Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Saba 34:22–26
34:22–23Page 430
قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا لَهُمۡ فِيهِمَا مِن شِرۡكٖ وَمَا لَهُۥ مِنۡهُم مِّن ظَهِيرٖ ٢٢
Say, [O Muḥammad], "Invoke those you claim [as deities] besides Allāh." They do not possess an atom's weight [of ability] in the heavens or on the earth, and they do not have therein any partnership [with Him], nor is there for Him from among them any assistant.
وَلَا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ عِندَهُۥٓ إِلَّا لِمَنۡ أَذِنَ لَهُۥۚ حَتَّىٰٓ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمۡ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمۡۖ قَالُواْ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ ٢٣
And intercession does not benefit with Him except for one whom He permits. [And those wait] until, when terror is removed from their hearts,1 they will say [to one another], "What has your Lord said?" They will say, "The truth." And He is the Most High, the Grand.
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ وما لَهم فِيها مِن شِرْكٍ وما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ﴾ ﴿ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا الحَقَّ وهْوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ .
كانَتْ قِصَّةُ سَبَأٍ قَدْ ضُرِبَتْ مَثَلًا وعِبْرَةً لِلْمُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ وكانَ في أحْوالِهِمْ مَثِيلٌ لِأحْوالِ المُشْرِكِينَ في أمْنِ بِلادِهِمْ وتَيْسِيرِ أرْزاقِهِمْ وتَأْمِينِ سُبُلِهِمْ في أسْفارِهِمْ مِمّا أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا تُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧] وقَوْلُهُ ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] إلى آخِرِ السُّورَةِ، ثُمَّ فِيما قابَلُوا بِهِ نِعْمَةَ اللَّهِ بِالإشْراكِ بِهِ وكُفْرانِ نِعْمَتِهِ وإفْحامِهِمْ دُعاةَ الخَيْرِ المُلْهَمِينَ مِن لَدُنْهُ إلى دَعْوَتِهِمْ، فَلَمّا تَقَضّى خَبَرُهم لِيَنْتَقِلَ مِنهُ إلى تَطْبِيقِ العِبْرَةِ عَلى مَن قَصَدَ اعْتِبارَهُمُ انْتِقالًا مُناسَبَتُهُ بَيِّنَةٌ وهو أيْضًا عَوْدٌ إلى إبْطالِ أقْوالِ المُشْرِكِينَ، وسِيقَ لَهم مِنَ الكَلامِ ما هو فِيهِ تَوْقِيفٌ عَلى أخْطائِهِمْ، وأيْضًا فَلَمّا جَرى مِنِ اسْتِهْواءِ الشَّيْطانِ أهْلَ سَبَأٍ فاتَّبَعُوهُ وكانَ الشَّيْطانُ مَصْدَرَ الضَّلالِ وعُنْصُرَ الإشْراكِ أعْقَبَ ذِكْرَهُ بِذِكْرِ فُرُوعِهِ وأوْلِيائِهِ.
وافْتَتَحَ الكَلامَ بِأمْرِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم ما هو مُتَتابِعٌ في بَقِيَّةِ هَذِهِ الآياتِ المُتَتابِعَةِ بِكَلِمَةِ قُلْ فَأمَرَ بِالقَوْلِ تَجْدِيدًا لِمَعْنى التَّبْلِيغِ الَّذِي هو مُهِمَّةُ كُلِّ القُرْآنِ.
صفحة ١٨٦
والأمْرُ في قَوْلِهِ ادْعُوا مُسْتَعْمَلٌ في التَّخْطِئَةِ والتَّوْبِيخِ، أيِ اسْتَمِرُّوا عَلى دُعائِكم.
والَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ مَعْناهُ زَعَمْتُمُوهم أرْبابًا، فَحُذِفَ مَفْعُولا الزَّعْمِ: أمّا الأوَّلُ فَحُذِفَ لِأنَّهُ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ قَصْدًا لِتَخْفِيفِ الصِّلَةِ بِمُتَعَلِّقاتِها، وأمّا الثّانِي فَحَذْفُهُ لِدَلالَةِ صِفَتِهِ عَلَيْهِ وهي ”مِن دُونِ اللَّهِ“ .
ومِن دُونِ اللَّهِ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: زَعَمْتُمْ أوْلِياءَ.
ومَعْنى مِن دُونِ اللَّهِ أنَّهم مُبْتَدِءُونَ مِن جانِبٍ غَيْرِ جانِبِ اللَّهِ، أيْ زَعَمْتُمُوهم آلِهَةً مُبْتَدِئِينَ إيّاهم مِن ناحِيَةِ غَيْرِ اللَّهِ لِأنَّهم حِينَ يَعْبُدُونَهم قَدْ شُغِلُوا بِعِبادَتِهِمْ فَفَرَّطُوا في عِبادَةِ اللَّهِ المُسْتَحِقِّ لِلْعِبادَةِ وتَجاوَزُوا حَقَّ إلَهِيَّتِهِ في أحْوالٍ كَثِيرَةٍ وأوْقاتٍ وفِيرَةٍ.
وجُمْلَةُ لا يَمْلِكُونَ مُبَيِّنَةٌ لِما في جُمْلَةِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنَ التَّخْطِئَةِ وقَدْ نُفِيَ عَنْهم مِلْكُ أحْقَرِ الأشْياءِ وهو ما يُساوِي ذَرَّةً مِنَ السَّماءِ والأرْضِ.
والذَّرَّةُ: بَيْضَةُ النَّمْلِ الَّتِي تَبْدُوا حُبَيْبَةً صَغِيرَةً بَيْضاءَ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ﴾ [يونس: ٦١] في سُورَةِ يُونُسَ. والمُرادُ بِالسَّماواتِ والأرْضِ جَوْهَرُهُما وعَيْنُهُما لِما تَشْتَمِلانِ عَلَيْهِ مِنَ المَوْجُوداتِ لِأنَّ جَوْهَرَهُما لا يَدَّعِي المُشْرِكُونَ فِيهِ مُلْكًا لِآلِهَتِهِمْ، فالمِثْقالُ: إمّا آلَةُ الثِّقَلِ فَهو اسْمٌ لِلصُّنُوجِ الَّتِي يُوزَنُ بِها فَأُطْلِقَ عَلى العَدِيلِ مَجازًا مُرْسَلًا، وإمّا مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ سُمِّيَ بِهِ الشَّيْءُ الَّذِي بِهِ التَّثْقِيلُ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى العَدِيلِ مَجازًا، وتَقَدَّمَ المِثْقالُ عِنْدَ قَوْلِهِ وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
ومِثْقالُ الذَّرَّةِ: ما يَعْدِلُ الذَّرَّةَ فَيُثْقَلُ بِهِ المِيزانُ، أيْ لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا مِنَ السَّماواتِ ولا في الأرْضِ. وإعادَةُ حَرْفِ النَّفْيِ تَأْكِيدٌ لَهُ لِلِاهْتِمامِ بِهِ.
وقَدْ نُفِيَ أنْ يَكُونَ لِآلِهَتِهِمْ مُلْكٌ مُسْتَقِلٌّ، وأُتْبِعَ بِنَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهُمُ الشِّرْكُ في شَيْءٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ، أيْ شِرْكٌ مَعَ اللَّهِ كَما هو السِّياقُ فَلَمْ يَذْكُرْ مُتَعَلِّقَ الشِّرْكِ إيجازًا لِأنَّهُ مَحَلُّ الوِفاقِ.
صفحة ١٨٧
ثُمَّ نَفى أنْ يَكُونَ مِنهم ظَهِيرٌ، أيْ مُعِينٌ لِلَّهِ تَعالى. وتَقَدَّمَ الظَّهِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] في سُورَةِ الإسْراءِ. وهُنا تَعَيَّنَ التَّصْرِيحُ المُتَعَلِّقُ رَدًّا عَلى المُشْرِكِينَ إذْ زَعَمُوا أنَّ آلِهَتَهم تُقَرِّبُ إلَيْهِ وتُبَعِّدُ عَنْهُ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِنَفْيِ أنْ يَكُونَ شَفِيعٌ عِنْدَ اللَّهِ يَضْطَرُّهُ إلى قَبُولِ الشَّفاعَةِ فِيمَن يَشْفَعُ لَهُ لِتَعْظِيمٍ أوْ حَياءٍ. وقَدْ صَرَّحَ بِالمُتَعَلِّقِ هُنا أيْضًا رَدًّا عَلى قَوْلِ المُشْرِكِينَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ فَنُفِيَتْ شَفاعَتُهم في عُمُومِ نَفْيِ كُلِّ شَفاعَةٍ نافِعَةٍ عِنْدَ اللَّهِ إلّا شَفاعَةَ مَن أذِنَ اللَّهُ أنْ يَشْفَعَ. وفي هَذا إبْطالُ شَفاعَةِ أصْنامِهِمْ لِأنَّهم زَعَمُوا لَهم شَفاعَةً لازِمَةً مِن صِفاتِ آلِهَتِهِمْ لِأنَّ أوْصافَ الإلَهِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ ذاتِيَّةً فَلَمّا نَفى اللَّهُ كُلَّ شَفاعَةٍ لَمْ يَأْذَنْ فِيها لِلشّافِعِ انْتَفَتِ الشَّفاعَةُ المَزْعُومَةُ لِأصْنامِهِمْ. وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ قَوْلَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ لا يُبْطِلُ شَفاعَةَ الأصْنامِ فافْهَمْ.
وجاءَ نَظْمُ قَوْلِهِ ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ نَظْمًا بَدِيعًا مِن وفْرَةِ المَعْنى، فَإنَّ النَّفْعَ يَجِيءُ بِمَعْنى حُصُولِ المَقْصُودِ مِنَ العَمَلِ ونَجاحِهِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
ولا حَلِفِي عَلى البَراءَةِ نافِعٌ
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، ويَجِيءُ بِمَعْنى المُساعِدِ المُلائِمِ وهو ضِدُّ الضّارِّ وهو أكْثَرُ إطْلاقِهِ. ومِنهُ: دَواءٌ نافِعٌ، ونَفَعَنِي فُلانٌ. فالنَّفْعُ بِالمَعْنى الأوَّلِ في الآيَةِ يُفِيدُ القَبُولَ مِنَ الشّافِعِ لِشَفاعَتِهِ، وبِالمَعْنى الثّانِي يُفِيدُ انْتِفاعَ المَشْرُوعِ لَهُ بِالشَّفاعَةِ، أيْ وُصُولَ النَّفْعِ لَهُ بِانْقِشاعِ ضُرِّ المُؤاخَذَةِ بِذَنْبٍ كَقَوْلِهِ تَعالى فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ. فَلَمّا عَبَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِلَفْظِ الشَّفاعَةِ الصّالِحِ لِأنْ يُعْتَبَرَ مُضافًا إلى الفاعِلِ أوْ إلى المَفْعُولِ احْتَمَلَ النَّفْعُ أنْ يَكُونَ نَفْعَ الفاعِلِ، أيْ قَبُولُ شَفاعَتِهِ، ونَفْعَ المَفْعُولِ، أيْ قَبُولَ شَفاعَةِ مَن شَفَعَ فِيهِ.
وتَعْدِيَةُ فِعْلِ الشَّفاعَةِ بِاللّامِ دُونَ ”في“ ودُونَ تَعْدِيَتِهِ بِنَفْسِهِ زادَ صَلُوحِيَّتَهُ لِلْمَعْنَيَيْنِ لِأنَّ الشَّفاعَةَ تَقْتَضِي شافِعًا ومَشْفُوعًا فِيهِ فَكانَ بِذَلِكَ أوْفَرَ مَعْنًى.
فالِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ اسْتِثْناءٌ مِن جِنْسِ الشَّفاعَةِ المَنفِيِّ بِقَرِينَةِ وُجُودِ اللّامِ ولَيْسَ اسْتِثْناءً مِن مُتَعَلِّقِ ”تَنْفَعُ“ لِأنَّ الفِعْلَ لا يُعَدّى إلى مَفْعُولِهِ بِاللّامِ إلّا إذا تَأخَّرَ الفِعْلُ عَنْهُ فَضَعُفَ عَنِ العَمَلِ بِسَبَبِ التَّأْخِيرِ فَلِذَلِكَ احْتَمَلَتْ
صفحة ١٨٨
اللّامُ أنْ تَكُونَ داخِلَةً عَلى الشّافِعِ، وأنَّ ”مَنِ“ المَجْرُورَةَ بِاللّامِ صادِقَةٌ عَلى الشّافِعِ، أيْ لا تُقْبَلُ شَفاعَةٌ إلّا شَفاعَةٌ كائِنَةٌ لِمَن أذِنَ اللَّهُ لَهُ، أيْ أذِنَ لَهُ بِأنْ يَشْفَعَ فاللّامُ لِلْمِلْكِ فَقَوْلُكَ: الكَرَمُ لِزَيْدٍ، أيْ هو كَرِيمٌ فَيَكُونُ في مَعْنى قَوْلِهِ ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ. وأنْ تَكُونَ اللّامُ داخِلَةً عَلى المَشْفُوعِ فِيهِ، و”مَن“ صادِقَةً عَلى مَشْفُوعٍ فِيهِ، أيْ إلّا شَفاعَةً لِمَشْفُوعٍ أذِنَ اللَّهُ الشّافِعِينَ أنْ يَشْفَعُوا لَهُ أيْ لِأجْلِهِ فاللّامُ لِلْعِلَّةِ كَقَوْلِكَ: قُمْتُ لِزَيْدٍ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى.
وإنَّما جِيءَ بِنَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى غَيْرِ ما نُظِمَتْ عَلَيْهِ غَيْرُها لِأنَّ المَقْصُودَ هُنا إبْطالُ رَجائِهِمْ أنْ تَشْفَعَ لَهم آلِهَتُهم عِنْدَ اللَّهِ فَيَنْتَفِعُوا بِشَفاعَتِها، لِأنَّ أوَّلَ الآيَةِ تَوْبِيخٌ وتَعْجِيزٌ لَهم في دَعْوَتِهِمُ الآلِهَةَ المَزْعُومَةَ فاقْتَضَتْ إبْطالَ الدَّعْوَةِ والمَدْعُوِّ.
وقَدْ جَمَعَتِ الآيَةُ نَفْيَ جَمِيعِ أصْنافِ التَّصَرُّفِ عَنْ آلِهَةِ المُشْرِكِينَ كَما جَمَعَتْ نَفْيَ أصْنافِ الآلِهَةِ المَعْبُودَةِ عِنْدَ العَرَبِ، لِأنَّ مِنَ العَرَبِ صابِئَةً يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ وهي في زَعْمِهِمْ مُسْتَقِرَّةٌ في السَّماواتِ تُدَبِّرُ أُمُورَ أهْلِ الأرْضِ فَأبْطَلَ هَذا الزَّعْمَ قَوْلُهُ ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾، فَأمّا في السَّماواتِ فَبِاعْتِرافِهِمْ أنَّ الكَواكِبَ لا تَتَصَرَّفُ في السَّماواتِ وإنَّما تَصَرُّفُها في الأرْضِ وأمّا في الأرْضِ فَبِقَوْلِهِ ولا في الأرْضِ. ومِنَ العَرَبِ عَبْدَةُ أصْنامٍ يَزْعُمُونَ أنَّ الأصْنامَ شُرَكاءُ لِلَّهِ في الإلَهِيَّةِ فَنَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ وما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ، ومِنهم مَن يَزْعُمُ أنَّ الأصْنامَ جَعَلَها اللَّهُ شُفَعاءَ لِأهْلِ الأرْضِ فَنَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ الآيَةَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”أذِنَ“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وفِيهِ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى اسْمِ الجَلالَةِ مِثْلَ ضَمائِرِ الغَيْبَةِ الَّتِي قَبْلَهُ. وقَرَأهُأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِضَمِّ الهَمْزَةِ عَلى البِناءِ لِلنّائِبِ. والمَجْرُورُ مِن قَوْلِهِ ”لَهُ“ في مَوْضِعِ نائِبِ الفاعِلِ.
وقَوْلُهُ ﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ ”حَتّى“ ابْتِدائِيَّةٌ وهي تُفِيدُ ارْتِباطَ ما بَعْدَها بِما قَبْلَها لا مَحالَةَ فالضَّمائِرُ الَّتِي في الجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَ حَتّى عائِدَةٌ عَلى ما يَصْلُحُ لَها في الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها. وقَدْ أفادَتْ ”حَتّى“ الغايَةَ بِأصْلِ وضْعِها، وهي هُنا غايَةٌ لِما أفْهَمَهُ قَوْلُهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ مِن أنَّ هُنالِكَ إذْنًا يَصْدُرُ مِن جانِبِ
صفحة ١٨٩
القُدْسِ يَأْذَنُ اللَّهُ بِهِ ناسًا مِنَ الأخْيارِ بِأنْ يَشْفَعُوا كَما جاءَ تَفْصِيلُ بَعْضِ هَذِهِ الشَّفاعَةِ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ وأنَّ الَّذِينَ يَرْجُونَ أنْ يُشَفَّعَ فِيهِمْ يَنْتَظِرُونَ مِمَّنْ هو أهْلٌ لِأنْ يَشْفَعَ وهم في فَزَعٍ مِنَ الإشْفاقِ أنْ لا يُؤْذَنَ بِالشَّفاعَةِ فِيهِمْ، فَإذا أذِنَ اللَّهُ لِمَن شاءَ أنْ يَشْفَعَ زالَ الفَزَعُ عَنْ قُلُوبِهِمْ واسْتَبْشَرُوا إذْ أنَّهُ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِ الَّذِينَ قُبِلَتِ الشَّفاعَةُ فِيهِمْ، أيْ وأيِسَ المُجْرِمُونَ مِن قَبُولِ الشَّفاعَةِ فِيهِمْ. وهَذا مِنَ الحَذْفِ المُسَمّى بِالِاكْتِفاءِ اكْتِفاءً بِذِكْرِ الشَّيْءِ عَنْ ذِكْرِ نَظِيرِهِ أوْ ضِدِّهِ، وحُسْنُهُ هُنا أنَّهُ اقْتِصارٌ عَلى ما يَسُرُّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ.
وقَدْ طُوِيَتْ جُمَلٌ مِن وراءِ ”حَتّى“، والتَّقْدِيرُ: إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ ويَوْمَئِذٍ يَبْقى النّاسُ مُرْتَقِبِينَ الإذْنَ لِمَن يَشْفَعُ، فَزِعِينَ مِن أنْ لا يُؤْذَنَ لِأحَدٍ زَمَنًا يَنْتَهِي بِوَقْتِ زَوالِ الفَزَعِ عَنْ قُلُوبِهِمْ حِينَ يُؤْذَنُ لِلشّافِعِينَ بِأنْ يَشْفَعُوا، وهو إيجازُ حَذْفٍ.
و”إذا“ ظَرْفٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ وهو مُضافٌ إلى جُمْلَةِ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِقالُوا.
وفُزِّعَ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الفاءِ وكَسْرِ الزّايِ مُشَدَّدَةً، وهو مُضاعَفُ ”فُزِعَ“ .
والتَّضْعِيفُ فِيهِ لِلْإزالَةِ مِثْلَ: قُشِّرَ العُودُ، ومَرِضَ المَرِيضُ إذا باشَرَ عِلاجَهُ، وبُنِيَ لِلْمَجْهُولِ لِتَعْظِيمِ ذَلِكَ التَّفْزِيعِ بِأنَّهُ صادِرٌ مِن جانِبٍ عَظِيمٍ، فَفِيهِ جانِبُ الآذِنِ فِيهِ، وجانِبُ المُبَلِّغِ لَهُ وهو المَلَكُ.
والتَّفْزِيعُ يَحْصُلُ لَهم بِانْكِشافٍ إجْمالِيٍّ يُلْهَمُونَهُ فَيَعْلَمُونَ بِأنَّ اللَّهَ أذِنَ بِالشَّفاعَةِ ثُمَّ يَتَطَلَّبُونَ التَّفْصِيلَ بِقَوْلِهِمْ ماذا قالَ رَبُّكم لِيَعْلَمُوا مَن أذِنَ لَهُ مِمَّنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وهَذا كَما يُكَرِّرُ النَّظَرَ ويُعاوِدُ المُطالَعَةَ مَن يَنْتَظِرُ القَبُولَ، أوْ هم يَتَساءَلُونَ عَنْ ذَلِكَ مِن شِدَّةِ الخَشْيَةِ فَإنَّهم إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ تَساءَلُوا لِمَزِيدِ التَّحْقِيقِ بِما اسْتَبْشَرُوا بِهِ فَيُجابُونَ أنَّهُ قالَ الحَقَّ.
فَضَمِيرُ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكم عائِدٌ عَلى بَعْضِ مَدْلُولِ قَوْلِهِ لِمَن أذِنَ لَهُ. وهُمُ الَّذِينَ أُذِنَ لِلشُّفَعاءِ لِقَبُولِ شَفاعَتِهِمْ مِنهم وهم يُوَجِّهُونَ هَذا الِاسْتِفْهامَ إلى المَلائِكَةِ الحافِّينَ، وضَمِيرُ قالُوا الحَقَّ عائِدٌ إلى المَسْئُولِينَ وهُمُ المَلائِكَةُ.
ويَظْهَرُ أنَّ كَلِمَةَ ”الحَقَّ“ وقَعَتْ حِكايَةً لِمَقُولِ اللَّهِ بِوَصْفٍ يَجْمَعُ مُتَنَوَّعَ
صفحة ١٩٠
أقْوالِ اللَّهِ تَعالى حِينَئِذٍ مِن قَبُولِ شَفاعَةٍ في بَعْضِ المَشْفُوعِ فِيهِمْ ومِن حِرْمانٍ لِغَيْرِهِمْ كَما يُقالُ: ماذا قالَ القاضِي لِلْخَصْمِ ؟ فَيُقالُ: قالَ الفَصْلَ. فَهَذا حِكايَةٌ لِمَقُولِ اللَّهِ بِالمَعْنى.
وانْتِصابُ الحَقِّ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ”قالُوا“ يَتَضَمَّنُ مَعْنى المَلامِ، أيْ قالَ الكَلامَ الحَقَّ، كَقَوْلِهِ:
وقَصِيدَةٍ تَأْتِي المُلُوكَ غَرِيبَةً ∗∗∗ قَدْ قُلْتُها لِيُقالَ مَن ذا قالَها
هَذا هو المَعْنى الَّذِي يَقْتَضِيهِ نَظْمُ الآيَةِ ويَلْتَئِمُ مَعَ مَعانِيها. وقَدْ ذَهَبَتْ في تَفْسِيرِها أقْوالُ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ طَرائِقَ قِدَدًا، وتَفَرَّقُوا بَدَدًا بَدَدًا. و”ذا“ مِن قَوْلِهِ ”ماذا“ إشارَةٌ عُومِلَتْ مُعامَلَةَ المَوْصُولِ لِأنَّ أصْلَ: ماذا قالَ: ما هَذا الَّذِي قالَ، فَلَمّا كَثُرَ اسْتِعْمالُها بِدُونِ ذِكْرِ اسْمِ المَوْصُولِ قِيلَ أنَّ ”ذا“ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ تَصِيرُ اسْمَ مَوْصُولٍ، وقَدْ يُذْكَرُ المَوْصُولُ بَعْدَها كَقَوْلِهِ تَعالى مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ فَزَّعَ بِفَتْحِ الفاءِ وفَتْحِ الزّايِ مُشَدَّدَةً بِصِيغَةِ البِناءِ لِلْفاعِلِ، أيْ فَزَّعَ اللَّهُ عَنْ قُلُوبِهِمْ.
وقَدْ ورَدَ في أحادِيثِ الشَّفاعَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «أنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِآدَمَ: أخْرِجْ بَعْثَ النّارِ مِن ذُرِّيَّتِكَ» وفي حَدِيثِ أنَسٍ في شَفاعَةِ النَّبِيءِ ﷺ لِأهْلِ المَحْشَرِ كُلِّهِمْ لِيَدْخُلْ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ. وفِيهِ أنَّ الأنْبِياءَ أبَوْا أنْ يَشْفَعُوا وأنَّ أهْلَ المَحْشَرِ أتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ وأنَّهُ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ في ذَلِكَ فَقالَ لَهُ سَلْ تُعْطَ واشْفَعْ تُشَفَّعْ، وفي حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ يَشْفَعُ لِعَمِّهِ أبِي طالِبٍ فَيُجْعَلُ في ضِحْضاحٍ مِن نارٍ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ تَغْلِي مِنهُ أُمُّ دِماغِهِ» .
وجُمْلَةُ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ تُتِمُّ جَوابَ المُجِيبِينَ، عَطَفُوا تَعْظِيمَ اللَّهِ بِذِكْرِ صِفَتَيْنِ مِن صِفاتِ جَلالِهِ وهُما صِفَةُ العَلِيُّ وصِفَةُ الكَبِيرُ.
والعُلُوُّ: عُلُوُّ الشَّأْنِ الشّامِلُ لِمُنْتَهى الكَمالِ في العِلْمِ.
والكِبْرُ: العَظَمَةُ المَعْنَوِيَّةُ، وهي مُنْتَهى القُدْرَةِ والعَدْلِ والحِكْمَةِ وتَخْصِيصُ هاتَيْنِ
صفحة ١٩١
الصِّفَتَيْنِ لِمُناسَبَةِ مَقامِ الجَوابِ، أيْ قَدْ قَضى بِالحَقِّ لِكُلِّ أحَدٍ بِما يَسْتَحِقُّهُ فَإنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ حالُ أحَدٍ ولا يَعُوقُهُ عَنْ إيصالِهِ إلى حَقِّهِ عائِقٌ ولا يَجُوزُ دُونَهُ حائِلٌ.
وتَقَدَّمَ ذِكْرُ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ في قَوْلِهِ وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ في سُورَةِ الحَجِّ. واعْلَمْ أنَّهُ ورَدَ في صِفَةِ تَلَقِّي المَلائِكَةِ الوَحْيَ أنَّ مَن يَتَلَقّى مِنَ المَلائِكَةِ الوَحْيَ يَسْألُ الَّذِي يُبَلِّغُهُ إلَيْهِ بِمِثْلِ هَذا الكَلامِ كَما في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ: أنَّ نَبِيءَ اللَّهِ ﷺ قالَ «إذا قَضى اللَّهُ الأمْرَ في السَّماءِ ضَرَبَتْ المَلائِكَةُ بِأجْنِحَتِها خُضْعانًا لِقَوْلِهِ كَأنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلى صَفْوانٍ فَإذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا: ماذا قالَ رَبُّكم ؟ قالُوا لِلَّذِي قالَ الحَقَّ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ» اهـ. فَمَعْنى قَوْلِهِ في الحَدِيثِ: ”قَضى“ صَدَرَ مِنهُ أمْرُ التَّكْوِينِ الَّذِي تَتَوَلّى المَلائِكَةُ تَنْفِيذَهُ، وقَوْلُهُ في الحَدِيثِ ”في السَّماءِ“ يَتَعَلَّقُ بِـ ”قَضى“ بِمَعْنى أوْصَلَ قَضاءَهُ إلى السَّماءِ حَيْثُ مَقَرُّ المَلائِكَةِ، وقَوْلُهُ خُضْعانًا لِقَوْلِهِ أيْ خَوْفًا وخَشْيَةً، وقَوْلُهُ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ أيْ أُزِيلَ الخَوْفُ عَنْ نُفُوسِهِمْ.
وفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ مِنَ التِّرْمِذِيِّ «إذا قَضى رَبُّنا أمْرًا سَبَّحَ لَهُ حَمَلَةُ العَرْشِ ثُمَّ سَبَّحَ أهْلُ السَّماءِ الَّذِينَ يَلُونَهم قالَ ثُمَّ أهْلُ كُلِّ سَماءٍ» الحَدِيثَ. وذَلِكَ لا يَقْتَضِي أنَّهُ المُرادُ في آيَةِ سُورَةِ سَبَأٍ وإنَّما هَذِهِ صِفَةُ تَلَقِّي المَلائِكَةِ أمْرَ اللَّهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَكانَتْ أقْوالُهم عَلى سُنَّةٍ واحِدَةٍ.
ولَيْسَ تَخْرِيجُ البُخارِيِّ والتِّرْمِذِيِّ هَذا الحَدِيثَ في الكَلامِ عَلى تَفْسِيرِ سُورَةِ سَبَأٍ مُرادًا بِهِ أنَّهُ وارِدٌ في ذَلِكَ، وإنَّما يُرِيدُ أنَّ مِن صُوَرِ مَعْناهُ ما ذُكِرَ في سُورَةِ سَبَأٍ. وهَذا يُغْنِيكَ عَنِ الِالتِجاءِ إلى تَكَلُّفاتٍ تَعَسَّفُوها في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وتَعَلُّقِها بِما قَبْلَها.
34:24Page 431
۞ قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُلِ ٱللَّهُۖ وَإِنَّآ أَوۡ إِيَّاكُمۡ لَعَلَىٰ هُدًى أَوۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٢٤
Say, "Who provides for you from the heavens and the earth?" Say, "Allāh. And indeed, we or you are either upon guidance or in clear error."
﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ قُلِ اللَّهُ وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ انْتِقالٌ مِن دَمْغِ المُشْرِكِينَ بِضَعْفِ آلِهَتِهِمْ وانْتِفاءِ جَدْواها عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ إلى إلْزامِهِمْ بُطْلانَ عِبادَتِها بِأنَّها لا تَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لِأنَّ مُسْتَحِقَّ العِبادَةِ هو الَّذِي يَرْزُقُ عِبادَهُ فَإنَّ العِبادَةَ شُكْرٌ ولا يَسْتَحِقُّ الشُّكْرَ إلّا المُنْعِمُ
صفحة ١٩٢
وهَذا احْتِجاجٌ بِالدَّلِيلِ النَّظَرِيِّ بِأنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ يَسْتَلْزِمُ انْفِرادَهُ بِإلَهِيَّتِهِ إذْ لا يَجُوزُ أنْ يَنْفَرِدَ بِبَعْضِ صِفاتِ الإلَهِيَّةِ ويُشارَكَ في بَعْضٍ آخَرَ فَإنَّ الإلَهِيَّةَ حَقِيقَةٌ لا تَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ والتَّبْعِيضَ.
وأُعِيدَ الأمْرُ بِالقَوْلِ لِزِيادَةِ الِاهْتِمامِ بِالمَقُولِ فَإنَّ أصْلَ الأمْرِ بِالقَوْلِ في مَقامِ التَّصَدِّي لِلتَّبْلِيغِ دالٌّ عَلى الِاهْتِمامِ، وإعادَةُ ذَلِكَ الأمْرِ زِيادَةٌ في الِاهْتِمامِ.
و”مَنِ“ اسْتِفْهامٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الخَطَأِ ولِذَلِكَ أعْقَبَ بِالجَوابِ مِن طَرَفِ السّائِلِ بِقَوْلِهِ قُلِ اللَّهُ لِتَحَقُّقِ أنَّهم لا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ الجَوابَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أمْ مَن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ إلى قَوْلِهِ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ في سُورَةِ يُونُسَ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ صَدْرِ الآيَةِ في سُورَةِ الرَّعْدِ.
وعَطْفٌ عَلى الِاسْتِفْهامِ إبْرازُ المَقْصِدِ بِطَرِيقَةٍ خَفِيَّةٍ تُوقِعُ الخَصْمَ في شَرَكِ المَغْلُوبِيَّةِ وذَلِكَ بِتَرْدِيدِ حالَتَيِ الفَرِيقَيْنِ بَيْنَ حالَةِ هُدًى وحالَةِ ضَلالٍ لِأنَّ حالَةَ كُلِّ فَرِيقٍ لَمّا كانَتْ عَلى الضِّدِّ مِن حالِ الفَرِيقِ الآخَرِ بَيْنَ مُوافَقَةِ الحَقِّ وعَدَمِها، تَعَيَّنَ أنَّ أمْرَ الضَّلالِ والهُدى دائِرٌ بَيْنَ الحالَتَيْنِ لا يَعْدُوانِهِما. ولِذَلِكَ جِيءَ بِحَرْفِ ”أوِ“ المُفِيدِ لِلتَّرْدِيدِ المُنْتَزَعِ مِنَ الشَّكِّ.
وهَذا اللَّوْنُ مِنَ الكَلامِ يُسَمّى الكَلامَ المُنْصِفَ وهو أنْ لا يَتْرُكَ المُجادِلُ لِخَصْمِهِ مُوجِبَ تَغَيُّظٍ واحْتِدادٍ في الجِدالِ، ويُسَمّى في عِلْمِ المُناظَرَةِ إرْخاءَ العِنانِ لِلْمُناظِرِ ومَعَ ذَلِكَ فَقَرِينَةُ إلْزامِهِمُ الحُجَّةَ قَرِينَةٌ واضِحَةٌ.
ومِن لَطائِفِهِ هُنا أنِ اشْتَمَلَ عَلى إيماءٍ إلى تَرْجِيحِ أحَدِ الجانِبَيْنِ في أحَدِ الِاحْتِمالَيْنِ بِطَرِيقِ مُقابَلَةِ الجانِبَيْنِ في تَرْتِيبِ الحالَتَيْنِ بِاللَّفِّ والنَّشْرِ المُرَتَّبِ وهو أصْلُ اللَّفِّ.
فَإنَّهُ ذَكَرَ ضَمِيرَ جانِبِ المُتَكَلِّمِ وجَماعَتِهِ وجانِبِ المُخاطَبِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الهُدى وحالَ الضَّلالِ عَلى تَرْتِيبِ ذِكْرِ الجانِبَيْنِ، فَأوْمَأ إلى أنَّ الأوَّلِينَ مُوَجَّهُونَ إلى الهُدى والآخِرِينَ مُوَجَّهُونَ إلى الضَّلالِ المُبِينِ، لا سِيَّما بَعْدَ قَرِينَةِ الِاسْتِفْهامِ، وهَذا أيْضًا مِنَ التَّعْرِيضِ، وهو أوْقَعُ مِنَ التَّصْرِيحِ لا سِيَّما في اسْتِنْزالِ طائِرِ الخَصْمِ.
وفِيهِ أيْضًا تَجاهُلُ العارِفِ فَقَدِ التَأمَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ ثَلاثَةُ مُحَسِّناتٍ مِنَ البَدِيعِ ونُكْتَةٌ مِنَ البَيانِ فاشْتَمَلَتْ عَلى أرْبَعِ خُصُوصِيّاتٍ.
صفحة ١٩٣
وجِيءَ في جانِبِ أصْحابِ الهُدى بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ المُسْتَعارِ لِلتَّمَكُّنِ تَمْثِيلًا لِحالِ المُهْتَدِي بِحالِ مُتَصَرِّفٍ في فَرَسِهِ يُرْكِضُهُ حَيْثُ شاءَ مُتَمَكِّنٌ مِن شَيْءٍ بَلَغَ بِهِ مَقْصِدَهُ. وهي حالَةٌ مُماثِلَةٌ لِحالِ المُهْتَدِي عَلى بَصِيرَةٍ فَهو يَسْتَرْجِعُ مَناهِجَ الحَقِّ في كُلِّ صَوْبٍ. مُتَّسِعَ النَّظَرِ، مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ: فَفِيهِ تَمْثِيلِيَّةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَبَعِيَّةٌ.
وجِيءَ في جانِبِ الضّالِّينَ بِحَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ المُسْتَعارِ لِشِدَّةِ التَّلْبِيسِ بِالوَصْفِ تَمْثِيلًا لِحالِهِمْ في إحاطَةِ الضَّلالِ بِهِمْ بِحالِ الشَّيْءِ في ظَرْفٍ مُحِيطٍ بِهِ لا يَتْرُكُهُ يُفارِقُهُ ولا يَتَطَلَّعُ مِنهُ عَلى خِلافِ ما هو فِيهِ مِن ضِيقٍ يُلازِمُهُ. وفِيهِ أيْضًا تَمْثِيلِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ، وهَذا يَنْظُرُ إلى قَوْلِهِ تَعالى فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا.
فَحَصَلَ في الآيَةِ أرْبَعُ اسْتِعاراتٍ وثَلاثَةُ مُحَسِّناتٍ مِنَ البَدِيعِ وأُسْلُوبٌ بَيانِيٌّ، وحُجَّةٌ قائِمَةٌ، وهَذا إعْجازٌ بَدِيعٌ.
ووَصْفُ الضَّلالِ بِالمُبِينِ دُونَ وصْفِ الهُدى بِالمُبِينِ لِأنَّ حَقِيقَةَ الهُدى مَقُولٌ عَلَيْها بِالتَّواطُؤِ وهو مَعْنى قَوْلِ أصْحابِنا الأشاعِرَةِ: الإيمانُ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ في ذاتِهِ وإنَّما زِيادَتُهُ بِكَثْرَةِ الطّاعاتِ، وأمّا الكُفْرُ فَيَكُونُ بِإنْكارِ بَعْضِ المُعْتَقَداتِ وبِإنْكارِ جَمِيعِها وكُلُّ ذَلِكَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ الكُفْرُ. ولِذَلِكَ قِيلَ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ: فَوَصَفَ كُفْرَهم بِأنَّهُ أشَدُّ الكُفْرِ، فَإنَّ المُبِينَ هو الواضِحُ في جِنْسِهِ البالِغُ غايَةَ حَدِّهِ.
34:25Page 431
قُل لَّا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّآ أَجۡرَمۡنَا وَلَا نُسۡـَٔلُ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٢٥
Say, "You will not be asked about what we committed, and we will not be asked about what you do."
﴿قُلْ لا تُسْألُونَ عَمّا أجْرَمْنا ولا نُسْألُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ . أُعِيدَ الأمْرُ بِأنْ يَقُولَ لَهم مَقالًا آخَرَ إعادَةً لِزِيادَةِ الِاهْتِمامِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا واسْتِدْعاءً لِأسْماءِ المُخاطَبِينَ بِالإصْغاءِ إلَيْهِ.
ولَمّا كانَ هَذا القَوْلُ يَتَضَمَّنُ بَيانًا لِلْقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ فُصِلَتْ جُمْلَةُ الأمْرِ بِالقَوْلِ عَنْ أُخْتِها إذْ لا يُعْطَفُ البَيانُ عَلى المُبِينِ بِحَرْفِ النَّسَقِ، فَإنَّهُ لَمّا رَدَّدَ أمْرَ الفَرِيقَيْنِ بَيْنَ أنْ يَكُونَ أحَدُهُما عَلى هُدًى والآخَرُ في ضَلالٍ وكانَ الضَّلالُ يَأْتِي بِالإجْرامِ
صفحة ١٩٤
اتَّسَعَ بِالمُحاجَّةِ فَقِيلَ لَهم: إذا نَحْنُ أجْرَمْنا فَأنْتُمْ غَيْرُ مُؤاخَذِينَ بِجُرْمِنا وإذا عَمِلْتُمْ عَمَلًا فَنَحْنُ غَيْرُ مُؤاخَذِينَ بِهِ، أيْ أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مُؤاخَذٌ وحْدَهُ بِعَمَلِهِ فالأجْدى بِكِلا الفَرِيقَيْنِ أنْ يَنْظُرَ كُلٌّ في أعْمالِهِ وأعْمالِ ضِدِّهِ لِيَعْلَمَ أيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالفَوْزِ والنَّجاةِ عِنْدَ اللَّهِ.
وأيْضًا فُصِلَتْ لِتَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِها لِيَخُصَّها السّامِعُ بِالتَّأمُّلِ في مَدْلُولِها فَيَجُوزُ أنْ تُعْتَبَرَ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، وهي مَعَ ذَلِكَ اعْتِراضٌ بَيِّنٌ أثْناءَ الِاحْتِجاجِ.
فَمَعْنى ”لا تُسْألُونَ، ولا نُسْألُ“ أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ لَهُ خُوَيِّصَتُهُ.
والسُّؤالُ: كِنايَةٌ عَنْ أثَرِهِ وهو الثَّوابُ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ والجَزاءُ عَلى الإجْرامِ بِمِثْلِهِ كَما هو في قَوْلِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
وقِيلَ إنَّكَ مَنسُوبٌ ومَسْئُولُ
أرادَ ومُؤاخَذٌ بِما سَبَقَ مِنكَ لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ:
لَذاكَ أهْيَبُ عِنْدِي إذْ أُكَلِّمُهُ
وإسْنادُ الإجْرامِ إلى جانِبِ المُتَكَلِّمِ ومَن مَعَهُ مَبْنِيٌّ عَلى زَعْمِ المُخاطَبِينَ، وقالَ تَعالى وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ كانَ المُشْرِكُونَ يُؤَنِّبُونَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهم خاطِئُونَ في تَجَنُّبِ عِبادَةِ أصْنامِ قَوْمِهِمْ.
وهَذِهِ نُكْتَةُ صَوْغِهِ في صِيغَةِ الماضِي لِأنَّهُ مُتَحَقِّقٌ عَلى زَعْمِ المُشْرِكِينَ. وصِيغَ ما يَعْمَلُ المُشْرِكُونَ في صِيغَةِ المُضارِعِ لِأنَّهم يَنْتَظِرُونَ مِنهم عَمَلًا تَعْرِيضًا بِأنَّهم يَأْتُونَ عَمَلًا غَيْرَ ما عَمِلُوهُ، أيْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ بَعْدَ كُفْرِهِمْ.
وهَذا ضَرْبٌ مِنَ المُشارَكَةِ والمُوادَعَةِ لِيَخْلُوا بِأنْفُسِهِمْ فَيَنْظُرُوا في أمْرِهِمْ ولا يُلْهِيَهِمْ جِدالُ المُؤْمِنِينَ عَنِ اسْتِعْراضِ ومُحاسَبَةِ أنْفُسِهِمْ وأسْنَدُوا العَمَلَ عَلى إطْلاقِهِ في جانِبِ المُخاطَبِينَ لِأنَّ النَّظَرَ والتَّدَبُّرَ بَعْدَ ذَلِكَ يَكْشِفُ عَنْ كُنْهِ كِلا العَمَلَيْنِ.
ولَيْسَ لِهَذِهِ الآيَةِ تَعَلُّقٌ بِمُشارَكَةِ القِتالِ فَلا تُجْعَلُ مَنسُوخَةً بِآياتِ القِتالِ.
34:26Page 431
قُلۡ يَجۡمَعُ بَيۡنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفۡتَحُ بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَهُوَ ٱلۡفَتَّاحُ ٱلۡعَلِيمُ ٢٦
Say, "Our Lord will bring us together; then He will judge between us in truth. And He is the Knowing Judge."1
صفحة ١٩٥
﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ وهْوَ الفَتّاحُ العَلِيمُ﴾ إعادَةُ فِعْلِ ”قُلْ“ لِما عَرَفْتَ في الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها مِن زِيادَةِ الِاهْتِمامِ بِهَذِهِ المُحاجّاتِ لِتَكُونَ كُلُّ مُجادَلَةٍ مُسْتَقِلَّةً غَيْرَ مَعْطُوفَةٍ فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا.
وأيْضًا فَهي بِمَنزِلَةِ البَيانِ لِلَّتِي قَبْلَها لِأنَّ نَفْيَ سُؤالِ كُلِّ فَرِيقٍ عَنْ عَمَلِ غَيْرِهِ يَقْتَضِي أنَّ هُنالِكَ سُؤالًا عَنْ عَمَلِ نَفْسِهِ فَبَيَّنَ بِأنَّ الَّذِي يَسْألُ النّاسَ عَنْ أعْمالِهِمْ هو اللَّهُ تَعالى، وأنَّهُ الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ بِالحَقِّ حِينَ يَجْمَعُهم يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِي هم مُنْكِرُوهُ فَما ظَنُّكَ بِحالِهِمْ يَوْمَ تَحَقُّقِ ما أنْكَرُوهُ.
وهُنا تَدَرَّجَ الجَدَلُ مِنَ الإيماءِ إلى الإشارَةِ القَرِيبَةِ مِنَ التَّصْرِيحِ لِما في إثْباتِ يَوْمِ الحِسابِ والسُّؤالِ مِنَ المُصارَحَةِ بِأنَّهُمُ الضّالُّونَ. ويُسَمّى هَذا التَّدَرُّجُ عِنْدَ أهْلِ الجَدَلِ بِالتَّرَقِّي.
والفَتْحُ الحُكْمُ والفَصْلُ بِالحَقِّ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩] وهو مَأْخُوذٌ مِن فَتْحِ الكُوَّةِ لِإظْهارِ ما خَلْفَها.
وجُمْلَةُ وهو الفَتّاحُ العَلِيمُ تَذْيِيلٌ بِوَصْفِهِ تَعالى بِكَثْرَةِ الحُكْمِ وقُوَّتِهِ وإحاطَةِ العِلْمِ، وبِذَلِكَ كانَ تَذْيِيلًا لِجُمْلَةِ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ المُتَضَمِّنَةِ حُكْمًا جُزْئِيًّا فَذَيَّلَ بِوَصْفٍ كُلِّيٍّ، وإنَّما أتْبَعَ الفَتّاحَ بِـ العَلِيمِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ حُكْمَهُ عَدْلٌ مَحْضٌ لِأنَّهُ عَلِيمٌ لا تَحُفُّ بِحُكْمِهِ أسْبابُ الخَطَأِ والجَوْرِ النّاشِئِ عَنِ الجَهْلِ والعَجْزِ واتِّباعِ الضَّعْفِ النَّفْسانِيِّ النّاشِئِ عَنِ الجَهْلِ بِالأحْوالِ والعَواقِبِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences