Ibn 'AshurSaba · 34:43–46

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Saba 34:43–46

34:43Page 433

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّا رَجُلٞ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمۡ عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُكُمۡ وَقَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٞ مُّفۡتَرٗىۚ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٤٣

And when Our verses are recited to them as clear evidences, they say, "This is not but a man who wishes to avert you from that which your fathers were worshipping." And they say, "This is not except a lie invented." And those who disbelieve say of the truth when it has come to them, "This is not but obvious magic."

﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هَذا إلّا رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَصُدَّكم عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكم وقالُوا ما هَذا إلّا إفْكٌ مُفْتَرًى وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾

انْتِقالٌ مِن حِكايَةِ كُفْرِهِمْ وغُرُورِهِمْ وازْدِهائِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ بِأُصُولِ الدِّيانَةِ إلى حِكايَةِ تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ، وأتْبَعَ ذَلِكَ بِحِكايَةِ تَكْذِيبِهِمُ الكِتابَ والدِّينَ الَّذِي جاءَ بِهِ، فَكانَ كالفَذْلَكَةِ لِما تَقَدَّمَ مِن كُفْرِهِمْ.

وجُمْلَةُ ”إذا تُتْلى“ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ [الأنعام: ٢٢] عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ. وضَمِيرُ ”عَلَيْهِمْ“ عائِدٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا وهُمُ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ.

وإيرادُ حِكايَةِ تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ مُقَيَّدَةً بِالزَّمَنِ الَّذِي تُتْلى عَلَيْهِمْ فِيهِ آياتُ اللَّهِ البَيِّناتِ تَعْجِيبٌ مِن وقاحَتِهِمْ حَيْثُ كَذَّبُوهُ في أجْدَرِ الأوْقاتِ بِأنْ يُصَدِّقُوهُ عِنْدَها لِأنَّ وقْتَ ظُهُورِ حُجَّةِ صِدْقِهِ لِكُلِّ عاقِلٍ مُتَبَصِّرٍ.

ولِلِاهْتِمامِ بِهَذا الظَّرْفِ والتَّعْجِيبِ مِن مُتَعَلِّقِهِ قُدِّمَ الظَّرْفُ عَلى عامِلِهِ والتَّشَوُّقِ إلى الخَبَرِ الآتِي بَعْدَهُ وأنَّهُ مِن قِبَلِ البُهْتانِ والكُفْرِ البَواحِ.

والمُرادُ بِالآياتِ البَيِّناتِ آياتُ القُرْآنِ، ووَصْفُها بِالبَيانِ لِأجْلِ ظُهُورِ أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ لِإعْجازِها إيّاهم مِن مُعارَضَتِها، ولِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مَعانِيها مِنَ الدَّلائِلِ الواضِحَةِ عَلى صِدْقِ ما تَدْعُوا إلَيْهِ، فَهي مَحْفُوظَةٌ بِالبَيانِ بِألْفاظِها ومَعانِيها.

صفحة ٢٢٦

وحُذِفَ فاعِلُ التِّلاوَةِ لِظُهُورِ أنَّهُ الرَّسُولُ ﷺ إذْ هو تالِي آياتِ اللَّهِ، فالإشارَةُ في قَوْلِهِمْ ﴿ما هَذا إلّا رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَصُدَّكُمْ﴾ إلى الرَّسُولِ ﷺ واسْتَحْضَرُوهُ بِطَرِيقَةِ الإشارَةِ دُونَ الِاسْمِ إفادَةً لِحُضُورِ مَجْلِسِ التِّلاوَةِ وذَلِكَ مِن تَمامِ وقاحَتِهِمْ، فَقَدْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ في مَجالِسِهِمْ كَما ورَدَ في حَدِيثِ قِراءَتِهِ عَلى عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ سُورَةَ فُصِّلَتْ وقِراءَتِهِ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ لِلْقُرْآنِ بِالمَدِينَةِ في القِصَّةِ الَّتِي تَشاجَرَ فِيها المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ.

وابْتَدَأُوا بِالطَّعْنِ في التّالِي لِأنَّهُ الغَرَضُ الَّذِي يَرْمُونَ إلَيْهِ، وأثْبَتُوا لَهُ إرادَةَ صَدِّهِمْ عَنْ دِينِ آبائِهِمْ قَصْدَ أنْ يُثِيرَ بَعْضُهم حَمِيَّةَ بَعْضٍ لِأنَّهم يَجْعَلُونَ آباءَهم أهْلَ الرَّأْيِ فِيما ارْتَأوْا والتَّسْدِيدِ فِيما فَعَلُوا فَلا يَرَوْنَ إلّا حَقًّا ولا يَفْعَلُونَ إلّا صَوابًا وحِكْمَةً، فَلا جَرَمَ أنْ يَكُونَ مُرِيدُ الصَّدِّ عَنْها مُحاوِلًا الباطِلَ وكاذِبًا في قَوْلِهِ لِأنَّ الحَقَّ مُطابِقٌ الواقِعَ فَإبْطالُ ما هو حَقٌّ في زَعْمِهِمْ قَوْلٌ غَيْرُ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ فَهو الكَذِبُ.

وفِعْلُ ”كانَ“ في قَوْلِهِمْ: ”﴿عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ﴾“ إشارَةٌ إلى أنَّهم عَنَوْا أنَّ تِلْكَ عِبادَةٌ قَدِيمَةٌ ثابِتَةٌ. وفي ذَلِكَ إلْهابٌ لِقُلُوبِ قَوْمِهِمْ وإيغارٌ لِصُدُورِهِمْ لِيَتَألَّبُوا عَلى الرَّسُولِ ﷺ ويَزْدادُوا تَمَسُّكًا بِدِينِهِمْ وقَدْ قَصَرُوا لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى صِفَةِ إرادَةِ صَدِّهِمْ قَصْرًا إضافِيًّا، أيْ إلّا رَجُلٌ صادِقٌ فَما هو بِرَسُولٍ.

وأتْبَعُوا وصْفَ التّالِي بِوَصْفِ المَتْلُوِّ بِأنَّهُ كَذِبٌ مُفْتَرًى، وإعادَةُ فِعْلِ القَوْلِ إعادَةٌ ثابِتَةٌ لِلِاهْتِمامِ بِكُلِّ قَوْلٍ مِنَ القَوْلَيْنِ الغَرِيبَيْنِ تَشْنِيعًا لَهُما في نَفْسِ السّامِعِينَ فَجُمْلَةُ ”﴿وقالُوا ما هَذا إلّا إفْكٌ﴾“ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالُوا ما هَذا إلّا رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَصُدَّكُمْ﴾ فالفِعْلانِ مُشْتَرِكانِ في الظَّرْفِ.

والإشارَةُ الثّانِيَةُ إلى القُرْآنِ الَّذِي تَضَمَّنُهُ ”تُتْلى“ لِتَعَيُّنِهِ لِذَلِكَ.

والإفْكُ: الكَذِبُ، ووَصْفُهُ بِالمُفْتَرى إمّا أنْ يَتَوَجَّهَ إلى نِسْبَتِهِ إلى اللَّهِ تَعالى أوْ أُرِيدَ أنَّهُ في ذاتِهِ إفْكٌ وزادُوا فَجَعَلُوهُ مُخْتَرَعًا مِنَ النَّبِيءِ ﷺ لَيْسَ مَسْبُوقًا بِهِ.

فَكَوْنُهُ إفْكًا يَرْجِعُ إلى جَمِيعِ ما في القُرْآنِ، وكَوْنُهُ مُفْتَرًى يُرْجِعُونَهُ إلى ما فِيهِ مِن

صفحة ٢٢٧

قَصَصِ الأوَّلِينَ. وهَذا القَوْلُ مِن بُهْتانِهِمْ لِأنَّهم كَثِيرًا ما يَقُولُونَ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ فَلَيْسَ (مُفْتَرًى) تَأْكِيدًا لِـ (إفْكٌ) .

ثُمَّ حُكِيَ تَكْذِيبُهُمُ الَّذِي يَعُمُّ جَمِيعَ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِن وحْيٍ يُتْلى أوْ دَعْوَةٍ إلى التَّوْحِيدِ وغَيْرِهِ أوِ اسْتِدْلالٍ عَلَيْهِ أوْ مُعْجِزَةٍ بِقَوْلِهِمْ ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، فَهَذا المَقالُ الثّالِثُ يَشْمَلُ ما تَقَدَّمَ وغَيْرَهُ، فَحِكايَةُ مَقالِهِمْ هَذا تَقُومُ مَقامَ التَّذْيِيلِ. وأُظْهِرَ لِلْقائِلِينَ دُونَ إضْمارِ ما تَقَدَّمَ ما يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَعادًا لِلضَّمِيرِ فَقِيلَ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: وقالُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الكُفْرَ هو باعِثُ قَوْلِهِمْ هَذا.

وأُظْهِرَ المُشارُ إلَيْهِ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ”﴿لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾“ لِأنَّ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ في الكَلامِ السّابِقِ، أيْ إذْ أظْهَرَ لَهم ما هو حَقٌّ مِن إثْباتٍ لِلتَّوْحِيدِ أوْ إخْبارٍ عَنِ الغَيْبِ أوِ البَعْثِ قالُوا: ما هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ. فالمُرادُ مِنَ الحَقِّ: ما هو أعَمُّ مِن آياتِ القُرْآنِ لِأنَّ السِّحْرَ لَهُ أُسْلُوبانِ: أحَدُهُما شَعْوَذَةُ الأقْوالِ الَّتِي لا تُفْهَمُ مَدْلُولاتُها يَخْتَلِقُها السَّحَرَةُ لِيُوهِمُوا النّاسَ أنَّ فِيها مُناجاةً مَعَ الجِنِّ لِيُمَكِّنُوهم مِن عَمَلِ ما يُرِيدُونَ فَيَسْتَرْهِبُوهم بِذَلِكَ، وثانِيهِما أفْعالٌ لَها أسْبابٌ خَفِيَّةٌ مَسْتُورَةٌ بِحِيَلِ وخِفَّةِ أيْدٍ تُحَرِّكُها، فَيُوهِمُونَ بِها النّاسَ أنَّها مِن تَمْكِينِ الجِنِّ إيّاهُمُ التَّصَرُّفَ في الخَفِيّاتِ، فَإذا سَمِعُوا القُرْآنَ ألْحَقُوهُ بِالأُسْلُوبِ الأوَّلِ وإذا رَأوُا المُعْجِزاتِ ألْحَقُوها بِالأُسْلُوبِ الثّانِي كَما قالَتِ المَرْأةُ الَّتِي شاهَدَتْ مُعْجِزَةَ تَكْثِيرِ الماءِ في بَعْضِ غَزَواتِ النَّبِيءِ ﷺ فَقالَتْ لِقَوْمِها: أتَيْتُ أسْحَرَ النّاسِ، أوَ هو نَبِيءٌ كَما زَعَمُوهُ. ومَعْنى ”مُبِينٌ“ أنَّهُ يَظْهَرُ مِنهُ أنَّهُ سِحْرٌ فَتَبْيِينُهُ كُنْهُهُ مِن نَفْسِهِ، يَعْنُونَ أنَّ مَن سَمِعَهُ يَعْلَمُ أنَّهُ سِحْرٌ.

وجُمْلَةُ (﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾) مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (وإذا تُتْلى) .

34:44Page 433

وَمَآ ءَاتَيۡنَٰهُم مِّن كُتُبٖ يَدۡرُسُونَهَاۖ وَمَآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمۡ قَبۡلَكَ مِن نَّذِيرٖ ٤٤

And We had not given them any scriptures which they could study, and We had not sent to them before you, [O Muḥammad], any warner.

﴿وما آتَيْناهم مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ﴾ الواوُ لِلْحالِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ ﴿قالُوا ما هَذا إلّا رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَصُدَّكم عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمُ﴾ [سبإ: ٤٣] الآيَةَ،

صفحة ٢٢٨

تَحْمِيقًا لِجَهالَتِهِمْ وتَعْجِيبًا مِن حالِهِمْ في أمْرَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهم لَمْ يُدْرِكُوا ما يَنالُهم مِنَ المَزِيَّةِ بِمَجِيءِ الحَقِّ إلَيْهِمْ إذْ هَيَّأهُمُ اللَّهُ بِهِ لِأنْ يَكُونُوا في عِدادِ الأُمَمِ ذَوِي الكِتابِ، وفي بَدْءِ حالٍ يَبْلُغُ بِهِمْ مَبْلَغَ العِلْمِ، إذْ هم لَمْ يَسْبِقْ لَهم أنْ أتاهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ أوْ رَسُولٌ مِنهُ، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ فَكَيْفَ رَفَضُوا اتِّباعَ الرَّسُولِ وتَلَقِّيَ القُرْآنِ وكانَ الأجْدَرُ بِهِمُ الِاغْتِباطَ بِذَلِكَ. وهَذا المَعْنى هو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ يَدْرُسُونَها أيْ لَمْ يَكُونُوا أهْلَ دِراسَةٍ، فَكانَ الشَّأْنُ أنْ يَسُرَّهم ما جاءَهم مِنَ الحَقِّ.

وثانِيهِما: أنَّهم لَمْ يَكُونُوا عَلى هُدًى ولا دِينٍ مَنسُوبٍ إلى اللَّهِ تَعالى حَتّى يَكُونَ تَمَسُّكُهم بِهِ وخَشْيَةُ الوُقُوعِ في الضَّلالَةِ إنْ فَرَّطُوا فِيهِ يَحْمِلُهم عَلى التَّرَدُّدِ في الحَقِّ الَّذِي جاءَهم وصِدْقِ الرَّسُولِ الَّذِي أتاهم بِهِ، فَيَكُونُ لَهم في الصَّدِّ عَنْهُما بَعْضُ العُذْرِ: فَيَكُونُ المَعْنى: التَّعْجِيبُ مِن رَفْضِهِمُ الحَقَّ حِينَ لا مانِعَ يَصُدُّهم، فَلَيْسَ مَعْنى جُمْلَةِ (﴿وما آتَيْناهم مِن كُتُبٍ﴾) الَخْ عَلى العَطْفِ ولا عَلى الإخْبارِ لِأنَّ مَضْمُونَ ذَلِكَ مَعْلُومٌ لا يَتَعَلَّقُ الغَرَضُ بِالإخْبارِ بِهِ. ولَكِنْ عَلى الحالِ إفادَةُ التَّعْجِيبِ والتَّحْمِيقِ، وعَلى هَذا المَعْنى جَرى المُفَسِّرُونَ.

والدِّراسَةُ: القِراءَةُ بِتَمَهُّلٍ وتَفَهُّمٍ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] في آلِ عِمْرانَ.

وإنَّما لَمْ يُقَيِّدْ إيتاءَ الكُتُبِ بِقَيْدٍ كَما قَيَّدَ الإرْسالَ بِقَوْلِهِ (قَبْلَكَ) لِأنَّ الإيتاءَ هو التَّمْكِينُ مِنَ الشَّيْءِ وهم لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ القُرْآنِ بِخِلافِ إرْسالِ النَّذِيرِ فَهو حاصِلٌ سَواءً تَقَبَّلُوهُ أمْ أعْرَضُوا عَنْهُ.

ومَن نَحا نَحْوَ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِ أهْلِ الكِتابِ فَذَلِكَ مَنحًى واهِنٌ؛ لِأنَّهُ يَجُرُّ إلى مَعْذِرَةِ أهْلِ الكِتابِ في عَضِّهِمْ بِالنَّواجِذِ عَلى دِينِهِمْ، عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في مُدَّةِ نُزُولِ الوَحْيِ بِمَكَّةَ عَلاقَةٌ لِلدَّعْوَةِ الإسْلامِيَّةِ بِأهْلِ الكِتابِ وإنَّما دَعاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالمَدِينَةِ، وأيْضًا لا يَكُونُ لِلتَّقْيِيدِ بِـ (قَبْلَكَ) فائِدَةٌ خاصَّةٌ كَما عَلِمْتَ. وهُنالِكَ تَفْسِيراتٌ أُخْرى أشَدُّ بُعْدًا وأبْعَدُ عَنِ القَصْدِ جِدًّا.

34:45Page 433

وَكَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَمَا بَلَغُواْ مِعۡشَارَ مَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ فَكَذَّبُواْ رُسُلِيۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ٤٥

And those before them denied, and they [i.e., the people of Makkah] have not attained a tenth of what We had given them. But they [i.e., the former peoples] denied My messengers, so how [terrible] was My reproach.

صفحة ٢٢٩

﴿وكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهم فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ هَذا تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ وتَهْدِيدٌ لِلَّذِينِ كَذَّبُوهُ، فَمَوْقِعُ التَّسْلِيَةِ مِنهُ قَوْلُهُ: ”وكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِ“، ومَوْقِعُ التَّهْدِيدِ بَقِيَّةُ الآيَةِ، فالتَّسْلِيَةُ في أنَّ لَهُ أُسْوَةً بِالرُّسُلِ السّابِقِينَ، والتَّهْدِيدُ بِتَذْكِيرِهِمْ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ الَّتِي كَذَّبَتْ رُسُلَها وكَيْفَ عاقَبَهُمُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ وكانُوا أشَدَّ قُوَّةً مِن قُرَيْشٍ وأعْظَمَ سَطْوَةً مِنهم وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ [الزخرف: ٨] .

ومَفْعُولُ ”كَذَّبَ“ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ، أيْ كَذَّبُوا بِالرُّسُلِ، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾) .

وضَمِيرُ بَلَغُوا عائِدٌ إلى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في آتَيْناهم عائِدٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا في قَوْلِهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [سبإ: ٤٣]، والمَقامُ يُرَدُّ عَلى كُلِّ ضَمِيرٍ إلى مَعادِهِ، كَما قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبإ: ٤١] .

والمِعْشارُ: العُشْرُ، وهو الجُزْءُ العاشِرُ مِثْلَ المِرْباعِ الَّذِي كانَ يُجْعَلُ لِقائِدِ الكَتِيبَةِ مِن غَنائِمِ الجَيْشِ في الجاهِلِيَّةِ.

وذُكِرَ احْتِمالانِ آخَرانِ في مَعادِ الضَّمِيرَيْنِ مِن قَوْلِهِ ﴿وما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ﴾ لا يَسْتَقِيمُ مَعَهُما سِياقُ الآيَةِ.

وجُمْلَةُ ”﴿وما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ﴾“ مُعْتَرِضَةٌ، والِاعْتِراضُ بِها تَمْهِيدٌ لِلتَّهْدِيدِ وتَقْرِيبٌ لَهُ بِأنَّ عِقابَ هَؤُلاءِ أيْسَرُ مِن عِقابِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ في مُتَعارَفِ النّاسِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] .

والفاءُ في قَوْلِهِ فَكَذَّبُوا رُسُلِي لِلتَّفْرِيعِ عَلى قَوْلِهِ وكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، بِاعْتِبارِ أنَّ المُفَرَّعَ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾، وبِذَلِكَ كانَتْ ”جُمْلَةُ فَكَذَّبُوا رُسُلِي“ تَأْكِيدًا لِجُمْلَةِ ﴿وكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ [القمر: ٩] في سُورَةِ القَمَرِ، ولِكَوْنِ الفاءِ

صفحة ٢٣٠

الثّانِيَةِ في قَوْلِهِ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا لِلْفاءِ في قَوْلِهِ فَكَذَّبُوا رُسُلِي.

وقَوْلُهُ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ مُفَرَّعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ .

و”كَيْفَ“ اسْتِفْهامٌ عَنِ الحالَةِ وهو مُسْتَعْمَلٌ في التَّقْرِيرِ والتَّفْرِيعِ كَقَوْلِ الحَجّاجِ لِلْعُدَيْلِ ابْنِ الفَرْخِ ”فَكَيْفَ رَأيْتَ اللَّهَ أمْكَنَ مِنكَ“، أيْ أمْكَنَنِي مِنكَ، في قِصَّةِ هُرُوبِهِ.

فَجُمْلَتا ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ في قُوَّةِ جُمْلَةٍ واحِدَةٍ مُفَرَّعَةٍ عَلى جُمْلَةِ ﴿وكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، والتَّقْدِيرُ: وكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ عَلى تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ، ولَكِنْ لَمّا كانَتْ جُمْلَةُ ﴿وكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مَقْصُودًا مِنها تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ابْتِداءً جُعِلَتْ مَقْصُورَةً عَلى ذَلِكَ اهْتِمامًا بِذَلِكَ الغَرَضِ وانْتِصارًا مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ ﷺ ثُمَّ خَصَّتْ عِبْرَةَ تَسَبُّبِ التَّكْذِيبِ في العِقابِ بِجُمْلَةٍ تَخُصُّها تَهْوِيلًا لِلتَّكْذِيبِ، وهو مِن مَقاماتِ الإطْنابِ، فَصادَفَ أنْ كانَ مَضْمُونُ الجُمْلَتَيْنِ مُتَّحِدًا اتِّحادَ السَّبَبِ لِمُسَبِّبَيْنِ أوِ العِلَّةِ لِمَعْلُولَيْنِ كَعِلَّةِ السَّرِقَةِ لِلْقَطْعِ والغُرْمِ. وبُنِيَ النَّظْمُ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ الشَّيِّقِ تَجَنُّبًا لِثِقَلِ إعادَةِ الجُمْلَةِ إعادَةً ساذِجَةً فَفُرِّعَتِ الثّانِيَةُ عَلى الأُولى وأُظْهِرَ فِيها مَفْعُولُ ”كَذَّبَ“ وبُنِيَ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ التَّقْرِيرِيُّ التَّفْظِيعِيُّ، أوْ فَرَّعَ لِلتَّكْذِيبِ الخاصِّ عَلى التَّكْذِيبِ الَّذِي هو سَجِيَّتُهُمُ العامَّةُ عَلى الوَجْهِ الثّانِي في مَعْنى: ”﴿وكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾“ كَما تَقَدَّمَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ [القمر: ٩] .

والتَّنْكِيرُ: اسْمٌ لِلْإنْكارِ وهو عَدُّ الشَّيْءِ مُنْكَرًا، أيْ مَكْرُوهًا، واسْتُعْمِلَ هُنا كِنايَةً عَنِ الغَضَبِ وتَسْلِيطِ العِقابِ عَلى الآتِي بِذَلِكَ المُنْكَرِ فَهي كِنايَةٌ رَمْزِيَّةٌ.

والمَعْنى: فَكَيْفَ كانَ عِقابِي لَهم عَلى ما جاءُوا بِهِ مِمّا أنْكَرَهُ، أيْ كانَ عِقابًا عَظِيمًا عَلى وفْقِ إنْكارِنا تَكْذِيبَهم.

و”نَكِيرِ“ بِكَسْرِ الرّاءِ وهو مُضافٌ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ، وحُذِفَتِ الياءُ لِلتَّخْفِيفِ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلَيْها بِبَقاءِ الكَسْرَةِ عَلى آخِرِ الكَلِمَةِ ولِيُناسِبَ الفاصِلَةَ وأُخْتَها. وكُتِبَ في المُصْحَفِ بِدُونِ ياءٍ وبِوَقْفٍ عَلَيْهِ بِالسُّكُونِ.

34:46Page 433

۞ قُلۡ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ لَّكُم بَيۡنَ يَدَيۡ عَذَابٖ شَدِيدٖ ٤٦

Say, "I only advise you of one [thing] - that you stand for Allāh, [seeking truth] in pairs and individually, and then give thought." There is not in your companion any madness. He is only a warner to you before a severe punishment.

صفحة ٢٣١

﴿قُلْ إنَّما أعِظُكم بِواحِدَةٍ أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلّا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾

افْتَتَحَ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ هُنا وفي الجُمَلِ الأرْبَعِ بَعْدَهُ لِلِاهْتِمامِ بِما احْتَوَتْ عَلَيْهِ. وهَذا اسْتِئْنافٌ لِلِانْتِقالِ مِن حِكايَةِ أحْوالِ كُفْرِ المُشْرِكِينَ وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ النَّقْضِ والِاسْتِدْلالِ والتَّسْلِيَةِ والتَّهْدِيدِ ووَصْفِ صُدُودِهِمْ ومُكابَرَتِهِمْ إلى دَعْوَتِهِمْ لِلْإنْصافِ فَبِالتَّأمُّلِ في الحَقائِقِ لِيَتَّضِحَ لَهم خَطَؤُهم فِيما ارْتَكَبُوهُ مِنَ العَسْفِ في تَلَقِّي دَعْوَةِ الإسْلامِ وما ألْصَقُوا بِهِ وبِالدّاعِي إلَيْهِ، وأرْشَدُوا إلى كَيْفِيَّةِ النَّظَرِ في شَأْنِهِمْ والِاخْتِلاءِ بِأنْفُسِهِمْ لِمُحاسَبَتِها عَلى سُلُوكِها، اسْتِقْصاءً لَهم في الحُجَّةِ وإعْذارًا لَهم في المُجادَلَةِ ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] .

ولِذَلِكَ اجْتُلِبَتْ صِيغَةُ الحَصْرِ بِـ (إنَّما)، أيْ ما أعِظُكم إلّا بِواحِدَةٍ، طَيًّا لِبِساطِ المُناظَرَةِ وإرْسالًا عَلى الخُلاصَةِ مِنَ المُجادَلاتِ الماضِيَةِ، وتَقْرِيبًا لِشُقَّةِ الخِلافِ بَيْنَنا وبَيْنَكم.

وهُوَ قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ لا بِغَيْرِها مِنَ المَواعِظِ المُفَصَّلَةِ، أيْ إنِ اسْتَكْثَرْتُمُ الحُجَجَ وضَجِرْتُمْ مِنَ الرُّدُودِ والمَطاعِنِ فَأنا أخْتَصِرُ المُجادَلَةَ في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ فَقَدْ كانُوا يَتَذَمَّرُونَ مِنَ القُرْآنِ لِأبِي طالِبٍ: أما يَنْتَهِي ابْنُ أخِيكَ مِن شَتْمِ آلِهَتِنا وآبائِنا. وهَذا كَما يَقُولُ المُناظِرُ والجَدَلِيُّ بَعْدَ بَسْطِ الأدِلَّةِ فَيَقُولُ: والخُلاصَةُ أوِ الفَذْلَكَةُ كَذا.

وقَدِ ارْتَكَبَ في هَذِهِ الدَّعْوَةِ تَقْرِيبَ مَسالِكِ النَّظَرِ إلَيْهِمْ بِاخْتِصارِهِ، فَوُصِفَ بِأنَّهُ خَصْلَةٌ واحِدَةٌ لِئَلّا يَتَجَهَّمُوا الإقْبالَ عَلى النَّظَرِ الَّذِي عَقَدُوا نِيّاتِهِمْ عَلى رَفْضِهِ، فَأعْلَمُوا بِأنَّ ذَلِكَ لا يُكَلِّفُهم جُهْدًا ولا يُضِيعُ عَلَيْهِمْ زَمَنًا فَلْيَتَأمَّلُوا فِيهِ قَلِيلًا ثُمَّ يَقْضُوا قَضاءَهم، والكَلامُ عَلى لِسانِ النَّبِيءِ ﷺ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُخاطِبَهم بِهِ.

والوَعْظُ: كَلامٌ فِيهِ تَحْذِيرٌ مِن مَكْرُوهٍ وتَرْغِيبٌ في ضِدِّهِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] في سُورَةِ الأعْرافِ، وقَوْلُهُ ”يَعِظُكُمُ اللَّهُ“ في سُورَةِ النُّورِ.

صفحة ٢٣٢

و(واحِدَةٍ) صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ ويَفْرِضُهُ السّامِعُ نَحْوَ: بِخَصْلَةٍ، أوْ بِقَضِيَّةٍ، أوْ بِكَلِمَةٍ.

والمَقْصُودُ مِن هَذا الوَصْفِ تَقْلِيلُها تَقْرِيبًا لِلْأفْهامِ واخْتِصارًا في الِاسْتِدْلالِ وإيجازًا في نَظْمِ الكَلامِ واسْتِنْزالًا لِطائِرِ نُفُورِهِمْ وإعْراضِهِمْ. وبُنِيَتْ هَذِهِ الواحِدَةُ بِقَوْلِهِ ﴿أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وفُرادى﴾ إلى آخِرِهِ، فالمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن أنْ والفِعْلِ في مَوْضِعِ البَدَلِ مِن واحِدَةٍ، أوْ قُلْ عَطْفُ بَيانٍ فَإنَّ عَطْفَ البَيانِ هو البَدَلُ المُطابِقُ، وإنَّما اخْتَلَفَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ عِنْدَ المُتَقَدِّمِينَ فَلا تَخُضْ في مُحاوَلَةِ الفَرْقِ بَيْنَهُما كالَّذِي خاضُوا.

والقِيامُ في قَوْلِهِ ”أنْ تَقُومُوا“ مُرادٌ بِهِ المَعْنى المَجازِيُّ وهو التَّأهُّبُ لِلْعَمَلِ والِاجْتِهادُ فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ﴾ [النساء: ١٢٧] .

واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ لِأجْلِ اللَّهِ ولِذاتِهِ، أيْ جاعِلِينَ عَمَلَكم لِلَّهِ لا لِمَرْضاةِ صاحِبٍ ولا عَشِيرَةٍ، وهَذا عَكْسُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ [العنكبوت: ٢٥]، أوْ لِأجْلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ والتَّدَبُّرِ في صِفاتِهِ.

وكَلِمَةُ مَثْنى مَعْدُولٌ بِها عَنْ قَوْلِهِمُ: اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، بِتَكْرِيرِ كَلِمَةِ اثْنَيْنِ تَكْرِيرًا يُفِيدُ مَعْنى تَرْصِيفِ الأشْياءِ المُتَعَدِّدَةِ بِجَعْلِ كُلِّ ما يُعَدُّ بِعَدَدِ اثْنَيْنِ مِنهُ مُرَصَّفًا عَلى نَحْوِ عَدَدِهِ.

وكَلِمَةُ فُرادى مَعْدُولٌ بِها عَنْ قَوْلِهِمْ: فَرْدًا فَرْدًا تَكْرِيرًا يُفِيدُ مَعْنى التَّرْصِيفِ كَذَلِكَ. وكَذَلِكَ سائِرُ أسْماءِ العَدَدِ إلى تِسْعٍ أوْ عَشْرٍ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ [النساء: ٣]، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ النِّساءِ.

وانْتَصَبَ مَثْنى وفُرادى عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ”تَقُومُوا“ أيْ أنْ تَكُونُوا في القِيامِ عَلى هَذَيْنِ الحالَيْنِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنْ تَقُومُوا لِحَقِّ اللَّهِ وإظْهارِهِ عَلى أيِّ حالٍ مِنِ اجْتِماعٍ وانْفِرادٍ، فَيَكُونُ ”مَثْنى“ كِنايَةً عَنِ التَّعَدُّدِ وهو مِنِ اسْتِعْمالِ مَعْنى التَّثْنِيَةِ في التَّكَرُّرِ لِأنَّ التَّثْنِيَةَ أوَّلُ التَّكْرِيرِ فَجَعَلَ التَّكَرُّرَ لازِمًا لِلتَّثْنِيَةِ ادِّعاءً كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤] فَإنَّ البَصَرَ لا يَرْجِعُ خاسِئًا مِن إعادَةِ نَظْرَةٍ واحِدَةٍ بَلِ المُرادُ مِنهُ تَكْرِيرُ

صفحة ٢٣٣

النَّظَرِ ومِنهُ قَوْلُهم: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، وقَوْلُهم: دَوالَيْكَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنْ تَقُومُوا لِحَقِّ اللَّهِ مُسْتَعِينًا أحَدُكم بِصاحِبٍ لَهُ أوْ مُنْفَرِدًا بِنَفْسِهِ فَإنَّ مِن أهْلِ النَّظَرِ مَن يَنْشَطُ إلَيْهِ بِالمُدارَسَةِ ما لا يُنَشِّطُهُ بِالخَلْوَةِ. ومِنهم مَن حالُهُ بِعَكْسِ هَذا، فَلِهَذا اقْتَصَرَ عَلى مَثْنى وفُرادى لِأنَّ ما زادَ عَلى ذَلِكَ لا اضْطِرارَ إلَيْهِ. وقَدَّمَ مَثْنى لِأنَّ الِاسْتِعانَةَ أعْوَنُ عَلى الفَهْمِ فَيَكُونُ المُرادُ دَفْعَ عَوائِقِ الوُصُولِ إلى الحَقِّ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ الَّذِي لا يُغالِطُ فِيهِ صاحِبُ هَوًى ولا شُبْهَةٍ ولا يَخْشى فِيهِ النّاظِرُ تَشْنِيعًا ولا سُمْعَةً، فَإنَّ الجَماهِيرَ إذا اجْتَمَعَتْ لَمْ يَخْلُ مُجْتَمَعُهم مِن ذِي هَوًى وذِي شُبْهَةٍ وذِي مَكْرٍ وذِي انْتِفاعٍ، وهَؤُلاءِ بِما يَلْزَمُ نَواياهم مِنَ الخُبْثِ تَصْحَبُهم جُرْأةٌ لا تَتْرُكُ فِيهِمْ وازِعًا عَنِ الباطِلِ ولا صَدًّا عَنِ الِاخْتِلاقِ والتَّحْرِيفِ لِلْأقْوالِ بِعَمْدٍ أوْ خَطَأٍ، ولا حَياءً يُهَذِّبُ مِن حِدَّتِهِمْ في الخِصامِ والأذى، ثُمَّ يَطِيرُونَ بِالقالَةِ وأعْمالِ أهْلِ السَّفالَةِ.

فَلِلسَّلامَةُ مِن هَذِهِ العَوائِقِ والتَّخَلُّصُ مِن تِلْكَ البَوائِقِ الصّادَّةِ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ قِيلَ هَنا مَثْنى وفُرادى فَإنَّ المَرْءَ إذا خَلا بِنَفْسِهِ عِنْدَ التَّأمُّلِ لَمْ يَرْضَ لَها بِغَيْرِ النُّصْحِ، وإذا خَلا ثانِي اثْنَيْنِ فَهو إنَّما يَخْتارُ ثانِيَهُ أعْلَقَ أصْحابِهِ بِهِ وأقْرَبَهم مِنهُ رَأْيًا فَسَلِمَ كِلاهُما مِن غِشِّ صاحِبِهِ.

وحَرْفُ (ثُمَّ) لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ لِأنَّ التَّفَكُّرَ في أحْوالِ النَّبِيءِ ﷺ أهَمُّ في إصْلاحِ حالِ المُخاطَبِينَ المُعْرِضِينَ عَنْ دَعْوَتِهِ، بِخِلافِ القِيامِ لِلَّهِ فَإنَّهم لا يَأْبَوْنَهُ.

والتَّفَكُّرُ: تَكَلُّفُ الفِكْرِ وهو العِلْمُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٥٠] في الأنْعامِ.

وقَوْلُهُ ﴿ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ﴾ نَفْيٌ يُعَلِّقُ فِعْلَ تَتَفَكَّرُوا عَنِ العَمَلِ لِأجْلِ حَرْفِ النَّفْيِ.

والمَعْنى: ثُمَّ تَعْلَمُوا نَفْيَ الجُنُونِ عَنْ صاحِبِكم، أيْ تَعْلَمُوا مَضْمُونَ هَذا.

فَجُمْلَةُ ﴿ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ﴾ مَعْمُولَةٌ لِـ (تَتَفَكَّرُوا)، ومَن وقَفَ عَلى تَتَفَكَّرُوا لَمْ يُتْقِنِ التَّفَكُّرَ.

والمُرادُ بِالصّاحِبِ: المُخالِطُ مُطْلَقًا بِالمُوافَقَةِ والمُخاصَمَةِ، وهو كِنايَةٌ عَنِ التَّبَصُّرِ

صفحة ٢٣٤

فِي خَلْقِهِ كَقَوْلِ الحَجّاجِ في خُطْبَتِهِ لِلْخَوارِجِ: ”ألَسْتُمْ أصْحابِي بِالأهْوازِ حِينَ رُمْتُمُ الغَدْرَ واسْتَبْطَنْتُمُ الكُفْرَ“ يَعْنِي: فَلا تَخْفى عَلَيَّ مَقاصِدُكم. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوَ لَمْ يَتَفَكَّروُاْ ما بِصاحِبِهمْ مِن جِنَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٨٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.

والتَّعْبِيرُ بِصاحِبِكم إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: ما بِي مِن جَنَّةٍ إذِ الكَلامُ جارٍ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ ﷺ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.

وفائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ حالَهُ مَعْلُومٌ لَدَيْهِمْ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ لِشِدَّةِ مُخالَطَتِهِ بِهِمْ مُخالَطَةً لا تَذَرُ لِلْجَهالَةِ مَجالًا، فَهم عَرَفُوهُ ونَشَأ بَيْنَهم حَتّى جاءَهم بِالحَقِّ فَهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦] .

والِاقْتِصارُ في التَّفَكُّرِ المَطْلُوبِ عَلى انْتِفاءِ الجِنَّةِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ هو أنَّ أصْلَ الكُفْرِ هو الطَّعْنُ في نُبُوءَتِهِ وهم لَمّا طَعَنُوا فِيهِ قالُوا: مَجْنُونٌ، وقالُوا: ساحِرٌ، وقالُوا: كاذِبٌ. فابْتُدِئْ في إرْجاعِهِمْ إلى الحَقِّ بِنَفْيِ الجِنَّةِ عَنْهُ حَتّى إذا أذْعَنُوا إلى أنَّهُ مِنَ العُقَلاءِ انْصَرَفَ النَّظَرُ إلى أنَّ مِثْلَ ما جاءَ بِهِ لا يَأْتِي بِهِ إلّا عاقِلٌ وهم إنَّما ابَتَدَأُوا اخْتِلاقَهم بِأنَّهُ مَجْنُونٌ كَما جاءَ في القُرْآنِ قالَ تَعالى: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] في السُّورَةِ الثّانِيَةِ نُزُولًا. وقالَ ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] في السُّورَةِ السّابِعَةِ، وذَلِكَ هو الَّذِي اسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ، قالَ تَعالى ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤] إذْ دَعْوى الجُنُونِ أرْوَجُ بَيْنَ أهْلِ مَكَّةَ لِأنَّ الجُنُونَ يَطْرَأُ عَلى الإنْسانِ دَفْعَةً فَلَمْ يَجِدُوا تَعِلَّةً أقْرَبَ لِلْقَبُولِ مِن دَعْوى أنَّهُ اعْتَراهُ جُنُونٌ كَما قالَ عادٌ لِهُودٍ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤]، وقالَتْ ثَمُودُ لِصالِحٍ ﴿قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ [هود: ٦٢] .

فَبَقِيَتْ دَعْواهم أنَّهُ ساحِرٌ وأنَّهُ كاهِنٌ وأنَّهُ شاعِرٌ وأنَّهُ كاذِبٌ حاشاهُ. فَأمّا السِّحْرُ والكِهانَةُ فَسَهُلَ نَفْيُهُما بِنَفْيِ خَصائِصِهِما، فَأمّا انْتِفاءُ السِّحْرِ فَبَيِّنٌ لِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى مُعالَجَةِ تَعَلُّمٍ ومُزاوَلَةٍ طَوِيلَةٍ والنَّبِيءُ ﷺ بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ لا يَخْفى عَلَيْهِمْ أمْرُهُ، وأمّا الشِّعْرُ فَمَسْحَتُهُ مَنفِيَّةٌ عَنِ القُرْآنِ كَما قالَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، فَلَمْ يَبْقَ في كِنانَةِ مَطاعِنِهِمْ إلّا زَعْمُهم أنَّهُ كاذِبٌ عَلى اللَّهِ، وهَذا يُزَيِّفُهُ قَوْلُهم ”بِصاحِبِكم“ فَإنَّهم عَرَفُوهُ بِرَجاحَةِ العَقْلِ والصِّدْقِ والأمانَةِ في شَبِيبَتِهِ وكُهُولَتِهِ فَكَيْفَ يُصْبِحُ بَعْدَ ذَلِكَ كاذِبًا كَما قالَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ: فَلَمّا رَأيْتُمُ الشَّيْبَ في صُدْغَيْهِ قُلْتُمُ شاعِرٌ

صفحة ٢٣٥

وقُلْتُمْ كاهِنٌ وقُلْتُمْ مَجْنُونٌ، وواللَّهِ ما هو بِأُولائِكم. وإذا كانَ لا يَكْذِبُ عَلى النّاسِ فَكَيْفَ يَكْذِبُ عَلى اللَّهِ، كَما قالَ هِرَقْلُ لِأبِي سُفْيانَ وقَدْ سَألَهُ: هَلْ جَرَّبْتُمْ عَلَيْهِ كَذِبًا قَبْلَ أنْ يَقُولَ ما قالَ ؟ قالَ أبُو سُفْيانَ: لا. قالَ: فَقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَتْرُكَ الكَذِبَ عَلى النّاسِ ويَكْذِبَ عَلى اللَّهِ.

ومِن أجْلِ هَذا التَّدَرُّجِ الَّذِي طُوِيَ تَحْتَ جُمْلَةِ ﴿ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ﴾ أعْقَبَ ذَلِكَ بِحَصْرِ أمْرِهِ في النِّذارَةِ بِقُرْبِ عَذابٍ واقِعٍ، أيْ في النِّذارَةِ والرِّسالَةِ الصّادِقَةِ.

قالَ في الكَشّافِ: أيْ مِثْلُ هَذِهِ الدَّعْوى لا يَتَصَدّى لَها إلّا رَجُلانِ: إمّا مَجْنُونٌ لا يُبالِي بِافْتِضاحِهِ إذا طُولِبَ بِالبُرْهانِ، وإمّا عاقِلٌ راجِحُ العَقْلِ لا يَدَّعِي مِثْلَهُ إلّا بَعْدَ صِحَّتِهِ بِالحُجَّةِ وإلّا فَما يُجْدِي العاقِلُ دَعْوى شَيْءٍ لا بَيِّنَةَ عَلَيْهِ وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ما بِهِ مِن جِنَّةٍ بَلْ عَلِمْتُمُوهُ أرْجَحَ قُرَيْشٍ عَقْلًا وأرْزَنَهم حِلْمًا وأثْقَبَهم ذِهْنًا وآصَلَهم رَأْيًا وأصْدَقَهم قَوْلًا وأجْمَعَهم لِما يُحْمَدُ عَلَيْهِ الرِّجالُ فَكانَ مَظِنَّةً لِأنْ تَظُنُّوا بِهِ الخَيْرَ وتُرَجِّحُوا فِيهِ جانِبَ الصِّدْقِ عَلى الكَذِبِ اهـ.

فالقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن ﴿إنْ هو إلّا نَذِيرٌ لَكُمْ﴾ قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ قَصْرًا إضافِيًّا، أيْ هو مَقْصُورٌ عَلى صِفَةِ النِّذارَةِ لا تَحُومُ حَوْلَهُ الأوْصافُ الَّتِي لَمَزْتُمُوهُ بِها.

ومَعْنى ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ﴾ القُرْبُ، أيْ قُرْبَ الحُصُولِ فَيَقْتَضِي القَبْلِيَّةَ، أيْ قَبْلَ عَذابٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا في هَذِهِ السُّورَةِ، والمُرادُ عَذابُ الآخِرَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском