Ibn 'AshurFatir · 35:24–28

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Fatir 35:24–28

35:24Page 437

إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗاۚ وَإِن مِّنۡ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٞ ٢٤

Indeed, We have sent you with the truth as a bringer of good tidings and a warner. And there was no nation but that there had passed within it a warner.

﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾

اسْتِئْنافُ ثَناءٍ عَلى النَّبِيءِ ﷺ وتَنْوِيهٌ بِهِ بِالإسْلامِ. وفِيهِ دَفْعُ تَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ قَصْرُهُ عَلى النِّذارَةِ قَصْرًا حَقِيقًا لِتَبَيُّنِ أنَّ قَصْرَهُ عَلى النِّذارَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ شابَهَ حالُهم حالَ أصْحابِ القُبُورِ، أيْ إنَّ رِسالَتَكَ تَجْمَعُ بِشارَةً ونِذارَةً، فالبِشارَةُ لِمَن قَبِلَ الهُدى، والنِّذارَةُ لِمَن أعْرَضَ عَنْهُ، وكُلُّ ذَلِكَ حَقٌّ لِأنَّ الجَزاءَ عَلى حَسَبِ القَبُولِ، فَهي رِسالَةٌ مُلابِسَةٌ لِلْحَقِّ ووَضْعِ الأشْياءِ مَواضِعَها.

فَقَوْلُهُ ”بِالحَقِّ“ إمّا حالٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ في ”أرْسَلْناكَ“ أيْ مُحِقِّينَ غَيْرَ لاعِبِينَ، أوْ مِن كافِ الخِطابِ، أيْ مُحِقًّا أنْتَ غَيْرَ كاذِبٍ، أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ إرْسالًا مُلابَسًا بِالحَقِّ لا يَشُوبُهُ شَيْءٌ مِنَ الباطِلِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وقَوْلُهُ ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ إبْطالٌ لِاسْتِبْعادِ المُشْرِكِينَ أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ إلى النّاسِ بَشَرًا مِنهم، فَإنَّ تِلْكَ الشُّبْهَةَ كانَتْ مِن أعْظَمِ ما صَدَّهم عَنِ التَّصْدِيقِ

صفحة ٢٩٧

بِهِ، فَلِذَلِكَ أُتْبِعَتْ دَلائِلُ الرِّسالَةِ بِإبْطالِ الشُّبْهَةِ الحاجِبَةِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ.

وأيْضًا في ذَلِكَ تَسْفِيهٌ لِأحْلامِهِمْ إذْ رَضُوا أنْ يَكُونُوا دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي شَرُفَتْ بِالرِّسالَةِ.

ووَجْهُ الِاقْتِصارِ عَلى وصْفِ النَّذِيرِ هُنا دُونَ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ وصْفِ البَشِيرِ هو مُراعاةُ العُمُومِ الَّذِي في قَوْلِهِ وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ، فَإنَّ مِنَ الأُمَمِ مَن لَمْ تَحْصُلْ لَها بِشارَةٌ لِأنَّها لَمْ يُؤْمِن مِنها أحَدٌ، فَفي الحَدِيثِ «عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ فَجَعَلَ النَّبِيءُ يَمُرُّ مَعَهُ الرَّهْطُ، والنَّبِيءُ يَمُرُّ مَعَهُ الرَّجُلُ الواحِدُ، والنَّبِيءُ يَمُرُّ وحْدَهُ» الحَدِيثَ، فَإنَّ الأنْبِياءَ الَّذِينَ مَرُّوا وحْدَهم هُمُ الأنْبِياءُ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِبْ لَهم أحَدٌ مِن قَوْمِهِمْ، وقَدْ يَكُونُ عَدَمُ ذِكْرِ وصْفِ البِشارَةِ لِلِاكْتِفاءِ بِذِكْرِ قَرِينَةٍ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وأُوثِرَ وصْفُ النَّذِيرِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أشَدُّ مُناسَبَةً لِمَقامِ خِطابِ المُكَذِّبِينَ.

ومَعْنى الأُمَّةِ هُنا: الجَذْمُ العَظِيمُ مِن أهْلِ نَسَبٍ يَنْتَهِي إلى جَدٍّ واحِدٍ جامِعٍ لِقَبائِلَ كَثِيرَةٍ لَها مَواطِنُ مُتَجاوِرَةٌ مِثْلَ أُمَّةِ الفُرْسِ وأُمَّةِ الرُّومِ وأُمَّةِ الصِّينِ وأُمَّةِ الهِنْدِ وأُمَّةِ يُونانَ وأُمَّةِ إسْرائِيلَ وأُمَّةِ العَرَبِ وأُمَّةِ البَرْبَرِ، فَما مِن أُمَّةٍ مِن هَؤُلاءِ إلّا وقَدْ سَبَقَ فِيها نَذِيرٌ، أيْ رَسُولٌ أوْ نَبِيءٌ يُنْذِرُهم بِالمُهْلِكاتِ وعَذابِ الآخِرَةِ. فَمِنَ المُنْذِرِينَ مَن عَلِمْناهم، ومِنهم مَن أنْذَرُوا وانْقَرَضُوا ولَمْ يَبْقَ خَبَرُهم قالَ تَعالى ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مَن قَبْلِكَ مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ.

والحِكْمَةُ في الإنْذارِ أنْ لا يَبْقى الضَّلالُ رائِجًا وأنْ يَتَخَوَّلَ اللَّهُ عِبادَهُ بِالدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ سَواءً عَمِلُوا بِها أمْ لَمْ يَعْمَلُوا، فَإنَّها لا تَخْلُوا مِن أثَرٍ صالِحٍ فِيهِمْ. وإنَّما لَمْ يُسَمِّ القُرْآنُ إلّا الأنْبِياءَ والرُّسُلَ الَّذِينَ كانُوا في الأُمَمِ السّامِيَّةِ القاطِنَةِ في بِلادِ العَرَبِ وما جاوَرَها لِأنَّ القُرْآنَ حِينَ نُزُولِهِ ابْتَدَأ بِخِطابِ العَرَبِ ولَهم عِلْمٌ بِهَؤُلاءِ الأقْوامِ فَقَدْ عَلِمُوا أخْبارَهم وشَهِدُوا آثارَهم فَكانَ الِاعْتِبارُ بِهِمْ أوْقَعَ، ولَوْ ذُكِرَتْ لَهم رُسُلُ أُمَمٍ لا يَعْرِفُونَهم لَكانَ إخْبارُهم عَنْهم مُجَرَّدَ حِكايَةٍ ولَمْ يَكُنْ فِيهِ اسْتِدْلالٌ واعْتِبارٌ.

35:25–26Page 437

وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُنِيرِ ٢٥

And if they deny you - then already have those before them denied. Their messengers came to them with clear proofs and written ordinances and with the enlightening Scripture.

ثُمَّ أَخَذۡتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ٢٦

Then I seized the ones who disbelieved, and how [terrible] was My reproach.

صفحة ٢٩٨

﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وبِالزُّبُرِ وبِالكِتابِ المُنِيرِ﴾ ﴿ثُمَّ أخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾

أُعَقِبَ الثَّناءُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ بِتَسْلِيَتِهِ عَلى تَكْذِيبِ قَوْمِهِ وتَأْنِيسِهِ بِأنَّ تِلْكَ سُنَّةُ الرُّسُلِ مَعَ أُمَمِهِمْ.

وإذْ قَدْ كانَ سِياقُ الحَدِيثِ في شَأْنِ الأُمَمِ جُعِلَتِ التَّسْلِيَةُ في هَذِهِ الآيَةِ بِحالِ الأُمَمِ مَعَ رُسُلِهِمْ عَكْسَ ما في آيَةِ آلِ عِمْرانَ فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ جاءُوا بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ والكِتابِ المُنِيرِ لِأنَّ سِياقَ آيَةِ (آلِ عِمْرانَ) كانَ في رَدِّ مُحاوَلَةِ أهْلِ الكِتابِ إفْحامَ الرَّسُولِ لِأنَّ قَبْلَها الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا أنْ لا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ.

وقَدْ خُولِفَ أيْضًا في هَذِهِ الآيَةِ أُسْلُوبُ آيَةِ (آلِ عِمْرانَ) إذْ قُرِنَ كُلٌّ مِنَ الزُّبُرِ والكِتابِ المُنِيرِ هُنا بِالباءِ، وجُرِّدا مِنها في آيَةِ (آلِ عِمْرانَ) وذَلِكَ لِأنَّ آيَةَ (آلِ عِمْرانَ) جَرَتْ في سِياقِ زَعْمِ اليَهُودِ أنْ لا تُقْبَلَ مُعْجِزَةُ رَسُولٍ إلّا مُعْجِزَةَ قُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ، فَقِيلَ في التَّفَرُّدِ بِبُهْتانِهِمْ: قَدْ كُذِّبَتِ الرُّسُلُ الَّذِينَ جاءَ الواحِدُ مِنهم بِأصْنافِ المُعْجِزاتِ مِثْلَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومِن مُعْجِزاتِهِمْ قَرابِينُ تَأْكُلُها النّارُ فَكَذَّبْتُمُوهم، فَتَرْكُ إعادَةِ الباءِ هُنالِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ الرُّسُلَ جاءُوا بِالأنْواعِ الثَّلاثَةِ.

ولَمّا كانَ المَقامُ هُنا لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ ناسَبَ أنْ يُذْكَرَ ابْتِلاءُ الرُّسُلِ بِتَكْذِيبِ أُمَمِهِمْ عَلى اخْتِلافِ أحْوالِ الرُّسُلِ، فَمِنهُمُ الَّذِينَ أتَوْا بِآياتٍ، أيْ خَوارِقِ عاداتٍ فَقَطْ مِثْلُ صالِحٍ وهُودٍ ولُوطٍ، ومِنهم مَن أتَوْا بِالزُّبُرِ وهي المَواعِظُ الَّتِي يُؤْمَرُ بِكِتابَتِها وزَبْرِها، أيْ تَخْطِيطِها لِتَكُونَ مَحْفُوظَةً وتُرَدَّدَ عَلى الألْسُنِ كَزَبُورِ داوُدَ وكُتُبِ أصْحابِ الكُتُبِ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ مِثْلَ أرْمِياءَ وإيلِياءَ، ومِنهم مَن جاءُوا بِالكِتابِ المُنِيرِ، يَعْنِي كِتابَ الشَّرائِعِ مِثْلَ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى، فَذَكَرَ الباءَ مُشِيرًا إلى تَوْزِيعِ أصْنافِ المُعْجِزاتِ عَلى أصْنافِ الرُّسُلِ.

فَزَبُورُ إبْراهِيمَ صُحُفُهُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩] .

وزَبُورُ مُوسى كَلامُهُ في المَواعِظِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ تَبْلِيغٌ عَنِ اللَّهِ مِثْلَ دُعائِهِ الَّذِي

صفحة ٢٩٩

دَعا بِهِ في قادِشَ المَذْكُورِ في الإصْحاحِ التّاسِعِ مِن سِفْرِ التَّثْنِيَةِ، ووَصِيَّتِهِ في عَبْرِ الأُرْدُنِ الَّتِي في الإصْحاحِ السّابِعِ والعِشْرِينَ مِنَ السِّفْرِ المَذْكُورِ، ومِثْلَ نَشِيدِهِ الوَعْظِيِّ الَّذِي نَطَقَ بِهِ وأمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِحِفْظِهِ والتَّرَنُّمِ بِهِ في الإصْحاحِ الثّانِي والثَّلاثِينَ مِنهُ، ومِثْلَ الدُّعاءِ الَّذِي بارَكَ بِهِ أسْباطَ إسْرائِيلَ في عَرَباتِ مُؤابَ في آخِرِ حَياتِهِ في الإصْحاحِ الثّالِثِ والثَّلاثِينَ مِنهُ.

وزَبُورُ عِيسى أقْوالُهُ المَأْثُورَةُ في الأناجِيلِ مِمّا لَمْ يَكُنْ مَنسُوبًا إلى الوَحْيِ.

فالضَّمِيرُ في ”جاءُوا“ لِلرُّسُلِ وهو عَلى التَّوْزِيعِ، أيْ جاءَ مَجْمُوعُهم بِهَذِهِ الأصْنافِ مِنَ الآياتِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَجِيءَ كُلُّ فَرْدٍ مِنهم بِجَمِيعِها كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فُلانًا.

وجَوابُ ”إنْ يُكَذِّبُوكَ“ مَحْذُوفٌ دَلَّتْ عَلَيْهِ عِلَّتُهُ وهي قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤]، والتَّقْدِيرُ: إنْ يُكَذِّبُوكَ فَلا تَحْزَنْ، ولا تَحْسَبْهم مُفْلِتِينَ مِنَ العِقابِ عَلى ذَلِكَ إذْ قَدْ كَذَّبَ الأقْوامُ الَّذِينَ جاءَتْهم رُسُلٌ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ وقَدْ عاقَبْناهم عَلى تَكْذِيبِهِمْ.

فالفاءُ في قَوْلِهِ: ”﴿فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾“ فاءٌ فَصِيحَةٌ أوْ تَفْرِيعٌ عَلى المَحْذُوفِ.

وجُمْلَةُ ”جاءَتْهم“ صِلَةُ ”الَّذِينَ“ و”مِن قَبْلِهِمْ“ في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ المَوْصُولِ مُقَدَّمٍ عَلَيْهِ أوْ مُتَعَلِّقٍ بِـ ”جاءَتْهم“ .

و”ثُمَّ“ عاطِفَةٌ جُمْلَةَ ”أخَذْتُ“ عَلى جُمْلَةِ ”جاءَتْهم“ أيْ ثُمَّ أخَذْتُهم، وأُظْهِرَ ”الَّذِينَ كَفَرُوا“ في مَوْضِعِ ضَمِيرِ الغَيْبَةِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ أخْذَهم لِأجْلِ ما تَضَمَّنَتْهُ صِلَةُ المَوْصُولِ مِن أنَّهم كَفَرُوا.

والأخْذُ مُسْتَعارٌ لِلِاسْتِئْصالِ والإفْناءِ، شُبِّهَ إهْلاكُهم جَزاءً عَلى تَكْذِيبِهِمْ بِإتْلافِ المُغِيرِينَ عَلى عَدُوِّهِمْ يَقْتُلُونَهم ويَغْنَمُونَ أمْوالَهم فَتَبْقى دِيارُهم بَلْقَعًا كَأنَّهم أُخِذُوا مِنها.

و”كَيْفَ“ اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ وهو مُفَرَّعٌ بِالفاءِ عَلى ”﴿أخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾“، والمَعْنى: أخَذْتُهم أخْذًا عَجِيبًا كَيْفَ تَرَوْنَ أُعْجُوبَتَهُ.

صفحة ٣٠٠

وأصْلُ ”كَيْفَ“ أنْ يُسْتَفْهَمَ بِهِ عَنِ الحالِ فَلَمّا اسْتُعْمِلَ في التَّعْجِيبِ مِن حالِ أخْذِهِمْ لَزِمَ أنْ يَكُونَ حالُهم مَعْرُوفًا، أيْ يَعْرِفُهُ النَّبِيءُ ﷺ وكُلُّ مَن بَلَغَتْهُ أخْبارُهم فَعَلى تِلْكَ المَعْرِفَةِ المَشْهُورَةِ بُنِيَ التَّعْجِيبُ.

والنَّكِيرُ: اسْمٌ لِشِدَّةِ الإنْكارِ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ العِقابِ لِأنَّ الإنْكارَ يَسْتَلْزِمُ الجَزاءَ عَلى الفِعْلِ المُنْكَرِ بِالعِقابِ.

وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ تَخْفِيفًا ولِرِعايَةِ الفَواصِلِ في الوَقْفِ لِأنَّ الفَواصِلَ يُعْتَبَرُ فِيها الوَقْفُ، وتَقَدَّمَ في سَبَأٍ.

35:27Page 437

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٖ مُّخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهَاۚ وَمِنَ ٱلۡجِبَالِ جُدَدُۢ بِيضٞ وَحُمۡرٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٞ ٢٧

Do you not see that Allāh sends down rain from the sky, and We produce thereby fruits of varying colors? And in the mountains are tracts, white and red of varying shades and [some] extremely black.

﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها﴾

اسْتِئْنافٌ فِيهِ إيضاحُ ما سَبَقَهُ مِنِ اخْتِلافِ أحْوالِ النّاسِ في قَبُولِ الهُدى ورَفْضِهِ بِسَبَبِ ما تَهَيَّأتْ خِلْقَةُ النُّفُوسِ إلَيْهِ لِيَظْهَرَ بِهِ أنَّ الِاخْتِلافَ بَيْنَ أفْرادِ الأصْنافِ والأنْواعِ نامُوسٌ جَبَلِيٌّ فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَخْلُوقاتِ هَذا العالَمِ الأرْضِيِّ.

والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ لِيَدْفَعَ عَنْهُ اغْتِمامَهُ مِن مُشاهَدَةِ عَدَمِ انْتِفاعِ المُشْرِكِينَ بِالقُرْآنِ.

وضُرِبَ اخْتِلافُ الظَّواهِرِ في أفْرادِ الصِّنْفِ الواحِدِ مَثَلًا لِاخْتِلافِ البَواطِنِ تَقْرِيبًا لِلْأفْهامِ، فَكانَ هَذا الِاسْتِئْنافُ مِن الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا التَّقْرِيبِ مِمّا تَشْرَئِبُّ إلَيْهِ الأفْهامُ عِنْدَ سَماعِ قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ﴾ [فاطر: ٢٢] .

والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ، والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ، وجاءَ التَّقْرِيرُ عَلى النَّفْيِ عَلى ما هو المُسْتَعْمَلُ كَما بَيَّنّاهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٤٨] في سُورَةِ (الأعْرافِ) وفي آياتٍ أُخْرى.

وضَمِيرُ فَأخْرَجْنا التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ.

والألْوانُ: جَمْعُ لَوْنٍ وهو عَرَضٌ، أيْ كَيْفِيَّةٌ تَعْرِضُ لِسُطُوحِ الأجْسامِ يُكَيِّفُهُ النُّورُ كَيْفِيّاتٍ مُخْتَلِفَةً عَلى اخْتِلافِ ما يَحْصُلُ مِنها عِنْدَ انْعِكاسِها إلى عَدَساتِ الأعْيُنِ

صفحة ٣٠١

مِن شِبْهِ الظُّلْمَةِ وهو لَوْنُ السَّوادِ وشِبْهِ الصُّبْحِ هو لَوْنُ البَياضِ، فَهُما الأصْلانِ لِلْألْوانِ، وتَنْشَقُّ مِنها ألْوانٌ كَثِيرَةٌ وُضِعَتْ لَها أسْماءٌ اصْطِلاحِيَّةٌ وتَشْبِيهِيَّةٌ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها﴾ [البقرة: ٦٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّحْلِ.

والمَقْصُودُ مِن الِاعْتِبارِ هو اخْتِلافُ ألْوانِ الأصْنافِ مِنَ النَّوْعِ الواحِدِ كاخْتِلافِ ألْوانِ التُّفّاحِ مَعَ ألْوانِ السَّفَرْجَلِ، وألْوانِ العِنَبِ مَعَ ألْوانِ التِّينِ، واخْتِلافِ ألْوانِ الأفْرادِ مِنَ الصِّنْفِ الواحِدِ تاراتٍ كاخْتِلافِ ألْوانِ التُّمُورِ والزَّيْتُونِ والأعْنابِ والتُّفّاحِ والرُّمّانِ.

وذِكْرُ إنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ إدْماجٌ في الغَرَضِ لِلِاعْتِبارِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ مَعَ ما فِيهِ مِنِ اتِّحادِ أصْلِ نَشْأةِ الأصْنافِ والأنْواعِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤]، وذَلِكَ أرْعى لِلِاعْتِبارِ.

وجِيءَ بِالجُمْلَتَيْنِ الفِعْلِيَّتَيْنِ في ”أنْزَلَ“ وأخْرَجْنا لِأنَّ إنْزالَ الماءِ وإخْراجَ الثَّمَراتِ مُتَجَدِّدٌ آنًا فَآنًا.

والِالتِفاتُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ في قَوْلِهِ ”أنْزَلَ“ وقَوْلِهِ ”أخْرَجْنا“ لِأنَّ الِاسْمَ الظّاهِرَ أنْسَبُ بِمَقامِ الِاسْتِدْلالِ عَلى القُدْرَةِ لِأنَّهُ الِاسْمُ الجامِعُ لِمَعانِي الصِّفاتِ.

وضَمِيرُ التَّكَلُّمِ أنْسَبُ بِما فِيهِ امْتِنانٌ.

وقُدِّمَ الِاعْتِبارُ بِاخْتِلافِ أحْوالِ الثَّمَراتِ لِأنَّ في اخْتِلافِها سَعَةً تُشْبِهُ سَعَةَ اخْتِلافِ النّاسِ في المَنافِعِ والمَدارِكِ والعَقائِدِ. وفي الحَدِيثِ «مَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الأُتْرُجَّةِ رِيحُها طَيِّبٌ وطَعْمُها طَيِّبٌ، ومَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ طَعْمُها طَيِّبٌ ولا رِيحَ لَها، ومَثَلُ المُنافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحانَةِ رِيحُها طَيِّبٌ وطَعْمُها مُرٌّ، ومَثَلُ المُنافِقِ الَّذِي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الحَنْظَلَةِ طَعْمُها مُرٌّ ولا رِيحَ لَها» .

وجُرِّدَ مُخْتَلِفًا مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ مَعَ أنَّ فاعِلَهُ جَمْعٌ وشَأْنُ النَّعْتِ السَّبَبِيِّ أنْ يُوافِقَ مَرْفُوعَهُ في التَّذْكِيرِ وضِدِّهِ والإفْرادِ وضِدِّهِ، ولا يُوافِقُ في ذَلِكَ مَنعُوتَهُ

صفحة ٣٠٢

لِأنَّهُ لَمّا كانَ الفاعِلُ جَمْعًا لِما لا يَعْقِلُ وهو الألْوانُ كانَ حَذْفُ التّاءِ في مِثْلِهِ جائِزًا في الِاسْتِعْمالِ، وآثَرَهُ القُرْآنُ إيثارًا لِلْإيجازِ.

والمُرادُ بِالثَّمَراتِ: ثَمَراتُ النَّخِيلِ والأعْنابِ وغَيْرِها، فَثَمَراتُ النَّخِيلِ أكْثَرُ الثَّمَراتِ ألْوانًا، فَإنَّ ألْوانَها تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أطْوارِها، فَمِنها الأخْضَرُ والأصْفَرُ والأحْمَرُ والأسْوَدُ.

* * *

﴿ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ﴾ فَهي مِثْلُها مُسْتَأْنَفَةٌ، وعَطْفُها عَلَيْها لِلْمُناسَبَةِ الظّاهِرَةِ.

وجُدَدٌ مُبْتَدَأٌ ﴿ومِنَ الجِبالِ﴾ خَبَرُهُ. وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلِاهْتِمامِ ولِلتَّشْوِيقِ لِذِكْرِ المُبْتَدَأِ حَثًّا عَلى التَّأمُّلِ والنَّظَرِ.

و”مِن“ تَبْعِيضِيَّةٌ عَلى مَعْنى: وبَعْضُ تُرابِ الجِبالِ جُدَدٌ، فَفي الجَبَلِ الواحِدِ تُوجَدُ جُدَدٌ مُخْتَلِفَةٌ، وقَدْ يَكُونُ بَعْضُ الجُدَدِ بَعْضُها في بَعْضِ الجِبالِ وبَعْضٌ آخَرُ في بَعْضٍ آخَرَ.

وجُدَدٌ: جَمْعُ جُدَّةٍ بِضَمِّ الجِيمِ، وهي الطَّرِيقَةُ والخُطَّةُ في الشَّيْءِ تَكُونُ واضِحَةً فِيهِ. يُقالُ لِلْخُطَّةِ السَّوْداءِ الَّتِي عَلى ظَهْرِ الحِمارِ جُدَّةٌ، ولِلظَّبْيِ جُدَّتانِ مِسْكِيَّتا اللَّوْنِ تَفْصِلانِ بَيْنَ لَوْنَيْ ظَهْرِهِ وبَطْنِهِ، والجُدَدُ البِيضُ الَّتِي في الجِبالِ هي ما كانَتْ صُخُورًا بَيْضاءَ مِثْلَ المَرْوَةِ، أوْ كانَتْ تَقْرُبُ مِنَ البَياضِ فَإنَّ مِنَ التُّرابِ ما يَصِيرُ في لَوْنِ الأهْصَبِ فَيُقالُ: تُرابٌ أبْيَضُ، ولا يَعْنُونَ أنَّهُ أبْيَضُ كالجِيرِ والجِصِّ بَلْ يَعْنُونَ أنَّهُ مُخالِفٌ لِغالِبِ ألْوانِ التُّرابِ، والجُدَدُ الحُمْرُ هي ذاتُ الحِجارَةِ الحَمْراءِ في الجِبالِ.

وغَرابِيبُ: جَمْعُ غِرْبِيبٍ، والغِرْبِيبُ: اسْمٌ لِلشَّيْءِ الأسْوَدِ الحالِكِ سَوادُهُ، ولا تُعْرَفُ لَهُ مادَّةٌ مُشْتَقٌّ هو مِنها، وأحْسَبُ أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الجامِدِ، وهو الغُرابُ لِشُهْرَةِ الغُرابِ بِالسَّوادِ.

وسُودٌ: جَمْعُ أسْوَدَ وهو الَّذِي لَوْنُهُ السَّوادُ.

صفحة ٣٠٣

فالغِرْبِيبُ يَدُلُّ عَلى أشَدَّ مِن مَعْنى أسْوَدَ، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَكُونَ غَرابِيبُ مُتَأخِّرًا عَنْ سُودٍ لِأنَّ الغالِبَ أنَّهم يَقُولُونَ: أسْوَدُ غِرْبِيبٌ، كَما يَقُولُونَ: أبْيَضُ يَقَقٌ وأصْفَرُ فاقِعٌ وأحْمَرُ قانٍ، ولا يَقُولُونَ: غِرْبِيبٌ أسَوْدُ وإنَّما خُولِفَ ذَلِكَ لِلرِّعايَةِ عَلى الفَواصِلِ المَبْنِيَّةِ عَلى الواوِ والياءِ السّاكِنَتَيْنِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]، عَلى أنَّ في دَعْوى أنْ يَكُونَ غَرِيبًا تابِعًا لِأسْوَدَ نَظَرًا، والآيَةُ تُؤَيِّدُ هَذا النَّظَرَ، ودَعْوى كَوْنِ غَرابِيبُ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ سُودٌ تَكَلُّفٌ واضِحٌ، وكَذَلِكَ دَعْوى الفَرّاءِ: أنَّ الكَلامَ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وغَرَضُ التَّوْكِيدِ حاصِلٌ عَلى كُلِّ حالٍ.

35:28Page 437

وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ مُخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ كَذَٰلِكَۗ إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ٢٨

And among people and moving creatures and grazing livestock are various colors similarly. Only those fear Allāh, from among His servants, who have knowledge. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Forgiving.

﴿ومِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾ مَوْقِعُهُ كَمَوْقِعِ قَوْلِهِ ﴿ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ﴾ [فاطر: ٢٧]، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مُسَوِّغُ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ غَيْرَ مُفِيدٍ مَعْنًى آخَرَ، فَإنَّ تَقْدِيمَ الخَبَرِ هُنا سَوَّغَ الِابْتِداءَ بِالنَّكِرَةِ.

واخْتِلافُ ألْوانِ النّاسِ مِنهُ اخْتِلافٌ عامٌّ وهو ألْوانُ أصْنافِ البَشَرِ وهي الأبْيَضُ والأسْوَدُ والأصْفَرُ والأحْمَرُ حَسَبَ الِاصْطِلاحِ الجُغْرافِيِّ. ولِلْعَرَبِ في كَلامِهِمْ تَقْسِيمٌ آخَرُ لِألْوانِ أصْنافِ البَشَرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿واخْتِلافُ ألْسِنَتِكم وألْوانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] في سُورَةِ الرُّومِ.

و”مِن“ تَبْعِيضِيَّةٌ. والمَعْنى: أنَّ المُخْتَلِفَ ألْوانُهُ بَعْضٌ مِنَ النّاسِ، ومَجْمُوعُ المُخْتَلِفاتِ كُلُّهُ هو النّاسُ كُلُّهم وكَذَلِكَ الدَّوابُّ والأنْعامُ، وهو نَظْمٌ دَقِيقٌ دَعا إلَيْهِ الإيجازُ.

وجِيءَ في جُمْلَةِ ﴿ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ﴾ [فاطر: ٢٧] و﴿ومِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾ بِالِاسْمِيَّةِ دُونَ الفِعْلِيَّةِ كَما في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ لِأنَّ اخْتِلافَ ألْوانِ الجِبالِ والحَيَوانِ الدّالِّ عَلى اخْتِلافِ أحْوالِ الإيجادِ اخْتِلافًا دائِمًا لا يَتَغَيَّرُ وإنَّما يَحْصُلُ مَرَّةً واحِدَةً عِنْدَ الخَلْقِ وعِنْدَ تَوَلُّدِ النَّسْلِ.

* * *

صفحة ٣٠٤

﴿كَذَلِكَ إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ الأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ ”كَذَلِكَ“ ابْتِداءُ كَلامٍ يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ الإخْبارِ بِالنَّتِيجَةِ عَقِبَ ذِكْرِ الدَّلِيلِ. والمَعْنى: كَذَلِكَ أمْرُ الِاخْتِلافِ في ظَواهِرِ الأشْياءِ المُشاهَدِ في اخْتِلافِ ألْوانِها وهو تَوْطِئَةٌ لِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِن تَفْصِيلِ الِاسْتِنْتاجِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ﴾ أيْ إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِنَ البَشَرِ المُخْتَلِفَةِ ألْوانُهُمُ العُلَماءُ مِنهم، فَجُمْلَةُ ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ عَنْ جُمْلَةِ ”كَذَلِكَ“، وإذا عُلِمَ ذَلِكَ دَلَّ بِالِالتِزامِ عَلى أنَّ غَيْرَ العُلَماءِ لا تَتَأتّى مِنهم خَشْيَةُ اللَّهِ فَدَلَّ عَلى أنَّ البَشَرَ في أحْوالِ قُلُوبِهِمْ ومَدارِكِهِمْ مُخْتَلِفُونَ. وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ [فاطر: ١٨] .

وأُوثِرَ هَذا الأُسْلُوبُ في الدَّلالَةِ تَخَلُّصًا لِلتَّنْوِيهِ بِأهْلِ العِلْمِ والإيمانِ لِيَنْتَقِلَ إلى تَفْصِيلِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٢٩] الآيَةَ.

فَقَوْلُهُ ”كَذَلِكَ“ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ. والتَّقْدِيرُ: كَذَلِكَ الِاخْتِلافُ، أوْ كَذَلِكَ الأمْرُ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٩١] وهو مِن فَصْلِ الخِطابِ كَما عَلِمْتَ هُنالِكَ ولِذَلِكَ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى ما قَبْلَهُ ويُسْتَأْنَفُ ما بَعْدَهُ.

وأمّا جَعْلُ ”كَذَلِكَ“ مِن تَوابِعِ الكَلامِ السّابِقِ فَلا يُناسِبُ نَظْمَ القُرْآنِ لِضَعْفِهِ.

والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن ”إنَّما“ قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ لا يَخْشاهُ الجُهّالُ، وهم أهْلُ الشِّرْكِ فَإنَّ مِن أخَصِّ أوْصافِهِمْ أنَّهم أهْلُ الجاهِلِيَّةِ، أيْ عَدَمِ العِلْمِ، فالمُؤْمِنُونَ يَوْمَئِذٍ هُمُ العُلَماءُ، والمُشْرِكُونَ جاهِلُونَ نُفِيَتْ عَنْهم خَشْيَةُ اللَّهِ. ثُمَّ إنَّ العُلَماءَ في مَراتِبِ الخَشْيَةِ مُتَفاوِتُونَ في الدَّرَجاتِ تَفاوُتًا كَثِيرًا. وتَقْدِيمُ مَفْعُولِ ”يَخْشى“ عَلى فاعِلِهِ لِأنَّ المَحْصُورَ فِيهِمْ خَشْيَةُ اللَّهِ هُمُ العُلَماءُ فَوَجَبَ تَأْخِيرُهُ عَلى سُنَّةِ تَأْخِيرِ المَحْصُورِ فِيهِ.

والمُرادُ بِالعُلَماءِ: العُلَماءُ بِاللَّهِ وبِالشَّرِيعَةِ، وعَلى حَسَبِ مِقْدارِ العِلْمِ في ذَلِكَ تَقْوى الخَشْيَةُ، فَأمّا العُلَماءُ بِعُلُومٍ لا تَتَعَلَّقُ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ وثَوابِهِ وعِقابِهِ مَعْرِفَةً عَلى

صفحة ٣٠٥

وجْهِها فَلَيْسَتْ عُلُومُهم بِمُقَرِّبَةٍ لَهم مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، ذَلِكَ لِأنَّ العالِمَ بِالشَّرِيعَةِ لا تَلْتَبِسُ عَلَيْهِ حَقائِقُ الأسْماءِ الشَّرْعِيَّةِ فَهو يَفْهَمُ مَواقِعَها حَقَّ الفَهْمِ ويَرْعاها في مَواقِعِها ويَعْلَمُ عَواقِبَها مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، فَهو يَأْتِي ويَدَعُ مِنَ الأعْمالِ ما فِيهِ مُرادُ اللَّهِ ومَقْصِدُ شَرْعِهِ، فَإنْ هو خالَفَ ما دَعَتْ إلَيْهِ الشَّرِيعَةُ في بَعْضِ الأحْوالِ أوْ في بَعْضِ الأوْقاتِ لِداعِي شَهْوَةٍ أوْ هَوًى أوْ تَعَجُّلِ نَفْعٍ دُنْيَوِيٍّ كانَ في حالِ المُخالَفَةِ مُوقِنًا أنَّهُ مُوَرَّطٌ فِيما لا تُحْمَدُ عُقْباهُ، فَذَلِكَ الإيقانُ لا يَلْبَثُ أنْ يَنْصَرِفَ بِهِ عَنْ الِاسْتِرْسالِ في المُخالَفَةِ بِالإقْلاعِ أوِ الإقْلالِ.

وغَيْرُ العالِمِ إنِ اهْتَدى بِالعُلَماءِ فَسَعْيُهُ مِثْلُ سَعْيِ العُلَماءِ وخَشْيَتُهُ مُتَوَلِّدَةٌ عَنْ خَشْيَةِ العُلَماءِ. قالَ الشَّيْخُأبُو مُحَمَّدِ بْنُ أبِي زَيْدٍ والعِلْمُ دَلِيلٌ عَلى الخَيْراتِ وقائِدٌ إلَيْها، وأقْرَبُ العُلَماءِ إلى اللَّهِ أوْلاهم بِهِ وأكْثَرُهم لَهُ خَشْيَةً وفِيما عِنْدَهُ رَغْبَةً.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ تَكْمِيلٌ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِغْناءِ اللَّهِ تَعالى عَنْ إيمانِ المُشْرِكِينَ ولَكِنَّهُ يُرِيدُ لَهُمُ الخَيْرَ. ولَمّا كانَ في هَذا الوَصْفِ ضَرْبٌ مِنَ الإعْراضِ عَنْهم مِمّا قَدْ يُحْدِثُ يَأْسًا في نُفُوسِ المُقارِبِينَ مِنهم، أُلِّفَتْ قُلُوبُهم بِاتِّباعِ وصْفِ ”عَزِيزٌ“، بِوَصْفِ ”غَفُورٌ“ أيْ فَهو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنهم إنْ تابُوا إلى ما دَعاهُمُ اللَّهُ إلَيْهِ عَلى أنَّ في صِفَةِ ”غَفُورٌ“ حَظًّا عَظِيمًا لِأحَدِ طَرَفَيِ القَصْرِ وهو العُلَماءُ، أيْ غَفُورٌ لَهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском