Ibn 'AshurAl‑Ahzab · 33:51–52

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Ahzab 33:51–52

33:51Page 425

۞ تُرۡجِي مَن تَشَآءُ مِنۡهُنَّ وَتُـٔۡوِيٓ إِلَيۡكَ مَن تَشَآءُۖ وَمَنِ ٱبۡتَغَيۡتَ مِمَّنۡ عَزَلۡتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكَۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن تَقَرَّ أَعۡيُنُهُنَّ وَلَا يَحۡزَنَّ وَيَرۡضَيۡنَ بِمَآ ءَاتَيۡتَهُنَّ كُلُّهُنَّۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمٗا ٥١

You, [O Muḥammad], may put aside whom you will of them1 or take to yourself whom you will. And any that you desire of those [wives] from whom you had [temporarily] separated - there is no blame upon you [in returning her]. That is more suitable that they should be content and not grieve and that they should be satisfied with what you have given them - all of them. And Allāh knows what is in your hearts. And ever is Allāh Knowing and Forbearing.

﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُأْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلَتْ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] إلى قَوْلِهِ ﴿لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ [الأحزاب: ٥٠] فَإنَّهُ يُثِيرُ في النَّفْسِ تَطَلُّبًا لِبَيانِ مَدى هَذا التَّحْلِيلِ. والجُمْلَةُ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في إنْشاءِ تَحْلِيلِ الإرْجاءِ والإيواءِ لِمَن يَشاءُ النَّبِيُّ ﷺ .

والإرْجاءُ حَقِيقَتُهُ: التَّأْخِيرُ إلى وقْتٍ مُسْتَقْبَلٍ. يُقالُ: أرْجَأتُ الأمْرَ وأرْجَيْتُهُ مَهْمُوزًا ومُخَفَّفًا، إذا أخَّرْتُهُ.

وفِعْلُهُ يَنْصَرِفُ إلى الأحْوالِ لا الذَّواتِ فَإذا عُدِّيَ فِعْلُهُ إلى اسْمِ ذاتٍ تَعَيَّنَ انْصِرافُهُ إلى وصْفٍ مِنَ الأوْصافِ المُناسِبَةِ والَّتِي تُرادُ مِنها، فَإذا قُلْتَ: أرْجَأْتُ غَرِيمِي، كانَ المُرادُ: أنَّكَ أخَّرْتَ قَضاءَ دَيْنِهِ إلى وقْتٍ يَأْتِي.

والإيواءُ: حَقِيقَتُهُ جَعْلُ الشَّيْءِ آوِيًا، أيْ راجِعًا إلى مَكانِهِ. يُقالُ: آوى، إذا رَجَعَ حَيْثُ فارَقَ، وهو هُنا مَجازٌ في مُطْلَقِ الِاسْتِقْرارِ سَواءٌ كانَ بَعْدَ إبْعادٍ أمْ بِدُونِهِ، وسَواءٌ كانَ بَعْدَ سَبْقِ اسْتِقْرارٍ بِالمَكانِ أمْ لَمْ يَكُنْ.

ومُقابَلَةُ الإرْجاءِ بِالإيواءِ تَقْتَضِي أنَّ الإرْجاءَ مُرادٌ مِنهُ ضِدُّ الإيواءِ أوْ أنَّ الإيواءَ ضِدُّ الإرْجاءِ والإيواءِ صَرِيحِهِما وكِنايَتِهِما.

فَضَمِيرُ (مِنهُنَّ) عائِدٌ إلى النِّساءِ المَذْكُوراتِ مِمَّنْ هُنَّ في عِصْمَتِهِ ومَن أحَلَّ اللَّهُ لَهُ نِكاحَهُنَّ غَيْرَهُنَّ مِن بَناتِ عَمِّهِ وعَمّاتِهِ وخالِهِ وخالاتِهِ، والواهِباتِ أنْفُسَهُنَّ فَتِلْكَ أرْبَعَةُ أصْنافٍ:

الصِّنْفُ الأوَّلُ: وهُنَّ اللّاءِ في عِصْمَةِ النَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَهُنَّ مُتَّصِلْنَ بِهِ فَإرْجاءُ هَذا الصِّنْفِ يَنْصَرِفُ إلى تَأْخِيرِ الِاسْتِمْتاعِ إلى وقْتٍ مُسْتَقْبَلٍ يُرِيدُهُ

صفحة ٧٣

والإيواءُ ضِدُّهُ. فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ الإرْجاءُ مُنْصَرِفًا إلى القَسَمِ فَوَسَّعَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ بِأنْ أباحَ لَهُ أنْ يُسْقِطَ حَقَّ بَعْضِ نِسائِهِ في المَبِيتِ مَعَهُنَّ فَصارَ حَقُّ المَبِيتِ حَقًّا لَهُ لا لَهُنَّ بِخِلافِ بَقِيَّةِ المُسْلِمِينَ، وعَلى هَذا جَرى قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وأبِي رَزِينٍ قالَهُ الطَّبَرِيُّ.

وقَدْ كانَتْ إحْدى نِساءِ النَّبِيءِ ﷺ أسْقَطَتْ عَنْهُ حَقَّها في المَبِيتِ وهي سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ وهَبَتْ يَوْمَها لِعائِشَةَ فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ لِعائِشَةَ بِيَوْمِها ويَوْمِ سَوْدَةَ وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ولَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ صارَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مُخَيَّرًا في القَسْمِ لِأزْواجِهِ. وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: وهو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ. وهَذا تَخْيِيرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ إلّا أنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ لِنَفْسِهِ بِهِ تَكَرُّمًا مِنهُ عَلى أزْواجِهِ. قالَ الزُّهْرِيُّ. ما عَلِمْنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ أرْجَأ أحَدًا مِن أزْواجِهِ بَلْ آواهُنَّ كُلَّهُنَّ. قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: وهو المَعْنى المُرادُ. وقالَ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ أرْجَأ مَيْمُونَةَ وسَوْدَةَ وجُوَيْرِيَةَ وأُمَّ حَبِيبَةَ وصَفِيَّةَ، فَكانَ يَقْسِمُ لَهُنَّ ما شاءَ، أيْ دُونَ مُساواةٍ لِبَقِيَّةِ أزْواجِهِ. وضَعَّفَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ.

وفُسِّرَ الإرْجاءُ بِمَعْنى التَّطْلِيقِ، والإيواءُ بِمَعْنى الإبْقاءِ في العِصْمَةِ، فَيَكُونُ إذْنًا لَهُ بِتَطْلِيقِ مَن يَشاءُ تَطْلِيقَها وإطْلاقُ الإرْجاءِ عَلى التَّطْلِيقِ غَرِيبٌ.

وقَدْ ذَكَرُوا أقْوالًا أُخَرَ وأخْبارًا في سَبَبِ النُّزُولِ لَمْ تَصِحَّ أسانِيدُها فَهي آراءٌ لا يُوثَقُ بِها. ويَشْمَلُ الإرْجاءُ الصِّنْفَ الثّانِي وهُنَّ ما مَلَكَتْ يَمِينُهُ وهو حُكْمٌ أصْلِيٌّ إذْ لا يَجِبُ لِلْإماءِ عَدَلٌ في المُعاشَرَةِ ولا في المَبِيتِ.

ويَشْمَلُ الإرْجاءُ الصِّنْفَ الثّالِثَ وهُنَّ: بَناتُ عَمِّهِ وبَناتُ عَمّاتِهِ وبَناتُ خالِهِ وبَناتُ خالاتِهِ، فالإرْجاءُ تَأْخِيرُ تَزَوُّجِ مَن يَحِلُّ مِنهُنَّ، والإيواءُ العَقْدُ عَلى إحْداهِنَّ، والنَّبِيءُ ﷺ لَمْ يَتَزَوَّجْ واحِدَةً بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ إرْجاءُ العَمَلِ بِالإذْنِ فِيهِنَّ إلى غَيْرِ أجْلٍ مُعَيَّنٍ.

وكَذَلِكَ إرْجاءُ الصِّنْفِ الرّابِعِ اللّاءِ وهَبْنَ أنْفُسَهُنَّ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ واقِعًا بَعْدَ

صفحة ٧٤

نُزُولِ الآيَةِ أمْ كانَ بَعْضُهُ بَعْدَ نُزُولِها فَإرْجاؤُهُنَّ عَدَمُ قَبُولِ نِكاحِ الواهِبَةِ، عَبَّرَ عَنْهُ بِالإرْجاءِ إبْقاءً عَلى أمَلِها أنْ يَقْبَلَها في المُسْتَقْبَلِ، وإيوائُهُنَّ قَبُولُ هِبَتِهِنَّ.

قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ (تُرْجِي) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ في آخِرِهِ مُخَفَّفُ (تُرْجِئُ) المَهْمُوزُ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبَ تُرْجِئُ بِالهَمْزِ في آخِرِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: الهَمْزُ أجْوَدُ وأكْثَرُ. والمَعْنى واحِدٌ.

واتَّفَقَ الرُّواةُ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْتَعْمِلْ مَعَ أزْواجِهِ ما أُبِيحَ لَهُ أخْذًا مِنهُ بِأفْضَلِ الأخْلاقِ، فَكانَ يَعْدِلُ في القَسْمِ بَيْنَ نِسائِهِ إلّا أنَّ سَوْدَةَ وهَبَتْ يَوْمَها لِعائِشَةَ طَلَبًا لِمَسَرَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

وأمّا قَوْلُهُ ﴿ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ﴾ فَهَذا لِبَيانِ أنَّ هَذا التَّخْيِيرَ لا يُوجِبُ اسْتِمْرارَ ما أُخِذَ بِهِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ المُخَيَّرِ بَيْنَهُما، أيْ لا يَكُونُ عَمَلُهُ بِالعَزْلِ لازِمَ الدَّوامِ بِمَنزِلَةِ الظِّهارِ والإيلاءِ، بَلْ أذِنَ اللَّهُ أنْ يَرْجِعَ إلى مَن يَعْزِلُها مِنهُنَّ، فَصَرَّحَ هُنا بِأنَّ الإرْجاءَ شامِلٌ لِلْعَزْلِ.

فَفِي الكَلامِ جُمْلَةٌ مُقَدَّرَةٌ دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ ﴿ابْتَغَيْتَ﴾ إذْ هو يَقْتَضِي أنَّهُ ابْتَغى إبْطالَ عَزْلِها فَمَفْعُولُ (ابْتَغَيْتَ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ كَما هو مُقْتَضى المُقابَلَةِ بِقَوْلِهِ ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ﴾، فَإنَّ العَزْلَ والإرْجاءَ مُؤَدّاهُما واحِدٌ.

والمَعْنى: فَإنْ عَزَلْتَ بِالإرْجاءِ إحْداهُنَّ فَلَيْسَ العَزْلُ بِواجِبٍ اسْتِمْرارُهُ بَلْ لَكَ أنْ تُعِيدَها إنِ ابْتَغَيْتَ العُودَ إلَيْها، أيْ فَلَيْسَ هَذا كَتَخْيِيرِ الرَّجُلِ زَوْجَهُ فَتَخْتارُ نَفْسَها، المُقْتَضِي أنَّها تَبِينُ مِنهُ. ومُتَعَلِّقُ الجُناحِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (ابْتَغَيْتَ) أيِ ابْتَغَيْتَ إيوائَها فَلا جُناحَ عَلَيْكَ مِن إيوائِها.

و(مَن) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً وجُمْلَةُ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكَ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً فَإنَّ المَوْصُولَ يُعامَلُ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ في كَلامِهِمْ بِكَثْرَةٍ إذا قَصَدَ مِنهُ العُمُومَ فَلِذَلِكَ يَقْتَرِنُ خَبَرُ المَوْصُولِ العامِ بِالفاءِ كَثِيرًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وعَلَيْهِ فَجُمْلَةُ ﴿فَلا جَناحَ

صفحة ٧٥

عَلَيْكَ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ اقْتَرَنَ بِالفاءِ لِمُعامَلَةِ المَوْصُولِ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ ومَفْعُولُ (عَزَلْتَ) مَحْذُوفٌ عائِدٌ إلى (مَن) أيِ الَّتِي ابْتَغَيْتَها مِمَّنْ عَزَلْتَهُنَّ وهو مِن حَذْفِ العائِدِ المَنصُوبِ.

* * *

﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ واللَّهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكم وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾

الإشارَةُ إلى شَيْءٍ مِمّا تَقَدَّمَ وهو أقْرَبُهُ، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى مَعْنى التَّفْوِيضِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُئْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى الِابْتِغاءِ المُتَضَمِّنِ لَهُ فِعْلُ (ابْتَغَيْتَ) أيْ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ في ابْتِغائِهِنَّ بَعْدَ عَزْلِهِنَّ ذَلِكَ أدْنى لِأنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ. والِابْتِغاءُ: الرَّغْبَةُ والطَّلَبُ، والمُرادُ هُنا ابْتِغاءُ مُعاشَرَةِ مَن عَزَلَهُنَّ.

فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى أنَّ في هَذا التَّفْوِيضِ جَعَلَ الحَقَّ في اخْتِيارِ أحَدِ الأمْرَيْنِ بِيَدِ النَّبِيءِ ﷺ ولَمْ يُبْقِ حَقًّا لَهُنَّ فَإذا عَيَّنَ لِإحْداهِنَّ حالَةً مِنَ الحالَيْنِ رَضِيَتْهُ بِهِ؛ لِأنَّهُ يَجْعَلُ اللَّهَ تَعالى عَلى حُكْمِ قَوْلِهِ ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] فَقَرَّتْ أعْيُنُ جَمِيعِهِنَّ بِما عَيَّنَتَ لِكُلِّ واحِدَةٍ؛ لِأنَّ الَّذِي يَعْلَمُ أنَّهُ لا حَقَّ لَهُ في شَيْءٍ كانَ راضِيًا بِما أُوتِيَ مِنهُ، وإنْ عَلِمَ أنَّ لَهُ حَقًّا حَسِبَ أنَّ ما يُؤْتاهُ أقَلُّ مِن حَقِّهِ وبالَغَ في اسْتِيفائِهِ. وهَذا التَّفْسِيرُ مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ العَرَبِيِّ، والقُرْطُبِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، وهَذا يُلائِمُ قَوْلَهُ ويَرْضَيْنَ ولا يُلائِمُ قَوْلَهُ ﴿أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ﴾ لِأنَّ قُرَّةَ العَيْنِ إنَّما تَكُونُ بِالأمْرِ المَحْبُوبِ، وقَوْلَهُ ﴿ولا يَحْزَنَّ﴾ لِأنَّ الحُزْنَ مِنَ الأمْرِ المُكَدَّرِ لَيْسَ بِاخْتِيارِيٍّ كَما قالَ النَّبِيءُ ﷺ «فَلا تَلُمْنِي فِيما لا أمْلِكُ» .

وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ المَعْنى: ذَلِكَ الِابْتِغاءُ بَعْدَ العَزْلِ أقْرَبُ لِأنْ تَقَرَّ أعْيُنُ اللّاتِي كُنْتَ عَزَلْتَهُنَّ. فَفي هَذا الوَجْهِ تَرْغِيبٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ في اخْتِيارِ عَدَمِ عَزْلِهِنَّ عَنِ القَسْمِ وهو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ ﴿أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ﴾ كَما عَلِمْتَ آنِفًا، ولِقَوْلِهِ ويَرْضَيْنَ، ولِما فِيما ذُكِرَ مِنَ الحَسَناتِ الوافِرَةِ الَّتِي يَرْغَبُ النَّبِيُّ ﷺ في تَحْصِيلِها لا مَحالَةَ، وهي إدْخالُ المَسَرَّةِ عَلى المُسْلِمِ وحُصُولُ الرِّضا بَيْنَ المُسْلِمِينَ وهو

صفحة ٧٦

مِمّا يُعَزِّزُ الأُخُوَّةَ الإسْلامِيَّةَ المُرَغَّبَ فِيها. ونُقِلَ قَرِيبٌ مِن هَذا المَعْنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ واخْتارَهُ أبُو عَلِيٍّ الجِبّائِيِّ وهو الأرْجَحُ لِأنَّ قُرَّةَ العَيْنِ لا تَحْصُلُ عَلى مَضَضٍ ولِأنَّ الحَطَّ في الحَقِّ يُوجِبُ الكَدَرَ. ويُؤَيِّدُهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْخُذْ إلّا بِهِ ولَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ أنَّهُ آثَرَ إحْدى أزْواجِهِ بِلَيْلَةٍ سِوى لَيْلَةِ سَوْدَةَ الَّتِي وهَبَتْها لِعائِشَةَ اسْتَمَرَّ ذَلِكَ إلى وفاتِهِ ﷺ . وقَدْ جاءَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ كانَ في مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ يُطافُ بِهِ كُلَّ يَوْمٍ عَلى بُيُوتِ أزْواجِهِ وكانَ مَبْدَأُ شَكْواهُ في بَيْتِ مَيْمُونَةَ إلى أنْ جاءَتْ نَوْبَةُ لَيْلَةِ عائِشَةَ فَأذِنَ لَهُ أزْواجُهُ أنْ يُمَرَّضَ في بَيْتِها رِفْقًا بِهِ.

ورُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ حِينَ قَسَمَ لَهُنَّ: «اللَّهُمَّ هَذِهِ قِسْمَتِي فِيما أمْلِكُ فَلا تَلُمْنِي فِيما لا أمْلِكُ» ولَعَلَّ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ نُزُولِ التَّفْوِيضِ إلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ.

وفِي قَوْلِهِ ﴿ويَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ المُرادَ الرِّضا الَّذِي يَتَساوَيْنَ فِيهِ وإلّا لَمْ يَكُنْ لِلتَّأْكِيدِ بِـ (كُلُّهُنَّ) نُكْتَةٌ زائِدَةٌ فالجَمْعُ بَيْنَ ضَمِيرِهِنَّ في قَوْلِهِ (كُلُّهُنَّ) يُومِئُ إلى رِضًا مُتَساوٍ بَيْنَهُنَّ.

وضَمِيرا ﴿أعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ﴾ عائِدانِ إلى (مَن) في قَوْلِهِ ﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ . وذِكْرُ ﴿ولا يَحْزَنَّ﴾ بَعْدَ ذِكْرِ ﴿أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ﴾ مَعَ ما في قُرَّةِ العَيْنِ مِن تَضَمُّنِ مَعْنى انْتِفاءِ الحُزْنِ بِالإيماءِ إلى تَرْغِيبِ النَّبِيءِ ﷺ في ابْتِغاءِ بَقاءِ جَمِيعِ نِسائِهِ في مُواصَلَتِهِ لِأنَّ في عَزْلِ بَعْضِهِنَّ حُزْنًا لِلْمَعْزُولاتِ وهو بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ لا يُحِبُّ أنْ يُحْزِنَ أحَدًا.

وكُلُّهُنَّ تَوْكِيدٌ لِضَمِيرِ يَرْضَيْنَ أوْ يَتَنازَعُهُ الضَّمائِرُ كُلُّها.

والإيتاءُ: الإعْطاءُ، وغَلَبَ عَلى إعْطاءِ الخَيْرِ إذا لَمْ يُذْكَرْ مَفْعُولُهُ الثّانِي أوْ ذُكِرَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ كَقَوْلِهِ ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٤]، فَإذا ذَكَرَ مَفْعُولَهُ الثّانِيَ فالغالِبُ أنَّهُ لَيْسَ بِسُوءٍ. ولَمْ أرَهُ يُسْتَعْمَلُ في إعْطاءِ السُّوءِ فَلا تَقُولُ: آتاهُ سِجْنًا وآتاهُ ضَرْبًا، إلّا في مَقامِ التَّهَكُّمِ أوِ المُشاكَلَةِ، فَما هُنا مِنَ القَبِيلِ الأوَّلِ، ولِهَذا يَبْعُدُ تَفْسِيرُهُ بِأنَّهُنَّ تَرْضَيْنَ بِما أذِنَ اللَّهُ فِيهِ لِرَسُولِهِ مِن عَزْلِهِنَّ وإرْجائِهِنَّ. وتَوْجِيهُهُ في الكَشّافِ تَكَلُّفٌ.

والتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكم وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ كَلامٌ جامِعٌ لِمَعْنى التَّرْغِيبِ والتَّحْذِيرِ فَفِيهِ تَرْغِيبٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ في الإحْسانِ بِأزْواجِهِ وإمائِهِ

صفحة ٧٧

والمُتَعَرِّضاتِ لِلتَّزَوُّجِ بِهِ، وتَحْذِيرٌ لَهُنَّ مِن إضْمارِ عَدَمِ الرِّضا بِما يَلْقَيْنَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

وفِي إجْراءِ صِفَتَيْ عَلِيمًا حَكِيمًا عَلى اسْمِ الجَلالَةِ إيماءٌ إلى ذَلِكَ فَمُناسَبَةُ صِفَةِ العِلْمِ لِقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكُمْ﴾ ظاهِرَةٌ ومُناسَبَةُ صِفَةُ الحَلِيمِ بِاعْتِبارِ أنَّ المَقْصُودَ تَرْغِيبُ الرَّسُولِ ﷺ في ألْيَقِ الأحْوالِ بِصِفَةِ الحَلِيمِ لِأنَّ هَمَّهُ ﷺ التَّخَلُّقُ بِخُلُقِ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ أجْرى اللَّهُ عَلَيْهِ صِفاتٍ مِن صِفاتِهِ مِثْلَ رَءُوفٍ رَحِيمٍ. وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «ما خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ شَيْئَيْنِ إلّا اخْتارَ أيْسَرَهُما ما لَمْ يَكُنْ إثْمًا» . ولِهَذا لَمْ يَأْخُذْ رَسُولُ اللَّهِ بِهَذا التَّخْيِرِ في النِّساءِ اللّاتِي كُنَّ في مُعاشَرَتِهِ، وأخَذَ بِهِ في الواهِباتِ أنْفُسِهِنَّ مَعَ الإحْسانِ إلَيْهِنَّ بِالقَوْلِ والبَذْلِ فَإنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإحْسانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ. وأخَذَ بِهِ في تَرْكِ التَّزَوُّجِ مِن بَناتِ عَمِّهِ وعَمّاتِهِ وخالِهِ وخالاتِهِ لِأنَّ ذَلِكَ لا حَرَجَ فِيهِ عَلَيْهِنَّ.

33:52Page 425

لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِنۢ بَعۡدُ وَلَآ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ حُسۡنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتۡ يَمِينُكَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ رَّقِيبٗا ٥٢

Not lawful to you, [O Muḥammad], are [any additional] women after [this], nor [is it] for you to exchange them for [other] wives, even if their beauty were to please you, except what your right hand possesses. And ever is Allāh, over all things, an Observer.1

﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إلّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ في المُصْحَفِ عَقِبَ الَّتِي قَبِلَها يَدُلُّ عَلى أنَّها كَذَلِكَ نَزَلَتْ وأنَّ الكَلامَ مُتَّصِلٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ومُنْتَظِمٌ هَذا النَّظْمَ البَدِيعَ، عَلى أنَّ حَذْفَ ما أُضِيفَتْ إلَيْهِ (بَعْدُ) يُنادِي عَلى أنَّهُ حَذْفُ مَعْلُومٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ، فَتَأخُّرُها في النُّزُولِ عَنِ الآياتِ الَّتِي قَبْلَها وكَوْنُها مُتَّصِلَةً بِها وتَتِمَّةً لَها مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُتَرَدَّدَ فِيهِ، فَتَقْدِيرُ المُضافِ إلَيْهِ المَحْذُوفُ لا يَخْلُو: إمّا أنْ يُؤْخَذَ مِن ذِكْرِ الأصْنافِ قَبْلَهُ، أيْ مِن بَعْدِ الأصْنافِ المَذْكُورَةِ بِقَوْلِهِ ﴿إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] الخَ. وإمّا أنْ يَكُونَ مِمّا يَقْتَضِيهِ الكَلامُ مِنَ الزَّمانِ، أيْ مِن بَعْدِ هَذا الوَقْتِ، والأوَّلُ الرّاجِحُ.

و(بَعْدُ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى (غَيْرٍ) كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣] وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ في اللُّغَةِ، وعَلَيْهِ فَلا ناسِخَ لِهَذِهِ الآيَةِ مِنَ القُرْآنِ ولا هي ناسِخَةٌ لِغَيْرِها، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى التَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الأزْواجِ في قَوْلِهِ ﴿ولا أنْ تَبَدَّلَ

صفحة ٧٨

بِهِنَّ مِن أزْواجٍ﴾ أيْ غَيْرِهِنَّ وعَلى هَذا المَحْمَلِ حَمَلَ الآيَةَ ابْنُ عَبّاسٍ فَقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ قالَ: «نُهِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أصْنافِ النِّساءِ إلّا ما كانَ مِنَ المُؤْمِناتِ المُهاجِراتِ فَقالَ ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إلّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ فَأحَلَّ اللَّهُ المَمْلُوكاتِ المُؤْمِناتِ ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب»: ٥٠] . ومِثْلُ هَذا مَرْوِيٌّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعِكْرِمَةَ، والضَّحّاكِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (بَعْدُ) مُرادًا بِهِ الشَّيْءَ المُتَأخِّرَ عَنْ غَيْرِهِ وذَلِكَ حَقِيقَةُ مَعْنى البُعْدِيَّةِ فَيَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ سابِقٍ.

وبِناءُ (بَعْدُ) عَلى الضَّمِّ يَقْتَضِي تَقْدِيرَ مُضافٍ إلَيْهِ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ عَلى ما دَرَجَ عَلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ في الخُلاصَةِ وحَقَّقَهُ ابْنُ هِشامٍ في شَرْحِهِ عَلى قَطْرِ النَّدى، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: مِن بَعْدِ مَن ذُكِرْنَ عَلى الوَجْهَيْنِ في مَعْنى البُعْدِيَّةِ فَيُقَدَّرُ: مِن غَيْرِ مَن ذُكِرْنَ، أوْ يُقَدَّرُ مِن بَعْدِ مَن ذُكِرْنَ، فَتَنْشَأُ احْتِمالاتُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أصْنافَ مَن ذُكِرْنَ أوْ أعْدادَ مَن ذُكِرْنَ (وكُنَّ تِسْعًا)، أوْ مَنِ اخْتَرْتَهُنَّ.

ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ المُضافُ إلَيْهِ وقْتًا، أيْ بَعْدَ اليَوْمِ أوِ السّاعَةِ، أيِ الوَقْتِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ الآيَةُ فَيَكُونَ نَسْخًا لِقَوْلِهِ ﴿إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] إلى قَوْلِهِ ﴿خالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] .

وأمّا ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: «ما ماتَ رَسُولُ اللَّهِ حَتّى أحَلَّ اللَّهُ لَهُ النِّساءَ» . وقالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. (وهو مُقْتَضٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ) فَهو يَقْتَضِي أنَّ ناسِخَها مِنَ السُّنَّةِ لا مِنَ القُرْآنِ لِأنَّ قَوْلَها: ما ماتَ، يُؤْذِنُ بِأنَّ ذَلِكَ كانَ آخِرَ حَياتِهِ فَلا تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي نَزَلَتْ مَعَ سُورَتِها قَبْلَ وفاتِهِ ﷺ بِخَمْسِ سِنِينَ ناسِخَةً لِلْإباحَةِ الَّتِي عَنَتْها عائِشَةُ فالإباحَةُ إباحَةُ تَكْرِيمٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ورَوى الطَّحاوِيُّ مِثْلَ حَدِيثِ عائِشَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ.

والنِّساءُ: إذْا أُطْلِقَ في مِثْلِ هَذا المَقامِ غَلَبَ في مَعْنى الأزْواجِ، أيِ الحَرائِرِ دُونَ الإماءِ كَما قالَ النّابِغَةُ:

حِذارًا عَلى أنْ لا تُنالُ مَقادَتَيْ ولا نِسْوَتِي حَتّى يَمُتْنَ حَرائِرًا

أيْ لا تَحِلُّ لَكَ الأزْواجُ مِن بَعْدِ مَن ذُكِرْنَ.

صفحة ٧٩

وقَوْلُهُ ﴿ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ أصْلُهُ: تَتَبَدَّلُ بِتاءَيْنِ حُذِفَتْ إحْداهُما تَخْفِيفًا، يُقالُ: بَدَّلَ وتَبَدَّلَ، ومادَّةُ البَدَلِ تَقْتَضِي شَيْئَيْنِ: يُعْطى أحَدُهُما عِوَضًا عَنْ أخْذِ الآخَرِ فالتَّبْدِيلُ يَتَعَدّى إلى الشَّيْءِ المَأْخُوذِ بِنَفْسِهِ وإلى الشَّيْءِ المُعْطى بِالباءِ أوْ بِحَرْفِ مِن، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٠٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمَعْنى: أنَّ مَن حَصَلَتْ في عِصْمَتِكَ مِنَ الأصْنافِ المَذْكُورَةِ لا يَحِلُّ لَكَ أنْ تُطَلِّقَها، فَكُنِّيَ بِالتَّبَدُّلِ عَنِ الطَّلاقِ؛ لِأنَّهُ لازِمُهُ في العُرْفِ الغالِبِ لِأنَّ المَرْءَ لا يُطَلِّقُ إلّا وهو يَعْتاضُ عَنِ المُطَلَّقَةِ امْرَأةً أُخْرى، وهَذِهِ الكِنايَةُ مُتَعَيِّنَةٌ هُنا؛ لِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ صَرِيحُ التَّبَدُّلِ لَخالَفَ آخِرُ الآيَةِ أوَّلَها وسابِقَتَها فَإنَّ الرَّسُولَ ﷺ أُحِلَّتْ لَهُ الزِّيادَةُ عَلى النِّساءِ اللّاتِي عِنْدَهُ إذا كانَتِ المَزِيدَةُ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ السّابِقَةِ وحَرُمَ عَلَيْهِ ما عَداهُنَّ، فَإذا كانَتِ المُسْتَبْدَلَةُ إحْدى نِساءٍ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ لَمْ يَسْتَقِمْ أنْ يُحَرَّمَ عَلَيْهِ اسْتِبْدالُ واحِدَةٍ مِنهُنَّ بِعَيْنِها لِأنَّ تَحْرِيمَ ذَلِكَ يُنافِي إباحَةَ الأصْنافِ ولا قائِلٌ بِالنَّسْخِ في الآيَتَيْنِ، وإذا كانَتِ المُسْتَبْدَلَةُ مِن غَيْرِ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ كانَ تَحْرِيمُها عامًّا في سائِرِ الأحْوالِ فَلا مَحْصُولَ لِتَحْرِيمِها في خُصُوصِ حالِ إبْدالِها في غَيْرِها فَتَمَحَّضَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِبْدالُ مُكَنًّى بِهِ عَنِ الطَّلاقِ ومُلاحَظًا فِيهِ نِيَّةُ الِاسْتِبْدالِ.

فالمَعْنى أنَّ الرَّسُولَ ﷺ أُبِيحَتْ لَهُ الزِّيادَةُ عَلى النِّساءِ اللّاتِي حَصَلْنَ في عِصْمَتِهِ أوْ يَحْصُلْنَ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ ولَمْ يُبَحْ لَهُ تَعْوِيضُ قَدِيمَةٍ بِحادِثَةٍ.

والمَعْنى: ولا أنْ تُبَدِّلَ بِامْرَأةٍ حَصَلَتْ في عِصْمَتِكَ أوْ سَتَحْصُلُ امْرَأةً غَيْرَها.

فالباءُ داخِلَةٌ عَلى المُفارَقَةِ.

و(مِن) مَزِيدَةٌ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِ - (تَبَدَّلَ) لِقَصْدِ إفادَةِ العُمُومِ. والتَّقْدِيرُ: ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ أزْواجًا أُخَرَ، فاخْتَصَّ هَذا الحُكْمُ بِالأزْواجِ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ وبَقِيَتِ السَّرارِي خارِجَةً بِقَوْلِهِ ﴿إلّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ . وأمّا الَّتِي تَهَبُ نَفْسَها

صفحة ٨٠

فَهِيَ إنْ أرادَ النَّبِيءُ ﷺ أنْ يَنْكِحَها فَقَدِ انْتَظَمَتْ في سِلْكِ الزَّواجِ، فَشَمَلَها حَكْمُهُنَّ، وإنْ لَمْ يُرِدْ أنْ يَنْكِحَها فَقَدْ بَقِيَتْ أجْنَبِيَّةً لا تَدْخُلُ في تِلْكَ الأصْنافِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ لا يَحِلُّ بِياءٍ تَحْتِيَّةٍ عَلى اعْتِبارِ التَّذْكِيرِ لِأنَّ فاعِلَهُ جَمْعٌ غَيْرُ صَحِيحٍ فَيَجُوزُ فِيهِ اعْتِبارُ الأصْلِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِفَوْقِيَّةٍ عَلى اعْتِبارِ التَّأْنِيثِ بِتَأْوِيلِ الجَماعَةِ وهُما وجْهانِ في الجَمْعِ غَيْرِ السّالِمِ.

وجُمْلَةُ ﴿لَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ والواوُ واوُهُ، وهي حالٌ مِن ضَمِيرِ تَبَدَّلَ. (ولَوْ) لِلشَّرْطِ المَقْطُوعِ بِانْتِفائِهِ وهي لِلْفَرْضِ والتَّقْدِيرِ. وتُسَمّى وصْلِيَّةً، فَتَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ ما هو دُونَ المَشْرُوطِ بِالأوْلى، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] في آلِ عِمْرانَ.

والمَعْنى: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ بِزِيادَةٍ عَلى نِسائِكَ وبِتَعْوِيضِ إحْداهِنَّ بِجَدِيدَةٍ في كُلِّ حالَةٍ حَتّى في حالَةِ إعْجابِ حُسْنِهِنَّ إيّاكَ.

وفِي هَذا إيذانٌ بِأنَّ اللَّهَ لَمّا أباحَ لِرَسُولِهِ الأصْنافَ الثَّلاثَةِ أرادَ اللُّطْفَ لَهُ وأنْ لا يُناكِدَ رَغْبَتَهُ إذا أعْجَبَتْهُ امْرَأةً لَكِنَّهُ حَدَّدَ لَهُ أصْنافًا مُعَيَّنَةً وفِيهِنَّ غِناءٌ.

وقَدْ عَبَّرَتْ عَنْ هَذا المَعْنى عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - بِعِبارَةٍ شَيِّقَةٍ إذْ «قالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما أرى رَبَّكَ إلّا يُسارِعُ في هَواكَ» . وأُكِّدَتْ هَذِهِ المُبالَغَةُ بِالتَّذْيِيلِ مِن قَوْلِهِ ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ أيْ عالِمًا بِجَرْيِ كُلِّ شَيْءٍ عَلى نَحْوِ ما حَدَّدَهُ أوْ عَلى خِلافِهِ، فَهو يُجازِي عَلى حَسَبِ ذَلِكَ. وهَذا وعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِثَوابٍ عَظِيمٍ عَلى ما حَدَّدَ لَهُ مِن هَذا الحُكْمِ.

والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ ﴿إلّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ مُنْقَطِعٌ. والمَعْنى: لَكِنْ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ حَلالٌ في كُلِّ حالٍ. والمَقْصُودُ مِن هَذا الِاسْتِدْراكِ دَفْعُ تَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن لَفْظِ النِّساءِ في قَوْلِهِ ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ﴾ ما يُرادِفُ لَفْظَ الإناثِ دُونَ اسْتِعْمالِهِ العُرْفِيِّ بِمَعْنى الأزْواجِ كَما تَقَدَّمَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском