Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
سبإ
Saba
Sheba · Meccan · 54 ayahs
34:1Page 428
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ١
[All] praise is [due] to Allāh, to whom belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth, and to Him belongs [all] praise in the Hereafter. And He is the Wise, the Aware.
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ وهْوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ أُفْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِـ الحَمْدُ لِلَّهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ السُّورَةَ تَتَضَمَّنُ مِن دَلائِلِ تَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ واتِّصافِهِ بِصِفاتِ العَظَمَةِ ما يَقْتَضِي إنْشاءَ الحَمْدِ لَهُ والإخْبارَ بِاخْتِصاصِهِ بِهِ. فَجُمْلَةُ (الحَمْدُ لِلَّهِ) هُنا يَجُوزُ كَوْنُها إخْبارًا بِأنَّ جِنْسَ الحَمْدِ مُسْتَحَقٌّ لِلَّهِ تَعالى فَتَكُونُ اللّامُ في قَوْلِهِ (لِلَّهِ) لامَ المِلْكِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ إنْشاءَ ثَناءٍ عَلى اللَّهِ عَلى وجْهِ تَعْلِيمِ النّاسِ أنْ يَخُصُّوهُ بِالحَمْدِ فَتَكُونُ اللّامُ لِلتَّبْيِينِ لِأنَّ مَعْنى الكَلامِ: أحْمَدُ اللَّهَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (الحَمْدُ لِلَّهِ) في سُورَةِ الفاتِحَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَعْقِيبِهِ بِاسْمِ المَوْصُولِ في أوَّلِ سُورَةِ الأنْعامِ وأوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ.
وهَذِهِ إحْدى سُوَرٍ خَمْسٍ مُفْتَتَحَةٍ بِـ (الحَمْدُ لِلَّهِ) وهُنَّ كُلُّها مَكِّيَّةٌ وقَدْ وُضِعَتْ في تَرْتِيبِ القُرْآنِ في أوَّلِهِ ووَسَطِهِ، والرُّبُعِ الأخِيرِ، فَكانَتْ أرْباعُ القُرْآنِ مُفْتَتَحَةً بِالحَمْدِ لِلَّهِ كانَ ذَلِكَ بِتَوْفِيقٍ مِنَ اللَّهِ أوْ تَوْقِيفٍ.
واقْتِضاءُ صِلَةِ المَوْصُولِ أنَّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ مِلْكٌ لِلَّهِ تَعالى يَجْعَلُ هَذِهِ الصِّلَةَ صالِحَةً لِتَكَوُنَ عِلَّةً لِإنْشاءِ الثَّناءِ عَلَيْهِ لِأنَّ مِلْكَهُ لِما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِلْكٌ حَقِيقِيٌّ لِأنَّ سَبَبَهُ إيجادُ تِلْكَ المَمْلُوكاتِ وذَلِكَ الإيجادُ عَمَلٌ جَمِيلٌ يَسْتَحِقُّ صاحِبُهُ الحَمْدُ، وأيْضًا هو يَتَضَمَّنُ نِعَمًا جَمَّةً. وهي أيْضًا تَقْتَضِي حَمْدَ المُنْعِمِ؛ لِأنَّ الحَمْدَ يَكُونُ لِلْفَضائِلِ والفَواضِلِ، فَما في السَّماواتِ فَإنَّ مِنهُ مَهابِطَ أنْوارٍ حَقِيقِيَّةٍ ومَعْنَوِيَّةٍ، فِيها هُدًى حِسِّيٌّ ونَفْسانِيٌّ، وإلَيْهِ مَعارِجَ لِلنُّفُوسِ في مَراتِبِ
صفحة ١٣٦
الكَمالاتِ الَّتِي بِها اسْتِقامَةُ السِّيَرِ، وإزالَةُ الغِيَرِ، ونُزُولُ الغُيُوثِ بِالمَطَرِ. وما في الأرْضِ مِنهُ مَسارِحُ أنْظارِ المُتَفَكِّرِينَ، ومَنابِتُ أرْزاقِ المُرْتَزَقِينَ، ومَيادِينُ نُفُوسِ السّائِرِينَ.
وفِي هَذِهِ الصِّلَةِ تَعْرِيضٌ بِكُفْرانِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ حَمِدُوا أشْياءَ لَيْسَ لَها في هَذِهِ العَوالِمِ أدْنى تَأْثِيرٍ ولا لَها بِما تَحْتَوِي عَلَيْهِ أدْنى شُعُورٍ، ونَسُوا حَمْدَ مالِكِها وسائِرِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ.
وجُمْلَةُ ﴿ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ، أيْ والَّذِي لَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ، وهَذا إنْباءٌ بِأنَّهُ مالِكُ الأمْرِ كُلِّهِ في الآخِرَةِ.
وفِي هَذا التَّحْمِيدِ بَراعَةُ اسْتِهْلالِ الغَرَضِ مِنَ السُّورَةِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِإفادَةِ الحَصْرِ، أيْ لا حَمْدَ في الآخِرَةِ إلّا لَهُ، فَلا تَتَوَجَّهُ النُّفُوسُ إلى حَمْدِ غَيْرِهِ لِأنَّ النّاسَ يَوْمَئِذٍ في عالَمِ الحَقِّ فَلا تَلْتَبِسُ عَلَيْهِمُ الصُّوَرُ.
واعْلَمْ أنَّ جُمْلَةَ (الحَمْدُ لِلَّهِ) وإنِ اقْتَضَتْ قَصْرَ الحَمْدِ عَلَيْهِ تَعالى قَصْرًا مَجازِيًا لِلْمُبالِغَةِ كَما تَقَدَّمَ في سَوَّرَةِ الفاتِحَةِ بِناءً عَلى أنَّ حَمْدَ غَيْرِ اللَّهِ لِلِاعْتِدادِ بِأنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ جَرَتْ عَلى يَدَيْهِ، فَلَمّا شاعَ ذَلِكَ في جُمْلَةِ الحَمْدُ لِلَّهِ وأُرِيدَ إفادَةُ أنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ تَعالى في الآخِرَةِ حَقِيقَةً غُيَّرَتْ صِيغَةُ الحَمْدِ المَأْلُوفَةِ إلى صِيغَةِ لَهُ الحَمْدُ لِهَذا الِاعْتِبارِ، وهَذا نَظِيرُ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافر: ١٦]، فالمَعْنى: أنَّ قَصْرَ الحَمْدِ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ أحَقُّ لِأنَّ التَّصَرُّفاتِ يَوْمَئِذٍ مَقْصُورَةٌ عَلَيْهِ لا يَلْتَبِسُ فِيها تَصَرُّفُ غَيْرِهِ بِتَصَرُّفِهِ.
ولَمّا نِيطَ حَمْدُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ بِما اقْتَضى مَرْجِعَ التَّصَرُّفاتِ إلَيْهِ في الدّارَيْنِ أعْقَبَ ذَلِكَ بِصِفَتَيِ (الحَكِيمُ الخَبِيرُ)؛ لِأنَّ الَّذِي أوْجَدَ أحْوالَ النَّشْأتَيْنِ هو العَظِيمُ الحِكْمَةِ الخَبِيرُ بِدَقائِقِ الأشْياءِ وأسْرارِها. فالحِكْمَةُ: إتْقانُ التَّصَرُّفِ بِالإيجادِ وضِدِّهِ، والخِبْرَةُ تَقْتَضِي العِلْمَ بِأوائِلِ الأُمُورِ وعَواقِبِها.
والقَرْنُ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ هُنا لِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ تَدُلُّ عَلى مَعْنًى أصْلِيٍّ ومَعْنًى لُزُومِيٍّ، وهُما مُخْتَلِفانِ، فالمَعْنى الأصْلِيُّ لِلْحَكِيمِ أنَّهُ مُتْقِنُ التَّصَرُّفِ والصُّنْعِ لِأنَّ الحَكِيمَ مُشْتَقٌّ مِنَ الإحْكامِ وهو الإتْقانُ، وهو يَسْتَلْزِمُ العِلْمَ بِحَقائِقِ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ، والخَبِيرُ هو العَلِيمُ بِدَقائِقِ الأشْياءِ وظَواهِرِها بِالأوْلى بِحَيْثُ لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ
صفحة ١٣٧
مِنها، وهو يَسْتَلْزِمُ التَّمَكُّنَ مِن تَصْرِيفِها، فَفي التَّتْمِيمِ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ إيماءٌ إلى أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الجُمْلَةِ قَبْلَهُ اسْتِحْماقُ الَّذِينَ أقْبَلُوا في شُئُونِهِمْ عَلى آلِهَةٍ باطِلَةٍ.
34:2Page 428
يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعۡرُجُ فِيهَاۚ وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلۡغَفُورُ ٢
He knows what penetrates into the earth and what emerges from it and what descends from the heaven and what ascends therein. And He is the Merciful, the Forgiving.
﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهْوَ الرَّحِيمُ الغَفُورُ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿وهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ [سبإ: ١] لِأنَّ العِلْمَ بِما ذَكَرَ هُنا هو العِلْمُ بِذَواتِها وخَصائِصِها وأسْبابِها وعِلَلِها وذَلِكَ عَيْنُ الحِكْمَةِ والخِبْرَةِ، فَإنَّ العِلْمَ يَقْتَضِي العَمَلَ، وإتْقانُ العَمَلِ بِالعِلْمِ.
وخَصَّ بِالذِّكْرِ في مُتَعَلِّقِ العِلْمِ ما يَلِجُ وما يَخْرُجُ مِنَ الأرْضِ دُونَ ما يَدِبُّ عَلى سَطْحِها، وما يَنْزِلُ وما يَعْرُجُ إلى السَّماءِ دُونَ ما يَجُولُ في أرْجائِها لِأنَّ ما ذُكِرَ لا يَخْلُو عَنْ أنْ يَكُونَ دابًّا وجائِلًا فِيهِما والَّذِي يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها يَعْلَمُ ما يَدِبُّ عَلَيْها وما يَزْحَفُ فَوْقَها، والَّذِي يَعْلَمُ ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ يَعْلَمُ ما في الأجْواءِ والفَضاءِ مِنَ الكائِناتِ المَرْئِيَّةِ وغَيْرِها ويَعْلَمُ سَيْرَ الكَواكِبِ ونِظامَها.
والوُلُوجُ: الدُّخُولُ والسُّلُوكُ مِثْلَ وُلُوجِ المَطَرِ في أعْماقِ الأرْضِ ووُلُوجِ الزَّرِيعَةِ. والَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الأرْضِ النَّباتُ والمَعادِنُ والدَّوابُّ المُسْتَكِنَّةُ في بُيُوتِها ومَغاراتِها، وشَمِلَ ذَلِكَ مَن يُقْبَرُونَ في الأرْضِ وأحْوالَهم، والَّذِي يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ: المَطَرُ والثَّلْجُ والرِّياحُ، والَّذِي يَعْرُجُ فِيها ما يَتَصاعَدُ في طَبَقاتِ الجَوِّ مِنَ الرُّطُوباتِ البَحَرِيَّةِ ومِنَ العَواصِفِ التُّرابِيَّةِ، ومِنَ العَناصِرِ الَّتِي تَتَبَخَّرُ في الطَّبَقاتِ الجَوِّيَّةِ فَوْقَ الأرْضِ، وما يَسْبَحُ في الفَضاءِ وما يَطِيرُ في الهَواءِ وعُرُوجِ الأرْواحِ عِنْدَ مُفارَقَةِ الأجْسادِ قالَ تَعالى ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] .
واعْلَمْ أنَّ كَلِمَتَيْ (يَلِجُ) و(يَخْرُجُ) أوْضَحُ ما يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ أحْوالِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ الأرْضِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى اتِّصالِها بِالأرْضِ، وأنَّ كَلِمَتَيْ (يَنْزِلُ) و(يَعْرُجُ) أوْضَحُ ما يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ أحْوالِ المَوْجُوداتِ السَّماوِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى اتِّصالِها بِالسَّماءِ، مِن كَلِماتِ اللُّغَةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى المَعانِي المَوْضُوعَةِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها دَلالَةً مُطابِقِيَّةً عَلى
صفحة ١٣٨
الحَقِيقَةِ دُونَ المَجازِ ودُونَ الكِنايَةِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَعْطِفِ السَّماءَ عَلى الأرْضِ في الآيَةِ فَلَمْ يَقُلْ: يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ والسَّماءِ، وما يَخْرُجُ مِنهُما، ولَمْ يَكْتَفِ بِإحْدى الجُمْلَتَيْنِ عَنِ الأُخْرى. وقَدْ لاحَ لِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ يَنْبَغِي أنْ تُجْعَلَ مِنَ الإنْشاءِ مِثْلَ ما اصْطَلَحَ عَلى تَسْمِيَتِهِ بِصَراحَةِ اللَّفْظِ. ولِذَلِكَ ألْحَقْتُها بِكِتابِي (أصُولُ الإنْشاءِ والخَطابَةِ) بَعْدَ تَفَرُّقِ نُسَخِهِ بِالطَّبْعِ، وسَيَأْتِي نَظِيرُ هَذِهِ في أوَّلِ سُورَةِ الحَدِيدِ.
ولَمّا كانَ مِن جُمْلَةِ أحْوالِ ما في الأرْضِ أعْمالُ النّاسِ وأحْوالُهم مِن عَقائِدَ وسِيَرٍ ومِمّا يَعْرُجُ في السَّماءِ العَمَلُ الصّالِحُ والكَلِمُ الطَّيِّبُ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وهُوَ الرَّحِيمُ الغَفُورُ﴾ أيِ الواسِعُ الرَّحْمَةِ والواسِعُ المَغْفِرَةِ. وهَذا إجْمالٌ قُصِدَ مِنهُ حَثُّ النّاسِ عَلى طَلَبِ أسْبابِ الرَّحْمَةِ والمَغْفِرَةِ المَرْغُوبِ فِيهِما فَإنَّ مَن رَغِبَ في تَحْصِيلِ شَيْءٍ بَحَثَ عَنْ وسائِلِ تَحْصِيلِهِ وسَعى إلَيْها. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ أنْ يَتُوبُوا عَنِ الشِّرْكِ فَيَغْفِرُ لَهم ما قَدَّمُوهُ.
34:3Page 428
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأۡتِينَا ٱلسَّاعَةُۖ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأۡتِيَنَّكُمۡ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِۖ لَا يَعۡزُبُ عَنۡهُ مِثۡقَالُ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَآ أَصۡغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرُ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ ٣
But those who disbelieve say, "The Hour will not come to us." Say, "Yes, by my Lord, it will surely come to you. [Allāh is] the Knower of the unseen." Not absent from Him is an atom's weight1 within the heavens or within the earth or [what is] smaller than that or greater, except that it is in a clear register -
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ كانَ ذِكْرُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها مُشْعِرًا بِحالِ المَوْتى عِنْدَ وُلُوجِهِمُ القُبُورَ وعِنْدَ نَشْرِهِمْ مِنها كَما قالَ تَعالى ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٦] وقالَ ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهم سِراعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤]، وكانَ ذِكْرُ ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها مُومِيًا إلى عُرُوجِ الأرْواحِ عِنْدَ مُفارَقَةِ الأجْسادِ ونُزُولِ الأرْواحِ لِتُرَدَّ إلى الأجْسادِ الَّتِي تُعادُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَكانَ ذَلِكَ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ [سبإ: ١] مُناسِبَةٌ لِلتَّخَلُّصِ إلى ذِكْرِ إنْكارِ المُشْرِكِينَ الحَشْرَ لِأنَّ إبْطالَ زَعْمِهِمْ مِن أهَمِّ مَقاصِدِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَكانَ التَّخَلُّصُ بُقُولِهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾، فالواوُ اعْتِراضِيَّةٌ لِلِاسْتِطْرادِ وهي في الأصْلِ واوُ عَطْفِ الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ عَلى ما قَبْلَها مِنَ الكَلامِ. ولَمّا لَمْ تُفِدْ إلّا التَّشْرِيكَ في الذِّكْرِ دُونَ الحُكْمِ دَعَوْها بِالواوِ الِاعْتِراضِيَّةِ ولَيْسَتْ هُنا لِلْعَطْفِ لِعَدَمِ التَّناسُبِ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ وإنَّما جاءَتِ المُناسَبَةُ مِن أجْزاءِ الجُمْلَةِ الأُولى فَكانَتِ الثّانِيَةُ اسْتِطْرادًا واعْتِراضًا، وتَقَدَّمَ آنِفًا ما قِيلَ: إنَّ هَذِهِ المَقالَةَ كانَتْ سَبَبَ نُزُولِ السُّورَةِ.
صفحة ١٣٩
وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالمَوْصُولِيَّةِ لِأنَّ هَذا المَوْصُولَ صارَ كالعَلَمِ بِالغُبَّةِ عَلى المُشْرِكِينَ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ وتَعارُفِ المُسْلِمِينَ.
والسّاعَةُ: عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ في القُرْآنِ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ وساعَةِ الحَشْرِ.
وعَبَّرَ عَنِ انْتِفاءِ وُقُوعِها بِانْتِفاءِ إتْيانِها عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ لِأنَّها لَوْ كانَتْ واقِعَةً لَأتَتْ، لَأنَّ وُقُوعَها هو إتْيانُها.
وضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ مُرادٌ بِهِ جَمِيعُ النّاسِ.
ولَقَدْ لَقَّنَ اللَّهُ نَبِيئَهُ ﷺ الجَوابَ عَنْ قَوْلِ الكافِرِينَ بِالإبْطالِ المُؤَكَّدِ عَلى عادَةِ إرْشادِ القُرْآنِ في انْتِهازِ الفُرَصِ لِتَبْلِيغِ العَقائِدِ.
و(بَلى) حَرْفُ جَوابٍ مُخْتَصٌّ بِإبْطالِ النَّفْيِ فَهو حَرْفُ إيجابٍ لِما نَفاهُ كَلامٌ قَبْلَهُ وهو نَظِيرُ (بَلْ) أوْ مُرَكَّبٌ مِن (بَلْ) وألِفٍ زائِدَةٍ، أوْ هي ألِفُ تَأْنِيثٍ لِمُجَرَّدِ تَأْنِيثِ الكَلِمَةِ مِثْلَ زِيادَةِ تاءِ التَّأْنِيثِ في ثَمَّةَ ورُبَّةَ، لَكِنَّ (بَلى) حَرْفٌ يَخْتَصُّ بِإيجابِ النَّفْيِ فَلا يَكُونُ عاطِفًا و(بَلْ) يُجابُ بِهِ الإثْباتُ والنَّفْيُ وهو عاطِفٌ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (بَلى) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وأكَّدَ ما اقْتَضاهُ (بَلى) مِن إثْباتِ إتْيانِ السّاعَةِ بِالقَسَمِ عَلى ذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى ثِقَةِ المُتَكَلِّمِ بِأنَّها آتِيَةٌ ولَيْسَ ذَلِكَ لِإقْناعِ المُخاطَبِينَ وهو تَأْكِيدٌ يُرَوِّعُ السّامِعِينَ المُكَذِّبِينَ.
وعُدِّيَ إتْيانُها إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ مِن بَيْنِ جَمِيعِ النّاسِ دُونَ: لَتَأْتِيَنّا، ودُونَ أنْ يُجَرَّدَ عَنِ التَّعْدِيَةِ لِمَفْعُولٍ؛ لِأنَّ المُرادَ إتْيانُ السّاعَةِ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ عِقابُهم كَما يُقالُ: وأتاكُمُ العَدُوُّ، وأتاكَ أتاكَ اللّاحِقُونَ، فَتَعَلُّقُهُ بِضَمِيرِ المُخاطَبِينَ قَرِينَةٌ عَلى أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ إتْيانِ مَكْرُوهٍ فِيهِ عَذابٌ.
وفِعْلُ (أتى) يَرِدُ كَثِيرًا في مَعْنى حُلُولِ المَكْرُوهِ مِثْلَ (﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]) و﴿فَأتاهُمُ العَذابُ﴾ [الزمر: ٢٥] و﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وقَوْلِ النّابِغَةِ:
فَلَتَأْتِيَنْكَ قَصائِدٌ ولَيَدْفَعَ - نْ جَيْشًا إلَيْكَ قَوادِمُ الأكْوارِ
صفحة ١٤٠
وقَوْلِهِ:
أتانِي أبَيْتَ اللَّعْنَ أنَّكَ لُمْتَنِي
ومِن هَذا يَنْتَقِلُونَ إلى تَعْدِيَةِ فِعْلِ (أتى) بِحَرْفِ (عَلى) فَيَقُولُونَ: أتى عَلى كَذا، إذا اسْتَأْصَلَهُ. ويَكْثُرُ في غَيْرِ ذَلِكَ اسْتِعْمالُ فِعْلِ جاءَ، وقَدْ يَكُونُ لِلْمَكْرُوهِ نَحْوُ ﴿وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ [يونس: ٢٢] .
* * *
﴿عالِمِ الغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾
﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ خَبَرٌ ثانٍ عَنْ ضَمِيرِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿وهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ [سبإ: ١] في قِراءَةِ مَن قَرَأهُ بِالرَّفْعِ، وصِفَةٌ لِ - (رَبِّي) المُقْسَمِ بِهِ في قِراءَةِ مَن قَرَأهُ بِالجَرِّ وقَدِ اقْتَضَتْ ذِكْرَهُ مُناسَبَةُ تَحْقِيقِ إتْيانِ السّاعَةِ فَإنَّ وقْتَها وأحْوالَها مِنَ الأُمُورِ المُغَيَّبَةِ في عِلْمِ النّاسِ. وفي هَذِهِ الصِّفَةِ إتْمامٌ لِتُبَيِّنَ سَعَةَ عِلْمِهِ تَعالى فَبَعْدَ أنْ ذُكِرَتْ إحاطَةُ عِلْمِهِ بِالكائِناتِ ظاهِرِها وخَفِيِّها جَلِيلِها ودَقِيقِها في سُورَةِ البَقَرَةِ أُتْبِعَ بِإحاطَةِ عِلْمِهِ بِما سَيَكُونُ أنَّهُ يَكُونُ ومَتى يَكُونُ.
والغَيْبُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] عَلى مَعانٍ ذُكِرَتْ هُنالِكَ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ (عالِمُ الغَيْبِ) بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ، وبِرَفْعِ (عالِمُ) عَلى القَطْعِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وخَلَفٌ، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ أيْضًا ومَجْرُورًا عَلى الصِّفَةِ لِاسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ (ورَبِّي) .
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ (عَلّامِ) بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ وبِالجَرِّ عَلى النَّعْتِ. وقَدْ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ إتْباعُ ذِكْرِ السّاعَةِ بِذِكْرِ انْفِرادِهِ تَعالى بِعِلْمِها لِأنَّ الكافِرِينَ بِها جَعَلُوا مِن عَدَمِ العِلْمِ بِها دَلِيلًا سُفُسْطائِيًّا عَلى أنَّها لَيْسَتْ بِواقِعَةٍ ولِذَلِكَ سَمّاها القُرْآنُ (الواقِعَةَ) في قَوْلِهِ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]
صفحة ١٤١
والعُزُوبُ: الخَفاءُ. ومادَّتُهُ تَحُومُ حَوْلَ مَعانِي البُعْدِ عَنِ النَّظَرِ وفي مُضارِعِهِ ضَمُّ العَيْنِ وكَسْرُها. قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الزّايِ، وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِكَسْرِ الزّايِ ومَعْنى ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾: لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ يُونُسَ ﴿وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [يونس: ٦١] . وتَقَدَّمَ مِثْقالُ الحَبَّةِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ [الأنبياء: ٤٧] . وأشارَ بِقَوْلِهِ (﴿مِثْقالُ ذَرَّةٍ﴾) إلى تَقْرِيبِ مَعْنى إمْكانِ الحَشْرِ لِأنَّ الكافِرِينَ أحالُوهُ بِعِلَّةِ أنَّ الأجْسادَ تَصِيرُ رُفاتًا وتُرابًا فَلا تُمْكِنُ إعادَتُها فَنُبِّهُوا إلى أنَّ عِلْمَ اللَّهِ مُحِيطٌ بِأجْزائِها.
ومَواقِعُ تِلْكَ الأجْزاءِ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ، وعِلْمُهُ بِها تَفْصِيلًا يَسْتَلْزِمُ القُدْرَةَ عَلى تَسْخِيرِها لِلتَّجَمُّعِ والتِحاقِ كُلٍّ مِنها بِعَدِيلِهِ حَتّى تَلْتَئِمَ الأجْسامُ مِنَ الذَّرّاتِ الَّتِي كانَتْ مُرَكَّبَةً مِنها في آخِرِ لَحَظاتِ حَياتِها الَّتِي عَقِبَها المَوْتُ وتَوَقَّفَ الجَسَدُ بِسَبَبِ المَوْتِ عَنِ اكْتِسابِ أجْزاءٍ جَدِيدَةٍ. فَإذا عَدَتِ الأرْضُ عَلى أجْزاءِ ذَلِكَ الجَسَدِ ومَزَّقَتْهُ كُلَّ مُمَزَّقٍ كانَ اللَّهُ عالِمًا بِكُلِّ جُزْءٍ فَإنَّ الكائِناتِ لا تَضْمَحِلُّ ذَرّاتُها فَتُمْكِنُ إعادَةُ أجْسامٍ جَدِيدَةٍ تَنْبَثِقُ مِن ذَرّاتِ الأجْسامِ الأُولى وتُنْفَخُ فِيها أرْواحُها. فاللَّهُ قادِرٌ عَلى تَسْخِيرِها لِلِاجْتِماعِ بِقُوًى يُحْدِثُها اللَّهُ تَعالى لِجَمْعِ المُتَفَرِّقاتِ أوْ تَسْخِيرِ مَلائِكَةٍ لِجَمْعِها مَن أقاصِي الجِهاتِ في الأرْضِ والجَوِّ أوِ السَّماءِ عَلى حَسَبِ تَفَرُّقِها، أوْ تَكُونُ ذَرّاتٌ مِنها صالِحَةً لِأنْ تَتَفَتَّقَ عَنْ أجْسامٍ كَما تَتَفَتَّقُ الحَبَّةُ عَنْ عِرْقِ الشَّجَرَةِ، أوْ بِخَلْقِ جاذِبِيَّةٍ خاصَّةٍ بِجَذْبِ تِلْكَ الذَّرّاتِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ ثُمَّ يُصَوِّرُ مِنها جَسَدَها، وإلى هَذا المَعْنى يُشِيرُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] ثُمَّ تَنْمُو تِلْكَ الأجْسامُ سَرِيعًا فَتُصْبِحُ في صُوَرِ أُصُولِها الَّتِي كانَتْ في الحَياةِ الدُّنْيا.
وانْظُرْ قَوْلَهُ تَعالى ﴿يَوْمَ يَدَعُ الدّاعِي إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦] ﴿خُشَّعًا أبْصارُهم يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧] في سُورَةِ اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ، وقَوْلَهُ (﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤]) في سُورَةِ القارِعَةِ فَإنَّ الفَراشَ وهو فِراخُ الجَرادِ تَنْشَأُ مِنَ البَيْضِ مِثْلَ الدُّودِ ثُمَّ لا تَلْبَثُ إلّا قَلِيلًا حَتّى تَصِيرَ جَرادًا وتَطِيرُ. ولِهَذا سَمّى اللَّهُ ذَلِكَ البَعْثَ نَشْأةً لِأنَّ فِيهِ إنْشاءً جَدِيدًا وخَلْقًا مُعادًا وهو تَصْوِيرُ تِلْكَ الأجْزاءِ
صفحة ١٤٢
بِالصُّورَةِ الَّتِي كانَتْ مُلْتَئَمَةً بِها حِينَ المَوْتِ ثُمَّ إرْجاعُ رُوحِ كُلِّ جَسَدٍ إلَيْهِ بَعْدَ تَصْوِيرِهِ بِما سُمِّيَ بِالنَّفْخِ فَقالَ ﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٤٧] وقالَ ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥] ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ [ق: ١٦] الآيَةَ. أيْ فَذَلِكَ يُشْبِهُ خَلْقَ آدَمَ مِن تُرابِ الأرْضِ وتَسْوِيَتِهِ ونَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ وذَلِكَ بَيانٌ مُقْنِعٌ لِلْمُتَأمِّلِ لَوْ نَصَبُوا أنْفُسَهم لِلتَّأمُّلِ.
وأشارَ بِقَوْلِهِ ﴿ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ﴾ إلى ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ مِنَ العَناصِرِ والقُوى الدَّقِيقَةِ أجْزاؤُها الجَلِيلَةِ آثارُها، وتَسْيِيرُها بِما يَشْمَلُ الأرْواحَ الَّتِي تَحِلُّ في الأجْسامِ والقُوى الَّتِي تُودِعُها فِيها.
34:4–5Page 428
لِّيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٤
That He may reward those who believe and do righteous deeds. Those will have forgiveness and noble provision.
وَٱلَّذِينَ سَعَوۡ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مِّن رِّجۡزٍ أَلِيمٞ ٥
But those who strive against Our verses [seeking] to cause failure1 - for them will be a painful punishment of foul nature.
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٍ﴾ لامُ التَّعْلِيلِ تَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ (لَتَأْتِيَنَّكم) دُونَ تَقْيِيدِ الإتْيانِ بِخُصُوصِ المُخاطَبِينَ بَلِ المُرادُ ما شَمَلَهم وغَيْرَهم لِأنَّ جَزاءَ الَّذِينَ آمَنُوا لا عَلاقَةَ لَهُ بِالمُخاطَبِينَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَتَأْتِيَنَّ السّاعَةُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ، وهُمُ المُخاطَبُونَ، وضَمِيرُ (يَجْزِيَ) عائِدٌ إلى عالِمِ الغَيْبِ.
والمَعْنى: أنَّ الحِكْمَةَ في إيجادِ السّاعَةِ لِلْبَعْثِ والحَشْرِ هي جَزاءُ الصّالِحِينَ عَلى صَلاحِ اعْتِقادِهِمْ وأعْمالِهِمْ، أيْ جَزاءً صالِحًا مُماثِلًا، وجَزاءُ المُفْسِدِينَ جَزاءً سَيِّئًا، وعُلِمَ نَوْعُ الجَزاءِ مِن وصْفِ الفَرِيقَيْنِ مِن أصْحابِهِ. والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ لِكُلِّ فَرِيقٍ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِ جَدِيرٌ بِما سَيَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الحُكْمِ لِأجْلِ ما قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الأوْصافِ.
فَجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ.
وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ أيْضًا.
صفحة ١٤٣
وقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ سَعَوْا﴾ عَطَفٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وتَقْدِيرُ الكَلامِ. لِيُجْزى الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ سَعَوْا بِما يَلِيقُ بِكُلِّ فَرِيقٍ.
والمَعْنى: أنَّ عالَمَ الإنْسانِ يَحْتَوِي عَلى صالِحِينَ مُتَفاوِتٍ صَلاحُهم، وفاسِدِينَ مُتَفاوِتٍ فَسادُهم، وقَدِ انْتَفَعَ النّاسُ بِصَلاحِ الصّالِحِينَ، واسْتَضَرُّوا بِفَسادِ المُفْسِدِينَ، ورُبَّما عَطَّلَ هَؤُلاءِ مَنافِعَ أُولَئِكَ، وهَذَّبَ أُولَئِكَ مِن إفْسادِ هَؤُلاءِ، وانْقَضى كُلُّ فَرِيقٍ بِما عَمِلَ، لَمْ يَلْقَ المُحْسِنُ جَزاءً عَلى إحْسانِهِ ولا المُفْسِدُ جَزاءَ إفْسادِهِ، فَكانَتْ حِكْمَةُ خالِقِ النّاسِ مُقْتَضِيَةً إعْلامَهم بِما أرادَ مِنهم وتَكْلِيفَهم أنْ يَسْعَوْا في الأرْضِ صَلاحًا، ومُقْتَضِيَةً ادِّخارَ جَزاءِ الفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِما، فَكانَ مِن مُقْتَضاها إحْضارُ الفَرِيقَيْنِ لِلْجَزاءِ عَلى أعْمالِهِمْ. وإذْ قَدْ شُوهِدَ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ في هَذِهِ الحَياةِ عَلِمْنا أنَّ بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ حَياةً أبَدِيَّةً يُقارِنُها الجَزاءُ العادِلُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو اللّائِقُ بِحِكْمَةِ مُرْشِدِ الحُكَماءِ تَعالى، فَهَذا مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ العَقْلُ السَّلِيمُ وقَدْ أعْلَمَنا خالِقُ الخَلْقِ عَلى ذَلِكَ بِلِسانِ رَسُولِهِ ورُسُلِهِ ﷺ فَتَوافَقَ العَقْلُ والنَّقْلُ، وبَطَلَ الدَّجْلُ والدَّخْلُ.
وجُعِلَ جَزاءُ الَّذِينَ آمَنُوا مَغْفِرَةً، أيْ تَجاوَزُوا عَنْ آثامِهِمْ، ورِزْقًا كَرِيمًا وهو ما يُرْزَقُونَ مِنَ النَّعِيمِ عَلى اخْتِلافِ دَرَجاتِهِمْ في النَّعِيمِ وابْتِداءِ مُدَّتِهِ فَإنَّهم آيِلُونَ إلى المَغْفِرَةِ والرِّزْقِ الكَرِيمِ.
ووُصِفَ بِالكَرِيمِ، أيِ النَّفِيسِ في نَوْعِهِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] في سُورَةِ النَّمْلِ.
وقُوبِلَ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ بِـ ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا﴾ لِأنَّ السَّعْيَ في آياتِ اللَّهِ يُساوِي مَعْنى كَفَرُوا بِها وبِذَلِكَ يَشْمَلُ عَمَلَ السَّيِّئاتِ وهو سَيِّئَةٌ مِنَ السَّيِّئاتِ، ألا تَرى أنَّهُ عَبَّرَ عَنْهم بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾ [سبإ: ٧] الخَ.
ومَعْنى ﴿سَعَوْا في آياتِنا﴾ اجْتَهَدُوا بِالصَّدِّ عَنْها ومُحاوَلَةِ إبْطالِها: فالسَّعْيُ مُسْتَعارٌ لِلْجِدِّ في فِعْلٍ ما، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [الحج: ٥١] في سُورَةِ الحَجِّ. وآياتُ اللَّهِ هُنا: القُرْآنُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقُّ﴾ [سبإ: ٦] .
صفحة ١٤٤
و(مُعاجِزِينَ) مُبالَغَةٌ في مُعْجِزِينَ، وهو تَمْثِيلٌ: شُبَّهَتْ حالُهم في مَكْرِهِمْ بِالنَّبِيءِ ﷺ بِحالِ مَن يَمْشِي مَشْيًا سَرِيعًا لِيَسْبِقَ غَيْرَهُ ويُعْجِزَهُ. والعَذابُ: عَذابُ جَهَنَّمَ. والرِّجْزُ: أسْوَأُ العَذابِ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. و(مِن) بَيانِيَّةٌ فَإنَّ العَذابَ نَفْسَهُ رِجْزٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (مُعاجِزِينَ) بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ تَمْثِيلًا لِحالِ ظَنِّهِمُ النَّجاةَ والِانْفِلاتَ مِن تَعْذِيبِ اللَّهِ إيّاهم بِإنْكارِهِمُ البَعْثَ والرِّسالَةَ بِحالِ مَن يُسابِقُ غَيْرَهُ ويُعاجِزُهُ، أيْ يُحاوِلُ عَجْزَهُ عَنْ لِحاقِهِ.
وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحْدَهُ (مُعَجِّزِينَ) بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مِن عَجَّزَ بِتَشْدِيدِ الجِيمِ، ومَعْناهُ: مُثَبِّطِينَ النّاسَ عَنِ اتِّباعِ آياتِ اللَّهِ أوْ مُعَجِّزِينَ مَن آمَنَ بِآياتِ اللَّهِ بِالطَّعْنِ والجِدالِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (ألِيمٍ) بِالجَرِّ صِفَةً لِ - رِجْزٍ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ ويَعْقُوبُ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِ - (عَذابٌ)، وهُما سَواءٌ في المَعْنى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences