Ibn 'AshurFatir · 35:16–23

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Fatir 35:16–23

35:16–17Page 436

إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَأۡتِ بِخَلۡقٖ جَدِيدٖ ١٦

If He wills, He can do away with you and bring forth a new creation.

وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٖ ١٧

And that is for Allāh not difficult.

﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ واقِعٌ مَوْقِعَ البَيانِ لِما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ ”﴿هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]“ مِن مَعْنى قِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِإعْراضِهِمْ عَنِ الإسْلامِ، ومِن مَعْنى رِضاهُ عَلى مَن يَعْبُدُهُ فَهو تَعالى لِغِناهُ عَنْهم وغَضَبِهِ عَلَيْهِمْ لَوْ شاءَ لَأبادَهم وأتى بِخَلْقٍ آخَرِينَ يَعْبُدُونَهُ فَخَلُصَ العالَمُ مِن عُصاةِ أمْرِ اللَّهِ وذَلِكَ في قُدْرَتِهِ ولَكِنَّهُ أمْهَلَهم إعْمالًا لِصِفَةِ الحِلْمِ.

فالمَشِيئَةُ هُنا المَشِيئَةُ النّاشِئَةُ عَنْ الِاسْتِحْقاقِ، أيْ أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا أنْ يَشاءَ اللَّهُ إهْلاكَهم ولَكِنَّهُ أمْهَلَهم، لا أصْلُ المَشِيئَةِ الَّتِي هي كَوْنُهُ مُخْتارًا في فِعْلِهِ لا مُكْرِهَ لَهُ لِأنَّها لا يُحْتاجُ إلى الإعْلامِ بِها.

والإذْهابُ مُسْتَعْمَلٌ في الإهْلاكِ، أيِ الإعْدامِ مِن هَذا العالَمِ، أيْ إنْ يَشَأْ يُسَلِّطْ عَلَيْهِمْ مَوْتًا يَعُمُّهم، فَكَأنَّهُ أذَهْبَهم مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ لِأنَّهُ يَأْتِي بِهِمْ إلى دارِ الآخِرَةِ.

والإتْيانُ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ مُسْتَعْمَلٌ في إحْداثِ ناسٍ لَمْ يَكُونُوا مَوْجُودِينَ ولا مُتَرَقَّبًا وجُودُهم، أيْ يُوجِدُ خَلْقًا مِنَ النّاسِ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ.

فالخَلْقُ هُنا بِمَعْنى المَخْلُوقِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١]

صفحة ٢٨٧

وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] .

ولَيْسَ المَعْنى: أنَّهُ إنْ يَشَأْ يُعَجِّلْ بِمَوْتِهِمْ فَيَأْتِي جِيلُ أبْنائِهِمْ مُؤْمِنِينَ لِأنَّ قَوْلَهُ وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ يَنْبُو عَنْهُ.

وعُطِفَ عَلَيْهِ الإعْلامُ بِأنَّ ذَلِكَ لَوْ شاءَ لَكانَ هَيِّنًا عَلَيْهِ وما هو عَلَيْهِ بِعَزِيزٍ.

والعَزِيزُ: المُتَمَنِّعُ الغالِبُ، وهَذا زِيادَةٌ في الإرْهابِ والتَّهْدِيدِ لِيَكُونُوا مُتَوَقِّعِينَ حُلُولَ هَذا بِهِمْ.

ومَفْعُولُ فِعْلِ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ اسْتِغْناءً بِما دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ الشَّرْطِ وهو يُذْهِبْكم أيْ إنْ يَشَأْ إذْهابَكم، ومِثْلُ هَذا الحَذْفِ لِمَفْعُولِ المَشِيئَةِ كَثِيرٌ في الكَلامِ.

والإشارَةُ في قَوْلِهِ ”وما ذَلِكَ“ عائِدَةٌ إلى الإذْهابِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِـ ”يُذْهِبْكم“ أوْ إلى ما تَقَدَّمَ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ.

35:18Page 436

وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ وَإِن تَدۡعُ مُثۡقَلَةٌ إِلَىٰ حِمۡلِهَا لَا يُحۡمَلۡ مِنۡهُ شَيۡءٞ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰٓۗ إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفۡسِهِۦۚ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ١٨

And no bearer of burdens will bear the burden of another. And if a heavily laden soul calls [another] to [carry some of] its load, nothing of it will be carried, even if he should be a close relative. You can only warn those who fear their Lord unseen and have established prayer. And whoever purifies himself only purifies himself for [the benefit of] his soul. And to Allāh is the [final] destination.

﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنهُ شَيْءٌ ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ لَمّا كانَ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ مَسُوقًا في غَرَضِ التَّهْدِيدِ وكانَ الخِطابُ لِلنّاسِ أُرِيدَتْ طَمْأنَةُ المُسْلِمِينَ مِن عَواقِبِ التَّهْدِيدِ، فَعُقِّبَ بِأنَّ مَن لَمْ يَأْتِ وِزْرًا لا يَنالُهُ جَزاءُ الوازِرِ في الآخِرَةِ قالَ تَعالى ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا، وقَدْ يَكُونُ وعْدًا بِالإنْجاءِ مِن عَذابِ الدُّنْيا إذْ نَزَلَ بِالمُهَدَّدِينَ الإذْهابُ والإهْلاكُ مِثْلَما أُهْلِكَ فَرِيقُ الكُفّارِ يَوْمَ بَدْرٍ وأُنْجِيَ فَرِيقُ المُؤْمِنِينَ، فَيَكُونُ هَذا وعْدًا خاصًّا لا يُعارِضُهُ قَوْلُهُ تَعالى واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً وما ورَدَ في حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ «قالَتْ يا رَسُولَ اللَّهِ أنَهْلِكُ وفِينا الصّالِحُونَ ؟ قالَ: نَعَمْ إذا كَثُرَ الخَبَثُ» .

فَمَوْقِعُ قَوْلِهِ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ كَمَوْقِعِ قَوْلِهِ تَعالى حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا جاءَهم نَصْرُنا فَنُنْجِي مَن نَشاءُ ولا يُرَدُّ بَأْسُنا

صفحة ٢٨٨

عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ، ولِهَذا فالظّاهِرُ أنَّ هَذا تَأْمِينٌ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الِاسْتِئْصالِ كَقَوْلِهِ تَعالى وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ عَقِبَهُ إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ، وهو تَأْمِينٌ مِن تَعْمِيمِ العِقابِ في الآخِرَةِ بِطَرِيقِ الأوْلى ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم جَمِيعًا ولا يُعَذِّبِ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ، وهَذا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «ثُمَّ يُحْشَرُونَ عَلى نِيّاتِهِمْ» .

والوَجْهُ الأوَّلُ أعَمُّ وأحْسَنُ. وأيًّا ما كانَ فَإنَّ قَضِيَّةَ ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى كُلِّيَّةٌ عامَّةٌ فَكَيْفَ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، فالجَمْعُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَفَتْ أنْ يَحْمِلَ أحَدٌ وِزْرَ آخَرَ لا مُشارَكَةَ لَهُ لِلْحامِلِ عَلى اقْتِرافِ الوِزْرِ، وأمّا آيَةُ سُورَةِ العَنْكَبُوتِ فَمَوْرِدُها في زُعَماءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ مَوَّهُوا الضَّلالَةَ وثَبَتُوا عَلَيْها، فَإنَّ أوَّلَ تِلْكَ الآيَةِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]، وكانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ لِكُلِّ مَن يَسْتَرْوِحُونَ مِنهُ الإقْبالَ عَلى الإيمانِ بِالأحْرى.

وأصْلُ الوِزْرِ بِكَسْرِ الواوِ: هو الوِقْرُ بِوَزْنِهِ ومَعْناهُ. وهو الحِمْلُ بِكَسْرِ الحاءِ، أيْ ما يُحْمَلُ، ويُقالُ وزِرَ إذا حَمَلَ. فالمَعْنى: ولا تَحْمِلُ حامِلَةٌ حِمْلَ أُخْرى، أيْ لا يُحَمِّلُ اللَّهُ نَفْسًا حِمْلًا جَعَلَهُ لِنَفْسٍ أُخْرى عَدْلًا مِنهُ تَعالى لِأنَّ اللَّهَ يُحِبُّ العَدْلَ وقَدْ نَفى عَنْ شَأْنِهِ الظُّلْمَ وإنْ كانَ تَصَرُّفُهُ إنَّما هو في مَخْلُوقاتِهِ.

وجَرى وصْفُ الوازِرَةِ عَلى التَّأْنِيثِ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ النَّفْسُ.

ووَجْهُ اخْتِيارِ الإسْنادِ إلى المُؤَنَّثِ بِتَأْوِيلِ النَّفْسِ دُونَ أنْ يَجْرِيَ الإضْمارُ عَلى التَّذْكِيرِ بِتَأْوِيلِ الشَّخْصِ، لِأنَّ مَعْنى النَّفْسِ هو المُتَبادَرُ لِلْأذْهانِ عِنْدَ ذِكْرِ الِاكْتِسابِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها في سُورَةِ الأنْعامِ وقَوْلِهِ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] في سُورَةِ المُدَّثِّرِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى أنَّ هَذا الحُكْمَ العادِلَ مُطَّرِدٌ مُسْتَمِرٌّ حَتّى لَوِ اسْتَغاثَتْ نَفْسٌ مُثْقَلَةٌ في الأوْزارِ مَن يُنْتَدَبُ لَحَمْلِ أوْزارِها أوْ بَعْضِها لَمْ تَجِدْ مَن يَحْمِلُ عَنْها شَيْئًا، لِئَلّا يَقِيسَ النّاسُ الَّذِينَ في الدُّنْيا أحْوالَ الآخِرَةِ عَلى ما تَعارَفُوهُ

صفحة ٢٨٩

فَإنَّ العَرَبَ تَعارَفُوا النَّجْدَةَ إذا اسْتُنْجِدُوا ولَوْ كانَ لِأمْرٍ يَضُرُّ بِالمُنْجِدِ. ومِن أمْثالِهِمْ ”لَوْ دُعِيَ الكَرِيمُ إلى حَتْفِهِ لَأجابَ“ وقالَ ودّاكُ ابْنُ ثُمَيْلٍ المازِنِيُّ:

إذا اسْتُنْجِدُوا لَمْ يَسْألُوا مَن دَعاهُمُ لِأيَّةِ حَرْبٍ أمْ بِأِيِّ مَكانِ

ولِذَلِكَ سُمِّيَ طَلَبُ الحِمْلِ هُنا دُعاءً لِأنَّ في الدُّعاءِ مَعْنى الِاسْتِغاثَةِ.

وحَذْفُ مَفْعُولِ ”تَدْعُ“ لِقَصْدِ العُمُومِ. والتَّقْدِيرُ: وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ أيَّ مَدْعُوٍّ.

وقَوْلُهُ ”إلى حِمْلِها“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”تَدْعُ“، وجُعِلَ الدُّعاءُ إلى الحِمْلِ لِأنَّ الحِمْلَ سَبَبُ الدُّعاءِ وعِلَّتُهُ. فالتَّقْدِيرُ: وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ أحَدًا إلَيْها لِأجْلِ أنْ يَحْمِلَ عَنْها حِمْلَها، فَحُذِفَ أحَدُ مُتَعَلِّقَيِ الفِعْلِ المَجْرُورِ بِاللّامِ لِدَلالَةِ الفِعْلِ ومُتَعَلِّقِهِ المَذْكُورِ عَلى المَحْذُوفِ.

وهَذا إشارَةٌ إلى ما سَيَكُونُ في الآخِرَةِ، أيْ لَوِ اسْتُصْرِخَتْ نَفْسٌ مَن يَحْمِلُ عَنْها شَيْئًا مِن أوْزارِها، كَما كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ أصْنامَهم تَشْفَعُ لَهم أوْ غَيْرِهِمْ، لا تَجِدُ مَن يُجِيبُها لِذَلِكَ.

وقَوْلُهُ ولَوْ كانَ ذا قُرْبى في مَوْضِعِ الحالِ مِن ”مُثْقَلَةٌ“، و”لَوْ“ وصْلِيَّةٌ كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في ”كانَ“ عائِدٌ إلى مَفْعُولِ ”تَدْعُ“ المَحْذُوفِ، إذْ تَقْدِيرُهُ: وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ أحَدًا إلى حِمْلِها كَما ذَكَرْنا، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: ولَوْ كانَ المَدْعُوُّ ذا قُرْبى، فَإنَّ العُمُومَ الشُّمُولِيَّ الَّذِي اقْتَضَتْهُ النَّكِرَةُ في سِياقِ الشَّرْطِ يَصِيرُ في سِياقِ الإثْباتِ عُمُومًا بَدَلِيًّا.

ووَجْهُ ما اقْتَضَتْهُ المُبالَغَةُ مِن ”لَوِ“ الوَصْلِيَّةِ أنَّ ذا القُرْبى أرَقُّ وأشْفَقُ عَلى قَرِيبِهِ، فَقَدْ يَظُنُّ أنَّهُ يُغْنِي عَنْهُ في الآخِرَةِ بِأنْ يُقاسِمَهُ الثِّقَلَ الَّذِي يُؤَدِّي بِهِ إلى العَذابِ فَيَخِفُّ عَنْهُ العَذابُ بِالِاقْتِسامِ.

صفحة ٢٩٠

والإطْلاقُ في القُرْبى يَشْمَلُ قَرِيبَ القَرابَةِ كالأبَوَيْنِ والزَّوْجَيْنِ كَما قالَ تَعالى ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] ﴿وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ [عبس: ٣٥] .

وهَذا إبْطالٌ لِاعْتِقادِ الغَناءِ الذّاتِيِّ بِالتَّضامُنِ والتَّحامُلِ فَقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يَقِيسُونَ أُمُورَ الآخِرَةِ عَلى أمْرِ الدُّنْيا فَيُعَلِّلُونَ أنْفُسَهم إذا هُدِّدُوا بِالبَعْثِ بِأنَّهُ إنْ صَحَّ فَإنَّ لَهم يَوْمَئِذٍ شُفَعاءَ وأنْصارًا، فَهَذا سِياقُ تَوْجِيهِ هَذا إلى المُشْرِكِينَ ثُمَّ هو بِعُمُومِهِ يَنْسَحِبُ حُكْمُهُ عَلى جَمِيعِ أهْلِ المَحْشَرِ، فَلا يَحْمِلُ أحَدٌ عَنْ أحَدٍ إثْمَهُ. وهَذا لا يُنافِي الشَّفاعَةَ الوارِدَةَ في الحَدِيثِ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ سَبَأٍ، فَإنَّها إنَّما تَكُونُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى إظْهارًا لِكَرامَةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ولا يُنافِي ما جَعَلَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن مُكَفِّراتِ الذُّنُوبِ كَما ورَدَ أنَّ أفْراطَ المُؤْمِنِينَ يَشْفَعُونَ لِأُمَّهاتِهِمْ، فَتِلْكَ شَفاعَةٌ جَعْلِيَّةٌ جَعَلَها اللَّهُ كَرامَةً لِلْأُمَّهاتِ المُصابَةِ مِنَ المُؤْمِناتِ.

* * *

﴿إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وأقامُوا الصَّلاةَ ومَن تَزَكّى فَإنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ اسْتِئْنافٌ كَلامِيٌّ بِأنَّ الرَّسُولَ ﷺ يَخْطُرُ في نَفْسِهِ التَّعَجُّبُ مِن عَدَمِ تَأثُّرِ أكْثَرِ المُشْرِكِينَ بِإنْذارِهِ فَأُجِيبَ بِأنَّ إنْذارَهُ يَنْتَفِعُ بِهِ المُؤْمِنُونَ ومَن تَهَيَّأُوا لِلْإيمانِ.

وإيرادُ هَذِهِ الآيَةِ عَقِبَ الَّتِي قَبْلَها يُؤَكِّدُ أنَّ المَقْصِدَ الأوَّلَ مِنَ الَّتِي قَبْلَها مَوْعِظَةُ المُشْرِكِينَ وتَخْوِيفُهم، وإبْلاغُ الحَقِيقَةِ إلَيْهِمْ لِاقْتِلاعِ مَزاعِمِهِمْ وأوْهامِهِمْ في أمْرِ البَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ. فَأقْبَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﷺ بِالخِطابِ لِيَشْعُرَ بِأنَّ تِلْكَ المَواعِظَ فِيهِ وأنَّها إنَّما يَنْتَفِعُ بِها المُسْلِمُونَ، وهو أيْضًا يُؤَكِّدُ ما في الآيَةِ الأُولى مِنَ التَّعْرِيضِ بِتَأْمِينِ المُسْلِمِينَ بِما اقْتَضاهُ عُمُومُ الإنْذارِ والوَعِيدِ.

وأُطْلِقَ الإنْذارُ هُنا عَلى حُصُولِ أثَرِهِ، وهو الِانْكِفافُ أوِ التَّصْدِيقُ بِهِ، ولَيْسَ المُرادُ حَقِيقَةَ الإنْذارِ، وهو الإخْبارُ عَنْ تَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ لِأنَّ القَرِينَةَ صادِقَةٌ عَنِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ وهي قَرِينَةُ تَكَرُّرِ الإنْذارِ لِلْمُشْرِكِينَ الفَيْنَةَ بَعْدَ الفَيْنَةِ وما هو بِبَعِيدٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّ النَّبِيءَ ﷺ أنْذَرَ المُشْرِكِينَ طُولَ مُدَّةِ دَعْوَتِهِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ تَعَلُّقَ الفِعْلِ المَقْصُورِ عَلَيْهِ بِـ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ تَعَلُّقٌ عَلى مَعْنى حُصُولِ أثَرِ الفِعْلِ.

صفحة ٢٩١

فالمَقْصُودُ مِنَ القَصْرِ أنَّهُ قَصْرُ قَلْبٍ لِأنَّ المَقْصُودَ التَّنْبِيهُ عَلى أنْ لا يَظُنَّ النَّبِيءُ ﷺ انْتِفاعَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِنِذارَتِهِ، وإنْ كانَتْ صِيغَةُ القَصْرِ صالِحَةً لِمَعْنى القَصْرِ الحَقِيقِيِّ لَكِنَّ اعْتِبارَ المَقامِ يُعَيِّنُ اعْتِبارَ القَصْرِ الإضافِيِّ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ في سُورَةِ (يس) إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ وقَوْلُهُ فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ في سُورَةِ (ق)، مَعَ أنَّ التَّذْكِيرَ بِالقُرْآنِ يَعُمُّ النّاسَ كُلَّهم.

والغَيْبُ: ما غابَ عَنْكَ، أيِ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم في خَلْواتِهِمْ وعِنْدَ غَيْبَتِهِمْ عَنِ العِيانِ، أيِ الَّذِينَ آمَنُوا حَقًّا غَيْرَ مُرائِينَ أحَدًا.

و”أقامُوا الصَّلاةَ“ أيْ لَمْ يُفَرِّطُوا في صَلاةٍ كَما يُؤْذِنُ بِهِ فِعْلُ الإقامَةِ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

ولَمّا كانَتْ هاتانِ الصِّفَتانِ مِن خَصائِصِ المُسْلِمِينَ صارَ المَعْنى: إنَّما تُنْذِرُ المُؤْمِنِينَ، فَعَدَلَ عَنِ اسْتِحْضارِهِمْ بِأشْهَرِ ألْقابِهِمْ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإيجازِ إلى اسْتِحْضارِهِمْ بِصِلَتَيْنِ مَعَ ما فِيهِما مِنَ الإطْنابِ، تَذَرُّعًا بِذِكْرِ هاتَيْنِ الصِّلَتَيْنِ إلى الثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِإخْلاصِ الإيمانِ في الِاعْتِقادِ والعَمَلِ.

وجُمْلَةُ ﴿ومَن تَزَكّى فَإنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ﴾ تَذْيِيلٌ جارٍ مَجْرى المَثَلِ. وذِكْرُ التَّذْيِيلِ عَقِبَ المُذَيَّلِ يُؤْذِنُ بِأنَّ ما تَضَمَّنَهُ المُذَيَّلُ داخِلٌ في التَّذْيِيلِ بادِئَ ذِي بَدْءٍ، مِثْلَ دُخُولِ سَبَبِ العامِّ في عُمُومِهِ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ دُونَ أنْ يُخَصَّ العامُّ بِهِ، فالمَعْنى: إنَّ الَّذِينَ خَشَوْا رَبَّهم بِالغَيْبِ وأقامُوا الصَّلاةَ هم مِمَّنْ تَزَكّى فانْتَفَعُوا بِتَزْكِيَتِهِمْ، فالمَعْنى: إنَّما يَنْتَفِعُ بِالنِّذارَةِ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ فَأُولَئِكَ تَزَكَّوْا بِها ومَن تَزَكّى فَإنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ.

والمَقْصُودُ مِنَ القَصْرِ في قَوْلِهِ ”﴿فَإنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ﴾“ أنَّ قَبُولَهُمُ النِّذارَةَ كانَ لِفائِدَةِ أنْفُسِهِمْ، فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ الَّذِينَ لَمْ يَعْبَأُوا بِنِذارَتِهِ تَرَكُوا تَزْكِيَةَ أنْفُسِهِمْ بِها فَكانَ تَرْكُهم ضُرًّا عَلى أنْفُسِهِمْ.

وجُمْلَةُ ”﴿وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾“ تَكْمِيلٌ لِلتَّذْيِيلِ، والتَّعْرِيفُ في ”المَصِيرُ“

صفحة ٢٩٢

لِلْجِنْسِ، أيِ المَصِيرُ كُلُّهُ إلى اللَّهِ سَواءً فِيهِ مَصِيرُ المُتَزَكِّي ومَصِيرُ غَيْرِ المُتَزَكِّي، أيْ وكُلٌّ يُجازى بِما يُناسِبُهُ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ ”وإلى اللَّهِ المَصِيرُ“ لِلِاهْتِمامِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ مَصِيرٌ إلى مَنِ اقْتَضى اسْمُهُ الجَلِيلُ الصِّفاتِ المُناسِبَةَ لِإقامَةِ العَدْلِ وإفاضَةِ الفَضْلِ مَعَ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.

35:19–21Page 437

وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ ١٩

Not equal are the blind and the seeing,

وَلَا ٱلظُّلُمَٰتُ وَلَا ٱلنُّورُ ٢٠

Nor are the darknesses and the light,

وَلَا ٱلظِّلُّ وَلَا ٱلۡحَرُورُ ٢١

Nor are the shade and the heat,1

﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ ﴿ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ﴾ ﴿ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ﴾ ﴿وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾ [فاطر: ٢٢]

أرْبَعَةُ أمْثالٍ لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، ولِلْإيمانِ والكُفْرِ، شُبِّهَ الكافِرُ بِالأعْمى، والكُفْرُ بِالظُّلُماتِ والحَرُورُ، والكافِرُ بِالمَيِّتِ، وشُبِّهَ المُؤْمِنُ بِالبَصِيرِ، وشُبِّهَ الإيمانُ بِالنُّورِ، وشُبِّهَ المُؤْمِنُ بِالحَيِّ تَشْبِيهَ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ. فَبَعْدَ أنْ بَيَّنَ قِلَّةَ نَفْعِ النِّذارَةِ لِلْكافِرِينَ وأنَّها لا يَنْتَفِعُ بِها غَيْرُ المُؤْمِنِينَ ضَرَبَ لِلْفَرِيقَيْنِ أمْثالًا كاشِفَةً عَنِ اخْتِلافِ حالَيْهِما، ورُوعِيَ في هَذِهِ الأشْباهِ تَوْزِيعُها عَلى صِفَةِ الكافِرِ والمُؤْمِنِ، وعَلى حالَةِ الكُفْرِ والإيمانِ، وعَلى أثَرِ الإيمانِ وأثَرِ الكُفْرِ.

وقُدِّمَ تَشْبِيهُ حالِ الكافِرِ وكُفْرِهِ عَلى تَشْبِيهِ حالِ المُؤْمِنِ وإيمانِهِ ابْتِداءً لِأنَّ الغَرَضَ الأهَمَّ مِن هَذا التَّشْبِيهِ هو تَفْظِيعُ حالِ الكافِرِ ثُمَّ الِانْتِقالُ إلى حُسْنِ حالِ ضِدِّهِ لِأنَّ هَذا التَّشْبِيهَ جاءَ لِإيضاحِ ما أفادَهُ القَصْرُ في قَوْلِهِ إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا مِن أنَّهُ قَصْرٌ إضافِيٌّ قَصْرُ قَلْبٍ، فالكافِرُ شَبِيهٌ بِالأعْمى في اخْتِلاطِ أمْرِهِ بَيْنَ عَقْلٍ وجَهالَةٍ، كاخْتِلاطِ أمْرِ الأعْمى بَيْنَ إدْراكٍ وعَدَمِهِ.

والمَقْصُودُ: أنَّ الكافِرَ وإنْ كانَ ذا عَقْلٍ يُدْرِكُ بِهِ الأُمُورَ فَإنَّ عَقْلَهُ تَمَحَّضَ لِإدْراكِ أحْوالِ الحَياةِ الدُّنْيا وكانَ كالعَدَمِ في أحْوالِ الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ، فَحالُهُ المُقَسَّمُ بَيْنَ انْتِفاعٍ بِالعَقْلِ وعَدَمِهِ يُشْبِهُ حالَ الأعْمى في إدْراكِهِ أشْياءَ وعَدَمِ إدْراكِهِ.

والعَمى يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الضَّلالِ، قالَ ابْنُ رَواحَةَ:

صفحة ٢٩٣

أرانا الهُدى بَعْدَ العَمى فَقُلُوبُنا بِهِ مُوقِناتٌ أنَّ ما قالَ واقِعُ

ثُمَّ شَبَّهَ الكُفْرَ بِالظُّلُماتِ في أنَّهُ يَجْعَلُ الَّذِي أحاطَ هو بِهِ غَيْرَ مُتَبَيِّنٍ لِلْأشْياءِ، فَإنَّ مِن خَصائِصِ الظُّلْمَةِ إخْفاءَ الأشْياءِ، والكافِرُ خَفِيَتْ عَنْهُ الحَقائِقُ الِاعْتِيادِيَّةُ، وكُلَّما بَيَّنَها لَهُ القُرْآنُ لَمْ يَنْتَقِلْ إلى أجْلى، كَما لَوْ وصَفْتَ الطَّرِيقَ لِلسّائِرِ في الظَّلامِ.

وجِيءَ في الظُّلُماتِ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِأنَّهُ الغالِبُ في الِاسْتِعْمالِ فَهم لا يَذْكُرُونَ الظُّلْمَةَ إلّا بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ في الأنْعامِ.

وضُرِبَ الظِّلُّ مَثَلًا لِأثَرِ الإيمانِ، وضِدُّهُ وهو الحَرُورُ مَثَلًا لِأثَرِ الكُفْرِ، فالظِّلُّ مَكانُ نَعِيمٍ في عُرْفِ السّامِعِينَ الأوَّلِينَ، وهُمُ العَرَبُ أهْلُ البِلادِ الحارَّةِ الَّتِي تَتَطَلَّبُ الظِّلَّ لِلنَّعِيمِ غالِبًا إلّا في بَعْضِ فَصْلِ الشِّتاءِ، وقُوبِلَ بِالحَرُورِ لِأنَّهُ مُؤْلِمٌ ومُعَذِّبٌ في عُرْفِهِمْ كَما عَلِمْتَ، وفي مُقابَلَتِهِ بِالحَرُورِ إيذانٌ بِأنَّ المُرادَ تَشْبِيهُهُ بِالظِّلِّ في حالَةِ اسْتِطابَتِهِ.

والحَرُورُ: حَرُّ الشَّمْسِ، ويُطْلَقُ أيْضًا عَلى الرِّيحِ الحارَّةِ وهي السَّمُومُ، أوِ الحَرُورُ: الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتِي تَهُبُّ بِلَيْلٍ والسَّمُومُ تَهُبُّ بِالنَّهارِ.

وقُدِّمَ في هَذِهِ الفِقْرَةِ ما هو مِن حالِ المُؤْمِنِينَ عَلى عَكْسِ الفِقْراتِ الثَّلاثِ الَّتِي قَبْلَها لِأجْلِ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ بِكَلِمَةِ ”الحَرُورِ“، وفَواصِلُ القُرْآنِ مِن مُتَمِّماتِ فَصاحَتِهِ، فَلَها حَظٌّ مِنَ الإعْجازِ.

فَحالُ المُؤْمِنِ يُشْبِهُ حالَ الظِّلَّ تَطْمَئِنُّ فِيهِ المَشاعِرُ، وتَصْدُرُ فِيهِ الأعْمالُ عَنْ تَبَصُّرٍ وتَرَيُّثٍ وإتْقانٍ. وحالُ الكافِرِ يُشْبِهُ الحَرُورَ تَضْطَرِبُ فِيهِ النُّفُوسُ ولا تَتَمَكَّنُ مَعَهُ القُوى مِنَ التَّأمُّلِ والتَّبَصُّرِ وتَصْدُرُ فِيها الآراءُ والمَساعِي مُعَجَّلَةً مُتَفَكِّكَةً.

واعْلَمْ أنَّ تَرْكِيبَ الآيَةِ عَجِيبٌ فَقَدِ احْتَوَتْ عَلى واواتِ عَطْفٍ وأدَواتِ نَفْيٍ، فَكُلٌّ مِنَ الواوَيْنِ اللَّذَيْنِ في قَوْلِهِ ”﴿ولا الظُّلُماتُ﴾“ الَخْ، وقَوْلِهِ ”﴿ولا الظِّلُّ﴾“ الَخْ عاطِفٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ وعاطِفٌ تَشَبُّهاتٍ ثَلاثَةً بَلْ تَشْبِيهٌ مِنها يَجْمَعُ الفَرِيقَيْنِ. والتَّقْدِيرُ: ولا تَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ ولا يَسْتَوِي الظِّلُّ والحَرُورُ، وقَدْ صَرَّحَ بِالمُقَدَّرِ أخِيرًا في قَوْلِهِ وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ.

صفحة ٢٩٤

وأمّا الواواتُ الثَّلاثَةُ في قَوْلِهِ ”والبَصِيرُ“ ”ولا النُّورُ“ ”ولا الحَرُورُ“ فَكُلُّ واوٍ عاطِفٌ مُفْرَدًا عَلى مُفْرَدٍ، فَهي سِتَّةُ تَشْبِيهاتٍ مُوَزَّعَةٌ عَلى كُلِّ فَرِيقٍ، فَـ ”البَصِيرُ“ عُطِفَ عَلى ”الأعْمى“، و”النُّورُ“ عُطِفَ عَلى الظُّلُماتِ، و”الحَرُورُ“ عُطِفَ عَلى الظِّلِّ، ولِذَلِكَ أُعِيدَ حَرْفُ النَّفْيِ.

وأمّا أدَواتُ النَّفْيِ فاثْنانِ مِنها مُؤَكَّدانِ لِلتَّغَلُّبِ المُوَجَّهِ إلى الجُمْلَتَيْنِ المَعْطُوفَتَيْنِ المَحْذُوفِ فِعْلاهُما ”ولا الظُّلُماتُ“، ”ولا الظِّلُّ“، واثْنانِ مُؤَكَّدانِ لِتَوَجُّهِ النَّفْيِ إلى المُفْرَدَيْنِ المَعْطُوفَيْنِ عَلى مُفْرَدَيْنِ في سِياقِ نَفْيِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما وبَيْنَ ما عُطِفا عَلَيْهِما وهُما واوُ ”ولا النُّورُ“، وواوُ ”ولا الحَرُورُ“، والتَّوْكِيدُ بَعْضُهُ بِالمِثْلِ وهو حَرْفُ ”لا“ وبَعْضُهُ بِالمُرادِفِ وهو حَرْفُ ”ما“ ولَمْ يُؤْتَ بِأداةِ نَفْيٍ في نَفْيِ الِاسْتِواءِ الأوَّلِ لِأنَّهُ الَّذِي ابْتُدِئَ بِهِ نَفْيُ الِاسْتِواءِ المُؤَكَّدِ مِن بَعْدُ فَهو كُلُّهُ تَأْيِيسٌ. وهو اسْتِعْمالٌ قُرْآنِيٌّ بَدِيعٌ في عَطْفِ المَنفِيّاتِ مِنَ المُفْرَداتِ والجُمَلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت: ٣٤] في سُورَةِ فُصِّلَتْ.

وجُمْلَةُ وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ أُظْهِرَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ الفِعْلُ الَّذِي قُدِّرَ في الجُمْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَها وهو فِعْلُ ”يَسْتَوِي“ لِأنَّ التَّمْثِيلَ هُنا عادَ إلى تَشْبِيهِ حالِ المُسْلِمِينَ والكافِرِينَ إذْ شَبَّهَ حالَ المُسْلِمِ بِحالِ الأحْياءِ وحالَ الكافِرِينَ بِحالِ الأمْواتِ، فَهَذا ارْتِقاءٌ في تَشْبِيهِ الحالَيْنِ مِن تَشْبِيهِ المُؤْمِنِ بِالبَصِيرِ والكافِرِ بِالأعْمى إلى تَشْبِيهِ المُؤْمِنِ بِالحَيِّ والكافِرِ بِالمَيِّتِ، ونَظِيرُهُ في إعادَةِ فِعْلِ الِاسْتِواءِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الرَّعْدِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ.

فَلَمّا كانَتِ الحَياةُ هي مَبْعَثُ المَدارِكِ والمَساعِي كُلِّها وكانَ المَوْتُ قاطِعًا لِلْمَدارِكِ والمَساعِي، شُبِّهَ الإيمانُ بِالحَياةِ في انْبِعاثِ خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ مِنهُ وفي تَلَقِّي ذَلِكَ وفَهْمِهِ، وشُبِّهَ الكُفْرُ بِالمَوْتِ في الِانْقِطاعِ عَنِ الأعْمالِ والمُدْرَكاتِ النّافِعَةِ كُلِّها وفي عَدَمِ تَلَقِّي ما يُلْقى إلى صاحِبِهِ فَصارَ المُؤْمِنُ شَبِيهًا بِالحَيِّ مُشابَهَةً كامِلَةً لَمّا خَرَجَ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، فَكَأنَّهُ بِالإيمانِ نُفِخَتْ فِيهِ الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وكانَ الكافِرُ شَبِيهًا بِالمَيِّتِ ما دامَ عَلى كُفْرِهِ. واكْتُفِيَ بِتَشْبِيهِ الكافِرِ والمُؤْمِنِ في مَوْضِعَيْنِ عَنْ

صفحة ٢٩٥

تَشْبِيهِ الكُفْرِ والإيمانِ وبِالعَكْسِ لِتَلازُمِهِما، وأُوتِيَ تَشْبِيهُ الكافِرِ والمُؤْمِنِ في مَوْضِعَيْنِ لِكَوْنِ وجْهِ الشَّبَهِ في الكافِرِ والمُؤْمِنِ أوْضَحَ، وعَكْسُ ذَلِكَ في مَوْضِعَيْنِ لِأنَّ وجْهَ الشَّبَهِ أوْضَحُ في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ.

35:22–23Page 437

وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَحۡيَآءُ وَلَا ٱلۡأَمۡوَٰتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُسۡمِعُ مَن يَشَآءُۖ وَمَآ أَنتَ بِمُسۡمِعٖ مَّن فِي ٱلۡقُبُورِ ٢٢

And not equal are the living and the dead. Indeed, Allāh causes to hear whom He wills, but you cannot make hear those in the graves.1

إِنۡ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ ٢٣

You, [O Muḥammad], are not but a warner.

﴿إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ ﴿إنْ أنْتَ إلّا نَذِيرٌ﴾ لَمّا كانَ أعْظَمُ حِرْمانٍ نَشَأ عَنِ الكُفْرِ هو حِرْمانُ الِانْتِفاعِ بِأبْلَغِ كَلامٍ وأصْدَقِهِ وهو القُرْآنُ كانَ حالُ الكافِرِ الشَّبِيهِ بِالمَوْتِ أوْضَحَ شَبَهًا بِهِ في عَدَمِ انْتِفاعِهِ بِالقُرْآنِ وإعْراضِهِ عَنْ سَماعِهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]، وكانَ حالُ المُؤْمِنِينَ بِعَكْسِ ذَلِكَ إذْ تَلَقَّوُا القُرْآنَ ودَرَسُوهُ وتَفَقَّهُوا فِيهِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ، وأُعْقِبَ تَمْثِيلُ حالِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ بِحالِ الأحْياءِ والأمْواتِ بِتَوْجِيهِ الخِطابِ إلى النَّبِيءِ ﷺ مَعْذِرَةً لَهُ في التَّبْلِيغِ لِلْفَرِيقَيْنِ، وفي عَدَمِ قَبُولِ تَبْلِيغِهِ لَدى أحَدِ الفَرِيقَيْنِ، وتَسْلِيَةً لَهُ عَنْ ضَياعِ وابِلِ نُصْحِهِ في سِباخِ قُلُوبِ الكافِرِينَ فَقِيلَ لَهُ: إنَّ قَبُولَ الَّذِينَ قَبِلُوا الهُدى واسْتَمَعُوا إلَيْهِ كانَ بِتَهْيِئَةِ اللَّهِ تَعالى نُفُوسَهم لِقَبُولِ الذِّكْرِ والعِلْمِ، وأنَّ عَدَمَ انْتِفاعِ المُعْرِضِينَ بِذَلِكَ هو بِسَبَبِ مَوْتِ قُلُوبِهِمْ فَكَأنَّهُمُ الأمْواتُ في القُبُورِ وأنْتَ لا تَسْتَطِيعُ أنْ تُسْمِعَ الأمْواتَ، فَجاءَ قَوْلُهُ إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ عَلى مُقابَلَةِ قَوْلِهِ وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ مُقابَلَةَ اللَّفِّ بِالنَّشْرِ المُرَتَّبِ.

فَجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ، لِأنَّ مَعْنى القَصْرِ يَنْحَلُّ إلى إثْباتٍ ونَفْيٍ فَكانَ مُفِيدًا فَرِيقَيْنِ: فَرِيقًا انْتَفَعَ بِالإنْذارِ، وفَرِيقًا لَمْ يَنْتَفِعْ، فَعُلِّلَ ذَلِكَ بِـ ”﴿إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ﴾“ .

وقَوْلُهُ ﴿وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ إشارَةٌ إلى الَّذِينَ لَمْ يَشَأِ اللَّهُ أنْ يُسْمِعَهم إنْذارَكَ.

واسْتُعِيرَ مَن في القُبُورِ لِلَّذِينِ لَمْ تَنْفَعْ فِيهِمُ النُّذُرُ، وعَبَّرَ عَنِ الأمْواتِ بِـ ”مَن في القُبُورِ“ لِأنَّ مَن في القُبُورِ أعْرَقُ في الِابْتِعادِ عَنْ بُلُوغِ الأصْواتِ لِأنَّ

صفحة ٢٩٦

بَيْنَهم وبَيْنَ المُنادِي حاجِزُ الأرْضِ. فَهَذا إطْنابٌ أفادَ مَعْنًى لا يُفِيدُهُ الإيجازُ بِأنْ يُقالَ: وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ المَوْتى.

وجِيءَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ ”الأحْياءُ“ و”الأمْواتُ“ تَفَنُّنًا في الكَلامِ بَعْدَ أنْ أُورِدَ الأعْمى والبَصِيرُ بِالإفْرادِ لِأنَّ المُفْرَدَ والجَمْعَ في المُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ سَواءٌ إذا كانَ اسْمًا لَهُ أفْرادٌ بِخِلافِ النُّورِ والظِّلِّ والحَرُورِ، وأمّا جَمْعُ الظُّلُماتِ فَقَدْ عَلِمْتَ وجْهَهُ آنِفًا.

وجُمْلَةُ إنْ أنْتَ إلّا نَذِيرٌ أفادَتْ قَصْرًا إضافِيًّا بِالنِّسْبَةِ إلى مُعالَجَةِ تَسْمِيعِهِمُ الحَقَّ، أيْ أنْتَ نَذِيرٌ لِلْمُشابِهِينَ مَن في القُبُورِ ولَسْتَ بِمُدْخِلٍ الإيمانَ إلى قُلُوبِهِمْ، وهَذا مَسُوقٌ مَساقَ المَعْذِرَةِ لِلنَّبِيءِ ﷺ وتَسْلِيَتِهِ إذْ كانَ مُهْتَمًّا مِن عَدَمِ إيمانِهِمْ.

والنَّذِيرُ: المُنْبِئُ عَنْ تَوَقُّعِ حُدُوثِ مَكْرُوهٍ أوْ مُؤْلِمٍ.

والِاقْتِصارُ عَلى وصْفِهِ بِالنَّذِيرِ لِأنَّ مَساقَ الكَلامِ عَلى المُصَمِّمِينَ عَلى الكُفْرِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском