Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Fatir 35:11–15
35:11Page 435
وَٱللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ جَعَلَكُمۡ أَزۡوَٰجٗاۚ وَمَا تَحۡمِلُ مِنۡ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلۡمِهِۦۚ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٖ وَلَا يُنقَصُ مِنۡ عُمُرِهِۦٓ إِلَّا فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ١١
And Allāh created you from dust, then from a sperm-drop; then He made you mates. And no female conceives nor does she give birth except with His knowledge. And no aged person is granted [additional] life nor is his lifespan lessened but that it is in a register. Indeed, that for Allāh is easy.
﴿واللَّهُ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكم أزْواجًا﴾ هَذا عَوْدٌ إلى سَوْقِ دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ بِدَلالَةٍ عَلَيْها مِن أنْفُسِ النّاسِ بَعْدَ أنْ قُدِّمَ لَهم ما هو مِن دَلالَةِ الآفاقِ بِقَوْلِهِ ”﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ﴾ [فاطر: ٩]“ . فَهَذا كَقَوْلِهِ:
صفحة ٢٧٦
”﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣]“ وقَوْلِهِ ”﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]“ فابْتَدَأهم بِتَذْكِيرِهِمْ بِأصْلِ التَّكْوِينِ الأوَّلِ مِن تُرابٍ وهو ما تَقَرَّرَ عِلْمُهُ لَدى جَمِيعِ البَشَرِ مِن أنَّ أصْلَهم وهو البَشَرُ الأوَّلُ، خُلِقَ مِن طِينٍ فَصارَ ذَلِكَ حَقِيقَةً مُقَرَّرَةً في عِلْمِ البَشَرِ وهي مِمّا يُعَبَّرُ عَنْهُ في المَنطِقِ بِالأُصُولِ المَوْضُوعَةِ القائِمَةِ مَقامَ المَحْسُوساتِ.
ثُمَّ اسْتَدْرَجَهم إلى التَّكْوِينِ الثّانِي بِدَلالَةِ خَلْقِ النَّسْلِ مِن نُطْفَةٍ، وذَلِكَ عِلْمٌ مُسْتَقِرٌّ في النُّفُوسِ، وذَلِكَ بِمُشاهَدَةِ الحاضِرِ وقِياسِ الغائِبِ عَلى المُشاهَدِ، فَكَما يَجْزِمُ المَرْءُ بِأنَّ نَسْلَهُ خُلِقَ مِن نُطْفَتِهِ يَجْزِمُ بِأنَّهُ خُلِقَ مِن نُطْفَةِ أبَوَيْهِ، وهَكَذا يَصْعَدُ إلى تَخَلُّقِ أبْناءِ آدَمَ وحَوّاءَ.
والنُّطْفَةُ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ”﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ [الكهف: ٣٧]“ في سُورَةِ الكَهْفِ.
وقَوْلُهُ ”﴿ثُمَّ جَعَلَكم أزْواجًا﴾“ يُشِيرُ إلى حالَةٍ في التَّكْوِينِ الثّانِي وهو شَرْطُهُ مِنَ الِازْدِواجِ. فَـ ”ثُمَّ“ عاطِفَةُ الجُمْلَةِ فَهي دالَّةٌ عَلى التَّرْتِيبِ الرُّتَبِيِّ الَّذِي هو أهَمُّ في الغَرَضِ أعْنِي دَلالَةَ التَّكْوِينِ عَلى بَدِيعِ صُنْعِ الخالِقِ سُبْحانَهُ فَذَلِكَ مُوَزَّعٌ عَلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ ”ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ“ .
والمَعْنى: ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ وقَدْ جَعَلَكم أزْواجًا لِتَرْكِيبِ تِلْكَ النُّطْفَةِ، فالِاسْتِدْلالُ بِدِقَّةِ صُنْعِ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى وحْدانِيَّةِ الصّانِعِ. وفِيها غُنْيَةٌ عَنِ النَّظَرِ في تَأمُّلِ صُنْعِ بَقِيَّةِ الحَيَوانِ.
والأزْواجُ: جَمْعُ زَوْجٍ وهو الَّذِي يَصِيرُ بِانْضِمامِ الفَرْدِ إلَيْهِ زَوْجًا، أيْ شافِعًا، وقَدْ شاعَ إطْلاقُهُ عَلى صِنْفِ الذُّكُورِ مَعَ صِنْفِ الإناثِ لِاحْتِياجِ الفَرْدِ الذَّكَرِ مِن كُلِّ صِنْفٍ إلى أُنْثاهُ مِن صِنْفِهِ والعَكْسِ.
* * *
﴿وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ﴾
بَعْدَ الِاسْتِدْلالِ بِما في بَدْءِ التَّكْوِينِ الثّانِي مِنَ التَّلاقُحِ بَيْنَ النُّطْفَتَيْنِ اسْتِدْلالٌ بِما يَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الأطْوارِ العارِضَةِ لِلنُّطْفَةِ في الرَّحِمِ وهو أطْوارُ الحَمْلِ مِن أوَّلِهِ إلى الوَضْعِ.
صفحة ٢٧٧
وأُدْمِجَ في ذَلِكَ دَلِيلُ التَّنْبِيهِ عَلى إحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِالكائِناتِ الخَفِيَّةِ والظّاهِرَةِ، ولِكَوْنِ العِلْمِ بِالخَفِيّاتِ أعْلى قُدِّمَ ذِكْرُ الحَمْلِ عَلى ذِكْرِ الوَضْعِ، والمَقْصُودُ مِن عَطْفِ الوَضْعِ أنْ يَدْفَعَ تَوَهُّمَ وُقُوفِ العِلْمِ عِنْدَ الخَفِيّاتِ الَّتِي هي مِنَ الغَيْبِ دُونَ الظَّواهِرِ بِأنْ يَشْتَغِلَ عَنْها بِتَدْبِيرِ خَفِيّاتِها كَما هو شَأْنُ كُبَراءِ العُلَماءِ مِن الخَلْقِ، ولِظُهُورِ اسْتِحالَةِ تَوَجُّهِ إرادَةِ الخَلْقِ نَحْوَ مَجْهُولٍ عِنْدَ مُرِيدِهِ.
والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن عُمُومِ الأحْوالِ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ. والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ.
* * *
﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلّا في كِتابٍ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾
لا جَرَمَ أنَّ الحَدِيثَ عَنِ التَّكْوِينِ يَسْتَتْبِعُ ذِكْرَ المَوْتِ المَكْتُوبِ عَلى كُلِّ بَشَرٍ فَجاءَ بِذِكْرِ عِلْمِهِ الآجالَ والأعْمارَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى سَعَةِ العِلْمِ الإلَهِيِّ.
والتَّعْمِيرُ: جَعْلُ الإنْسانِ عامِرًا، أيْ باقِيًا في الحَياةِ، فَإنَّ العَمْرَ هو مُدَّةُ الحَياةِ يُقالُ: عَمِرَ فُلانٌ كَفَرِحَ ونَصِرَ وضَرِبَ، إذا بَقِيَ زَمانًا، فَمَعْنى عَمَّرَهُ بِالتَّضْعِيفِ: جَعَلَهُ باقِيًا مُدَّةً زائِدَةً عَلى المُدَّةِ المُتَعارَفَةِ في أعْمارِ الأجْيالِ، ولِذَلِكَ قُوبِلَ بِالنَّقْصِ مِنَ العُمُرِ، ولِذَلِكَ لا يُوصَفُ بِالتَّعْمِيرِ صاحِبُهُ إلّا بِالمَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ فَيُقالُ: عُمِّرَ فُلانٌ فَهو مُعَمَّرٌ. وقَدْ غَلَبَ في هَذِهِ الأجْيالِ أنْ يَكُونَ المَوْتُ بَيْنَ السِّتِّينَ والسَّبْعِينَ فَما بَيْنَهُما، فَهو عُمُرٌ مُتَعارَفٌ، والمُعَمَّرُ الَّذِي يَزِيدُ عُمُرُهُ عَلى السَّبْعِينَ، والمَنقُوصُ عُمُرُهُ الَّذِي يَمُوتُ دُونَ السِّتِّينَ ولِذَلِكَ كانَ أرْجَحُ الأقْوالِ في تَعْمِيرِ المَفْقُودِ عِنْدَ فُقَهاءِ المالِكِيَّةِ هو الإبْلاغَ بِهِ سَبْعِينَ سَنَةً مِن تارِيخِ وِلادَتِهِ ووَقَعَ القَضاءُ في تُونُسَ بِأنَّهُ ما تَجاوَزَ ثَمانِينَ سَنَةً، قالُوا لِأنَّ الَّذِينَ يَعِيشُونَ إلى ثَمانِينَ غَيْرُ قَلِيلٍ فَلا يَنْبَغِي الحُكْمُ بِاعْتِبارِ المَفْقُودِ مَيِّتًا إلّا بَعْدَ ذَلِكَ لِأنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ المِيراثُ ولا مِيراثَ بِشَكٍّ، ولِأنَّهُ بَعْدَ الحُكْمِ بِاعْتِبارِهِ مَيِّتًا تُزَوَّجُ امْرَأتُهُ، وشَرْطُ صِحَّةِ التَّزَوُّجِ أنْ تَكُونَ المَرْأةُ خَلِيَّةً مِن عِصْمَةٍ، ولا يَصِحُّ إعْمالُ الشَّرْطِ مَعَ الشَّكِّ فِيهِ. وهو تَخْرِيجٌ فِيهِ نَظَرٌ.
وضَمِيرُ ”مِن عُمُرِهِ“ عائِدٌ إلى ”مُعَمَّرٍ“ عَلى تَأْوِيلِ ”مُعَمَّرٍ“ بِـ (أحَدٍ) كَأنَّهُ
صفحة ٢٧٨
قِيلَ: وما يُعَمَّرُ مِن أحَدٍ ولا يُنْقَصُ عُمُرُهُ، أيْ عُمُرُ أحَدٍ وآخَرَ. وهَذا كَلامٌ جارٍ عَلى التَّسامُحِ في مِثْلِهِ في الِاسْتِعْمالِ واعْتِمادًا عَلى أنَّ السّامِعِينَ يَفْهَمُونَ المُرادَ كَقَوْلِهِ تَعالى ”﴿وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرَأةٌ ولَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما السُّدُسُ فَإنْ كانُوا أكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهم شُرَكاءُ في الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]“ لِظُهُورِ أنَّهُ لا يَنْقَلِبُ المَيِّتُ وارِثًا لِمَن قَدْ ورِثَهُ ولا وارِثٌ مَيِّتًا مَوْرُوثًا لِوارِثِهِ.
والكِتابُ كِنايَةٌ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي لا يَغِيبُ عَنْهُ مَعْلُومٌ كَما أنَّ الشَّيْءَ المَكْتُوبَ لا يُزادُ فِيهِ ولا يُنْقَصُ، ويَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ مَوْجُوداتٍ هي كالكُتُبِ تُسَطَّرُ فِيها الآجالُ مُفَصَّلَةً وذَلِكَ يَسِيرٌ في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى. ولِذَلِكَ قالَ:
”﴿إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾“ أيْ لا يَلْحَقُهُ مِن هَذا الضَّبْطِ عُسْرٌ ولا كَدٌّ.
وقَدْ ورَدَ هُنا الإشْكالُ العامُّ النّاشِئُ عَنِ التَّعارُضِ بَيْنَ أدِلَّةِ جَرَيانِ كُلِّ شَيْءٍ عَلى ما هو سابِقٌ في عِلْمِ اللَّهِ في الأزَلِ، وبَيْنَ إضافَةِ الأشْياءِ إلى أسْبابٍ وطَلَبِ اكْتِسابِ المَرْغُوبِ مِن تِلْكَ الأسْبابِ واجْتِنابِ المَكْرُوهِ مِنها فَكَيْفَ يَثْبُتُ في هَذِهِ الآيَةِ لِلْأعْمارِ زِيادَةٌ ونَقْصٌ مَعَ كَوْنِها في كِتابٍ وعِلْمٍ لا يَقْبَلُ التَّغْيِيرَ. وكَيْفَ يُرَغَّبُ بِالصَّدَقَةِ مَثَلًا أنَّها تَزِيدُ في العُمُرِ، وأنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ تُطِيلُ في العُمُرِ.
والمُخَلِّصُ مِن هَذا ونَحْوِهِ هو القاعِدَةُ الأصْلِيَّةُ الفارِقَةُ بَيْنَ كَوْنِ الشَّيْءِ مَعْلُومًا لِلَّهِ تَعالى وبَيْنَ كَوْنِهِ مُرادًا، فَإنَّ العِلْمَ يَتَعَلَّقُ بِالأشْياءِ المَوْجُودَةِ والمَعْدُومَةِ، والإرادَةُ تَتَعَلَّقُ بِإيجادِ الأشْياءِ عَلى وفْقِ العِلْمِ بِأنَّها تُوجَدُ، فالنّاسُ مُخاطَبُونَ بِالسَّعْيِ لِما تَتَعَلَّقُ بِهِ الإرادَةُ فَإذا تَعَلَّقَتِ الإرادَةُ بِالشَّيْءِ عَلِمْنا أنَّ اللَّهَ عَلِمَ وُقُوعَهُ، وما تَصَرُّفاتُ النّاسِ ومَساعِيهِمْ إلّا أماراتٌ عَلى ما عَلِمَهُ اللَّهُ لَهم، فَصَدَقَةُ المُتَصَدِّقِ أمارَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ عَلِمَ تَعْمِيرَهُ، واللَّهُ تَعالى يُظْهِرُ مَعْلُوماتِهِ في مَظاهِرِ تَكْرِيمٍ أوْ تَحْقِيرٍ لِيَتِمَّ النِّظامُ الَّذِي أسَّسَ اللَّهُ عَلَيْهِ هَذا العالَمَ ويَلْتَئِمُ جَمِيعُ ما أرادَهُ اللَّهُ مِن هَذا التَّكْوِينِ عَلى وُجُوهٍ لا يُخِلُّ بَعْضُها بِبَعْضٍ وكُلُّ ذَلِكَ مُقْتَضى الحِكْمَةِ العالِيَةِ. ولا مُخَلِّصَ مِن هَذا الإشْكالِ إلّا هَذا الجَوابُ وجَمِيعُ ما سِواهُ وإنْ أقْنَعَ ابْتِداءً فَمَآلُهُ إلى حَيْثُ ابْتَدَأ الإشْكالُ.
35:12Page 436
وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡبَحۡرَانِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ سَآئِغٞ شَرَابُهُۥ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞۖ وَمِن كُلّٖ تَأۡكُلُونَ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُونَ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٢
And not alike are the two seas [i.e., bodies of water]. One is fresh and sweet, palatable for drinking, and one is salty and bitter. And from each you eat tender meat and extract ornaments which you wear, and you see the ships plowing through [them] that you might seek of His bounty; and perhaps you will be grateful.
صفحة ٢٧٩
﴿وما يَسْتَوِي البَحْرانِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾
انْتِقالٌ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالأحْوالِ في الأجْواءِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِما عَلى الأرْضِ مِن بِحارٍ وأنْهارٍ وما في صِفاتِها مِن دَلالَةٍ زائِدَةٍ عَلى دَلالَةِ وُجُودِ أعْيانِها، عَلى عِظَمِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى، فَصِيغَ هَذا الِاسْتِدْلالُ عَلى أُسْلُوبٍ بَدِيعٍ إذِ اقْتُصِرَ فِيهِ عَلى التَّنْبِيهِ عَلى الحِكْمَةِ الرَّبّانِيَّةِ في المَخْلُوقاتِ وهي نامُوسُ تَمايُزِها بِخَصائِصَ مُخْتَلِفَةٍ واتِّحادِ أنْواعِها في خَصائِصَ مُتَماثِلَةٍ اسْتِدْلالًا عَلى دَقِيقِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ ”تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ“ ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ الِاسْتِدْلالَ بِخَلْقِ البَحْرَيْنِ أنْفُسِهِما لِأنَّ ذِكْرَ اخْتِلافِ مَذاقِهِما يَسْتَلْزِمُ تَذَكُّرَ تَكْوِينِهِما.
فالتَّقْدِيرُ: وخَلَقَ البَحْرَيْنِ العَذْبَ والأُجاجَ عَلى صُورَةٍ واحِدَةٍ وخالَفَ بَيْنَ أعْراضِها، فَفي الكَلامِ إيجازُ حَذْفٍ، وإنَّما قُدِّمَ مِن هَذا الكَلامِ تَفاوُتُ البَحْرَيْنِ في المَذاقِ واقْتُصِرَ عَلَيْهِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِأفانِينِ الدَّلائِلِ عَلى دَقِيقِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى.
وفِي الكَشّافِ: ضَرَبَ البَحْرِينِ العَذْبَ والمالِحَ مَثَلًا لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، ثُمَّ قالَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ في صِفَةِ البَحْرَيْنِ وما عُلِّقَ بِهِما مِن نِعْمَتِهِ وعَطائِهِ ”ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا“ .
والبَحْرُ في كَلامِ العَرَبِ: اسْمٌ لِلْماءِ الكَثِيرِ القارِّ في سَعَةٍ، فالفُراتُ والدِّجْلَةُ بَحْرانِ عَذْبانِ وبَحْرُ خَلِيجِ العَجَمِ مِلْحٌ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ البَحْرَيْنِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ”﴿وهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ [الفرقان: ٥٣]“ في سُورَةِ الفُرْقانِ وقَدِ اتَّحَدا في إخْراجِ الحِيتانِ والحِلْيَةِ، أيِ اللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ، وهُما يُوجَدُ أجْوَدُهُما في بَحْرِ العَجَمِ حَيْثُ مَصَبُّ النَّهْرَيْنِ ولِماءِ النَّهْرَيْنِ العَذْبِ واخْتِلاطِهِ بِماءِ البَحْرِ المالِحِ أثَرٌ في جَوْدَةِ اللُّؤْلُؤِ كَما بَيَّنّاهُ فِيما تَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّحْلِ، فَقَوْلُهُ ”﴿ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾“ كُلِّيَّةٌ، وقَوْلُهُ ”﴿وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً﴾“ كُلٌّ لا كُلِّيَّةٌ لِأنَّ مِن مَجْمُوعِها تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً. وكَلِمَةُ ”كُلٍّ“ صالِحَةٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ، فَعَطْفُ ”وتَسْتَخْرِجُونَ“ مِنِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ.
صفحة ٢٨٠
فالِاخْتِلافُ بَيْنَ البَحْرِينِ بِالعُذُوبَةِ والمُلُوحَةِ دَلِيلٌ عَلى دَقِيقِ صُنْعِ اللَّهِ. والتَّخالُفُ في بَعْضِ مُسْتَخْرَجاتِهِما والتَّماثُلُ في بَعْضِها دَلِيلٌ آخَرُ عَلى دَقِيقِ الصُّنْعِ وهَذا مِن أفانِينِ الِاسْتِدْلالِ.
والعَذْبُ: الحُلْوُ حَلاوَةً مَقْبُولَةً في الذَّوْقِ.
والمِلْحُ بِكَسْرِ المِيمِ: الشَّيْءُ المَوْصُوفُ بِالمُلُوحَةِ بِذاتِهِ لا بِإلْقاءِ مِلْحٍ فِيهِ، فَأمّا الشَّيْءُ الَّذِي يُلْقى فِيهِ المِلْحُ حَتّى يَكْتَسِبَ مُلُوحَةً فَإنَّما يُقالُ لَهُ: مالِحٌ، ولا يُقالُ: مِلْحٌ.
ومَعْنى ”﴿سائِغٌ شَرابُهُ﴾“ أنَّ شُرْبَهُ لا يُكَلِّفُ النَّفْسَ كَراهَةً، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الإساغَةِ وهي اسْتِطاعَةُ ابْتِلاعِ المَشْرُوبِ دُونَ غُصَّةٍ ولا كُرْهٍ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَعْرُبَ:
فَساغَ لِيَ الشَّرابُ وكُنْتُ قَبْلُ أكادُ أغُصُّ بِالماءِ الحَمِيمِ
والأُجاجُ: الشَّدِيدُ المُلُوحَةِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ البَحْرِ في قَوْلِهِ تَعالى ”﴿ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٥٩]“ في سُورَةِ الأنْعامِ، وبَقِيَّةُ الآيَةِ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في أوَّلِ سُورَةِ النَّحْلِ.
وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ في قَوْلِهِ ”﴿فِيهِ مَواخِرَ﴾“ عَلى عَكْسِ آيَةِ سُورَةِ النَّحْلِ، لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَسُوقَةٌ مَساقَ الِاسْتِدْلالِ عَلى دَقِيقِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى في المَخْلُوقاتِ وأُدْمِجَ فِيهِ الِامْتِنانُ بِقَوْلِهِ ”يَأْكُلُونَ“ .
”﴿وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً﴾“ وقَوْلِهِ ”﴿لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾“ فَكانَ المَقْصِدُ الأوَّلُ مِن سِياقِها الِاسْتِدْلالُ عَلى عَظِيمِ الصُّنْعِ فَهو الأهَمُّ هُنا. ولَمّا كانَ طَفْوُ الفُلْكِ عَلى الماءِ حَتّى لا يَغْرَقَ فِيهِ أظْهَرَ في الِاسْتِدْلالِ عَلى عَظِيمِ الصُّنْعِ مِنَ الَّذِي ذُكِرَ مِنَ النِّعْمَةِ والِامْتِنانِ قُدِّمَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ وهو الظَّرْفِيَّةُ في البَحْرِ. والمَخْرُ في البَحْرِ آيَةُ صُنْعِ اللَّهِ أيْضًا بِخَلْقِ وسائِلِ ذَلِكَ والإلْهامِ لَهُ، إلّا أنَّ خُطُورَةَ السَّفَرِ مِن ذَلِكَ الوَصْفِ أوْ ما يَتَبادَرُ إلى الفَهْمِ فَأُخِّرَ هُنا لِأنَّهُ مِن مُسْتَتْبَعاتِ الغَرَضِ لا مِن مَقْصِدِهِ، فَهو يَسْتَتْبِعُ نِعْمَةَ تَيْسِيرِ الأسْفارِ لِقَطْعِ المَسافاتِ الَّتِي لَوْ قُطِعَتْ بِسَيْرِ القَوافِلِ لَطالَتْ مُدَّةُ الأسْفارِ.
ومِن هُنا يَلْمَعُ بارِقُ الفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وآيَةِ سُورَةِ النَّحْلِ في كَوْنِ فِعْلِ ”لِتَبْتَغُوا“ غَيْرَ مَعْطُوفٍ بِالواوِ هُنا ومَعْطُوفًا نَظِيرُهُ في آيَةِ النَّحْلِ لِأنَّ الِابْتِغاءَ عُلِّقَ
صفحة ٢٨١
هُنا بِـ ”مَواخِرَ“ إيقافًا عَلى الغَرَضِ مِن تَقْدِيمِ الظَّرْفِ، وفي آيَةِ النَّحْلِ ذُكِرَ المَخْرُ في عِدادِ الِامْتِنانِ لِأنَّ بِهِ تَيْسِيرَ الأسْفارِ، ثُمَّ فُصِلَ بَيْنَ ”مَواخِرَ“ وعِلَّتِهِ بِظَرْفِ ”فِيهِ“، فَصارَ ما يُومِئُ إلَيْهِ الظَّرْفُ فَصْلًا بِغَرَضٍ أُدْمِجَ إدْماجًا وهو الِاسْتِدْلالُ عَلى عَظِيمِ الصُّنْعِ بِطَفْوِ الفُلْكِ عَلى الماءِ، فَلَمّا أُرِيدَ الِانْتِقالُ مِنهُ إلى غَرَضٍ آخَرَ، وهو العَوْدُ إلى الِامْتِنانِ بِالمَخْرِ لِنِعْمَةِ التِّجارَةِ في البَحْرِ عُطِفَ المُغايِرُ في الغَرَضِ.
35:13–14Page 436
يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۚ وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مَا يَمۡلِكُونَ مِن قِطۡمِيرٍ ١٣
He causes the night to enter the day, and He causes the day to enter the night and has subjected the sun and the moon - each running [its course] for a specified term. That is Allāh, your Lord; to Him belongs sovereignty. And those whom you invoke other than Him do not possess [as much as] the membrane of a date seed.
إِن تَدۡعُوهُمۡ لَا يَسۡمَعُواْ دُعَآءَكُمۡ وَلَوۡ سَمِعُواْ مَا ٱسۡتَجَابُواْ لَكُمۡۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُونَ بِشِرۡكِكُمۡۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثۡلُ خَبِيرٖ ١٤
If you invoke them, they do not hear your supplication; and if they heard, they would not respond to you. And on the Day of Resurrection they will deny your association.1 And none can inform you like [one] Aware [of all matters].
﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى﴾
اسْتِدْلالٌ عَلَيْهِمْ بِما في مَظاهِرِ السَّماواتِ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى بَدِيعِ صُنْعِ اللَّهِ في أعْظَمِ المَخْلُوقاتِ لِيَتَذَكَّرُوا بِذَلِكَ أنَّهُ الإلَهُ الواحِدُ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ لُقْمانَ، سِوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ جاءَ فِيها ”﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ﴾“ فَعُدِّيَ فِعْلُ ”يَجْرِي“ بِاللّامِ وجِيءَ في آيَةِ سُورَةِ لُقْمانَ تَعْدِيَةُ فِعْلِ ”يَجْرِي“ بِحَرْفِ ”إلى“، فَقِيلَ اللّامُ تَكُونُ بِمَعْنى ”إلى“ في الدَّلالَةِ عَلى الِانْتِهاءِ، فالمُخالَفَةُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ تَفَنُّنٌ في النَّظْمِ. وهَذا أباهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في سُورَةِ لُقْمانَ ورَدَّهُ أغْلَظَ رَدٍّ فَقالَ: لَيْسَ ذَلِكَ مِن تَعاقُبِ الحَرْفَيْنِ، ولا يَسْلُكُ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ إلّا بَلِيدُ الطَّبْعِ ضَيِّقُ العَطَنِ، ولَكِنَّ المَعْنَيَيْنِ أعْنِي الِانْتِهاءَ والِاخْتِصاصَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُلائِمٌ لِصِحَّةِ الغَرَضِ لِأنَّ قَوْلَكَ: يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى مَعْناهُ يَبْلُغُهُ، وقَوْلَهُ ”﴿يَجْرِي لِأجَلٍ﴾“ تُرِيدُ لِإدْراكِ أجَلٍ اهـ. وجُعِلَ اللّامُ لِلِاخْتِصاصِ أيْ ويَجْرِي لِأجْلِ أجَلٍ، أيْ لِبُلُوغِهِ واسْتِيفائِهِ، والِانْتِهاءُ والِاخْتِصاصُ كُلٌّ مِنهُما مُلائِمٌ لِلْغَرَضِ، أيْ فَمَآلُ المَعْنَيَيْنِ واحِدٌ وإنْ كانَ طَرِيقُهُ مُخْتَلِفًا، يَعْنِي فَلا يُعَدُّ الِانْتِهاءُ مَعْنًى لِلّامِ كَما فَعَلَ ابْنُ مالِكٍ وابْنُ هِشامٍ، وهو وإنْ كانَ يَرْمِي إلى تَحْقِيقِ الفَرْقِ بَيْنَ مَعانِي الحُرُوفِ وهو ما نَمِيلُ إلَيْهِ إلّا أنَّنا لا نَسْتَطِيعُ أنْ نُنْكِرَ كَثْرَةَ وُرُودِ اللّامِ في مَقامِ مَعْنى الِانْتِهاءِ كَثْرَةً جَعَلَتِ اسْتِعارَةَ حَرْفِ التَّخْصِيصِ لِمَعْنى الِانْتِهاءِ مِنَ الكَثْرَةِ إلى مُساوِيهِ لِلْحَقِيقَةِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ الزَّمَخْشَرِيُّ يُرِيدُ أنَّ الأجَلَ هُنا هو أجَلُ كُلِّ إنْسانٍ، أيْ عُمُرُهُ وأنَّ الأجَلَ في سُورَةِ لُقْمانَ هو أجَلُ بَقاءِ هَذا العالَمِ.
وهُوَ عَلى الِاعْتِبارَيْنِ إدْماجٌ لِلتَّذْكِيرِ في خِلالِ الِاسْتِدْلالِ فَفي هَذِهِ الآيَةِ ذَكَّرَهم
صفحة ٢٨٢
بِأنَّ لِأعْمارِهِمْ نِهايَةً تَذْكِيرًا مُرادًا بِهِ الإنْذارُ والوَعِيدُ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ ”﴿ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٦٠]، واقْتِلاعُ الطُّغْيانِ والكِبْرِياءِ مِن نُفُوسِهِمْ.
ويُرِيدُ ذَلِكَ أنَّ مُعْظَمَ الخِطابِ في هَذِهِ الآيَةِ مُوَجَّهٌ إلى المُشْرِكِينَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ بَعْدَها“ ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ ”وفي سُورَةِ لُقْمانَ الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ أوْ عامٌّ لِكُلِّ مُخاطَبٍ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، فَكانَ إدْماجُ التَّذْكِيرِ فِيهِ بِأنَّ لِهَذا العالَمِ انْتِهاءً أنْسَبَ بِالجَمِيعِ لِيَسْتَعِدَّ لَهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولِيُرْغَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى العِلْمِ بِوُجُودِ البَعْثِ لِأنَّ نِهايَةَ هَذا العالَمِ ابْتِداءٌ لِعالَمٍ آخَرَ.
* * *
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ ﴿إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكم ولَوْ سَمِعُوا ما اسْتَجابُوا لَكم ويَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكم ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ اسْتِئْنافٌ مَوْقِعُهُ مَوْقِعُ النَّتِيجَةِ مِنَ الأدِلَّةِ بَعْدَ تَفْصِيلِها.
واسْمُ الإشارَةِ مُوَجَّهٌ إلى مَن جَرَتْ عَلَيْهِ الصِّفاتُ والأخْبارُ السّابِقَةُ مِن قَوْلِهِ“ ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ﴾ [فاطر: ٩] ”الآياتِ، فَكانَ اسْمُهُ حَرِيًّا بِالإشارَةِ إلَيْهِ بَعْدَ إجْراءِ تِلْكَ الصِّفاتِ إذْ بِذِكْرِها يَتَمَيَّزُ عِنْدَ السّامِعِينَ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ حَتّى كَأنَّهُ مُشاهِدٌ لِأبْصارِهِمْ مَعَ ما في اسْمِ الإشارَةِ مِنَ البُعْدِ المُسْتَعْمَلِ كِنايَةً عَنْ تَعْظِيمِ المُشارِ إلَيْهِ، ومَعَ ما يَقْتَضِيهِ إيرادُ اسْمِ الإشارَةِ عَقِبَ أوْصافٍ كَثِيرَةٍ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ حَقِيقٌ بِما سَيَرِدُ بَعْدَ الإشارَةِ مِن أجْلِ تِلْكَ الصِّفاتِ فَأخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ صاحِبُ الِاسْمِ المُخْتَصِّ بِهِ الَّذِي لا يَجْهَلُونَهُ، وأخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ رَبُّ الخَلائِقِ بَعْدَ أنْ سَجَّلَ عَلَيْهِمْ ما لا قِبَلَ لَهم بِإنْكارِهِ مِن أنَّهُ الَّذِي خَلَقَهم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ، وأنْ خَلَقَهم مِن تُرابٍ، وقَدَّرَ آجالَهم وأوْجَدَ ما هو أعْظَمُ مِنهم مِنَ الأحْوالِ السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فَهو الرَّبُّ دُونَ غَيْرِهِ وهو الَّذِي المُلْكُ والسُّلْطانُ لَهُ لا لِغَيْرِهِ أفادَ ذَلِكَ كُلَّهُ قَوْلُهُ تَعالى“ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ﴾ ”، فانْتَهِضِ الدَّلِيلَ.
صفحة ٢٨٣
وعُطِفَ عَلَيْهِ التَّصْرِيحُ بِأنَّ أصْنامَهم لا يَمْلِكُونَ مِنَ المُلْكِ شَيْئًا ولَوْ حَقِيرًا وهو المُمَثَّلُ بِالقِطْمِيرِ.
والقِطْمِيرُ: القِشْرَةُ الَّتِي في شِقِّ النَّواةِ كالخَيْطِ الدَّقِيقِ. فالمَعْنى: لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولَوْ حَقِيرًا، فَكَوْنُهم لا يَمْلِكُونَ أعْظَمَ مِنَ القِطْمِيرِ مَعْلُومٌ بِفَحْوى الخِطابِ، وذَلِكَ حاصِلٌ بِالمُشاهَدَةِ فَإنَّ أصْنامَهم حِجارَةٌ جاثِمَةٌ لا تَمْلِكُ شَيْئًا بِتَكَسُّبٍ ولا تَحُوزُهُ بِهِبَةٍ، فَإذا انْتَفى أنَّها تَمْلِكُ شَيْئًا انْتَفى عَنْها وصْفُ الإلَهِيَّةِ بِطَرِيقِ الأوْلى، فَنُفِيَ ما كانُوا يَزْعُمُونَهُ مِن أنَّها تَشْفَعُ لَهم.
وجُمْلَةُ“ ﴿إنْ تَدْعُوهُمْ﴾ ”خَبَرٌ ثانٍ عَنِ“ الَّذِينَ تَدْعُونَ مَن دُونِهِ ”، والمَقْصِدُ مِنها تَنْبِيهُ المُشْرِكِينَ إلى عَجْزِ أصْنامِهِمْ بِأنَّها لا تَسْمَعُ، ولَيْسَ ذَلِكَ اسْتِدْلالًا فَإنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ الأصْنامَ تَسْمَعُ مِنهم فَلِذَلِكَ كانُوا يُكَلِّمُونَها ويُوَجِّهُونَ إلَيْها مَحامِدَهم ومَدائِحَهم، ولَكِنَّهُ تَمْهِيدٌ لِلْجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ عَلى الخَبَرِ وهي جُمْلَةُ“ ﴿ولَوْ سَمِعُوا ما اسْتَجابُوا لَكُمْ﴾ ”فَإنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ“ ﴿إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ﴾ ”، ولَيْسَتِ الواوُ اعْتِراضِيَّةً، أيْ ولَوْ سَمِعُوا عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ ومُجاراةِ مَزاعِمِكم حِينَ تَدَّعُونَها فَإنَّها لا تَسْتَجِيبُ لِدَعْوَتِكم، أيْ لا تُرَدُّ عَلَيْكم بِقَبُولٍ، وهَذا اسْتِدْلالٌ سَنَدُهُ المُشاهَدَةُ، فَطالَما دَعَوُا الأصْنامَ فَلَمْ يَسْمَعُوا مِنها جَوابًا وطالَما دَعَوْها فَلَمْ يَحْصُلْ ما دَعَوْها لِتَحْصِيلِهِ مَعَ أنَّها حاضِرَةٌ بِمَرْأًى مِنهم غَيْرُ مَحْجُوبَةٍ، فَعَدَمُ إجابَتِها دَلِيلٌ عَلى أنَّها لا تَسْمَعُ، لِأنَّ شَأْنَ العَظِيمِ أنْ يَسْتَجِيبَ لِأوْلِيائِهِ الَّذِينَ يَسْعَوْنَ في مَرْضاتِهِ، فَقَدْ لَزِمَهم إمّا عَجْزُها وإمّا أنَّها لا تَفْقَهُ إذْ لَيْسَ في أوْلِيائِها مَغْمَزٌ بِأنَّهم غَيْرُ مُرْضَيْنَ لِهَذا. وهَذا مِن أبْدَعِ الِاسْتِدْلالِ المُوَطَّأِ بِمُقَدِّمَةٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْها.
وقَوْلُهُ“ ما اسْتَجابُوا ”يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى إجابَةِ المُنادِي بِكَلِماتِ الجَوابِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى إجابَةِ السّائِلِ بِتَنْوِيلِهِ ما سَألَهُ. وهَذا مِنِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرِكِ في مَعْنَيَيْهِ.
ولَمّا كُشِفَ حالُ الأصْنامِ في الدُّنْيا بِما فِيهِ تَأْيِيسٌ مِنِ انْتِفاعِهِمْ بِها فِيها كَمُلَ كَشْفُ أمْرِها في الآخِرَةِ؛ بِأنَّ تِلْكَ الأصْنامَ يُنْطِقُها اللَّهُ فَتَتَبَرَّأُ مِن شِرْكِهِمْ، أيْ تَتَبَرَّأُ مِن أنْ تَكُونَ دَعَتْ لَهُ أوْ رَضِيَتْ بِهِ.
صفحة ٢٨٤
والكُفْرُ: جُحْدٌ في كَراهَةٍ.
والشِّرْكُ أُضِيفَ إلى فاعِلِهِ، أيْ بِشِرْكِكم إيّاهم في الإلَهِيَّةِ مَعَ اللَّهِ تَعالى.
وأُجْرِيَ عَلى الأصْنامِ مَوْصُولُ العاقِلِ وضَمائِرُ العُقَلاءِ“ ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ ”إلى قَوْلِهِ“ ﴿يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ ”عَلى تَنْزِيلِ الأصْنامِ مَنزِلَةَ العُقَلاءِ مُجاراةً لِلْمَرْدُودِ عَلَيْهِمْ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ.
وقَوْلُهُ“ ﴿ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ”تَذْيِيلٌ لِتَحْقِيقِ هَذِهِ الأخْبارِ بِأنَّ المُخْبِرَ بِها هو الخَبِيرُ بِها وبِغَيْرِها ولا يُخْبِرُكَ أحَدٌ مِثْلَ ما يُخْبِرُكَ هو.
وعَبَّرَ بِفِعْلِ الإنْباءِ لِأنَّ النَّبَأ هو الخَبَرُ عَنْ حَدَثٍ خَطِيرٍ مُهِمٍّ.
والخِطابُ في قَوْلِهِ يُنَبِّئُكَ لِكُلِّ مَن يَصِحُّ مِنهُ سَماعُ هَذا الكَلامِ لِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ أُرْسِلَتْ مُرْسَلَ الأمْثالِ فَلا يَنْبَغِي تَخْصِيصُ مَضْمُونِها بِمُخاطَبٍ مُعَيَّنٍ.
وخَبِيرٌ: صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن خَبُرَ - بِضَمِّ الباءِ - فُلانٌ الأمْرَ، إذا عَلِمَهُ عِلْمًا لا شَكَّ فِيهِ. والمُرادُ بِـ“ خَبِيرٍ ”جِنْسُ الخَبِيرِ، فَلَمّا أرْسَلَ هَذا القَوْلَ مَثَلًا وكانَ شَأْنُ الأمْثالِ أنْ تَكُونَ مُوجَزَةً صِيغَ عَلى أُسْلُوبِ الإيجازِ فَحُذِفَ مِنهُ مُتَعَلِّقُ فِعْلِ“ يُنَبِّئُ ”ومُتَعَلِّقُ وصْفِ“ خَبِيرٍ ”، ولَمْ يُذْكَرْ وجْهُ المُماثَلَةِ لِعِلْمِهِ مِنَ المَقامِ. وجُعِلَ“ خَبِيرٍ ”نَكِرَةً مَعَ أنَّ المُرادَ خَبِيرٌ مُعَيَّنٌ وهو المُتَكَلِّمُ فَكانَ حَقُّهُ التَّعْرِيفَ، فَعُدِلَ إلى تَنْكِيرِهِ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ في سِياقِ النَّفْيِ لِأنَّ إضافَةَ كَلِمَةِ“ مِثْلُ ”إلى“ خَبِيرٍ ”لا تُفِيدُ تَعْرِيفًا. وجُعِلَ نَفْيُ فِعْلِ الإنْباءِ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ المُنْبِئِ. ولَعَلَّ التَّرْكِيبَ: ولا يُوجَدُ أحَدٌ يُنَبِّئُكَ بِهَذا الخَبَرِ يُماثِلُ هَذا الخَبِيرَ الَّذِي أنْبَأكَ بِهِ، فَإذا أرْدَفَ مُخْبِرٌ خَبَرَهُ بِهَذا المَثَلِ كانَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ كَوْنِ المُخْبِرِ بِالخَبَرِ المَخْصُوصِ يُرِيدُ بِـ“ خَبِيرٍ " نَفْسَهُ لِلتَّلازُمِ بَيْنَ مَعْنى هَذا المَثَلِ وبَيْنَ تَمَثُّلِ المُتَكَلِّمِ مِنهُ. فالمَعْنى: ولا يُنَبِّئُكَ بِهَذا الخَبَرِ مِثْلِي لِأنِّي خَبِرْتُهُ، فَهَذا تَأْوِيلُ هَذا التَّرْكِيبِ.
والمِثْلُ بِكَسْرِ المِيمِ وسُكُونِ المُثَلَّثَةِ المُساوِي، إمّا في قَدْرٍ فَيَكُونُ بِمَعْنى ضَعْفٍ، وإمّا المُساوِي في صِفَةٍ فَيَكُونُ بِمَعْنى شَبِيهٍ وهو بِوَزْنِ فِعْلٍ وهو قَلِيلٌ.
ومِنهُ قَوْلُهم: شِبْهٌ، ونِدٌّ، وخِدْنٌ.
35:15Page 436
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ١٥
O mankind, you are those in need of Allāh, while Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.
صفحة ٢٨٥
﴿يا أيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾
لَمّا أُشْبِعَ المَقامُ أدِلَّةً، ومَواعِظَ، وتَذْكِيراتٍ، مِمّا فِيهِ مَقْنَعٌ لِمَن نَصَبَ نَفْسَهُ مَنصِبَ الِانْتِفاعِ والِاقْتِناعِ، ولَمْ يَظْهَرْ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ مِن أحْوالِ القَوْمِ ما يُتَوَسَّمُ مِنهُ نَزْعُهم عَنْ ضَلالِهِمْ ورُبَّما أحْدَثَ ذَلِكَ في نُفُوسِ أهْلِ العِزَّةِ مِنهم إعْجابًا بِأنْفُسِهِمْ واغْتِرارًا بِأنَّهم مَرْغُوبٌ في انْضِمامِهِمْ إلى جَماعَةِ المُسْلِمِينَ فَيَزِيدُهم ذَلِكَ الغَرُورُ قَبُولًا لِتَسْوِيلِ مَكائِدِ الشَّيْطانِ لَهم أنْ يَعْتَصِمُوا بِشِرْكِهِمْ، ناسَبَ أنْ يُنَبِّئَهُمُ اللَّهُ بِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُ وأنَّ دِينَهُ لا يَعْتَزُّ بِأمْثالِهِمْ وأنَّهُ مُصَيِّرُهم إلى الفَناءِ وآتٍ بِناسٍ يَعْتَزُّ بِهِمُ الإسْلامُ.
فالمُرادُ بِـ ”أيُّها النّاسُ“ هُمُ المُشْرِكُونَ كَما هو غالِبُ اصْطِلاحِ القُرْآنِ، وهُمُ المُخاطَبُونَ بِقَوْلِهِ آنِفًا ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ الآياتِ.
وقَبْلَ أنْ يُوَجَّهَ إلَيْهِمُ الإعْلامُ بِأنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهم وُجِّهَ إلَيْهِمْ إعْلامٌ بِأنَّهُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ لِأنَّ ذَلِكَ أدْخَلُ لِلذِّلَّةِ عَلى عَظَمَتِهِمْ مِنَ الشُّعُورِ بِأنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهم فَإنَّهم يُوقِنُونَ بِأنَّهُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ ولَكِنَّهم لا يُوقِنُونَ بِالمَقْصِدِ الَّذِي يَقْضِي إلَيْهِ عِلْمُهم بِذَلِكَ، فَأُرِيدَ إبْلاغُ ذَلِكَ إلَيْهِمْ لا عَلى وجْهِ الِاسْتِدْلالِ، ولَكِنْ عَلى وجْهِ قَرْعِ أسْماعِهِمْ بِما لَمْ تَكُنْ تُقْرَعُ مِن قَبْلُ عَسى أنْ يَسْتَفِيقُوا مِن غَفْلَتِهِمْ ويَتَكَعْكَعُوا عَنْ غُرُورِ أنْفُسِهِمْ، عَلى أنَّهم لا يَخْلُو جَمْعُهم مِن أصْحابِ عُقُولٍ صالِحَةٍ لِلْوُصُولِ إلى حَقائِقِ الحَقِّ فَأُولَئِكَ إذا قُرِعَتْ أسْماعُهم بِما لَمْ يَكُونُوا يَسْمَعُونَهُ مِن قَبْلُ ازْدادُوا يَقِينًا بِمُشاهَدَةِ ما كانَ مَحْجُوبًا عَنْ بَصائِرِهِمْ بِأسْتارِ الِاشْتِغالِ بِفِتْنَةِ ضَلالِهِمْ عَسى أنْ يُؤْمِنَ مَن هَيَّأهُ اللَّهُ بِفِطْرَتِهِ لِلْإيمانِ، فَمَن بَقِيَ عَلى كُفْرِهِ كانَ بَقاؤُهُ مَشُوبًا بِحِيرَةٍ ومَرَّ طَعْمُ الحَياةِ عِنْدَهُ، فَأيْنَ ما كانَتْ تَتَلَقّاهُ مَسامِعُهم مِن قَبْلِ تَمْجِيدِهِمْ وتَمْجِيدِ آبائِهِمْ وتَمْجِيدِ آلِهَتِهِمْ، ألا تَرى أنَّهم لَمّا عاتَبُوا النَّبِيءَ ﷺ في بَعْضِ مُراجَعَتِهِمْ عَدُّوا عَلَيْهِ شَتْمَ آبائِهِمْ، فَحَصَلَ بِهَذِهِ الآيَةِ فائِدَتانِ.
وجُمْلَةُ ”أنْتُمُ الفُقَراءُ“ تُفِيدُ القَصْرَ لِتَعْرِيفِ جُزْأيْها، أيْ قَصْرَ صِفَةِ الفَقْرِ عَلى النّاسِ المُخاطَبِينَ قَصْرًا إضافِيًّا بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ، أيْ أنْتُمُ المُفْتَقِرُونَ إلَيْهِ ولَيْسَ هو بِمُفْتَقِرٍ إلَيْكم، وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمُ المُشْعِرُ بِأنَّهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يَغِيظُونَ النَّبِيءَ ﷺ بِعَدَمِ قَبُولِ دَعْوَتِهِ. فالوَجْهُ حَمْلُ القَصْرِ
صفحة ٢٨٦
المُسْتَفادِ مِن جُمْلَةِ ”أنْتُمُ الفُقَراءُ“ إلى القَصْرِ الإضافِيِّ، وهو قَصْرُ قَلْبٍ، وأمّا حَمْلُ القَصْرِ الحَقِيقِيِّ ثُمَّ تَكَلُّفُ أنَّهُ ادِّعائِيٌّ فَلا داعِيَ إلَيْهِ.
وإتْباعُ صِفَةِ الغَنِيِّ بِـ ”الحَمِيدِ“ تَكْمِيلٌ، فَهو احْتِراسٌ لِدَفْعِ تَوَهُّمِهِمْ أنَّهُ لَمّا كانَ غَنِيًّا عَنِ اسْتِجابَتِهِمْ وعِبادَتِهِمْ فَهم مَعْذُورُونَ في أنْ لا يَعْبُدُوهُ، فَنَبَّهَ عَلى أنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالحَمْدِ لِمَن عَبَدَهُ واسْتَجابَ لِدَعْوَتِهِ كَما أتْبَعَ الآيَةَ الأُخْرى إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم بِقَوْلِهِ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم، ومِنَ المُحَسِّناتِ وُقُوعُ ”الحَمِيدِ“ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ ”إلى اللَّهِ“ كَما وقَعَ ”الغَنِيُّ“ في مُقابَلَةِ ”الفُقَراءُ“ لِأنَّهُ لَمّا قَيَّدَ فَقْرَهم بِالكَوْنِ إلى اللَّهِ قَيَّدَ غِنى اللَّهِ تَعالى بِوَصْفِ ”الحَمِيدِ“ لِإفادَةِ أنَّ غِناهُ تَعالى مُقْتَرِنٌ بِجُودِهِ فَهو يَحْمِدُ مَن يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences