Ibn 'AshurSaba · 34:10–14

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Saba 34:10–14

34:10–11Page 429

۞ وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضۡلٗاۖ يَٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُۥ وَٱلطَّيۡرَۖ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلۡحَدِيدَ ١٠

And We certainly gave David from Us bounty. [We said], "O mountains, repeat [Our] praises with him, and the birds [as well]." And We made pliable for him iron,

أَنِ ٱعۡمَلۡ سَٰبِغَٰتٖ وَقَدِّرۡ فِي ٱلسَّرۡدِۖ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١

[Commanding him], "Make full coats of mail and calculate [precisely] the links, and work [all of you] righteousness. Indeed I, of what you do, am Seeing."

﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وقَدِّرْ في السَّرْدِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ مُناسَبَةُ الِانْتِقالِ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ إلى ذِكْرِ داوُدَ خَفِيَّةٌ. فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَكَرَ اللَّهُ نِعْمَتَهُ عَلى داوُدَ، وسُلَيْمانَ احْتِجاجًا عَلى ما مَنَحَ مُحَمَّدًا، أيْ لا تَسْتَبْعِدُوا هَذا فَقَدَ تَفَضَّلْنا عَلى عَبِيدِنا قَدِيمًا.

صفحة ١٥٥

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [سبإ: ٩] لِأنَّ المُنِيبَ لا يَخْلُو مِنَ النَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ البَعْثِ ومِن عِقابِ مَن يَكْفُرُ بِهِ اهـ. فَقالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ إشارَةٌ إلى بَيانِ نَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا﴾؛ لِأنَّهُ كالتَّخَلُّصِ مِنهُ إلَيْهِ،؛ لِأنَّهُ مِنَ المُنِيبِينَ المُتَفَكِّرِينَ في آياتِ اللَّهِ قالَ تَعالى ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ إنَّهُ أوّابٌ﴾ [ص: ١٧] اهـ. يُرِيدُ الطِّيبِيُّ أنَّ داوُدَ مِن أشْهَرِ المُثُلِ في المُنِيبِينَ بِما اشْتُهِرَ بِهِ مِنِ انْقِلابِ حالِهِ بَعْدَ أنْ كانَ راعِيًا غَلِيظًا إلى أنِ اصْطَفاهُ اللَّهُ نَبِيئًا ومَلِكًا صالِحًا مُصْلِحًا لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، فَهو مَثَلُ المُنِيبِينَ كَما قالَ تَعالى ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ إنَّهُ أوّابٌ﴾ [ص: ١٧] وقالَ ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ [ص: ٢٤]، فَلِإنابَتِهِ وتَأْوِيبِهِ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعَمِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وبارَكَهُ وبارَكَ نَسْلَهُ. وفي ذِكْرِ فَضْلِهِ عِبْرَةٌ لِلنّاسِ بِحُسْنِ عِنايَةِ اللَّهِ بِالمُنِيبِينَ تَعْرِيضًا بِضِدِّ ذَلِكَ لِلَّذِينِ لَمْ يَعْتَبِرُوا بِآياتِ اللَّهِ، وفي هَذا إيماءٌ إلى بِشارَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّهُ بَعْدَ تَكْذِيبِ قَوْمِهِ وضِيقِ حالِهِ مِنهم سَيَئُولُ شَأْنُهُ إلى عِزَّةٍ عَظِيمَةٍ وتَأْسِيسِ مُلْكِ أُمَّةٍ عَظِيمَةٍ كَما آلَتْ حالُ داوُدَ، وذَلِكَ الإيماءُ أوْضَحُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ إنَّهُ أوّابٌ﴾ [ص: ١٧] الآيَةُ في سُورَةِ ص. وسَمّى الطِّيبِيُّ هَذا الِانْتِقالَ إلى ذِكْرِ داوُدَ وسُلَيْمانَ تَخَلُّصًا، والوَجْهُ أنْ يُسَمِّيَهُ اسْتِطْرادًا أوِ اعْتِراضًا وإنْ كانَ طَوِيلًا، فَإنَّ الرُّجُوعَ إلى ذِكْرِ أحْوالِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ ما ذُكِرَ مِن قِصَّةِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وسَبَأٍ يُرْشِدُ إلى أنَّ إبْطالَ أحْوالِ أهْلِ الشِّرْكِ هي المَقْصُودُ مِن هَذِهِ السُّورَةِ كَما سَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبإ: ٢٠] .

وتَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣] في سُورَةِ النِّساءِ وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.

و(مِن) في قَوْلِهِ (مِنّا) ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (آتَيْنا)، أيْ مِن لَدُنّا ومِن عِنْدِنا، وذَلِكَ تَشْرِيفٌ لِلْفَضْلِ الَّذِي أُوتِيَهُ داوُدُ، كَقَوْلِهِ تَعالى (رِزْقًا مِن لَدُنّا) . وتَنْكِيرُ (فَضْلًا) لِتَعْظِيمِهِ وهو فَضْلُ النُّبُوءَةِ وفَضْلُ المُلْكِ، وفَضْلُ العِنايَةِ بِإصْلاحِ الأُمَّةِ، وفَضْلُ القَضاءِ بِالعَدْلِ، وفَضْلُ الشَّجاعَةِ في الحَرْبِ، وفَضْلُ سَعَةِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ، وفَضْلُ إغْنائِهِ عَنِ النّاسِ بِما أُلْهِمَهُ مِن صُنْعِ دُرُوعِ

صفحة ١٥٦

الحَدِيدِ، وفَضْلُ إيتائِهِ الزَّبُورَ، وإيتائِهِ حُسْنَ الصَّوْتِ، وطُولَ العُمْرِ في الصَّلاحِ، وغَيْرُ ذَلِكَ.

وجُمْلَةُ ﴿يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٌ، وحَذْفُ القَوْلِ اسْتِعْمالٌ شائِعٌ، وفِعْلُ القَوْلِ المَحْذُوفِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِجُمْلَةِ ﴿آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا﴾ .

وفِي هَذا الأُسْلُوبِ الَّذِي نُظِمَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ مِنَ الفَخامَةِ وجَلالَةِ الخالِقِ وعِظَمِ شَأْنِ داوُدَ مَعَ وفْرَةِ المَعانِي وإيجازِ الألْفاظِ وإفادَةِ مَعْنى المَعِيَّةِ بِالواوِ دُونَ ما لَوْ كانَتْ حَرْفَ عَطْفٍ.

والأمْرُ في (أوِّبِي مَعَهُ) أمْرُ تَكْوِينٍ وتَسْخِيرٍ.

والتَّأْوِيبُ: التَّرْجِيعُ، أيْ تَرْجِيعُ الصَّوْتِ، وقِيلَ التَّأْوِيبُ بِمَعْنى التَّسْبِيحِ لُغَةٌ حَبَشِيَّةٌ فَهو مِنَ المُعَرَّبِ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ تَسْبِيحِ الجِبالِ مَعَ داوُدَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.

و(الطَّيْرَ) مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى المُنادى لِأنَّ المَعْطُوفَ المُعَرَّفَ عَلى المُنادى يَجُوزُ نَصْبُهُ ورَفْعُهُ والنَّصْبُ أرْجَحُ عِنْدَ يُونُسَ، وأبِي عَمْرٍو، وعِيسى بْنِ عُمَرَ، والجَرْمِيِّ وهو أوْجَهُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ (والطَّيْرَ) مَفْعُولًا مَعَهُ لِـ (أوِّبِي)، والتَّقْدِيرُ: أوِّبِي مَعَهُ ومَعَ الطَّيْرِ، فَيُفِيدُ أنَّ الطَّيْرَ تَأوَّبَ مَعَهُ أيْضًا.

وإلانَةُ الحَدِيدِ: تَسْخِيرُهُ لِأصابِعِهِ حِينَما يَلْوِي حَلَقِ الدُّرُوعِ ويَغْمِزُ المَسامِيرَ.

و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ لِما في (ألَنّا لَهُ) مِن مَعْنى: أشْعَرْناهُ بِتَسْخِيرِ الحَدِيدِ لِيُقْدِمَ عَلى صُنْعِهِ فَكانَ في (ألَنّا) مَعْنى: وأوْحَيْنا إلَيْهِ: أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ.

والحَدِيدُ: تُرابٌ مَعْدِنِيٌّ إذا صُهِرَ بِالنّارِ امْتَزَجَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ولانَ وأُمْكِنَ تَطْرِيقُهُ وتَشْكِيلُهُ فَإذا بَرَدَ تَصَلَّبَ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٠] في سُورَةِ الإسْراءِ.

و(سابِغاتٍ) صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ إذْ شاعَ وصْفُ

صفحة ١٥٧

الدُّرُوعِ بِالسّابِغاتِ والسَّوابِغِ حَتّى اسْتَغْنَوْا عِنْدَ ذِكْرِ هَذا الوَصْفِ عَنْ ذِكْرِ المَوْصُوفِ.

ومَعْنى (قَدِّرْ) اجْعَلْهُ عَلى تَقْدِيرٍ والتَّقْدِيرُ: جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارٍ مَخْصُوصٍ.

والسَّرْدُ: صُنْعُ دِرْعِ الحَدِيدِ، أيْ تَرْكِيبُ حَلَقِها ومَسامِيرِها الَّتِي تَشُدُّ شُقَقَ الدِّرْعِ بَعْضِها بِبَعْضٍ كالخِياطَةِ لِلثَّوْبِ، والدِّرْعُ تُوصَفُ بِالمَسْرُودَةِ كَما تُوصَفُ بِالسّابِغَةِ. قالَ أبُو ذُوَيْبٍ الهُذَلِيُّ:

وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما داوُدُ أوْ صَنَعَ السَّوابِغِ تُبَّعُ

ويُقالُ لِناسِجِ الدُّرُوعِ: سَرّادُ وزادَ بِالسِّينِ والزّايِ، وقالَ المَعَرِّيُّ يَصِفُ دِرْعًا:

وداوُدُ قَيْنَ السّابِغاتِ أذالَها ∗∗∗ وتِلْكَ أضاةٌ صانَها المَرْءُ تُبَّعُ

فَلَمّا سَخَّرَ اللَّهُ لَهُ ما اسْتَصْعَبَ عَلى غَيْرِهِ أتْبَعَهُ بِأمْرِهِ بِالشُّكْرِ بِأنْ يَعْمَلَ صالِحًا لِأنَّ الشُّكْرَ يَكُونُ بِالعَمَلِ الَّذِي يُرْضِي المَشْكُورَ المُنْعِمَ.

وضَمِيرُ اعْمَلُوا لِداوُدَ وآلِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ [طه: ١٣٢] أوْ لَهُ وحْدَهُ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ.

وقَوْلُهُ (إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) مَوُقِعُ (إنَّ) فِيهِ مَوُقِعَ فاءِ التَّسَبُّبِ كَقَوْلِ بَشّارٍ:

إنَّ ذاكَ النَّجاحَ في التَّبْكِيرِ

وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.

والبَصِيرُ: المُطَّلِعُ العَلِيمُ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ الجَزاءِ عَنِ العَمَلِ الصّالِحِ.

34:12Page 429

وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهۡرٞ وَرَوَاحُهَا شَهۡرٞۖ وَأَسَلۡنَا لَهُۥ عَيۡنَ ٱلۡقِطۡرِۖ وَمِنَ ٱلۡجِنِّ مَن يَعۡمَلُ بَيۡنَ يَدَيۡهِ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَمَن يَزِغۡ مِنۡهُمۡ عَنۡ أَمۡرِنَا نُذِقۡهُ مِنۡ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ١٢

And to Solomon [We subjected] the wind - its morning [journey was that of] a month - and its afternoon [journey was that of] a month, and We made flow for him a spring of [liquid] copper. And among the jinn were those who worked for him by the permission of his Lord. And whoever deviated among them from Our command - We will make him taste of the punishment of the Blaze.

﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ ومِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَبِّهِ ومَن يَزِغْ مِنهم عَنْ أمْرِنا نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ﴾ عَطْفُ فَضِيلَةِ سُلَيْمانَ عَلى فَضِيلَةِ داوُدَ لِلِاعْتِبارِ بِما أُوتِيَهُ سُلَيْمانُ مِن فَضْلٍ

صفحة ١٥٨

كَرامَةً لِأبِيهِ عَلى إنابَتِهِ ولِسُلَيْمانَ عَلى نَشْأتِهِ الصّالِحَةِ عِنْدَ أبِيهِ، فالعَطْفُ عَلى ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا﴾ [سبإ: ١٠] والمُناسَبَةُ مِثْلُ مُناسَبَةِ ذِكْرِ داوُدَ فَإنَّ سُلَيْمانَ كانَ مَوْصُوفًا بِالإنابَةِ، قالَ تَعالى (ثُمَّ أنابَ) في سُورَةِ ص.

و(الرِّيحَ) عَطْفٌ عَلى (الحَدِيدَ) في قَوْلِهِ (وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ) بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (وألَنّا) . والتَّقْدِيرُ: وسَخَّرَنا لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عَلى نَحْوِ قَوْلِ الشّاعِرِ:

مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا

أيْ وحامِلًا رُمْحًا.

واللّامُ في قَوْلِهِ لِسُلَيْمانَ لامُ التَّقْوِيَةِ، أنَّهُ لَمّا حَذَفَ الفِعْلَ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ قَرَنَ مَفْعُولَ الأوَّلِ بِلامِ التَّقْوِيَةِ لِأنَّ الِاحْتِياجَ إلى لامِ التَّقْوِيَةِ عِنْدَ حَذْفِ الفِعْلِ أشَدُّ مِنَ الِاحْتِياجِ إلَيْها عِنْدَ تَأْخِيرِ الفِعْلِ عَنِ المَفْعُولِ. والرِّيحُ مَفْعُولٌ ثانٍ.

ومَعْنى تَسْخِيرِهِ الرِّيحَ: خَلْقُ رِيحٍ تُلائِمُ سَيْرَ سَفائِنِهِ لِلْغَزْوِ أوِ التِّجارَةِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لِمَراسِيهِ في شُطُوطِ فِلَسْطِينَ رِياحًا مَوْسِمِيَّةً تَهُبُّ شَهْرًا مُشْرِقَةً لِتَذْهَبَ في ذَلِكَ المَوْسِمِ سُفُنُهُ، وتَهُبُّ شَهْرًا مُغْرِبَةً لِتَرْجِعَ سُفُنُهُ إلى شَواطِئِفِلَسْطِينَ كَما قالَ تَعالى ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ [الأنبياء: ٨١] في سُورَةِ الأنْبِياءِ.

فَأطْلَقَ الغُدُوَّ عَلى الِانْصِرافِ والِانْطِلاقِ مِنَ المَكانِ تَشْبِيهًا بِخُرُوجِ الماشِيَةِ لِلرَّعْيِ في الصَّباحِ وهو وقْتُ خُرُوجِها، أوْ تَشْبِيهًا بِغُدُوِّ النّاسِ في الصَّباحِ.

وأطْلَقَ الرَّواحَ عَلى الرُّجُوعِ مِنَ النَّهْمَةِ الَّتِي يَخْرُجُ لَها كَقَوْلِ أبِي رَبِيعَةَ.

أمِن آلِ نُعْمٍ أنْتَ غادٍ فَمُبْكِرُ ∗∗∗ غَداةَ غَدٍ أمْ رائِحٌ فَمُؤَخِّرُ

لِأنَّ عُرْفَهم أنَّ رَواحَ الماشِيَةِ يَكُونُ في المَساءِ فَهو مُشْتَقٌّ مِن راحَ إذا رَجَعَ إلى مَقَرِّهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾) بِلَفْظِ إفْرادِ (الرِّيحَ) وبِنَصْبِ (الرِّيحَ) عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الحَدِيدِ في قَوْلِهِ (وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ) . وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ

صفحة ١٥٩

عاصِمٍ بِرَفْعِ (الرِّيحُ) عَلى أنَّهُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، و(الرِّيحُ) مُبْتَدَأٌ و(لِسُلَيْمانَ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ (الرِّياحَ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ مَنصُوبًا.

والقِطْرُ بِكَسْرِ القافِ وسُكُونِ الطّاءِ: النُّحاسُ المُذابُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦] في سُورَةِ الكَهْفِ.

والإسالَةُ: جَعْلُ الشَّيْءِ سائِلًا، أيْ مُنْبَطِحًا في الأرْضِ كَمَسِيلِ الوادِي.

وعَيْنُ القِطْرِ: لَيْسَتْ عَيْنًا حَقِيقِيَّةً ولَكِنَّها مُسْتَعارَةٌ لِمَصَبِّ ما يُصْهَرُ في مَصانِعِهِ مِنَ النُّحاسِ حَتّى يَكُونَ النُّحاسُ المُذابُ سائِلًا خارِجًا مِن فَساقِيَّ ونَحْوِها مِنَ الأنابِيبِ كَما يَخْرُجُ الماءُ مِنَ العَيْنِ لِشِدَّةِ إصْهارِ النُّحاسِ وتَوالِي إصْهارِهِ فَلا يَزالُ يَسِيلُ لِيَصْنَعَ لَهُ آنِيَةً وأسْلِحَةً ودَرَقًا، وما ذَلِكَ إلّا بِإذابَةٍ وإصْهارٍ خارِقَيْنِ لِلْمُعْتادِ بِقُوَّةٍ إلاهِيَّةٍ، شَبَّهَ الإصْهارَ بِالكَهْرُباءِ أوْ بِالألْسِنَةِ النّارِيَّةِ الزَّرْقاءِ، وذَلِكَ ما لَمْ يُؤْتَهُ مَلِكٌ مِن مُلُوكِ زَمانِهِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ السَّيَلانُ مُسْتَعارًا لِكَثْرَةِ القِطْرِ كَثْرَةً تُشْبِهُ كَثْرَةَ ماءِ العُيُونِ والأنْهارِ كَقَوْلِ كُثَيِّرٍ:

وسالَتْ بِأعْناقِ المَطِيِّ الأباطِحُ

ويَكُونُ (أسَلْنا) أيْضًا تَرْشِيحًا لِاسْتِعارَةِ اسْمِ العَيْنِ لِمَعْنى مُذابِ القِطْرِ، ووَجْهُ الشَّبَهِ الكَثْرَةُ.

وقَوْلُهُ ﴿ومِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ (وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ) فَقَوْلُهُ (مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ) مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ (بِإذْنِ رَبِّهِ) خَبَرٌ. و(مِنَ) في قَوْلِهِ (مِنَ الجِنِّ) بَيانٌ لِإبْهامِ (مَن) قُدِّمَ عَلى المُبَيَّنِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِغَرابَتِهِ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ (مَن يَعْمَلُ) عَطْفًا عَلى الرِّيحِ في قَوْلِهِ (ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ) أيْ سَخَّرَنا لَهُ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الجِنِّ، وتَجْعَلَ جُمْلَةَ ﴿وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.

ومَعْنى (يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ) يَخْدُمُهُ ويُطِيعُهُ. يُقالُ: أنا بَيْنَ يَدَيْكَ، أيْ مُطِيعٌ.

صفحة ١٦٠

ولا يَقْتَضِي هَذا أنْ يَكُونَ عَمَلَتُهُ الجِنُّ وحْدَهم بَلْ يَقْتَضِي أنَّ مِنهم عَمَلَةً وفي آيَةِ النَّمْلِ ﴿مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ﴾ [النمل: ١٧] .

والزَّيْغُ: تَجاوَزُ الحَدِّ والطَّرِيقِ. والمَعْنى: مَن يَعْصِ أمْرَنا الجارِي عَلى لِسانِ سُلَيْمانَ.

وذِكْرُ الجِنِّ في جُنْدِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّمْلِ.

وعَذابُ السَّعِيرِ: عَذابُ النّارِ تَشْبِيهٌ أيْ عَذابٌ كَعَذابِ جَهَنَّمَ وأمّا عَذابُ جَهَنَّمَ فَإنَّما يَكُونُ حَقِيقَةً يَوْمَ الحِسابِ.

34:13Page 429

يَعۡمَلُونَ لَهُۥ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَٰرِيبَ وَتَمَٰثِيلَ وَجِفَانٖ كَٱلۡجَوَابِ وَقُدُورٖ رَّاسِيَٰتٍۚ ٱعۡمَلُوٓاْ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكۡرٗاۚ وَقَلِيلٞ مِّنۡ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ ١٣

They made for him what he willed of elevated chambers,1 statues,2 bowls like reservoirs, and stationary kettles. [We said], "Work, O family of David, in gratitude." And few of My servants are grateful.

﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ وتَماثِيلَ وجِفانٍ كالجَوابِ وقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ و(يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ) جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ (يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ) .

و (مِن مَحارِيبَ) بَيانٌ لِـ (ما يَشاءُ) .

والمَحارِيبُ: جَمْعُ مِحْرابٍ، وهو الحِصْنُ الَّذِي يُحارَبُ مِنهُ العَدُوُّ والمُهاجِمُ لِلْمَدِينَةِ، أوْ؛ لِأنَّهُ يُرْمى مِن شُرُفاتِهِ بِالحِرابِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى القَصْرِ الحَصِينِ. وقَدْ سَمَّوْا قُصُورَ غُمْدانَ في اليَمَنِ مَحارِيبَ غُمْدانَ. وهَذا المَعْنى هو المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ. ثُمَّ أُطْلِقَ المِحْرابُ عَلى الَّذِي يُخْتَلى فِيهِ لِلْعِبادَةِ فَهْوَ بِمَنزِلَةِ المَسْجِدِ الخاصِّ، قالَ تَعالى ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ﴾ [آل عمران: ٣٩] وتَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وكانَ لِداوُدَ مِحْرابٌ يَجْلِسُ فِيهِ لِلْعِبادَةِ، قالَ تَعالى ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ [ص: ٢١] في سُورَةِ ص.

وأمّا إطْلاقُ المِحْرابِ عَلى المَوْضِعِ مِنَ المَسْجِدِ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ الإمامُ الَّذِي يَأُمُّ النّاسَ، يُجْعَلُ مِثْلَ كُوَّةٍ غَيْرِ نافِذَةٍ واصِلَةٍ إلى أرْضِ المَسْجِدِ في حائِطِ القِبْلَةِ يَقِفُ الإمامُ تَحْتَهُ، فَتَسْمِيَةُ ذَلِكَ مِحْرابًا تَسْمِيَةٌ حَدِيثَةٌ ولَمْ أقِفْ عَلى تَعْيِينِ الزَّمَنِ الَّذِي ابْتُدِئَ فِيهِ إطْلاقُ اسْمِ المِحْرابِ عَلى هَذا المَوْقِفِ. واتِّخاذُ المَحارِيبِ في المَساجِدِ حَدَثَ في المِائَةِ الثّانِيَةِ، والمَظْنُونُ أنَّهُ حَدَثَ في أوَّلِها في حَياةِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ لِأنَّهُ ١١

صفحة ١٦١

رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ تَنَزَّهَ عَنِ الجُلُوسِ في المَحارِيبِ وكانُوا يُسَمُّونَهُ الطّاقَ أوِ الطّاقَةَ ورُبَّما سَمَّوْهُ المَذْبَحَ، ولَمْ أرَ أنَّهم سَمَّوْهُ أيّامَئِذٍ مِحْرابًا، وإنَّما كانُوا يُسَمُّونَ بِالمِحْرابِ مَوْضِعَ ذَبْحِ القُرْبانِ في الكَنِيسَةِ قالَ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ:

دُمْيَةٌ عِنْدَ راهِبٍ قِسِّيسٍ صَوَّرُوها في مَذابِحِ المِحْرابِ

والمَذْبَحُ والمِحْرابُ مُقْتَبَسَةٌ مِنَ اليَهُودِ لِما لا يَخْفى مِن تَفَرُّعِ النَّصْرانِيَّةِ عَنْ دِينِ اليَهُودِيَّةِ.

وما حُكِيَ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ إنْ صَحَّ فَإنَّما يُعْنى بِهِ بَيْتٌ لِلصَّلاةِ خاصٌّ.

ورَأيْتُ إطْلاقَ المِحْرابِ عَلى الطّاقَةِ الَّتِي في المَسْجِدِ في كَلامِ الفَرّاءِ، أيْ في مُنْتَصَفِ القَرْنِ الثّانِي، نَقَلَ الجَوْهَرِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: المَحارِيبُ صُدُورُ المَجالِسِ ومِنهُ سُمِّيَ مِحْرابُ المَسْجِدِ، لِأنَّ المِحْرابَ لَمْ يَبْقَ حِينَئِذٍ مُطْلَقًا عَلى مَكانِ العِبادَةِ.

ومِنَ الغَلَطِ أنْ جَعَلُوا في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ في المَوْضِعِ الَّذِي يَقْرُبُ أنْ يَكُونَ النَّبِيءُ ﷺ يُصَلِّي فِيهِ صُورَةَ مِحْرابٍ مُنْفَصِلٍ يُسَمُّونَهُ مِحْرابَ النَّبِيءِ ﷺ وإنَّما هو عَلامَةٌ عَلى تَحَرِّي مَوْقِفِهِ.

والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المُسْلِمِينَ ابْتَدَأُوا فَجَعَلُوا طاقاتٍ صَغِيرَةً دَلالَةً عَلى القِبْلَةِ لِئَلّا يَضِلَّ الدّاخِلُ إلى المَسْجِدِ يُرِيدُ الصَّلاةَ فَإنَّ ذَلِكَ يَقَعُ كَثِيرًا، ثُمَّ وسَّعُوها شَيْئًا فَشَيْئًا حَتّى صَيَّرُوها في صُورَةِ نِصْفِ دِهْلِيزٍ صَغِيرٍ في جِدارِ القِبْلَةِ يَسَعُ مَوْقِفَ الإمامِ، وأحْسَبُ أنَّ أوَّلَ وضْعِهِ كانَ عِنْدَ بِناءِ المَسْجِدِ الأُمَوِيِّ في دِمَشْقَ ثُمَّ إنَّ الخَلِيفَةَ الوَلِيدَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ أمَرَ بِجَعْلِهِ في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ حِينَ وسَّعَهُ وأعادَ بِناءَهُ وذَلِكَ في مُدَّةِ إمارَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ عَلى المَدِينَةِ حَسْبَما ذَكَرَ السَّمْهُودِيُّ في كِتابِ ”خُلاصَةِ الوَفا بِأخْبارِ دارِ المُصْطَفى“ .

والتَّماثِيلُ جَمْعُ تِمْثالٍ بِكَسْرِ التّاءِ، ووَزْنُهُ ”تِفْعالٌ“ لِأنَّ التّاءَ مَزِيدَةٌ وهو أحَدُ أسْماءٍ مَعْدُودَةٍ جاءَتْ عَلى وزْنِ تِفْعالٍ بِكَسْرِ التّاءِ، وأمّا قِياسُ هَذا البابِ وأكْثَرُهُ فَهو بِفَتْحِ التّاءِ. والأسْماءُ الَّتِي جاءَتْ عَلى هَذا الوَزْنِ مِنها مَصادِرُ ومِنها أسْماءٌ، فَأمّا المَصادِرُ فَأكْثَرُها بِفَتْحِ التّاءِ إلّا مَصْدَرَيْنِ: تِبْيانٌ وتِلْقاءٌ بِمَعْنى اللِّقاءِ. وأمّا الأسْماءُ فَوَرَدَ مِنهُ عَلى الكَسْرِ نَحْوٌ مِن أرْبَعَةَ عَشَرَ اسْمًا مِنها: تِمْثالٌ، أحْصاها ابْنُ

صفحة ١٦٢

دُرَيْدٍ، وزادَ ابْنُ العَرَبِيِّ في أحْكامِ القُرْآنِ عَنْ شَيْخِهِ الخَطِيبِ التَّبْرِيزِيِّ تِسْعَةً فَصارَتْ خَمْسَةً وعِشْرِينَ. والتِّمْثالُ هو الصُّورَةُ المُمَثَّلَةُ، أيِ المُجَسَّمَةُ مِثْلَ شَيْءٍ مِنَ الأجْسامِ فَكانَ النَّحّاتُونَ يَعْمَلُونَ لِسُلَيْمانَ صُوَرًا مُخْتَلِفَةً كَصُوَرٍ مَوْهُومَةٍ لِلْمَلائِكَةِ ولِلْحَيَوانِ مِثْلَ الأُسُودِ فَقَدْ كانَ كُرْسِيُّ سُلَيْمانَ مَحْفُوفًا بِتَماثِيلِ أُسُودٍ أرْبَعَةَ عَشَرَ كَما وُصِفَ في الإصْحاحِ العاشِرِ مِن سِفْرِ المُلُوكِ الأوَّلِ. وكانَ قَدْ جَعَلَ في الهَيْكَلِ جابِيَةً عَظِيمَةً مِن نُحاسٍ مَصْقُولٍ مَرْفُوعَةً عَلى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ صُورَةَ ثَوْرٍ مِن نُحاسٍ.

ولَمْ تَكُنْ التَّماثِيلُ المُجَسَّمَةُ مُحَرَّمَةَ الِاسْتِعْمالِ في الشَّرائِعِ السّابِقَةِ وقَدْ حَرَّمَها الإسْلامُ لِأنَّ الإسْلامَ أمْعَنَ في قَطْعِ دابِرِ الإشْراكِ مِن نُفُوسِ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ. وكانَ مُعْظَمُ الأصْنامِ تَماثِيلَ فَحَرَّمَ الإسْلامُ اتِّخاذَها لِذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ تَحْرِيمًا لِأجْلِ اشْتِمالِها عَلى مَفْسَدَةٍ في ذاتِها ولَكِنْ لِكَوْنِها كانَتْ ذَرِيعَةً لِلْإشْراكِ. واتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى تَحْرِيمِ اتِّخاذِ ما لَهُ ظِلٌّ مِن تَماثِيلِ ذَواتِ الرُّوحِ إذا كانَتْ مُسْتَكْمِلَةَ الأعْضاءِ الَّتِي لا يَعِيشُ ذُو الرُّوحِ بِدُونِها وعَلى كَراهَةِ ما عَدا ذَلِكَ مِثْلَ التَّماثِيلِ المُنَصَّفَةِ ومِثْلَ الصُّوَرِ الَّتِي عَلى الجُدْرانِ وعَلى الأوْراقِ والرَّقْمِ في الثَّوْبِ ولا ما يُجْلَسُ عَلَيْهِ ويُداسُ. وحُكْمُ صُنْعِها يَتْبَعُ اتِّخاذَها. ووَقَعَتِ الرُّخْصَةُ في اتِّخاذِ صُوَرٍ تَلْعَبُ بِها البَناتُ لِفائِدَةِ اعْتِيادِهِنَّ العَمَلَ بِأُمُورِ البَيْتِ.

والجِفانُ: جَمْعُ جَفْنَةٍ، وهي القَصْعَةُ العَظِيمَةُ الَّتِي يُجْفَنُ فِيها الماءُ. وقُدِّرَتِ الجَفْنَةُ في التَّوْراةِ بِأنَّها تَسَعُ أرْبَعِينَ بَثًّا بِالمُثَلَّثَةِ ولَمْ نَعْرِفْ مِقْدارَ البَثِّ عِنْدَهم ولا شَكَّ أنَّهُ مِكْيالٌ. وشُبِّهَتِ الجِفانُ في عَظَمَتِها وسِعَتِها بِالجَوابِي. وهي جَمْعُ: جابِيَةٍ وهي الحَوْضُ العَظِيمُ الواسِعُ العَمِيقُ الَّذِي يُجْمَعُ فِيهِ الماءُ لِسَقْيِ الأشْجارِ والزُّرُوعِ قالَ الأعْشى:

نَفى الذَّمَّ عَنْ رَهْطِ المُحَلَّقِ جَفْنَةٌ ∗∗∗ كَجابِيَةِ الشَّيْخِ العِراقِيِّ تَفْهَقُ

أيِ الجَفْنَةُ في سِعَتِها كَجابِيَةِ الرَّجُلِ العِراقِيِّ، وأهْلُ العِراقِ أهْلُ كُرُومٍ وغُرُوسٍ فَكانُوا يَجْمَعُونَ الماءَ لِلسَّقْيِ.

وكانَتِ الجِفانُ المَذْكُورَةُ في الهَيْكَلِ المَعْرُوفِ عِنْدَنا بِبَيْتِ المَقْدِسِ لِأجْلِ وضْعِ الماءِ لِيَغْسِلُوا فِيها ما يُقَرِّبُونَهُ مِنَ المُحْرَقاتِ كَما في الإصْحاحِ الرّابِعِ مِن سِفْرِ الأيّامِ الثّانِي.

صفحة ١٦٣

وكُتِبَ في المُصْحَفِ (كالجَوابِ) بِدُونِ ياءٍ بَعْدَ المُوَحَّدَةِ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِدُونِ ياءٍ في حالَيِ الوَصْلِ والوَقْفِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِإثْباتِ الياءِ في الحالَيْنِ. وقَرَأ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ وأبُو عَمْرٍو بِإثْباتِ الياءِ في حالِ الوَصْلِ وبِحَذْفِها في حالِ الوَقْفِ.

والقُدُورُ: جَمْعُ قِدْرٍ وهي إناءٌ يُوضَعُ فِيهِ الطَّعامُ لِيُطْبَخَ مِن لَحْمٍ وزَيْتٍ وأدْهانٍ وتَوابِلَ. قالَ النّابِغَةُ في النُّعْمانِ بْنِ الحارِثِ الجُلاحِيِّ:

لَهُ بِفِناءِ البَيْتِ سَوْداءُ فَخْمَةٌ ∗∗∗ تُلَقَّمُ أوْصالَ الجَزُورِ العُراعِرِ

بَقِيَّةُ قِدْرٍ مِن قُدُورٍ تُوُرِّثَتْ ∗∗∗ لِآلِ الجُلاحِ كابِرًا بَعْدَ كابِرِ

أيْ تَسَعُ قَوائِمَ البَعِيرِ إذا وُضِعَتْ فِيهِ لِتُطْبَخَ مَرَقًا ونَحْوَهُ.

وهَذِهِ القُدُورُ هي الَّتِي يُطْبَخُ فِيها لِجُنْدِ سُلَيْمانَ ولِسَدَنَةِ الهَيْكَلِ ولِخَدَمِهِ وأتْباعِهِ وقَدْ ورَدَ ذِكْرُ القُدُورِ إجْمالًا في الفِقْرَةِ السّادِسَةَ عَشْرَةَ مِنَ الإصْحاحِ الرّابِعِ مِن سِفْرِ الأيّامِ الثّانِي.

والرّاسِياتُ: الثّابِتاتُ في الأرْضِ الَّتِي لا تُنْزَلُ مِن فَوْقِ أثافِيِّها لِتَداوُلِ الطَّبْخِ فِيها صَباحَ مَساءَ.

وجُمْلَةُ ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ قُلْنا: اعْمَلُوا يا آلَ داوُدَ، ومَفْعُولُ اعْمَلُوا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (شُكْرًا) . وتَقْدِيرُهُ: اعْمَلُوا صالِحًا، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، عَمَلًا لَشُكْرِ اللَّهِ تَعالى، فانْتَصَبَ (شُكْرًا) عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ. والخِطابُ لِسُلَيْمانَ وآلِهِ.

وذُيِّلَ بِقَوْلِهِ ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ فَهو مِن تَمامِ المَقُولِ، وفِيهِ حَثٌّ عَلى الِاهْتِمامِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا التَّذْيِيلُ كَلامًا جَدِيدًا جاءَ في القُرْآنِ، أيْ قُلْنا ذَلِكَ لِآلِ داوُدَ فَعَمِلَ مِنهم قَلِيلٌ ولَمْ يَعْمَلْ كَثِيرٌ وكانَ سُلَيْمانُ مِن أوَّلِ الفِئَةِ القَلِيلَةِ.

والشَّكُورُ: الكَثِيرُ الشُّكْرِ. وإذْ كانَ العَمَلُ شُكْرًا أفادَ أنَّ العامِلِينَ قَلِيلٌ.

34:14Page 429

فَلَمَّا قَضَيۡنَا عَلَيۡهِ ٱلۡمَوۡتَ مَا دَلَّهُمۡ عَلَىٰ مَوۡتِهِۦٓ إِلَّا دَآبَّةُ ٱلۡأَرۡضِ تَأۡكُلُ مِنسَأَتَهُۥۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلۡجِنُّ أَن لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٱلۡغَيۡبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلۡعَذَابِ ٱلۡمُهِينِ ١٤

And when We decreed for him [i.e., Solomon] death, nothing indicated to them [i.e., the jinn] his death except a creature of the earth eating his staff.1 But when he fell, it became clear to the jinn that if they had known the unseen, they would not have remained in humiliating punishment.2

صفحة ١٦٤

﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ ما دَلَّهم عَلى مَوْتِهِ إلّا دابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنساتَهُ فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾

تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ومِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ إلى قَوْلِهِ وقُدُورٍ راسِياتٍ أيْ دامَ عَمَلُهم لَهُ حَتّى ماتَ فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ إلى آخِرِهِ. ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَطُلْ وقْتُهُ لِأنَّ مِثْلَهُ في عَظَمَةِ مُلْكِهِ لا بُدَّ أنْ يَفْتَقِدَهُ أتْباعُهُ، فَجُمْلَةُ ”ما دَلَّهم عَلى مَوْتِهِ“ الَخْ جَوابُ ”لَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ“ .

وضَمِيرُ دَلَّهم يَعُودُ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ، أيْ أهْلَ بَلاطِهِ.

والدَّلالَةُ: الإشْعارُ بِأمْرٍ خَفِيٍّ. وتَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾ [سبإ: ٧] في الآيَةِ السّابِقَةِ.

ودابَّةُ الأرْضِ هي الأرَضَةُ بِفَتَحاتٍ ثَلاثٍ وهي السُّرْفَةُ بِضَمِّ السِّينِ وسُكُونِ الرّاءِ وفَتْحِ الفاءِ لا مَحالَةَ وهاءِ تَأْنِيثٍ: سُوسٌ يَنْخُرُ الخَشَبَ. فالمُرادُ مِنَ الأرْضِ مَصْدَرُ أرَضَتِ السُّرْفَةُ الخَشَبَ مِن بابِ ضَرَبَ، وقَدْ سَخَّرَ اللَّهُ لِمِنسَأةِ سُلَيْمانَ كَثِيرًا مِنَ السُّرَفِ فَتَعَجَّلَ لَها النَّخْرُ.

وجُمْلَةُ (فَلَمّا خَرَّ) مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمْلَةِ ”ما دَلَّهم عَلى مَوْتِهِ“ . وجُمْلَةُ ”تَبَيَّنَتِ الجِنُّ“ جَوابُ ”فَلَمّا خَرَّ“ . والمِنسَأةُ بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِها وبِهَمْزَةٍ بَعْدَ السِّينِ، وتُخَفَّفُ الهَمْزَةُ فَتَصِيرُ ألِفًا هي العَصا العَظِيمَةُ، قِيلَ هي كَلِمَةٌ مِن لُغَةِ الحَبَشَةِ.

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِألِفٍ بَعْدَ السِّينِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ. بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ السِّينِ. وقَرَأهُ ابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ السِّينِ تَخْفِيفًا وهو تَخْفِيفٌ نادِرٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ والمُوَحَّدَةِ والتَّحْتِيَّةِ. وقَرَأهُ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الفَوْقِيَّةِ والمُوَحَّدَةِ وكَسْرِ التَّحْتِيَّةِ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيْ تَبَيَّنَ النّاسُ الجِنَّ. و”أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ“ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الجِنِّ عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ.

وقَوْلُهُ ”تَبَيَّنَتِ الجِنُّ“ إسْنادٌ مُبْهَمٌ فَصَّلَهُ قَوْلُهُ ”أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ“

صفحة ١٦٥

فَـ (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ والمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِنها بَدَلٌ مِنَ الجِنِّ بَدَلُ اشْتِمالٍ، أيْ تَبَيَّنَ أمْرُهم أنَّهم لا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، أيْ تَبَيَّنَ عَدَمُ عِلْمِهِمُ الغَيْبَ، ودَلِيلُ المَحْذُوفِ هو جُمْلَةُ الشَّرْطِ والجَوابِ.

والعَذابُ المُهِينُ: المُذِلُّ، أيِ المُؤْلِمُ المُتْعِبُ، فَإنَّهم لَوْ عَلِمُوا الغَيْبَ لَكانَ عِلْمُهم بِالحاصِلِ أزَلِيًّا، وهَذا إبْطالٌ لِاعْتِقادِ العامَّةِ يَوْمَئِذٍ وما يَعْتَقِدُهُ المُشْرِكُونَ أنَّ الجِنَّ يَعْلَمُونَ الغَيْبَ فَلِذَلِكَ كانَ المُشْرِكُونَ يَسْتَعْلِمُونَ المُغَيَّباتِ مِنَ الكُهّانِ، ويَزْعُمُونَ أنَّ لِكُلِّ كاهِنٍ جِنِّيًّا يَأْتِيهِ بِأخْبارِ الغَيْبِ، ويُسَمُّونَهُ رَئِيًّا إذْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ لَكانَ أنْ يَعْلَمُوا وفاةَ سُلَيْمانَ أهْوَنَ عَلَيْهِمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском