Ibn 'AshurAl‑Ahzab · 33:6–8

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Ahzab 33:6–8

33:6Page 418

ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمۡۗ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ إِلَّآ أَن تَفۡعَلُوٓاْ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِكُم مَّعۡرُوفٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا ٦

The Prophet is more worthy of the believers than themselves,1 and his wives are [in the position of] their mothers. And those of [blood] relationship are more entitled [to inheritance] in the decree of Allāh than the [other] believers and the emigrants, except that you may do to your close associates a kindness [through bequest]. That was in the Book2 inscribed.

﴿النَّبِيءُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] وقَوْلَهُ ادْعُوهم لِآبائِهِمْ كانَ قَدْ شَمِلَ في أوَّلِ ما شَمِلَهُ إبْطالَ بُنُوَّةِ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ لِلنَّبِيءِ ﷺ فَكانَ بِحَيْثُ يُثِيرُ سُؤالًا في نُفُوسِ النّاسِ عَنْ مَدى صِلَةِ المُؤْمِنِينَ بِنَبِيئِهِمْ ﷺ وهَلْ هي وعَلَقَةُ الأجانِبِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ سَواءٌ فَلِأجَلِ تَعْلِيمِ المُؤْمِنِينَ حُقُوقَ النَّبِيءِ وحُرْمَتَهُ جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُبَيِّنَةٌ أنَّ النَّبِيءَ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ.

والمَعْنى: أنَّهُ أوْلى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِن أنْفُسِ المُؤْمِنِينَ.

و”مِن“ تَفْضِيلِيَّةٌ.

ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ الأنْفُسَ مُرادٌ بِها جَمْعُ النَّفْسِ وهي اللَّطِيفَةُ الإنْسانِيَّةُ كَقَوْلِهِ تَعْلَمُ ما في نَفْسِي، وأنَّ الجَمْعَ لِلتَّوْزِيعِ عَلى كُلِّ مُؤْمِنٍ آيِلٍ إلى كُلِّ فَرْدٍ مِنَ الأنْفُسِ، أيْ أنَّ النَّبِيءَ أوْلى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِن نَفْسِ ذَلِكَ المُؤْمِنِ، أيْ هو أشَدُّ وِلايَةً، أيْ قُرْبًا لِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِن قُرْبِ نَفْسِهِ إلَيْهِ، وهو قُرْبٌ مَعْنَوِيٌّ يُرادُ بِهِ آثارُ القُرْبِ مِن مَحَبَّةٍ ونُصْرَةٍ.

فَـ ”أوْلى“ اسْمُ تَفْضِيلٍ مِنَ الوَلْيِ وهو القُرْبُ، أيْ أشَدُّ قُرْبًا.

وهَذا الِاسْمُ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الأحَقِّيَّةِ بِالشَّيْءِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ مُتَعَلِّقُهُ بِباءِ المُصاحَبَةِ والمُلابَسَةِ. والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ أوْلى بِمَنافِعِ المُؤْمِنِينَ أوْ بِمَصالِحِ المُؤْمِنِينَ، فَهَذا المُضافُ حُذِفَ لِقَصْدِ تَعْمِيمِ كُلِّ شَأْنٍ مِن شُئُونِ المُؤْمِنِينَ الصّالِحَةِ.

صفحة ٢٦٧

والأنْفُسُ: الذَّواتُ، أيْ هو أحَقُّ بِالتَّصَرُّفِ في شُئُونِهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ في تَصَرُّفِهِمْ في شُئُونِهِمْ.

ومِن هَذا المَعْنى ما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِن «قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ لِلنَّبِيءِ ﷺ: لَأنْتَ أحَبُّ إلَيَّ مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِن نَفْسِي الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيَّ، فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ: ”لا يُؤْمِنُ أحَدُكم حَتّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن نَفْسِهِ“ . فَقالَ عُمَرُ: والَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ لَأنْتَ أحَبُّ إلَيَّ مِن نَفْسِي» .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأنْفُسِ مَجْمُوعَ نَوْعِهِمْ كَقَوْلِهِ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأنْفُسِ النّاسَ.

والمَعْنى: أنَّهُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن وِلايَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، أيْ مِن وِلايَةِ جَمِيعِهِمْ لِبَعْضِهِمْ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، أيْ يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا، وقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] .

والوَجْهُ الأوَّلُ أقْوى وأعَمُّ في اعْتِبارِ حُرْمَةِ النَّبِيءِ ﷺ وهو يُفِيدُ أوْلَوِيَّتَهُ بِمَن عَدا الأنْفُسَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِدَلالَةِ فَحْوى الخِطابِ، وأمّا الِاحْتِمالُ الثّانِي فَإنَّهُ لا يُفِيدُ أنَّهُ أوْلى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ بِنَفْسِ ذَلِكَ المُؤْمِنِ إلّا بِدَلالَةِ قِياسِ الأدْوَنِ، ولِذَلِكَ اسْتَثْنى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ بادِئَ الأمْرِ نَفْسَهُ فَقالَ: «لَأنْتَ أحَبُّ إلَيَّ إلّا مِن نَفْسِي الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيَّ» .

وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فالنَّبِيءُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن آبائِهِمْ وأبْنائِهِمْ، وعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ أوْلى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِن نَفْسِهِ. وسَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم فَكانَتْ وِلايَةُ النَّبِيءِ ﷺ بِالمُؤْمِنِينَ بَعْدَ إبْطالِ التَّبَنِّي سَواءً عَلى جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ.

وفِي الحَدِيثِ: «ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا وأنا أوْلى النّاسِ بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: (﴿النَّبِيءُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ»﴾)، ولَمّا عَلِمْتَ مِن أنَّ هَذِهِ الوِلايَةَ راجِعَةٌ إلى حُرْمَتِهِ وكَرامَتِهِ تَعْلَمُ أنَّها لا تَتَعَدّى ذَلِكَ فِيما هو مِن تَصَرُّفاتِ النّاسِ وحُقُوقِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ، مِثْلَ مِيراثِ المَيِّتِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَإنَّ مِيراثَهُ لِوَرَثَتِهِ، وقَدْ

صفحة ٢٦٨

بَيَّنَهُ قَوْلُ النَّبِيءِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ -: «أنا أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ فَأيَّما مُؤْمِنٍ تَرَكَ مالًا فَلْيَرِثْهُ ورَثَتُهُ مَن كانُوا، فَإنْ تَرَكَ دَيْنًا أوْ ضِياعًا فَلْيَأْتِنِي فَأنا مَوْلاهُ» .

وهَذا مَلاكُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ.

* * *

﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾

عَطَفَ عَلى حُقُوقِ النَّبِيءِ ﷺ حُقُوقَ أزْواجِهِ عَلى المُسْلِمِينَ لِمُناسَبَةِ جَرَيانِ ذِكْرِ حَقِّ النَّبِيءِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ ما لِلْأُمَّهاتِ مِن تَحْرِيمِ التَّزَوُّجِ بِهِنَّ بِقَرِينَةِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: (﴿وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّاءِ تَظَّهَّرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]) .

وأمّا ما عَدا حُكْمَ التَّزَوُّجِ مِن وُجُوهِ البِرِّ بِهِنَّ ومُواساتِهِنَّ فَذَلِكَ راجِعٌ إلى تَعْظِيمِ أسْبابِ النَّبِيءِ ﷺ وحُرُماتِهِ ولَمْ يَزَلْ أصْحابُ النَّبِيءِ والخُلَفاءُ الرّاشِدُونَ يَتَوَخَّوْنَ حَسَنَ مُعامَلَةِ أزْواجِ النَّبِيءِ ﷺ ويُؤْثِرُونَهُنَّ بِالخَيْرِ والكَرامَةِ والتَّعْظِيمِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ عِنْدَ حَمْلِ جِنازَةِ مَيْمُونَةَ: هَذِهِ زَوْجُ نَبِيِّكم فَإذا رَفَعْتُمْ نَعْشَها فَلا تُزَعْزِعُوا ولا تُزَلْزِلُوا وارْفُقُوا رَواهُ مُسْلِمٌ.

وكَذَلِكَ ما عَدا حُكْمَ الزَّواجِ مِن وُجُوهِ المُعامَلَةِ غَيْرَ ما يَرْجِعُ إلى التَّعْظِيمِ ولِهَذِهِ النُّكْتَةِ جِيءَ بِالتَّشْبِيهِ البَلِيغِ لِلْمُبالَغَةِ في شَبَهِهِنَّ بِالأُمَّهاتِ لِلْمُؤْمِنِينَ مِثْلَ الإرْثِ وتَزَوُّجِ بَناتِهِنَّ، فَلا يُحْسَبُ أنَّ تَرِكاتِهِنَّ يَرِثُها جَمِيعُ المُسْلِمِينَ، ولا أنَّ بَناتِهِنَّ أخَواتٌ لِلْمُسْلِمِينَ في حُرْمَةِ التَّزَوُّجِ بِهِنَّ.

وأمّا إطْلاقُ وصْفِ خالِ المُؤْمِنِينَ عَلى الخَلِيفَةِ مُعاوِيَةَ لِأنَّهُ أخُو أُمِّ حَبِيبَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ فَذَلِكَ مِن قَبِيلِ التَّعْظِيمِ كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ أخْوالُ فُلانٍ، إذا كانُوا قَبِيلَةَ أُمِّهِ.

والمُرادُ بِأزْواجِهِ اللاَّئِي تَزَوَّجَهُنَّ بِنِكاحٍ فَلا يَدْخُلُ في ذَلِكَ مِلْكُ اليَمِينِ، وقَدْ «قالَ الصَّحابَةُ يَوْمَ قُرَيْظَةَ حِينَ تَزَوَّجَ النَّبِيءُ ﷺ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ: أهِيَ إحْدى ما مَلَكَتْ يَمِينُهُ أمْ هي إحْدى أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ ؟ فَقالُوا: نَنْظُرُ، فَإذا حَجَبَها فَهي إحْدى أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ وإذا لَمْ يَحْجِبْها فَهي مِمّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، فَلَمّا بَنى بِها ضَرَبَ عَلَيْها

صفحة ٢٦٩

الحِجابَ، فَعَلِمُوا أنَّها إحْدى أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ، ولِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ مارِيَةُ القِبْطِيَّةُ إحْدى أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ» .

ويُشْتَرَطُ في اعْتِبارِ هَذِهِ الأُمُومَةِ أنْ يَكُونَ النَّبِيءُ ﷺ بَنى بِالمَرْأةِ، فَأمّا الَّتِي طَلَّقَها قَبْلَ البِناءِ مِثْلَ الجَوْنِيَّةِ وهي أسْماءُ بِنْتُ النُّعْمانِ الكِنْدِيَّةُ، وذَكَرَ ابْنُ العَرَبِيِّ أنَّ امْرَأةً كانَ عَقَدَ عَلَيْها النَّبِيءُ ﷺ تَزَوَّجَتْ في خِلافَةِ عُمَرَ، فَهَمَّ عُمَرُ بِرَجْمِها. فَقالَتْ: لِمَ وما ضَرَبَ عَلَيَّ النَّبِيءُ حِجابًا ولا دُعِيتُ أُمَّ المُؤْمِنِينَ ؟ ! . فَكَفَّ عَنْها. وهَذِهِ المَرْأةُ هي ابْنَةُ الجَوْنِ الكِنْدِيَّةُ تَزَوَّجَها الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ. وهَذا هو الأصَحُّ وهو مُقْتَضى مَذْهَبِ مالِكٍ وصَحَّحَهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ والرّافِعِيُّ مِنَ الشّافِعِيَّةِ. وعَنْ مُقاتِلٍ: يَحْرُمُ تَزَوُّجُ كُلِّ امْرَأةٍ عَقَدَ عَلَيْها النَّبِيءُ ﷺ ولَوْ لَمْ يَبْنِ بِها. وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ وصَحَّحَهُ في الرَّوْضَةِ، واللاَّءِ طَلَّقَهُنَّ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ البِناءِ بِهِنَّ فاخْتُلِفَ فِيهِنَّ عَلى قَوْلَيْنِ، قِيلَ: تَثْبُتُ حُرْمَةُ التَّزَوُّجِ بِهِنَّ حِفْظًا لِحُرْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقِيلَ: لا يَثْبُتُ لَهُنَّ ذَلِكَ، والأوَّلُ أرْجَحُ.

وقَدْ أُكِّدَ حُكْمُ أُمُومَةِ أزْواجِ النَّبِيءِ ﷺ لِلْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وبِتَحْرِيمِ تَزَوُّجِ إحْداهُنَّ عَلى المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ ﴿ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَدًا إنَّ ذَلِكم كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] . وسَيَجِيءُ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ في أواخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ.

ورُوِيَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ بَعْدَها: وهو أبٌ لَهم. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أبِيِّ بْنِ كَعْبٍ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ: كانَ في الحَرْفِ الأوَّلِ: وهو أبٌ لَهم.

ومَحْمَلُها أنَّها تَفْسِيرٌ وإيضاحٌ وإلّا فَقَدْ أفادَ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿النَّبِيءُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾) أكْثَرَ مِن مُفادِ هَذِهِ القِراءَةِ.

* * *

﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾

أعْقَبَ نَسْخَ أحْكامِ التَّبَنِّي الَّتِي مِنها مِيراثُ المُتَبَنِّي مَن تَبَنّاهُ والعَكْسُ بِإبْطالِ

صفحة ٢٧٠

نَظِيرِهِ وهو المُؤاخاةُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ رِجالٍ مِنَ المُهاجِرِينَ مَعَ رِجالٍ مِنَ الأنْصارِ وذَلِكَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمّا نَزَلَ بِالمَدِينَةِ مَعَ مَن هاجَرَ مَعَهُ، جَعَلَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنَ المُهاجِرِينَ رَجُلًا أخًا لَهُ مِنَ الأنْصارِ فَآخى بَيْنَ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وبَيْنَ خارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، وبَيْنَ الزُّبَيْرِ وكَعْبِ بْنِ مالِكٍ، وبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، وبَيْنَ سَلْمانَ وأبِي الدَّرْداءِ، وبَيْنَ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ وأبِي قَتادَةَ الأنْصارِيِّ؛ فَتَوارَثَ المُتَآخُونَ مِنهم بِتِلْكَ المُؤاخاةِ زَمانًا كَما يَرِثُ الإخْوَةُ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، كَما نُسِخَ التَّوارُثُ بِالتَّبَنِّي بِآيَةِ ادْعُوهم لِآبائِهِمْ، فَبَيَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ القَرابَةَ هي سَبَبُ الإرْثِ إلّا الِانْتِسابَ الجَعْلِيَّ.

فالمُرادُ بِأُولِي الأرْحامِ: الإخْوَةُ الحَقِيقِيُّونَ. وعَبَّرَ عَنْهم بِأُولِي الأرْحامِ لِأنَّ الشَّقِيقَ مُقَدَّمٌ عَلى الأخِ لِلْأبِ في المِيراثِ وهُمُ الغالِبُ، فَبَيَّنَتِ الآيَةُ أنَّ أُولِي الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في المِيراثِ مِن وِلايَةِ المُتَآخِينَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ فَعَمَّ هَذا جَمِيعَ أُولِي الأرْحامِ وخَصَّصَ بِقَوْلِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ في الآيَتَيْنِ في مَعْنى مِن. وهو بِمَنزِلَةِ العامِّ الوارِدِ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ وهو مُطْلَقٌ في الأوْلَوِيَّةِ والمُطْلَقُ مِن قَبِيلِ المُجْمَلِ، وإذْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَيانٌ فَمَحْمَلُ إطْلاقِهِ مَحْمَلُ العُمُومِ، لِأنَّ الأوْلَوِيَّةَ حالٌ مِن أحْوالِ أُولِي الأرْحامِ وعُمُومِ الأشْخاصِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الأحْوالِ، فالمَعْنى: أنَّ أُولِي الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في جَمِيعِ الوِلاياتِ إلّا ما خَصَّصَهُ أوْ قَيَّدَهُ الدَّلِيلُ.

والآيَةُ مُبَيَّنَةٌ في أنَّ القَرابَةَ الحَقِيقِيَّةَ أرْجَحُ مِنَ الأُخُوَّةِ الجَعْلِيَّةِ، وهي مُجْمَلَةٌ في تَفْصِيلِ ذَلِكَ فِيما بَيْنَ أُولِي الأرْحامِ، وذَلِكَ مُفَصَّلٌ في الكِتابِ والسُّنَّةِ في أحْكامِ المَوارِيثِ.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لَفْظِ ”أُولُوا“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُونِ يا أُولِي الألْبابِ﴾ [البقرة: ١٩٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

ومَعْنى في كِتابِ اللَّهِ فِيما كَتَبَهُ، أيْ فَرَضَهُ وحَكَمَ بِهِ.

ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ القُرْآنُ إشارَةً إلى ما تَضَمَّنَتْهُ آيَةُ المَوارِيثِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ سُورَةِ الأنْفالِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في تَوْرِيثِ ذَوِي الأرْحامِ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وارِثٌ مَعْلُومٌ سَهْمُهُ.

صفحة ٢٧١

وأُولُو الأرْحامِ مُبْتَدَأٌ، و”بَعْضُهم“ مُبْتَدَأٌ ثانٍ و”أوْلى“ خَبَرُ الثّانِي والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ، وفي كِتابِ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”أوْلى“ .

وقَوْلُهُ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِاسْمِ التَّفْضِيلِ وهو أوْلى فَتَكُونَ مِن تَفْضِيلِيَّةً، والمَعْنى: أُولُوا الأرْحامِ أوْلى بِإرْثِ ذَوِي أرْحامِهِمْ مِن إرْثِ أصْحابِ وِلايَةِ الإيمانِ والهِجْرَةِ بِتِلْكَ الوِلايَةِ، أيِ الوِلايَةِ الَّتِي بَيْنَ الأنْصارِ والمُهاجِرِينَ، وأُرِيدَ بِالمُؤْمِنِينَ خُصُوصُ الأنْصارِ بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بِعَطْفِ والمُهاجِرِينَ عَلى مَعْنى أصْحابِ الإيمانِ الكامِلِ تَنْوِيهًا بِإيمانِ الأنْصارِ لِأنَّهم سَبَقُوا بِإيمانِهِمْ قَبْلَ كَثِيرٍ مِنَ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَهم فَإنَّ الأنْصارَ آمَنُوا دُفْعَةً واحِدَةً لَمّا أبْلَغَهم نُقَباؤُهم دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ إيّاهم بَعْدَ بَيْعَةِ العَقَبَةِ الثّانِيَةِ. قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] أيْ مِن قَبْلِ كَثِيرٍ مِن فُقَراءِ المُهاجِرِينَ عَدا الَّذِينَ سَبَقَ إيمانُهم. فالمَعْنى: كُلُّ ذِي رَحِمٍ أوْلى بِإرْثِ قَرِيبِهِ مِن أنْ يَرِثَهُ أنْصارِيٌّ إنْ كانَ المَيِّتُ مُهاجِرًا، أوْ أنْ يَرِثَهُ مُهاجِرٌ إنْ كانَ المَيِّتُ مِنَ الأنْصارِ، فَيَكُونُ هَذا ناسِخًا لِلتَّوارُثِ بِالهِجْرَةِ الَّذِي شُرِعَ بِآيَةِ الأنْفالِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]، فَتَوارَثَ المُسْلِمُونَ بِالهِجْرَةِ فَكانَ الأعْرابِيُّ المُسْلِمُ لا يَرِثُ قَرِيبَهُ المُهاجِرَ، ثُمَّ نُسِخَ بِآيَةِ هَذِهِ السُّورَةِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، أيْ وأُولُوا الأرْحامِ الكائِنُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ، بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ، أيْ لا يَرِثُ ذُو الرَّحِمِ ذا رَحِمَهُ إلّا إذا كانا مُؤْمِنَيْنِ ومُهاجِرَيْنِ، فَتَكُونَ الآيَةُ ناسِخَةً لِلتَّوارُثِ بِالحِلْفِ والمُؤاخاةِ الَّذِي شُرِعَ عِنْدَ قُدُومِ المُهاجِرِينَ إلى المَدِينَةِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ رَجَعُوا إلى مَوارِيثِهِمْ فَبَيَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ القَرابَةَ أوْلى مِنَ الحِلْفِ والمُواخاةِ، وأيًّا ما كانَ فَإنَّ آياتِ المَوارِيثِ نَسَخَتْ هَذا كُلَّهُ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”مِن“ بَيانِيَّةً، أيْ وأُولُوا الأرْحامِ المُؤْمِنُونَ والمُهاجِرُونَ، أيْ فَلا يَرِثْ أُولُوا الأرْحامِ الكافِرُونَ ولا يَرِثْ مَن لَمْ يُهاجِرْ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣] ثُمَّ قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] .

صفحة ٢٧٢

والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا﴾ مُنْقَطِعٌ، و”إلّا“ بِمَعْنى (لَكِنْ) لِأنَّ ما بَعْدَ إلّا لَيْسَ مِن جِنْسِ ما قَبْلَها فَإنَّ الأوْلَوِيَّةَ الَّتِي أُثْبِتَتْ لِأُولِي الأرْحامِ أوْلَوِيَّةٌ خاصَّةٌ وهي أوْلَوِيَّةُ المِيراثِ بِدَلالَةِ السِّياقِ دُونَ أوْلَوِيَّةِ حُسْنِ المُعاشَرَةِ وبَذْلِ المَعْرُوفِ.

وهَذا اسْتِدْراكٌ عَلى ما قَدْ يُتَوَهَّمُ مِن قَطْعِ الِانْتِفاعِ بِأمْوالِ الأوْلِياءِ عَنْ أصْحابِ الوِلايَةِ بِالإخاءِ والحِلْفِ فَبَيَّنَ أنِ الَّذِي أُبْطِلَ ونُسِخَ هو انْتِفاعُ الإرْثِ وبَقِيَ حُكْمُ المُواساةِ وإسْداءُ المَعْرُوفِ بِمِثْلِ الإنْفاقِ والإهْداءِ والإيصاءِ.

وجُمْلَةُ ﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ تَذْيِيلٌ لِهَذِهِ الأحْكامِ وخاتِمَةٌ لَها مُؤْذِنَةٌ بِانْتِهاءِ الغَرَضِ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي شُرِعَتْ مِن قَوْلِهِ ادْعُوهم لِآبائِهِمْ إلى هُنا، فالإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إلى المَذْكُورِ مِنَ الأحْكامِ المَشْرُوعَةِ فَكانَ هَذا التَّذْيِيلُ أعَمَّ مِمّا اقْتَضاهُ قَوْلُهُ﴿بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ . وبِهَذا الِاعْتِبارِ لَمْ يَكُنْ تَكْرِيرًا لَهُ ولَكِنَّهُ يَتَضَمَّنُهُ ويَتَضَمَّنُ غَيْرَهُ فَيُفِيدُ تَقْرِيرَهُ وتَوْكِيدَهُ تَبَعًا وهَذا شَأْنُ التَّذْيِيلاتِ.

والتَّعْرِيفُ في ”الكِتابِ“ لِلْعَهْدِ، أيْ كِتابِ اللَّهِ، أيْ ما كَتَبَهُ عَلى النّاسِ وفَرَضَهُ كَقَوْلِهِ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكم، فاسْتُعِيرَ الكِتابُ لِلتَّشْرِيعِ بِجامِعِ ثُبُوتِهِ وضَبْطِهِ التَّغْيِيرَ والتَّناسِيَ، كَما قالَ

الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:

حَذَرَ الجَوْرِ والتَّطاخِي وهَلْ يَنـْ قُضُ ∗∗∗ ما في المَهارِقِ الأهْواءُ

ومَعْنى هَذا مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ في سُورَةِ الأنْفالِ.

فالكِتابُ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وحَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ تَرْسِيخٌ لِلِاسْتِعارَةِ.

والمَسْطُورُ: المَكْتُوبُ في سُطُورٍ، وهو تَرْشِيحٌ أيْضًا لِلِاسْتِعارَةِ وفِيهِ تَخْيِيلٌ لِلْمَكْنِيَّةِ.

وفِعْلُ كانَ في قَوْلِهِ ”كانَ ذَلِكَ“ لِتَقْوِيَةِ ثُبُوتِهِ ﴿فِي الكِتابِ مَسْطُورًا﴾، لِأنَّ ”كانَ“ إذا لَمْ يُقْصَدُ بِها أنَّ اسْمَها اتَّصَفَ بِخَبَرِها في الزَّمَنِ الماضِي كانَتْ لِلتَّأْكِيدِ غالِبًا مِثْلَ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥] أيْ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ.

33:7–8Page 419

وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِيثَٰقَهُمۡ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٖ وَإِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۖ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ٧

And [mention, O Muḥammad], when We took from the prophets their covenant and from you and from Noah and Abraham and Moses and Jesus, the son of Mary; and We took from them a solemn covenant

لِّيَسۡـَٔلَ ٱلصَّٰدِقِينَ عَن صِدۡقِهِمۡۚ وَأَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا ٨

That He may question the truthful about their truth.1 And He has prepared for the disbelievers a painful punishment.

صفحة ٢٧٣

﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيئِينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذَنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ .

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ (﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١]) إلى قَوْلِهِ ﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٣] فَلِذَلِكَ تَضَمَّنَ الأمْرَ بِإقامَةِ الدِّينِ عَلى ما أرادَهُ اللهُ تَعالى وأوْحى بِهِ إلى رَسُولِهِ ﷺ وعَلى نَبْذِ سُنَنِ الكافِرِينَ الصُّرَحاءِ والمُنافِقِينَ مِن أحْكامِ الهَوى والأوْهامِ.

فَلَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ وعَقَّبَ بِمِثْلِ ثَلاثَةٍ مِن أحْكامِ جاهِلِيَّتِهِمُ الضّالَّةِ بِما طالَ مِنَ الكَلامِ إلى هُنا - ثُنِيَ عِنانُ الكَلامِ إلى الإعْلامِ بِأنَّ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ هو مِن عُهُودٍ أخَذَها اللَّهُ عَلى النَّبِيئِينَ والمُرْسَلِينَ مِن أوَّلِ عُهُودِ الشَّرائِعِ. وتَرْبُطُ هَذا الكَلامَ بِالكَلامِ الَّذِي عُطِفَ هو عَلَيْهِ مُناسَبَةُ قَوْلِهِ ﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب: ٦] . وبِهَذا الِارْتِباطِ بَيْنَ الكَلامَيْنِ لَمْ يُحْتَجْ إلى بَيانِ المِيثاقِ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى النَّبِيئِينَ، فَعُلِمَ أنَّ المَعْنى: وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيئِينَ مِيثاقَهم بِتَقْوى اللَّهِ وبِنَبْذِ طاعَةِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ وبِاتِّباعِ ما أوْحى اللَّهُ بِهِ. وقَوْلُهُ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ . فَلَمّا أُمِرَ النَّبِيءُ ﷺ بِالِاقْتِصارِ عَلى تَقْوى اللَّهِ وبِالإعْراضِ عَنْ دَعْوى الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ. أُعْلِمَ بِأنَّ ذَلِكَ شَأْنُ النَّبِيئِينَ مِن قَبْلِهِ، ولِذَلِكَ عَطَفَ قَوْلَهُ ”ومِنكَ“ عَقِبَ ذِكْرِ النَّبِيئِينَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ شَأْنَ الرُّسُلِ واحِدٌ وأنَّ سُنَّةَ اللَّهِ فِيهِمْ مُتَّحِدَةٌ، فَهَذِهِ الآيَةُ لَها مَعْنى التَّذْيِيلِ لِآيَةِ (﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١]) الآياتُ الثَّلاثُ ولَكِنَّها جاءَتْ مَعْطُوفَةً بِالواوِ لِبُعْدِ ما بَيْنَها وما بَيْنَ الآياتِ الثَّلاثِ المُتَقَدِّمَةِ.

وقَوْلُهُ (﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيئِينَ مِيثاقَهُمْ﴾) الآيَتَيْنِ لَهُما مَوْقِعُ المُقَدِّمَةِ لِقِصَّةِ الأحْزابِ لِأنَّ مِمّا أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ أنْ يَنْصُرُوا الدِّينَ الَّذِي يُرْسِلُهُ اللَّهُ بِهِ، وأنْ يَنْصُرُوا دِينَ الإسْلامِ، قالَ تَعالى (﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ لَما آتَيْناكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١]) فَمُحَمَّدٌ ﷺ مَأْمُورٌ بِالنُّصْرَةِ لِدِينِهِ بِمَن مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ لِقَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا. وقالَ في

صفحة ٢٧٤

الآيَةِ الآتِيَةِ في الثَّناءِ عَلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ٢٤] الآيَةَ.

وقَدْ جاءَ قَوْلُهُ (﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيئِينَ مِيثاقَهُمْ﴾) جارِيًا عَلى أُسْلُوبِ ابْتِداءِ كَثِيرٍ مِن قَصَصِ القُرْآنِ في افْتِتاحِها بِـ ”إذْ“ عَلى إضْمارِ (اذْكُرْ) .

و”إذِ“ اسْمٌ لِلزَّمانِ مُجَرَّدٌ عَنْ مَعْنى الظَّرْفِيَّةِ. فالتَّقْدِيرُ: واذْكُرْ وقْتًا، وبِإضافَةِ إذْ إلى الجُمْلَةِ بَعْدَهُ يَكُونُ المَعْنى: اذْكُرْ وقْتَ أخْذِنا مِيثاقًا عَلى النَّبِيئِينَ. وهَذا المِيثاقُ مُجْمَلٌ هُنا بَيَّنَتْهُ آياتٌ كَثِيرَةٌ. وجِماعُها أنْ يَقُولُوا الحَقَّ ويُبَلِّغُوا ما أُمِرُوا بِهِ دُونَ مُلايَنَةٍ لِلْكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، ولا خَشْيَةٍ مِنهم، ولا مُجاراةٍ لِلْأهْواءِ، ولا مُشاطَرَةٍ مَعَ أهْلِ الضَّلالِ في الإبْقاءِ عَلى بَعْضِ ضَلالِهِمْ. وأنَّ اللَّهَ واثَقَهم ووَعَدَهم عَلى ذَلِكَ بِالنَّصْرِ. ولِما احْتَوَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُّورَةُ مِنَ الأغْراضِ مَزِيدُ التَّأثُّرِ بِهَذا المِيثاقِ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّبِيءِ ﷺ وشَدِيدُ المُشابَهَةِ بِما أُخِذَ مِنَ المَواثِيقِ عَلى الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ.

ومِن ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المِثالِ قَوْلُهُ تَعالى هُنا ﴿واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤] وقَوْلُهُ في مِيثاقِ أهْلِ الكِتابِ ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٦٩] في سُورَةِ الأعْرافِ.

وفِي تَعْقِيبِ أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ بِالتَّقْوى ومُخالَفَةِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ والتَّثْبِيتِ عَلى اتِّباعِ ما يُوحِي إلَيْهِ، وأمْرِهِ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، وجَعْلِها قَبْلَ قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ [الأحزاب: ٩] إلَخْ. إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ التَّأْيِيدَ الَّذِي أيَّدَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ والمُؤْمِنِينَ مَعَهُ إذْ رَدَّ عَنْهم أحْزابَ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا ما هو إلّا أثَرٌ مِن آثارِ المِيثاقِ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ حِينَ بَعَثَهُ.

والمِيثاقُ: اسْمُ العَهْدِ وتَحْقِيقِ الوَعْدِ، وهو مُشْتَقٌّ مِن وثِقَ، إذا أيْقَنَ وتَحَقَّقَ، فَهو مَنقُولٌ مِنِ اسْمِ آلَةٍ مَجازًا غَلَبَ عَلى المَصْدَرِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وإضافَةُ مِيثاقٍ إلى ضَمِيرِ النَّبِيئِينَ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ عَلى مَعْنى اخْتِصاصِ المِيثاقِ بِهِمْ فِيما أُلْزِمُوا بِهِ وما وعَدَهُمُ اللَّهُ عَلى الوَفاءِ بِهِ. ويُضافُ أيْضًا

صفحة ٢٧٥

إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ﴾ [المائدة: ٧] .

وقَوْلُهُ ﴿ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ إلَخْ هو مِن ذِكْرِ بَعْضِ أفْرادِ العامِّ لِلِاهْتِمامِ بِهِمْ فَإنَّ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ أفْضَلُ الرُّسُلِ، وقَدْ ذُكِرَ ضَمِيرُ مُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَهم إيماءً إلى تَفْضِيلِهِ عَلى جَمِيعِهِمْ، ثُمَّ جُعِلَ تَرْتِيبُ ذِكْرِ البَقِيَّةِ عَلى تَرْتِيبِهِمْ في الوُجُودِ. ولِهَذِهِ النُّكْتَةِ خُصَّ ضَمِيرُ النَّبِيءِ بِإدْخالِ حَرْفِ مِن عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ، ثُمَّ أُدْخِلَ حَرْفُ مِن عَلى مَجْمُوعِ الباقِينَ فَكانَ قَدْ خُصَّ بِاهْتِمامَيْنِ: اهْتِمامِ التَّقْدِيمِ، واهْتِمامِ إظْهارِ اقْتِرانِ الِابْتِداءِ بِضَمِيرٍ بِخُصُوصِهِ غَيْرَ مُنْدَمِجٍ في بَقِيَّتِهِمْ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - .

وسَيَجِيءُ أنَّ ما في سُورَةِ الشُّورى مِن تَقْدِيمِ ما وصّى بِهِ نُوحًا عَلى والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ طَرِيقٌ آخَرُ هو آثَرُ بِالغَرَضِ الَّذِي في تِلْكَ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ﴾ [الشورى: ١٣] الآيَةَ.

وجُمْلَةُ ﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ أعادَتْ مَضْمُونَ جُمْلَةِ (﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيئِينَ مِيثاقَهُمْ﴾) لِزِيادَةِ تَأْكِيدِها، ولِيُبْنى عَلَيْها وصْفُ المِيثاقِ بِالغَلِيظِ، أيْ عَظِيمًا جَلِيلَ الشَّأْنِ في جِنْسِهِ فَإنَّ كُلَّ مِيثاقٍ لَهُ عِظَمٌ فَلَمّا وُصِفَ هَذا بِـ غَلِيظًا أفادَ أنَّ لَهُ عِظَمًا خاصًّا، ولِيُعَلِّقَ بِهِ لامَ التَّعْلِيلِ مِن قَوْلِهِ لِيَسْألَ الصّادِقِينَ.

وحَقِيقَةُ الغَلِيظِ: القَوِيُّ المَتِينُ الخَلْقِ، قالَ تَعالى: فاسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ. واسْتُعِيرَ الغَلِيظُ لِلْعَظِيمِ الرَّفِيعِ في جِنْسِهِ لِأنَّ الغَلِيظَ مِن كُلِّ صِنْفٍ هو أمْكَنُهُ في صِفاتِ جِنْسِهِ.

واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ﴾ عَنْ صِدْقِهِمْ لامُ كَيْ، أيْ أخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا لِنُعْظِمَ جَزاءً لِلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ ولِنُشَدِّدَ العَذابَ جَزاءً لِلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِما جاءَتْهم بِهِ رُسُلُ اللَّهِ، فَيَكُونُ مِن دَواعِي ذِكْرِ هَذا المِيثاقِ هُنا أنَّهُ تَوْطِئَةٌ لِذِكْرِ جَزاءِ الصّادِقِينَ وعَذابِ الكافِرِينَ زِيادَةً عَلى ما ذَكَرْنا مِن دَواعِي ذَلِكَ آنِفًا.

وهَذِهِ عِلَّةٌ مِن عِلَلِ أخْذِ المِيثاقِ مِنَ النَّبِيئِينَ وهي آخِرُ العِلَلِ حُصُولًا فَأشْعَرَ

صفحة ٢٧٦

ذِكْرُها بِأنَّ لِهَذا المِيثاقِ عِلَلًا تَحْصُلُ قَبْلَ أنْ يُسْألَ الصّادِقُونَ عَنْ صِدْقِهِمْ، وهي ما في الأعْمالِ المَأْخُوذِ مِيثاقُهم عَلَيْها مِن جَلْبِ المَصالِحِ ودَرْءِ المَفاسِدِ، وذَلِكَ هو ما يُسْألُ العامِلُونَ عَنْ عَمَلِهِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.

وضَمِيرُ يُسْألُ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ.

والمُرادُ بِالصّادِقِينَ أُمَمُ الأنْبِياءِ الَّذِينَ بَلَغَهم ما أُخِذَ عَلى أنْبِيائِهِمْ مِنَ المِيثاقِ، ويُقابِلُهُمُ الكافِرُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوا أنْبِياءَهم أوِ الَّذِينَ صَدَّقُوهم ثُمَّ نَقَضُوا المِيثاقَ مِن بَعْدِ، فَيَشْمَلُهُمُ اسْمُ الكافِرِينَ.

والسُّؤالُ: كِنايَةٌ عَنِ المُؤاخَذَةِ لِأنَّها مِن ثَوابِ جَوابِ السُّؤالِ أعْنِي إسْدادَ الثَّوابِ لِلصّادِقِينَ وعَذابَ الكافِرِينَ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، أيْ لا يَتَعَقَّبُ أحَدٌ فِعْلَهُ ولا يُؤاخِذُهُ عَلى ما لا يُلائِمُهُ، وقَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: وقِيلَ: إنَّكَ مَنسُوبٌ ومَسْئُولُ.

وجُمْلَةُ ﴿وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ﴾ وغُيِّرَ فِيها الأُسْلُوبُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ عَذابِ الكافِرِينَ حَتّى لا يُتَوَهَّمَ أنَّهم يُسْألُونَ سُؤالَ مَن يُسْمَعُ جَوابُهم أوْ مَعْذِرَتُهم، ولِإفادَةِ أنَّ إعْدادَ عَذابِهِمْ أمْرٌ مَضى وتَقَرَّرَ في عِلْمِ اللَّهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском