيْرٌ إلّا مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى فَكُلُّ تَفْصِيلٍ لِذَلِكَ الإجْمالِ دَخَلَ في عِلْمِهِمْ، ومِنهُ
صفحة ٥٠
أنَّهُ يُصَلِّي عَلَيْهِمْ ويَأْمُرُ مَلائِكَتَهُ بِذَلِكَ، وإمّا أنْ يَكُونَ قَدْ سَبَقَ لَهم عِلْمٌ بِذَلِكَ تَفْصِيلًا مِن قَبْلُ: فَبَعْضُ آياتِ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥] فَقَدْ عَلِمَ المُسْلِمُونَ أنَّ اسْتِغْفارَ المَلائِكَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ تَعالى ما مِن شَفِيعٍ إلّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ، والدُّعاءُ لِأحَدٍ مِنَ الشَّفاعَةِ لَهُ، عَلى أنَّ مِن جُمْلَةِ صِلَةِ المَوْصُولِ أنَّ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى المُؤْمِنِينَ. وذَلِكَ مَعْلُومٌ مِن آياتٍ كَثِيرَةٍ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِإخْبارِ النَّبِيِّ ﷺ المُؤْمِنِينَ فِيما قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، ويُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى قَوْلَهُ بَعْدَهُ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا كَما يَأْتِي قَرِيبًا.
واللّامُ في قَوْلِهِ لِيُخْرِجَكم مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (يُصَلِّي) . فَعُلِمَ أنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ جَزاءٌ عاجِلٌ حاصِلٌ وقْتَ ذِكْرِهِمْ وتَسْبِيحِهِمْ.
والمُرادُ بِالظُّلُماتِ: الضَّلالَةُ، وبِالنُّورِ: الهُدى، وبِإخْراجِهِمْ مِنَ الظُّلُماتِ: دَوامُ ذَلِكَ والِاسْتِزادَةُ مِنهُ لِأنَّهم لَمّا كانُوا مُؤْمِنِينَ كانُوا قَدْ خَرَجُوا مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ (ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى) .
وجُمْلَةُ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا تَذْيِيلٌ.
ودَلَّ بِالإخْبارِ عَنْ رَحْمَتِهِ بِالمُؤْمِنِينَ بِإقْحامِ فِعْلِ (كانَ) وخَبَرِها لِما تَقْتَضِيهِ كانَ مِن ثُبُوتِ ذَلِكَ الخَبَرِ لَهُ تَعالى وتَحْقِيقِهِ وأنَّهُ شَأْنٌ مِن شُئُونِهِ المَعْرُوفِ بِها في آياتٍ كَثِيرَةٍ.
ورَحْمَتُهُ بِالمُؤْمِنِينَ أعَمُّ مِن صَلاتِهِ عَلَيْهِمْ لِأنَّها تَشْمَلُ إسْداءَ النَّفْعِ إلَيْهِمْ وإيصالَ الخَيْرِ لَهم بِالأقْوالِ والأفْعالِ والألْطافِ.
33:44Page 424
تَحِيَّتُهُمۡ يَوۡمَ يَلۡقَوۡنَهُۥ سَلَٰمٞۚ وَأَعَدَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَرِيمٗا ٤٤
Their greeting the Day they meet Him will be, "Peace." And He has prepared for them a noble reward.
﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا﴾ أعْقَبَ الجَزاءَ العاجِلَ الَّذِي أنْبَأ عَنْهُ قَوْلُهُ (هو الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ) بِذِكْرِ جَزاءٍ آجِلٍ وهو ظُهُورُ أثَرِ الأعْمالِ الَّتِي عَمِلُوها في الدُّنْيا وأثَرِ الجَزاءِ الَّذِي عَجَّلَ لَهم عَلَيْها مِنَ اللَّهِ في كَرامَتِهِمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَ رَبَّهم.
صفحة ٥١
فالجُمْلَةُ تَكْمِلَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها لِإفادَةِ أنَّ صَلاةَ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ واقِعَةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الدّارِ الآخِرَةِ.
والتَّحِيَّةُ: الكَلامُ الَّذِي يُخاطَبُ بِهِ عِنْدَ ابْتِداءِ المُلاقاةِ إعْرابًا عَنِ السُّرُورِ بِاللِّقاءِ مِن دُعاءٍ ونَحْوِهِ. وهَذا الِاسْمُ في الأصْلِ مَصْدَرُ حَيّاهُ، إذا قالَ لَهُ: أحْياكَ اللَّهُ، أيْ أطالَ حَياتَكَ. فَسَمّى بِهِ الكَلامَ المُعْرِبَ عَنِ ابْتِغاءِ الخَيْرِ لِلْمُلاقى أوِ الثَّناءِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ غَلَبَ أنْ يَقُولُوا: أحْياكَ اللَّهُ عِنْدَ ابْتِداءِ المُلاقاةِ فَأطْلَقَ اسْمَها عَلى كُلِّ دُعاءٍ وثَناءٍ يُقالُ عِنْدَ المُلاقاةِ. وتَحِيَّةُ الإسْلامِ: سَلامٌ عَلَيْكَ أوِ السَّلامُ عَلَيْكم، دُعاءٌ بِالسَّلامَةِ والأمْنِ، أيْ مِنَ المَكْرُوهِ لِأنَّ السَّلامَةَ أحْسَنُ ما يُبْتَغى في الحَياةِ. فَإذا أحْياهُ اللَّهُ ولَمْ يُسَلِّمْهُ كانَتِ الحَياةُ ألَمًا وشَرًّا، ولِذَلِكَ كانَتْ تَحِيَّةُ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ السَّلامَ بِشارَةً بِالسَّلامَةِ مِمّا يُشاهِدُهُ النّاسُ مِنَ الأهْوالِ المُنْتَظَرَةِ. وكَذَلِكَ تَحِيَّةُ أهْلِ الجَنَّةِ فِيما بَيْنَهم تَلَذُّذًا بِاسْمِ ما هم فِيهِ مِنَ السَّلامَةِ مِن أهْوالِ أهْلِ النّارِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ في سُورَةِ يُونُسَ.
وإضافَةُ التَّحِيَّةِ إلى ضَمِيرِ المُؤْمِنِينَ مِن إضافَةِ اسْمِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ، أيْ تَحِيَّةٌ يَحْيَوْنَ بِها.
ولِقاءُ اللَّهِ: الحُضُورُ مِن حَضْرَةِ قُدْسِهِ لِلْحِسابِ في المَحْشَرِ. وتَقَدَّمَ تَفْصِيلُ الكَلامِ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وهَذا اللِّقاءُ عامٌّ لِجَمِيعِ النّاسِ كَما قالَ تَعالى فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ فَمَيَّزَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ بِالتَّحِيَّةِ كَرامَةً لَهم.
وجُمْلَةُ وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا حالٌ مِن ضَمِيرِ الجَلالَةِ، أيْ يُحَيِّيهِمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ وقَدْ أعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا. والمَعْنى: ومِن رَحْمَتِهِ بِهِمْ أنْ بَدَأهم بِما فِيهِ بِشارَةٌ بِالسَّلامَةِ وقَدْ أعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا إتْمامًا لِرَحْمَتِهِ بِهِمْ.
والأجْرُ: الثَّوابُ. والكَرِيمُ: النَّفِيسُ في نَوْعِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ في سُورَةِ النَّمْلِ. والأجْرُ الكَرِيمُ: نَعَيْمُ الجَنَّةِ.
33:45–46Page 424
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ٤٥
O Prophet, indeed We have sent you as a witness and a bringer of good tidings and a warner
وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذۡنِهِۦ وَسِرَاجٗا مُّنِيرٗا ٤٦
And one who invites to Allāh, by His permission, and an illuminating lamp.
صفحة ٥٢
﴿يا أيُّها النَّبِيءُ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾
هَذا النِّداءُ الثّالِثُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَإنَّ اللَّهَ لَمّا أبْلَغَهُ بِالنِّداءِ الأوَّلِ ما هو مُتَعَلِّقٌ بِذاتِهِ، وبِالنِداءِ الثّانِي ما هو مُتَعَلِّقٌ بِأزْواجِهِ وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ التَّكْلِيفِ والتَّذْكِيرِ، ناداهُ بِأوْصافٍ أوْدَعَها سُبْحانَهُ فِيهِ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ وزِيادَةِ رِفْعَةِ مِقْدارِهِ وبَيَّنَ لَهُ أرْكانَ رِسالَتِهِ، فَهَذا الغَرَضُ هو وصْفُ تَعَلُّقاتِ رِسالَتِهِ بِأحْوالِ أُمَّتِهِ وأحْوالِ الأُمَمِ السّالِفَةِ.
وذُكِرَ لَهُ هُنا خَمْسَةُ أوْصافٍ هي: شاهَدٌ. ومُبَشِّرٌ. ونَذِيرٌ. وداعٍ إلى اللَّهِ. وسِراجٌ مُنِيرٌ. فَهَذِهِ الأوْصافُ يَنْطَوِي إلَيْها وتَنْطَوِي عَلى مَجامِعِ الرِّسالَةِ المُحَمَّدِيَّةِ فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَيْها مِن بَيْنِ أوْصافِهِ الكَثِيرَةِ.
والشّاهِدُ: المُخْبِرُ عَنْ حُجَّةِ المُدَّعِي المُحِقِّ ودَفْعِ دَعْوى المُبْطِلِ، فالرَّسُولُ ﷺ شاهِدٌ بِصِحَّةِ ما هو صَحِيحٌ مِنَ الشَّرائِعِ وبَقاءِ ما هو صالِحٌ لِلْبَقاءِ مِنها، ويَشْهَدُ بِبُطْلانِ ما أُلْصِقَ بِها وبِنَسْخِ ما لا يَنْبَغِي بَقاؤُهُ مِن أحْكامِها بِما أخْبَرَ عَنْهم في القُرْآنِ والسُّنَّةِ، قالَ تَعالى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ. وفي حَدِيثِ الحَشْرِ «يَسْألُ كُلَّ رَسُولٍ هو بَلَّغَ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ اللَّهُ: مَن يَشْهَدُ لَكَ ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ» . . الحَدِيثَ. .
ومُحَمَّدٌ ﷺ شاهِدٌ أيْضًا عَلى أُمَّتِهِ بِمُراقَبَةِ جَرْيِهِمْ عَلى الشَّرِيعَةِ في حَياتِهِ وشاهِدٌ عَلَيْهِمْ في عَرَصاتِ القِيامَةِ، قالَ تَعالى ﴿وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] فَهو شاهِدٌ عَلى المُسْتَجِيبِينَ لِدَعْوَتِهِ وعَلى المَعْرِضِينَ عَنْها، وعَلى مَنِ اسْتَجابَ لِلدَّعْوَةِ ثُمَّ بَدَّلَ. وفي حَدِيثِ الحَوْضِ «لِيَرِدَنَّ عَلَيَّ ناسٌ مِن أصْحابِي الحَوْضَ حَتّى إذا رَأيْتُهم وعَرَفْتُهُمُ اخْتُلِجُوا دُونِي فَأقُولُ: يا رَبِّ أُصَيْحابِي أُصَيْحابِي. فَيُقالُ لِي: إنَّكَ لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بَعْدَكَ فَأقُولُ تَبًّا وسُحْقًا لِمَن أحْدَثَ بَعْدِي» يَعْنِي: أحْدَثُوا الكُفْرَ وهم أهْلُ الرِّدَّةِ كَما في بَعْضِ رِواياتِ الحَدِيثِ «إنَّهم لَمْ يَزالُوا مُرْتَدِّينَ عَلى أعْقابِهِمْ مُنْذُ فارَقْتَهم» . فَلا جَرَمَ كانَ وصْفُ الشّاهِدِ أشْمَلَ هَذِهِ الأوْصافِ لِلرَّسُولِ ﷺ بِوَصْفِ كَوْنِهِ رَسُولًا لِهَذِهِ الأمَةِ، وبِوَصْفِ كَوْنِهِ خاتَمًا لِلشَّرائِعِ ومُتَمِّمًا لِمُرادِ اللَّهِ مِن بِعْثَةِ الرُّسُلِ.
صفحة ٥٣
والمُبَشِّرُ: المُخْبِرُ بِالبُشْرى والبِشارَةِ. وهي الحادِثُ المُسِرُّ لِمَن يُخْبَرُ بِهِ والوَعْدُ بِالعَطِيَّةِ، والنَّبِيُّ ﷺ مُبَشِّرٌ لِأهْلِ الإيمانِ والمُطِيعِينَ بِمَراتِبِ فَوْزِهِمْ. وقَدْ تَضَمَّنَ هَذا الوَصْفُ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الشَّرِيعَةُ مِنَ الدُّعاءِ إلى الخَيْرِ مِنَ الأوامِرِ وهو قِسْمُ الِامْتِثالِ مِن قِسْمَيِ التَّقْوى، فَإنَّ التَّقْوى امْتِثالُ المَأْمُوراتِ واجْتِنابُ المَنهِيّاتِ، والمَأْمُوراتُ مُتَضَمِّنَةٌ المَصالِحَ فَهي مُقْتَضِيَةٌ بِشارَةَ فاعِلِيها بِحُسْنِ الحالِ في العاجِلِ والآجِلِ.
وقُدِّمَتِ البِشارَةُ عَلى النِّذارَةِ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَبَ عَلَيْهِ التَّبْشِيرُ؛ لِأنَّهُ رَحْمَةٌ لِلْعالَمِينَ، ولِكَثْرَةِ عَدَدِ المُؤْمِنِينَ في أُمَّتِهِ.
والنَّذِيرُ: مُشْتَقٌّ مِنَ الإنْذارِ وهو الإخْبارُ بِحُلُولِ حادِثٍ مُسِيءٍ أوْ قُرْبِ حُلُولِهِ، والنَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مُنْذِرٌ لِلَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ دِينِهِ مِن كافِرِينَ بِهِ ومِن أهْلِ العِصْيانِ بِمُتَفاوِتِ مُؤاخَذَتِهِمْ عَلى عَمَلِهِمْ.
وانْتَصَبَ (شاهِدًا) عَلى الحالِ مِن كافِ الخِطابِ وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ، أيْ أرْسَلْناكَ مُقَدَّرًا أنْ تَكُونَ شاهِدًا عَلى الرُّسُلِ والأُمَمِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. ومَثَّلَ سِيبَوَيْهِ لِلْحالِ المُقَدَّرَةِ بِقَوْلِهِ: مُرِرْتُ بِرَجُلٍ مَعَهُ صَقْرٌ صائِدًا بِهِ.
وجِيءَ في جانِبِ النِّذارَةِ بِصِيغَةِ فَعِيلٍ دُونَ اسْمِ الفاعِلِ لِإرَداةِ الِاسْمِ فَإنَّ النَّذِيرَ في كَلامِهِمُ اسْمٌ لِلْمُخْبِرِ بِحُلُولِ العَدُوِّ بِدِيارِ القَوْمِ. ومِنَ الأمْثالِ: أنا النَّذِيرُ العُرْيانُ، أيِ الآتِي بِخَبَرِ حُلُولِ العَدُوِّ بِدِيارِ القَوْمِ. والمُرادُ بِالعُرْيانِ أنَّهُ يَنْزِعُ عَنْهُ قَمِيصَهُ لِيُشِيرَ بِهِ مِن مَكانٍ مُرْتَفِعٍ فَيَراهُ مَن لا يَسْمَعُ نِداءَهُ، فالوَصْفُ بِنَذِيرٍ تَمْثِيلٌ بِحالِ نَذِيرِ القَوْمِ كَما قالَ ﴿إنْ هو إلّا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٤٦] لِلْإيماءِ إلى تَحْقِيقِ ما أنْذَرَهم بِهِ حَتّى كَأنَّهُ قَدْ حَلَّ بِهِمْ، وكَأنَّ المُخْبِرَ عَنْهُ مُخْبِرٌ عَنْ أمْرٍ قَدْ وقَعَ؛ وهَذا لا يُؤَدِّيهِ إلّا اسْمُ النَّذِيرِ، ولِذَلِكَ كَثُرَ في القُرْآنِ الوَصْفُ بِالنَّذِيرِ وقَلَّ الوَصْفُ بِمُنْذِرٍ. وفي الصَّحِيحِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] خَرَجَ حَتّى صَعَدَ الصَّفا فَنادى يا صَباحاهْ (كَلِمَةٌ يُنادِي بِها مَن يَطْلُبُ النَّجْدَةَ) فاجْتَمَعُوا إلَيْهِ فَقالَ: «أرَأيْتُمْ إنَّ أخْبَرَتْكم أنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ مِن سَفْحِ هَذا الجَبَلِ أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ؟ قالُوا: نَعَمْ. قالَ: فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ» . فَهَذا يُشِيرُ إلى تَمْثِيلِ الحالَةِ الَّتِي اسْتَخْلَصَها بِقَوْلِهِ (فَإنِّي نَذِيرٌ
صفحة ٥٤
لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ) . وما في (بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ) مِن مَعْنى التَّقْرِيبِ.
وشَمَلَ اسْمُ النَّذِيرِ جَوامِعَ ما في الشَّرِيعَةِ مِنَ النَّواهِي والعُقُوباتِ وهو قِسْمُ الِاجْتِنابِ مِن قِسْمَيِ التَّقْوى فَإنَّ المَنهِيّاتِ مُتَضَمِّنَةٌ مَفاسِدَ فَهي مُقْتَضِيَةٌ تَخْوِيفَ المُقْدِمِينَ عَلى فِعْلِها مِن سُوءِ الحالِ في العاجِلِ والآجِلِ.
والدّاعِي إلى اللَّهِ هو الَّذِي يَدْعُو النّاسَ إلى تَرْكِ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ ويَدْعُوهم إلى اتِّباعِ ما يَأْمُرُهم بِهِ اللَّهُ. وأصْلُ دَعاهُ إلى فُلانٍ: أنَّهُ دَعاهُ إلى الحُضُورِ عِنْدَهُ. يُقالُ: ادْعُ فَلانًا إلَيَّ. ولَمّا عُلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ جِهَةٍ يَحْضُرُها النّاسُ عِنْدَهُ تَعَيَّنَ أنَّ مَعْنى الدُّعاءِ إلَيْهِ الدُّعاءُ إلى تَرْكِ الِاعْتِرافِ بِغَيْرِهِ كَما يَقُولُونَ: أبُو مُسْلِمٍ الخَرَسانِيُّ يَدْعُو إلى الرِّضى مِن آلِ البَيْتِ فَشَمَلَ هَذا الوَصْفُ أُصُولَ الِاعْتِقادِ في شَرِيعَةِ الإسْلامِ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِصِفاتِ اللَّهِ لِأنَّ دَعْوَةَ اللَّهِ دَعْوَةٌ إلى مَعْرِفَتِهِ وما يَتَعَلَّقُ بِصِفاتِ الدُّعاةِ إلَيْهِ مِنَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ والكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلَيْهِمْ.
وزِيادَةُ (بِإذْنِهِ) لِيُفِيدَ أنَّ اللَّهَ أرْسَلَهُ داعِيًا إلَيْهِ ويَسَّرَ لَهُ الدُّعاءَ إلَيْهِ مَعَ ثِقْلِ أمْرِ هَذا الدُّعاءِ وعِظَمِ خَطَرِهِ وهو ما كانَ اسْتَشْعَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ في مَبْدَأِ الوَحْيِ مِنَ الخَشْيَةِ إلى أنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ١]، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى لِمُوسى ﴿لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ [طه: ٦٨]، فَهَذا إذْنٌ خاصٌّ وهو الإذْنُ بَعْدَ الإحْجامِ المُقْتَضِي لِلتَّيْسِيرِ، فَأطْلَقَ اسْمَ الإذْنِ عَلى التَّيْسِيرِ عَلى وجْهِ المَجازِ المُرْسَلِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى خِطابًا لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وتُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِإذْنِي وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى بِإذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠] وقَوْلُهُ حِكايَةً عَنْ عِيسى ﴿فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩] .
وقَوْلُهُ ﴿وسِراجًا مُنِيرًا﴾ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ بِطَرِيقَةِ الحالِيَّةِ وهو طَرِيقٌ جَمِيلٌ، أيْ أرْسَلْناكَ كالسِّراجِ المُنِيرِ في الهِدايَةِ الواضِحَةِ الَّتِي لا لَبْسَ فِيها والَّتِي لا تَتْرُكُ لِلْباطِلِ شُبْهَةً إلّا فَضَحَتْها وأوْقَفَتِ النّاسَ عَلى دَخائِلِها، كَما يُضِيءُ السِّراجُ الوَقّادُ ظُلْمَةَ المَكانِ. وهَذا الوَصْفُ يَشْمَلُ ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ البَيانِ وإيضاحِ الِاسْتِدْلالِ وانْقِشاعِ ما كانَ قَبْلَهُ مِنَ الأدْيانِ مِن مَسالِكٍ لِلتَّبْدِيلِ والتَّحْرِيفِ فَشَمَلَ ما في الشَّرِيعَةِ مِن أُصُولِ الِاسْتِنْباطِ والتَّفَقُّهِ في الدِّينِ والعِلْمِ، فَإنَّ العِلْمَ يُشَبَّهُ
صفحة ٥٥
بِالنُّورِ فَناسَبَهُ السِّراجُ المُنِيرُ. وهَذا وصْفٌ شامِلٌ لِجَمِيعِ الأوْصافِ الَّتِي وُصِفَ بِها آنِفًا فَهو كالفَذْلَكَةِ وكالتَّذْيِيلِ.
ووُصِفَ السِّراجُ بِـ (مُنِيرًا) مَعَ أنَّ الإنارَةَ مِن لَوازِمِ السِّراجِ؛ هو كَوَصْفِ الشَّيْءِ بِالوَصْفِ المُشْتَقِّ مِن لَفْظِهِ في قَوْلِهِ: شِعْرُ شاعِرٍ، ولَيْلٌ ألْيَلُ لِإفادَةِ قُوَّةِ مَعْنى الِاسْمِ في المَوْصُوفِ بِهِ الخاصِّ؛ فَإنَّ هُدى النَّبِيِّ ﷺ هو أوْضَحُ الهُدى. وإرْشادُهُ أبْلَغُ إرْشادٍ.
رَوى البُخارِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن صَحِيحِهِ في الكَلامِ عَلى سُورَةِ الفَتْحِ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: (إنَّ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي في القُرْآنِ ﴿يا أيُّها النَّبِيءُ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ قالَ في التَّوْراةِ: يا أيُّها النَّبِيءُ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا وحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أنْتَ عَبْدِي ورَسُولِي سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غَلِيظٍ ولا صَخّابٍ في الأسْواقِ، ولا يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ ولَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ ( أوْ ويَغْفِرُ) ولَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتّى يُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجاءَ بِأنْ يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ويَفْتَحَ (أوْ فَيَفْتَحُ) بِهِ أعْيُنًا عُمْيًا وآذانًا صُمًّا وقُلُوبًا غَلْفاءَ ) اهـ.
وقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو في التَّوْراةِ يَعْنِي بِالتَّوْراةِ: أسْفارُ التَّوْراةِ وما مَعَها مِن أسْفارِ الأنْبِياءِ إذْ لا يُوجَدُ مِثْلُ ذَلِكَ فِيما رَأيْتُ مِنَ الأسْفارِ الخَمْسَةِ الأصْلِيَّةِ مِنَ التَّوْراةِ. وهَذا الَّذِي حَدَّثَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ورَأيْتُ مُقارِبَهُ في سِفْرِ النَّبِيءِ أشْعِياءَ مِنَ الكُتُبِ المُعَبَّرِ عَنْها تَغْلِيبًا وهي الكُتُبُ المُسَمّاةُ بِالعَهْدِ القَدِيمِ؛ وذَلِكَ في الإصْحاحِ الثّانِي والأرْبَعِينَ مِنهُ بِتَغْيِيرٍ قَلِيلٍ أحْسَبُ أنَّهُ مِنَ اخْتِلافِ التَّرْجَمَةِ أوْ مِن تَفْسِيراتِ بَعْضِ الأحْبارِ وتَأْوِيلاتِهِمْ، فَفي الإصْحاحِ الثّانِي والأرْبَعِينَ مِنهُ ”هو ذا عَبْدَيِ الَّذِي أعْضُدُهُ مُخْتارِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي، وضَعْتُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْرِجُ الحَقَّ لِلْأُمَمِ، لايَصِيحُ ولا يَرْفَعُ ولا يُسْمَعُ في الشّارِعِ صَوْتُهُ، قَصَبَةٌ مَرْضُوضَةٌ لاتُقْصَفُ، وفَتِيلَةٌ خامِدَةٌ لا تُطْفَأُ، إلى الأمانِ يَخْرُجُ الحَقُّ، لا يَكِلُّ ولا يَنْكَسِرُ حَتّى يَضَعَ الحَقَّ في الأرْضِ وتَنْتَظِرَ الجَزائِرُ شَرِيعَتَهُ،
صفحة ٥٦
أنا الرَّبُّ قَدْ دَعَوْتُكَ بِالبِرِّ فَأُمْسِكُ بِيَدِكَ وأحْفَظُكَ وأجْعَلُكَ عَهْدًا لِلشَّعْبِ ونُورًا لِلْأُمَمِ لِنَفْتَحَ عُيُونَ العُمْيِ لِتُخْرِجَ مِنَ الحَبْسِ المَأْسُورِينَ مِن بَيْتِ السِّجْنِ، الجالِسِينَ في الظُّلْمَةِ، أنا الرَّبُّ هَذا اسْمِي ومَجْدِي لا أُعْطِيهِ لِآخَرَ“ .
وإلَيْكَ نَظائِرُ صِفَتِهِ الَّتِي في التَّوْراةِ مِن صِفاتِهِ في القُرْآنِ ”﴿يا أيُّها النَّبِيءُ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾“ نَظِيرُها هَذِهِ الآيَةُ وحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] سُورَةُ الجُمُعَةِ، أنْتِ عَبْدِي ورَسُولِي ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ [الكهف: ١] سُورَةُ الكَهْفِ، سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٨] سُورَةُ الأحْزابِ، لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غَلِيظٍ ﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] سُورَةُ آلِ عِمْرانِ، ولا صَخّابٍ في الأسْواقِ ﴿واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩] سُورَةُ لُقْمانَ، ولا يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤] سُورَةُ فُصِّلَتْ، ولَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ ﴿فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣] سُورَةُ العُقُودِ، ولَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتّى يُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجاءَ بِأنْ يَقُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] سُورَةُ المائِدَةِ، ويَفْتَحُ بِهِ أعْيُنًا عُمْيًا وآذانًا صُمًّا وقُلُوبًا غُلْفًا ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهم وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ في ذِكْرِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُقابِلًا لِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] الآيَةَ.
ولْنُذَكِّرْ هُنا ما في سِفْرِ أشْعِياءَ ونُقْحِمُ فِيهِ بَيانَ مُقابَلَةِ كَلِماتِهِ بِالكَلِماتِ الَّتِي جاءَتْ في حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو.
جاءَ في الإصْحاحِ الثّانِي والأرْبَعِينَ مِن سِفْرِ أشْعِياءَ: هو ذا عَبْدَيْ (أنْتَ عَبْدِي) الَّذِي أعْضُدُهُ مُخْتارِي (ورَسُولَيِ) الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي، وضَعَتُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْرِجُ الحَقَّ لِلْأُمَمِ، لا يَصِيحُ (لَيْسَ بِفَظٍّ) ولا يَرْفَعُ (ولا غَلِيظٍ) ولا يُسْمَعُ في الشّارِعِ صَوْتُهُ، (ولا صَخّابٍ في الأسْواقِ) قَصَبَةٌ مَرْضُوضَةٌ لا يُقْصَفُ، (ولا يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ) وفَتِيلَةٌ خامِدَةٌ لا تُطْفَأُ، (يَعْفُو ويَصْفَحُ) إلى الأمانِ يُخْرِجُ الحَقَّ (وحِرْزًا) لا يَكِلُّ ولا يَنْكَسِرُ حَتّى يَضَعَ الحَقَّ في الأرْضِ (ولَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتّى يُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجاءَ) وتَنْتَظِرُ الجَزائِرُ شَرِيعَتَهُ (لِلْأُمِّيِّينَ) أنا الرَّبُّ قَدْ دَعَوْتُكَ بِالبِرِّ فَأُمْسِكُ بِيَدِكَ (سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلُ) وأحْفَظُكَ (ولَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ) وأجْعَلُكَ عَهْدًا
صفحة ٥٧
لِلشَّعْبِ، (أرْسَلْناكَ شاهِدًا) (ونُورًا لِلْأُمَمِ) (مُبَشِّرًا) لِنَفْتَحَ عُيُونَ العُمْيِ (ونَفْتَحَ بِهِ أعْيُنًا عُمْيًا) لِتُخْرِجَ مِنَ الحَبْسِ المَأْسُورِينَ مِن بَيْتِ السِّجْنِ (وآذانًا صُمًّا) الجالِسِينَ في الظُّلْمَةِ (وقُلُوبًا غُلْفًا) . أنا الرَّبُّ هَذا اسْمِي ومَجْدِي لا أُعْطِيهِ لِآخَرَ (بِأنْ يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ) .
33:47Page 424
وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَضۡلٗا كَبِيرٗا ٤٧
And give good tidings to the believers that they will have from Allāh great bounty.
﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ إنّا أرْسَلْناكَ عَطَفَ الإنْشاءَ عَلى الخَبَرِ لا مَحالَةَ وهي أوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى صِحَّةِ عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ إذْ لا يَتَأتّى فِيها تَأْوِيلٌ مِمّا تَأوَّلَهُ المانِعُونَ لِعَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ وهُمُ الجُمْهُورُ والزَّمَخْشَرِيُّ، والتَّفْتَزانِيُّ مِمّا سَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الصف: ١١] إلى قَوْلِهِ ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٣] في سُورَةِ الصَّفِّ، فالجُمْلَةُ المَعْطُوفُ عَلَيْها إخْبارٌ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّهُ أرْسَلَهُ مُتَلَبِّسًا بِتِلْكَ الصِّفاتِ الخَمْسَةِ. وهَذا أمَرٌ لَهُ بِالعَمَلِ بِصِفَةِ المُبَشِّرِ، فَلِاخْتِلافِ مَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ عُطِفَتْ هَذِهِ عَلى الأُولى.
والفَضْلُ: العَطاءُ الَّذِي يَزِيدُهُ المُعْطِي زِيادَةً عَلى العَطِيَّةِ. فالفَضْلُ كِنايَةٌ عَنِ العَطِيَّةِ أيْضًا؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ فَضْلًا إلّا إذا كانَ زائِدًا عَلى العَطِيَّةِ. والمُرادُ أنَّ لَهم ثَوابَ أعْمالِهِمُ المَوْعُودَ بِها وزِيادَةً مِن عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ تَعالى:
﴿لِلَّذَيْنِ احْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] .
ووَصْفُ (كَثِيرًا) مُسْتَعارٌ لِلْفائِقِ في نَوْعِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ لِي أبِي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: هَذِهِ أرْجى آيَةٍ عِنْدِي في كِتابِ اللَّهِ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم عِنْدَهُ فَضْلًا كَبِيرًا. وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى الفَضْلَ الكَبِيرَ ما هو في قَوْلِهِ (﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢]) فالآيَةُ الَّتِي في هَذِهِ السُّورَةِ خَبَرٌ، والآيَةُ الَّتِي في (حم عسق) تَفْسِيرٌ لَها اهـ.
33:48Page 424
وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَدَعۡ أَذَىٰهُمۡ وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ٤٨
And do not obey the disbelievers and the hypocrites and disregard their annoyance, and rely upon Allāh. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.
صفحة ٥٨
﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾
جاءَ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ تَحْذِيرًا لَهُ مِن مُوافَقَتِهِمْ فِيما يَسْألُونَ مِنهُ وتَأْيِيدًا لِفِعْلِهِ مَعَهم حِينَ اسْتَأْذَنَهُ المُنافِقُونَ في الرُّجُوعِ عَنِ الأحْزابِ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهم فَنُهِيَ عَنِ الإصْغاءِ إلى ما يَرْغَبُونَهُ فَيَتْرُكَ ما أُحِلَّ لَهُ مِنَ التَّزَوُّجِ، أوْ فَيُعْطِي الكافِرِينَ مِنَ الأحْزابِ ثَمَرَ النَّخْلِ صُلْحًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، والنَّهْيُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الدَّوامِ عَلى الِانْتِهاءِ.
وعُلِمَ مِن مُقابَلَةِ أمْرِ التَّبْشِيرِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالنَّهْيِ عَنْ طاعَةِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ أنَّ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ هم مُتَعَلَّقُ الإنْذارِ مِن قَوْلِهِ (ونَذِيرًا) لِأنَّ وصْفَ (بَشِيرًا) قَدْ أخَذَ مُتَعَلَّقَهُ فَقَدْ صارَ هَذا ناظِرًا إلى قَوْلِهِ (ونَذِيرًا) .
وقَوْلُهُ ودَعْ أذاهم يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِعْلُ (دَعْ) مُرادًا بِهِ أنْ لا يُعاقِبَهم فَيَكُونُ (دَعْ) مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ وتَكُونُ إضافَةُ أذاهم مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ، أيْ دَعْ أذاكَ إيّاهم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (دَعْ) مُسْتَعْمَلًا مَجازًا في عَدَمِ الِاكْتِراثِ وعَدَمِ الِاغْتِمامِ فِيما يَقُولُونَهُ مِمّا يُؤْذِي، ويَكُونُ إضافَةُ (أذاهم) مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ، أيْ لا تَكْتَرِثْ بِما يَصْدُرُ مِنهم مِن أذًى إلَيْكَ فَإنَّكَ أجَلُّ مِنَ الِاهْتِمامِ بِذَلِكَ، وهَذا مِنَ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ. وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ اقْتَصَرُوا عَلى هَذا الِاحْتِمالِ الأخِيرِ. والوَجْهُ: الحَمْلُ عَلى كِلا المَعْنَيَيْنِ، فَيَكُونُ الأمْرُ بِتَرْكِ أذاهم صادِقًا بِالإعْراضِ عَمّا يُؤْذُونَ بِهِ النَّبِيءَ ﷺ مِن أقْوالِهِمْ وصادِقًا بِالكَفِّ عَنِ الإضْرارِ بِهِمْ، أيْ أنْ يَتَرَفَّعَ النَّبِيءُ ﷺ عَنْ مُؤاخَذَتِهِمْ عَلى ما يَصْدُرُ مِنهم في شَأْنِهِ، وهَذا إعْراضٌ عَنْ أذًى خاصٍّ لا عُمُومَ لَهُ، فَهو بِمَنزِلَةِ المُعَرَّفِ بِلامِ العَهْدِ، فَلَيْسَتْ آياتُ القِتالِ بِناسِخَةٍ لَهُ.
وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ يَتْرُكُ أذاهم ويَكِلُهم إلى عِقابٍ آجِلٍ وذَلِكَ مِن مَعْنى قَوْلِهِ (شاهِدًا)؛ لِأنَّهُ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ كَقَوْلِهِ فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْهم.
والتَّوَكُّلُ: الِاعْتِمادُ وتَفْوِيضُ التَّدْبِيرِ إلى اللَّهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وقَوْلِهِ ﴿وعَلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]
صفحة ٥٩
فِي سُورَةِ العُقُودِ، أيِ اعْتَمِدْ عَلى اللَّهِ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وفي كِفايَتِهِ إيّاكَ شَرَّ عَدُوِّكَ، فَهَذا ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٦] وقَوْلُهُ ﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ .
والمَعْنى: فَإنَّ اللَّهَ هو الوَكِيلُ الكافِي في الوِكالَةِ، أيِ المُجْزِي مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ ما وكَّلَهُ عَلَيْهِ فالباءُ تَأْكِيدٌ، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ [النساء: ٨١] في سُورَةِ النِّساءِ. والتَّقْدِيرُ: كَفى اللَّهُ. و(وكِيلًا) تَمْيِيزٌ.
فَقَدْ جاءَتْ هَذِهِ الجُمَلُ الطَّلَبِيَّةُ مُقابِلَةٌ وناظِرَةٌ لِلْجُمَلِ الإخْبارِيَّةِ مِن قَوْلِهِ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا إلى وسِراجًا مُنِيرًا فَقَوْلُهُ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ناظِرًا إلى قَوْلِهِ ومُبَشِّرًا.
وقَوْلُهُ ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ (ونَذِيرًا)؛ لِأنَّهُ جاءَ في مُقابَلَةِ بِشارَةِ المُؤْمِنِينَ كَما تَقَدَّمَ.
وقَوْلُهُ ودَعْ أذاهم ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ شاهِدًا كَما عَلِمْتَ. وقَوْلُهُ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٦] . وأمّا قَوْلُهُ ﴿وسِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] فَلَمْ يُذْكَرْ لَهُ مُقابِلٌ في هَذِهِ المَطالِبِ إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ كالتَّذْيِيلِ لِلصِّفاتِ كَما تَقَدَّمَ ناسَبَ أنْ يُقابِلَهُ ما هو تَذْيِيلٌ لِلْمَطالَبِ، وهو قَوْلُهُ (﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾) . وهَذا أقْرَبُ مِن بَعْضِ ما في الكَشّافِ مِن وُجُوهِ المُقابَلَةِ ومِن بَعْضِ ما لِلْآلُوسِيِّ فانْظُرْهُما واحْكم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences