Ibn 'AshurSaba · 34:47–53

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Saba 34:47–53

34:47Page 433

قُلۡ مَا سَأَلۡتُكُم مِّنۡ أَجۡرٖ فَهُوَ لَكُمۡۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٞ ٤٧

Say, "Whatever payment I might have asked of you - it is yours. My payment is only from Allāh, and He is, over all things, Witness."

﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهْوَ لَكم إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وهْوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ هَذا اسْتِقْصاءٌ لِبَقايا شُبَهِ التَّكْذِيبِ لِدَحْضِها سَواءً مِنها ما تَعَلَّقُوا بِهِ مِن نَحْوِ قَوْلِهِمْ: كاهِنٌ وشاعِرٌ ومَجْنُونٌ وما لَمْ يَدَّعُوهُ ولَكِنَّهُ قَدْ يَخْطُرُ بِبالِ واحِدٍ مِنهم أنْ يَزْعُمُوا أنَّهُ يُرِيدُ بِهَذِهِ الدَّعْوى نَفْعًا لِنَفْسِهِ يَكُونُ أجْرًا لَهُ عَلى التَّعْلِيمِ والإرْشادِ.

وهم لَمّا ادَّعَوْا أنَّهُ ساحِرٌ أوْ أنَّهُ شاعِرٌ أوْ أنَّهُ كاهِنٌ لَزِمَ مِن دَعْواهم أنَّهُ يَتَعَرَّضُ

صفحة ٢٣٦

لِجائِزَةِ الشّاعِرِ، وحُلْوانِ الكاهِنِ، فَلَمّا نُفِيَتْ عَنْهُ تِلْكَ الخِلالُ لَمْ يَبْقَ لَهم في الكِنانَةِ سَهْمُ طَعْنٍ، إلّا أنْ يَزْعُمُوا أنَّهُ يَطْلُبُ أجْرًا عَلى الإرْشادِ فَقِيلَ لَهم: ﴿ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكُمْ﴾ إنْ كانَ بِكم ظَنُّ انْتِفاعِي مِنكم بِما دَعَوْتُكم إلَيْهِ، فَما كانَ لِي مِن أجْرٍ عَلَيْهِ فَخُذُوهُ. وهَذِهِ طَرِيقَةٌ بَدِيعَةٌ في الكِنايَةِ التَّهَكُّمِيَّةِ عَنْ عَدَمِ انْتِفاعِهِ بِما يَدْعُوهم إلَيْهِ بِأنْ يُفْرَضَ كالواقِعِ ثُمَّ يُرَتَّبَ عَلَيْهِ الِانْكِفافُ عَنْهُ ورَدُّ ما فاتَ مِنهُ لِيُفْضِيَ بِذَلِكَ إلى البَراءَةِ مِنهُ ومِنَ التَّعَرُّضِ لَهُ، فَهي كِنايَةٌ رَمْزِيَّةٌ وأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لَمْ يَسْألْهم أجْرًا ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ [ص: ٨٧] أوْ إنْ كُنْتُ سَألْتُكم أجْرًا فَلا تُعْطُونِيهِ وإنْ كُنْتُمْ أعْطَيْتُمْ شَيْئًا فاسْتَرِدُّوهُ، فَكُنِّيَ بِهَذا الشَّرْطِ المُحَقَّقِ انْتِفاؤُهُ عِنْدَ انْتِفاءِ أنْ يَكُونَ طالِبًا أجْرًا مِنهم عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦]، وهَذا ما صَرَّحَ بِهِ عَقِبَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾، فَجِيءَ بِالشَّرْطِ بِصِيغَةِ الماضِي لِيَدُلَّ عَلى انْتِفاءِ ذَلِكَ في الماضِي فَيَكُونُ انْتِفاؤُهُ في المُسْتَقْبَلِ أجْدَرَ، عَلى أنَّ وُقُوعَهُ في سِياقِ الشَّرْطِ يَقْضِي بِانْتِفائِهِ في المُسْتَقْبَلِ أيْضًا. وهَذا جارٍ مَجْرى التَّحَدِّي لِأنَّهُ لَوْ كانَ لِجَماعَتِهِمْ أوْ آحادِهِمْ عِلْمٌ بِأنَّهُ طَلَبَ أجْرًا مِنهم لَجارُوا حِينَ هَذا التَّحَدِّي بِمُكافَحَتِهِ وطالَبُوهُ بِرَدِّهِ عَلَيْهِمْ.

ويَنْتَقِلُ مِن هَذا إلى تَعْيِينِ أنَّ ما دَعاهم إلَيْهِ لا يَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُهم بِالنَّجاةِ مِنَ العَذابِ، وقَدْ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ التَّبَرُّؤُ مِن أنْ يَكُونَ النَّبِيءُ ﷺ يُرِيدُ مِنهم أجْرًا أوْ يَتَطَلَّبُ نَفْعًا لِأنَّ انْتِفاءَ ذَلِكَ ما يُلاقِيهِ مِنَ العَناءِ في الدَّعْوَةِ دَلِيلُ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ مِنَ اللَّهِ لا يُرِيدُ جَزاءً مِنهم.

و(ما) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، و(مِن أجْرٍ) بَيانًا لِإبْهامِ (ما) وجُمْلَةُ ”فَهو لَكم“ جَوابَ الشَّرْطِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) نافِيَةً. وتَكُونَ (مِن) لِتَوْكِيدِ عُمُومِ النَّكِرَةِ في النَّفْيِ، وتَكُونَ الفاءُ في قَوْلِهِ (﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾) تَفْرِيعًا عَلى نَفْيِ الأجْرِ، وضَمِيرُ (هو) عائِدًا عَلى القُرْآنِ المَفْهُومِ مِنَ المَقامِ ومِن تَقَدُّمِ قَوْلِهِ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ [سبإ: ٤٣] أيْ فَهَذا القُرْآنُ لِفائِدَتِكم لا لِفائِدَتِي لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ﴾ يُفِيدُ أنْ لا فائِدَةَ لَهُ في هَذِهِ الدَّعْوَةِ. ويَكُونُ مَعْنى الآيَةِ نَظِيرَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ [ص: ٨٧] .

صفحة ٢٣٧

والأجْرُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ [القصص: ٢٥] في سُورَةِ القَصَصِ. وجُمْلَةُ (﴿إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ أنْ يَسْألَ السّامِعُ: كَيْفَ لا يَكُونُ لَهُ عَلى ما قامَ بِهِ أجْرٌ، فَأُجِيبَ بِأنَّ أجْرَهُ مَضْمُونٌ وعَدَهُ اللَّهُ بِهِ لِأنَّهُ إنَّما يَقُومُ بِعَمَلٍ لِمَرْضاتِهِ وامْتِثالِ أمْرِهِ فَعَلَيْهِ أجْرُهُ.

وحَرْفُ ”عَلى“ يَقْتَضِي أنَّهُ حَقُّ اللَّهِ وذَلِكَ بِالنَّظَرِ إلى وعْدِهِ الصّادِقِ، ثُمَّ ذَيَّلَ ذَلِكَ بِاسْتِشْهادِ اللَّهِ تَعالى عَلى باطِنِهِ ونِيَّتِهِ الَّتِي هي مِن جُمْلَةِ الكائِناتِ الَّتِي اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَيْها، وعَلِيمٌ بِخَفاياها فَهو مِن بابِ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ [الرعد: ٤٣] أيْ وهو شاهِدٌ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ.

والأجْرُ: عِوَضٌ نافِعٌ عَلى عَمَلٍ سَواءٌ كانَ مالًا أوْ غَيْرَهُ.

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ ياءَ ”أجْرِيَ“ مَفْتُوحَةً. وقَرَأها ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ساكِنَةً، وهُما وجْهانِ مِن وُجُوهِ ياءِ المُتَكَلِّمِ في الإضافَةِ.

34:48Page 433

قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ٤٨

Say, "Indeed, my Lord projects the truth, Knower of the unseen."

﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾

لا جَرَمَ إذِ انْتَهى الِاسْتِدْلالُ والمُجادَلَةُ أنْ يُنْتَقَلَ إلى النِّداءِ بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ بِظُهُورِ الحَقِّ فَيُسْتَغْنى عَنْ مُجادَلَتِهِمْ.

وأُعِيدَ فِعْلُ ”قُلْ“ لِلِاهْتِمامِ بِالمَقُولِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا.

والتَّأْكِيدُ لِتَحْقِيقِ هَذا الخَبَرِ.

والتَّعْبِيرُ عَنِ اسْمِ اللَّهِ بِلَفْظِ الرَّبِّ وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ لِلْإشارَةِ أنَّ الحَقَّ في جانِبِهِ وأنَّهُ تَأْيِيدٌ مِن رَبِّهِ فَإنَّ الرَّبَّ يَنْصُرُ مَرْبُوبَهُ ويُؤَيِّدُهُ. فالمُرادُ بِالرُّبُوبِيَّةِ هُنا رُبُوبِيَّةُ الوَلاءِ والِاخْتِصاصِ لا مُطْلَقُ الرُّبُوبِيَّةِ لِأنَّها تَعُمُّ النّاسَ كُلَّهم.

وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاخْتِصاصِ دُونَ التَّقَوِّي لِأنَّ تَقَوِّيَ الجُمْلَةِ حَصَلَ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ. وهَذا الِاخْتِصاصُ بِاعْتِبارِ ما في يَقْذِفُ

صفحة ٢٣٨

بِالحَقِّ مِن مَعْنى النّاصِرِ لِي دُونَكم فَماذا يَنْفَعُكُمُ اعْتِزازُكم بِأمْوالِكم وأوْلادِكم وقُوَّتِكم.

والقَذْفُ: إلْقاءُ الشَّيْءِ مِنَ اليَدِ، وأُطْلِقَ عَلى إظْهارِ الحَقِّ قَذْفٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، شَبَّهَ إعْلانَ الحَقِّ بِإلْقاءِ الحَجَرِ ونَحْوِهِ. والمَعْنى: أنَّ رَبِّي يَقْذِفُكم بِالحَقِّ.

أوْ هو إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ﴾ [الأنبياء: ١٨] وعَلى كُلٍّ فَهو تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ مِن نَصْرِ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ عَلى المُشْرِكِينَ.

وتَخْصِيصُ وصْفِ ”﴿عَلّامُ الغُيُوبِ﴾“ مِن بَيْنِ الأوْصافِ الإلَهِيَّةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ عالِمٌ بِالنَّوايا، وأنَّ القائِلَ يَعْلَمُ ذَلِكَ فالَّذِي يَعْلَمُ هَذا لا يَجْتَرِئُ عَلى اللَّهِ بِادِّعائِهِ باطِلًا أنَّهُ أرْسَلَهُ إلَيْكم، فالإعْلامُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ هُنا يُشْبِهُ اسْتِعْمالَ الخَبَرِ في لازِمِ فائِدَتِهِ وهو العِلْمُ بِالحُكْمِ الخَبَرِيِّ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى (﴿يَقْذِفُ بِالحَقِّ﴾) يُرْسِلُ الوَحْيَ، أيْ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [غافر: ١٥] ويَكُونَ قَوْلُهُ (﴿عَلّامُ الغُيُوبِ﴾) إشارَةً إلى أنَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ: لَوْلا أُنْزِلَتْ عَلَيْنا المَلائِكَةُ دُونَ مُحَمَّدٍ.

وارْتَفَعَ (عَلّامُ) عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو عَلّامُ الغُيُوبِ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِاسْمِ ”إنَّ“ إمّا مَقْطُوعٌ، وإمّا لِمُراعاةِ مَحَلِّ اسْمِ إنَّ حَيْثُ إنَّها اسْتَوْفَتْ خَبَرَها لِأنَّ حُكْمَ الصِّفَةِ حُكْمُ عَطْفِ النَّسَقِ عِنْدَ أكْثَرِ النُّحاةِ وهو الحَقُّ. وقالَ الفَرّاءُ: رَفْعُ الِاسْمِ هَذا هو غالِبُ كَلامِ العَرَبِ. ومِثْلُهُ بِالبَدَلِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ [ص: ٦٤] .

وقَرَأ الجُمْهُورُ (الغُيُوبِ) بِضَمِّ الغَيْنِ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ الغَيْنِ كَما جاءَ الوَجْهانِ في باءِ بُيُوتٍ.

34:49Page 434

قُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَمَا يُبۡدِئُ ٱلۡبَٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ ٤٩

Say, "The truth has come, and falsehood can neither begin [anything] nor repeat [it]."1

﴿قُلْ جاءَ الحَقُّ وما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾ أُعِيدَ فِعْلُ قُلْ لِلِاهْتِمامِ بِالمَقُولِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.

وجُمْلَةُ (قُلْ جاءَ الحَقُّ) تَأْكِيدٌ لِجُمْلَةِ ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ﴾ [سبإ: ٤٨] فَإنَّ الحَقَّ

صفحة ٢٣٩

قَدْ جاءَ بِنُزُولِ القُرْآنِ ودَعْوَةِ الإسْلامِ. وعَطَفَ ”﴿وما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾“ عَلى ”﴿جاءَ الحَقُّ﴾“ لِأنَّهُ إذا جاءَ الحَقُّ انْقَشَعَ الباطِلُ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي حَلَّ فِيهِ الحَقُّ.

و(يُبْدِئُ) مُضارِعُ أبْدَأ بِهَمْزَةٍ في أوَّلِهِ وهَمْزَةٍ في آخِرِهِ والهَمْزَةُ الَّتِي في أوَّلِهِ لِلزِّيادَةِ مِثْلُ هَمْزَةِ: أجاءَ، وأسْرى. وإسْنادُ الإبْداءِ والإعادَةِ إلى الباطِلِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ أوِ اسْتِعارَةٌ.

ومَعْنى وما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ الكِنايَةُ عَنِ اضْمِحْلالِهِ وزَوالِهِ وهو ما عَبَّرَ عَنْهُ بِالزُّهُوقِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] في سُورَةِ الإسْراءِ، وذَلِكَ أنَّ المَوْجُودَ الَّذِي تَكُونُ لَهُ آثارٌ إمّا أنْ تَكُونَ آثارُهُ مُسْتَأْنَفَةً أوْ مُعادَةً فَإذا لَمْ يَكُنْ لَهُ إبْداءٌ ولا إعادَةٌ فَهو مَعْدُومٌ وأصْلُهُ مَأْخُوذٌ مِن تَصَرُّفِ الحَيِّ فَيَكُونُ ما يُبْدِئُ وما يُعِيدُ كِنايَةً عَنِ الهَلاكِ كَما قالَ عُبَيْدُ بْنُ الأبْرَصِ:

أفْقَرَ مِن أهْلِهِ عَبِيدُ فاليَوْمَ لا يُبْدِي ولا يُعِيدُ

يَعْنِي نَفْسَهُ.

ويَقُولُونَ أيْضًا: فُلانٌ ما يُبْدِئُ وما يُعِيدُ، أيْ ما يَتَكَلَّمُ بِبادِئَةٍ ولا عائِدَةٍ، أيْ لا يَرْتَجِلُ كَلامًا ولا يُجِيبُ عَنْ كَلامِ غَيْرِهِ. وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ فِعْلُ ”بَدَأ“ المَهْمُوزُ أوَّلُهُ مَعَ فِعْلِ ”أعادَ“ مُزْدَوِجَيْنِ في إثْباتٍ أوْ نَفْيٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [العنكبوت: ١٩] في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ.

34:50Page 434

قُلۡ إِن ضَلَلۡتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفۡسِيۖ وَإِنِ ٱهۡتَدَيۡتُ فَبِمَا يُوحِيٓ إِلَيَّ رَبِّيٓۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٞ قَرِيبٞ ٥٠

Say, "If I should err, I would only err against myself. But if I am guided, it is by what my Lord reveals to me. Indeed, He is Hearing and near."

﴿قُلْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّيَ إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ لَمّا جَرى ذِكْرُ الحَقِّ والباطِلِ وكانُوا يَزْعُمُونَ مِن مَجْمُوعِ أقْوالِهِمْ أنَّ النَّبِيءَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ غَيْرُ صادِقٍ في دَعْوى الرِّسالَةِ مِنَ اللَّهِ كانَتْ أقْوالُهم تَقْتَضِي زَعْمَهم إيّاهُ عَلى ضَلالٍ وكانَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ قاطِعًا بِأنَّهُ عَلى هُدًى بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ جاءَ الحَقُّ وما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾ [سبإ: ٤٩] انْتَقَلَ هُنا إلى مُتارَكَةِ جِدالِهِمْ وتَرْكِهِمْ وشَأْنِهِمْ لِقِلَّةِ جَدْوى مُراجَعَتِهِمْ.

وهَذا مَحْضَرٌ خاصٌّ وطَيُّ بِساطِ مَجْلِسٍ واحِدٍ، فَلا يَقْتَضِي أنَّهُ يَسْتَمِرُّ عَلى تَرْكِ

صفحة ٢٤٠

مُجادَلَتِهِمْ لِأنَّ الواقِعَ يُنافِي ذَلِكَ فَقَدْ نَزَلَ القُرْآنُ بَعْدَ ذَلِكَ طَوِيلًا مُشْتَمِلًا عَلى دَعْوَتِهِمْ وتَحْذِيرِهِمْ وإنْذارِهِمْ.

وصِيغَةُ القَصْرِ الَّتِي في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي﴾ لِقَصْرِ الضَّلالِ المَفْرُوضِ، أيْ عَلى نَفْسِي لا عَلَيْكم لِأنَّهم كانُوا يُحاوِلُونَ أنْ يُقْلِعَ عَمّا دَعاهم إلَيْهِ ولَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى صُدُودِهِمْ.

وتَعْدِيَةُ (أضَلَّ) بِحَرْفِ (عَلى) تَتَضَمَّنُ اسْتِعارَةً مَكْنِيَّةً إذْ شَبَّهَ الضَّلالَ بِجَرِيرَةٍ عَلَيْهِ فَعَدّاهُ بِالحَرْفِ الشّائِعِ اسْتِعْمالُهُ في الأشْياءِ المُكْرَهِ عَلَيْها غَيْرِ المُلائِمَةِ، عَكْسَ اللّامِ، وذِكْرُ حَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ تَخْيِيلٌ لِلْمَكْنِيَّةِ ولا يُقالُ: ضُمِّنَ (أضِلُّ) مَعْنى أجْنِي، لِأنَّ ”ضَلَلْتُ“ الَّذِي هو فِعْلُ الشَّرْطِ المَفْرُوضُ غَيْرُ مُضَمَّنٍ مَعْنى فِعْلٍ آخَرَ.

وأمّا قَوْلُهُ ﴿وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ فَكالِاحْتِراسِ مِن أنْ يَكُونَ حالُهُ مُقْتَصِرًا عَلى فَرْضِ كَوْنِهِ مَظِنَّةَ الضَّلالِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الِاعْتِرافِ لِلَّهِ بِنِعْمَتِهِ بِأنَّ ما يَنالُهُ مِن خَيْرٍ فَهو بِإرْشادِ اللَّهِ لا مِن نَفْسِهِ لِأنَّهُ ما كانَ يَصِلُ لِذَلِكَ وهو مَغْمُورٌ بِأُمَّةٍ جاهِلِيَّةٍ لَوْلا إرْشادُ اللَّهِ إيّاهُ كَما قالَ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢] .

واخْتِيرَ في جانِبِ الهُدى فِعْلُ ”اهْتَدَيْتُ“ الَّذِي هو مُطاوِعُ ”هُدًى“ لِما فِيهِ مِنَ الإيماءِ إلى أنَّ لَهُ هادِيًا، وبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ لِيَحْصُلَ شُكْرُهُ لِلَّهِ إجْمالًا ثُمَّ تَفْصِيلًا، وفي قَوْلِهِ ﴿فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ إيماءٌ إلى أنَّهُ عَلى هُدًى لِأنَّهُ أثْبَتَ أنَّ وحْيًا مِنَ اللَّهِ وارِدٌ إلَيْهِ.

وقَدِ اسْتُفِيدَ أنَّ الضَّلالَ المَفْرُوضَ إنْ حَصَلَ فَسَبَبُهُ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ، مِن إسْنادِ فِعْلِ أضَلَّ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ ثُمَّ مِمّا عَقِبَهُ مِن قَصْرِ الضَّلالِ عَلى الحُصُولِ مِنَ المُتَكَلِّمِ، وهو أغْرَقُ في التَّعَلُّقِ بِهِ، ولَيْسَ الغَرَضُ مِن ذَلِكَ الكَلامِ بَيانَ التَّسَبُّبِ ولَكِنْ عَدَمُ مُجاوَزَةِ الضَّلالِ المَفْرُوضِ إلَيْهِمْ إذْ هم يَتَّبِعُوهُ فِيما تَلَبَّسَ بِهِ، ولَمْ يُرْتَكَبْ مِثْلُ هَذا في جانِبِ فَرْضِ اهْتِدائِهِ لِأنَّ اهْتِداءَهُ كانَ هو الحاصِلَ في الواقِعِ وكانَ شامِلًا لَهُ ولِغَيْرِهِ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ لِأنَّ اهْتِداءَهُ مُلابِسٌ لِدَعْوَتِهِ النّاسَ إلى اتِّباعِهِ، ولِأنَّ الغَرَضَ مِنَ الشَّرْطَيْنِ مُخْتَلِفٌ وإنْ كانَ يَعْلَمُ مِنَ المُقابَلَةِ أنَّ سَبَبَ الضَّلالِ

صفحة ٢٤١

والِاهْتِداءِ مُخْتَلِفٌ مِن جِهَةِ المَعْنى ولا سِيَّما حِينَ رَجَّحَ جانِبَ اهْتِدائِهِ بِقَوْلِهِ ﴿فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ .

عَلى أنَّ المُقابَلَةَ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ يَنْقَدِحُ بِها في ذِهْنِ السّامِعِ أنَّ الضَّلالَ مِن تَسْوِيلِ النَّفْسِ ولَوْ حَصَلَ لَكانَ جِنايَةً مِنَ النَّفْسِ عَلَيْهِ وأنَّ الِاهْتِداءَ مِنَ اللَّهِ وأنَّهُ نَفْعٌ ساقَهُ إلَيْهِ بِوَحْيِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ تَذْيِيلٌ لِما أفادَتْهُ الجُمْلَتانِ المَقُولَتانِ قَبْلَهُ مِنَ التَّرْدِيدِ في نِسْبَةِ الِاهْتِداءِ والضَّلالِ، أيْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنِّي عَلى هُدًى أوْ ضِدِّهِ ويَحْصُلُ مِن ذَلِكَ عِلْمُ مُقابَلَةٍ مِن أحْوالِ خُصُومِهِ لِأنَّهُ سَمِيعٌ لِما يَقُولُهُ الفَرِيقانِ قَرِيبٌ مِمّا يُضْمِرُونَهُ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ.

والقَرِيبُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ العِلْمِ والإحاطَةِ فِيهِ فَهو قُرْبٌ مَجازِيٌّ. وهَذا تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ.

34:51–53Page 434

وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ فَزِعُواْ فَلَا فَوۡتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٖ قَرِيبٖ ٥١

And if you could see1 when they are terrified but there is no escape, and they will be seized from a place nearby.

وَقَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ ٥٢

And they will [then] say, "We believe in it!" But how for them will be the taking1 [of faith] from a place far away?2

وَقَدۡ كَفَرُواْ بِهِۦ مِن قَبۡلُۖ وَيَقۡذِفُونَ بِٱلۡغَيۡبِ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ ٥٣

And they had already disbelieved in it before and would assault1 the unseen from a place far away.2

﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ ﴿وقالُوا آمَنّا بِهِ وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿وقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ ويَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾

لَمّا جاءَهُمُ التَّعْرِيضُ بِالتَّهْدِيدِ مِن لازِمِ المُتارَكَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ ﴿فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ [سبإ: ٥٠] لِلْعِلْمِ بِأنَّ الضّالَّ يَسْتَحِقُّ العِقابَ أتْبَعَ حالَهم حِينَ يَحِلُّ بِهِمُ الفَزَعُ مِن مُشاهَدَةِ ما هُدِّدُوا بِهِ.

والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ تَسْلِيَةً لَهُ أوْ لِكُلِّ مُخاطَبٍ. وحُذِفَ جَوابُ ”لَوْ“ لِلتَّهْوِيلِ. والتَّقْدِيرُ: لَرَأيْتَ أمْرًا فَظِيعًا.

ومَفْعُولُ ”تَرى“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَحْذُوفًا، أيْ لَوْ تَراهم، أوْ تَرى عَذابَهَمْ ويَكُونُ ”إذْ فَزِعُوا“ ظَرْفًا لِـ ”تَرى“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”إذْ“ هو المَفْعُولَ بِهِ وهو مُجَرَّدٌ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ، أيْ لَوْ تَرى ذَلِكَ الزَّمانَ، أيْ تَرى ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ.

والفَزَعُ: الخَوْفُ المُفاجِئُ، وقالَ النَّبِيءُ ﷺ لِلْأنْصارِ: «إنَّكم لَتَكْثُرُونَ

صفحة ٢٤٢

عِنْدَ الفَزَعِ وتَقِلُّونَ عِنْدَ الطَّمَعِ» . وهَذا الفَزَعُ عِنْدَ البَعْثِ يُشْعِرُ بِأنَّهم كانُوا غَيْرَ مُهَيِّئِينَ لِهَذا الوَقْتِ أسْبابَ النَّجاةِ مِن هَوْلِهِ.

والأخْذُ: حَقِيقَتُهُ التَّناوُلُ وهو هُنا مَجازٌ في الغَلَبِ والتَّمَكُّنِ بِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠]، والمَعْنى: أُمْسِكُوا وقُبِضَ عَلَيْهِمْ لِمُلاقاةِ ما أُعِدَّ لَهم مِنَ العِقابِ.

وجُمْلَةُ ”فَلا فَوْتَ“ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ. والفَوْتُ: التَّفَلُّتُ والخَلاصُ مِنَ العِقابِ، قالَ رُوَيْشِدٌ الطّائِيُّ:

إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ تَأْتِينِي بَقِيَّتُكم مِمّا عَلَيَّ بِذَنْبٍ مِنكُمُ فَوْتُ

أيْ إذا أذْنَبْتُمْ فَجاءَتْ جَماعَةٌ مِنكم مُعْتَذِرِينَ فَذَلِكَ لا يَدْفَعُ عَنْكم جَزاءَكم عَلى ذَنْبِكم.

وفِي الكَشّافِ: ولَوْ، وإذْ، والأفْعالُ الَّتِي هي فَزِعُوا، وأُخِذُوا، وحِيلَ بَيْنَهم، كُلُّها لِلْمُضِيِّ، والمُرادُ بِها الِاسْتِقْبالُ لِأنَّ ما اللَّهُ فاعِلُهُ في المُسْتَقْبَلِ بِمَنزِلَةِ ما كانَ ووُجِدَ لِتَحْقِيقِهِ اهـ. ويَزْدادُ عَلَيْها فِعْلُ ”وقالُوا“ .

والمَكانُ القَرِيبُ: المَحْشَرُ، أيْ أُخِذُوا مِنهُ إلى النّارِ، فاسْتَغْنى بِذِكْرِ مِنَ الِابْتِدائِيَّةِ عَنْ ذِكْرِ الغايَةِ لِأنَّ كُلَّ مَبْدَأٍ لَهُ غايَةٌ، ومَعْنى قُرْبِ المَكانِ أنَّهُ قَرِيبٌ إلى جَهَنَّمَ بِحَيْثُ لا يَجِدُونَ مُهْلَةً لِتَأْخِيرِ العَذابِ.

ولَيْسَ بَيْنَ كَلِمَتَيْ ”قَرِيبٍ“ هُنا والَّذِي في قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبإ: ٥٠] ما يُشْبِهُ الإبْطاءَ في الفَواصِلِ لِاخْتِلافِ الكَلِمَتَيْنِ بِالحَقِيقَةِ والمَجازِ فَصارَ في الجَمْعِ بَيْنَهُما مُحَسِّنُ الجِناسِ التّامِّ.

وعَطَفَ ”وقالُوا“ عَلى ”أُخِذُوا“ أيْ يَقُولُونَ حِينَئِذٍ: آمَنّا بِهِ.

وضَمِيرُ ”بِهِ“ لِلْوَعِيدِ أوْ لِيَوْمِ البَعْثِ أوْ لِلنَّبِيءِ ﷺ أوِ القُرْآنِ، إذا كانَ الضَّمِيرُ مَحْكِيًّا مِن كَلامِهِمْ لِأنَّ جَمِيعَ ما يَصِحُّ مَعادًا لِلضَّمِيرِ مُشاهَدٌ لَهم ولِلْمَلائِكَةِ، فَأجْمَلُوا فِيما يُرادُ الإيمانُ بِهِ لِأنَّهم ضاقَ عَلَيْهِمُ الوَقْتُ فاسْتَعْجَلُوهُ بِما يَحْسَبُونَهُ مُنْجِيًا لَهم مِنَ العَذابِ، وإنْ كانَ الضَّمِيرُ مِنَ الحِكايَةِ فَهو عائِدٌ إلى الحَقِّ مِن قَوْلِهِ ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ﴾ [سبإ: ٤٨] لِأنَّ الحَقَّ يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ كُلَّهُ.

صفحة ٢٤٣

ثُمَّ اسْتَطْرَدَ الكَلامَ بِمُناسَبَةِ قَوْلِهِمْ ﴿آمَنّا بِهِ﴾ إلى إضاعَتِهِمْ وقْتَ الإيمانِ بِجُمْلَةِ ﴿وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ﴾ إلى آخِرِها.

و”أنّى“ اسْتِفْهامٌ عَنِ المَكانِ وهو مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ.

و”﴿التَّناوُشُ﴾“ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِواوٍ مَضْمُومَةٍ بَعْدَ الألِفِ وهو التَّناوُلُ السَّهْلُ أوِ الخَفِيفُ وأكْثَرُ وُرُودِهِ في شُرْبِ الإبِلِ شُرْبًا خَفِيفًا مِنَ الحَوْضِ ونَحْوِهِ، قالَ غَيْلانُ بْنُ حُرَيْثٍ:

باتَتْ تَنُوشُ الحَوْضَ نَوْشًا مِن عَلا ∗∗∗ نَوْشًا بِهِ تُقَطَّعُ أجْوازُ الفَلا

يَتَحَدَّثُ عَنْ رِحْلَتِهِ، أيْ تَتَناوَلُ الماءَ مِن أعْلاهُ ولا تَغُوصُ مَشافِرُها فِيهِ.

وجُمْلَةُ ﴿وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ مُرَكَّبٌ تَمْثِيلِيٌّ يُفِيدُ تَشْبِيهَ حالِهِمْ إذْ فَرَّطُوا في أسْبابِ النَّجاةِ وقْتَ المُكْنَةِ مِنها حِينَ كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَدْعُوهم ويُحَرِّضُهم ويُحَذِّرُهم وقَدْ عَمَّرَهُمُ اللَّهُ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ ثُمَّ جاءُوا يَطْلُبُونَ النَّجاةَ بَعْدَ فَواتِ وقْتِها بِحالِهِمْ كَحالِ مَن يُرِيدُ تَناوُشَها وهو في مَكانٍ بَعِيدٍ عَنْ مُرادِهِ الَّذِي يَجِبُ تَناوُلُهُ.

وهَذا التَّمْثِيلُ قابِلٌ لِتَفْرِيقِ أجْزائِهِ بِأنْ يُشَبَّهَ السَّعْيُ بِما يَحْصُلُ بِسُرْعَةٍ بِالتَّناوُشِ ويُشَبَّهُ فَواتُ المَطْلُوبِ بِالمَكانِ البَعِيدِ كالحَوْضِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٍ بِالهَمْزِ في مَوْقِعِ الواوِ فَقالَ الزَّجّاجُ: وهو مِن إبْدالِ الواوِ المَضْمُومَةِ هَمْزَةً لِقَصْدِ التَّخْفِيفِ في نُطْقِ الضَّمَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ”﴿أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١]“ وقَوْلِهِمْ: أُجُوهٌ: جَمْعُ وجْهٍ. وبَحَثَ فِيهِ أبُو حَيّانَ، وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ أيْضًا: هو مِن نَأشَ بِالهَمْزِ إذا أبْطَأ وتَأخَّرَ في عَمَلٍ. ومِنهُ قَوْلُ نَهْشَلِ بْنِ حَرِيٍّ النَّهْشَلِيِّ:

تَمَنّى نَئِيشًا أنْ يَكُونَ أطاعَنِي ∗∗∗ وقَدْ حَدَثَتْ بَعْدَ الأُمُورِ أُمُورُ

أيْ تَمَنّى أخِيرًا.

وفَسَّرَ المَعَرِّيُّ في رِسالَةِ الغُفْرانِ نَئِيشًا بِمَعْنى: بَعْدَ ما فاتَ. وعَلى كِلا التَّفْسِيرَيْنِ فالمُرادُ بِالتَّناوُشِ وصْفُ قَوْلِهِمْ: ”آمَنّا بِهِ“ بِأنَّهُ إيمانٌ تَأخَّرَ وقْتُهُ أوْ فاتَ وقْتُهُ.

صفحة ٢٤٤

وفِي الجَمْعِ بَيْنَ ”﴿مَكانٍ قَرِيبٍ﴾“ و”﴿مَكانٍ بَعِيدٍ﴾“ مُحَسِّنُ الطِّباقِ.

وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ كَيْفَ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ في وقْتِ الفَواتِ والحالُ أنَّهم كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ في وقْتِ التَّمَكُّنِ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣] .

و”يَقْذِفُونَ“ عَطْفٌ عَلى كَفَرُوا فَهي حالٌ ثانِيَةٌ. والتَّقْدِيرُ: وكانُوا يَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ. واخْتِيارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ [هود: ٣٨] .

والقَذْفُ: الرَّمْيُ بِاليَدِ مِن بُعْدٍ. وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْقَوْلِ بِدُونِ تَرَوٍّ ولا دَلِيلٍ، أيْ يَتَكَلَّمُونَ فِيما غابَ عَنِ القِياسِ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ بِما لا عِلْمَ لَهم بِهِ إذْ أحالُوا البَعْثَ والجَزاءَ وقالُوا لِشُرَكائِهِمْ: هم شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ.

ولَكَ أنْ تَجْعَلَ ﴿يَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ مِن مَكانٍ بِعِيدٍ﴾ تَمْثِيلًا مِثْلَ ما في قَوْلِهِ ﴿وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾، شُبِّهُوا بِحالِ مَن يَقْذِفُ شَيْئًا وهو غائِبٌ عَنْهُ لا يَراهُ فَهو لا يُصِيبُهُ ألْبَتَّةَ.

وحُذِفَ مَفْعُولُ ”يَقْذِفُونَ“ لِدَلالَةِ فِعْلِ ﴿وقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ عَلَيْهِ، أيْ يَقْذِفُونَ أشْياءَ مِنَ الكُفْرِ يَرْمُونَ بِها جِزافًا.

والغَيْبُ: المُغَيَّبُ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، والمَجْرُورُ بِها في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ يَقْذِفُونَ، أيْ يَقْذِفُونَ وهم غائِبُونَ عَنِ المَقْذُوفِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ.

و”﴿مَكانٍ بَعِيدٍ﴾“ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ يَعْنِي مِنَ الدُّنْيا، وهي مَكانٌ بَعِيدٌ عَنِ الآخِرَةِ لِلِاسْتِغْناءِ عَنِ اسْتِعارَتِهِ لِما لا يُشاهَدُ مِنهُ بِقَوْلِهِ ”بِالغَيْبِ“ كَما عَلِمْتَ، فَتُعَيَّنُ لِلْحَقِيقَةِ لِأنَّها الأصْلُ، وبِذَلِكَ فَلَيْسَ بَيْنَ لَفْظِ ”بَعِيدٍ“ المَذْكُورِ هُنا والَّذِي في قَوْلِهِ ﴿وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ ما يُشْبِهُ الإبْطاءَ لِاخْتِلافِ الكَلِمَتَيْنِ بِالمَجازِ والحَقِيقَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском