Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Fatir 35:29–33
35:29–30Page 437
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ يَرۡجُونَ تِجَٰرَةٗ لَّن تَبُورَ ٢٩
Indeed, those who recite the Book of Allāh and establish prayer and spend [in His cause] out of what We have provided them, secretly and publicly, [can] expect a transaction [i.e., profit] that will never perish -
لِيُوَفِّيَهُمۡ أُجُورَهُمۡ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ غَفُورٞ شَكُورٞ ٣٠
That He may give them in full their rewards and increase for them of His bounty. Indeed, He is Forgiving and Appreciative.1
﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ ﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾
اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ جُمْلَةِ ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨] الآيَةَ، فالَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ هُمُ المُرادُ بِالعُلَماءِ، وقَدْ تُخُلِّصَ إلى بَيانِ فَوْزِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الذِّكْرَ وخَشَوُا الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ فَإنَّ حالَهم مُضادٌّ لِحالِ الَّذِينَ لَمْ يَسْمَعُوا القُرْآنَ، وكانُوا عِنْدَ تَذْكِيرِهِمْ بِهِ كَحالِ أهْلِ القُبُورِ لا يَسْمَعُونَ شَيْئًا. فَبَعْدَ أنْ أثْنى عَلَيْهِمْ ثَناءً إجْمالِيًّا بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وأجْمَلَ حُسْنَ جَزائِهِمْ بِذِكْرِ
صفحة ٣٠٦
صِفَةِ ”غَفُورٌ“ ولِذَلِكَ خُتِمَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ فُصِّلَ ذَلِكَ الثَّناءُ وذُكِرَتْ آثارُهُ ومَنافِعُهُ.
فالمُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ﴾ المُؤْمِنُونَ بِهِ لِأنَّهُمُ اشْتُهِرُوا بِذَلِكَ وعُرِفُوا بِهِ وهُمُ المُرادُ بِالعُلَماءِ. قالَ تَعالى ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]، وهو أيْضًا كِنايَةٌ عَنْ إيمانِهِمْ لِأنَّهُ لا يَتْلُو الكِتابَ إلّا مَن صَدَّقَ بِهِ وتَلَقّاهُ بِاعْتِناءٍ. وتَضَمَّنَ هَذا أنَّهم يَكْتَسِبُونَ مِنَ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ مِنَ العَقائِدِ والأخْلاقِ والتَّكالِيفِ، فَقَدْ أشْعَرَ الفِعْلُ المُضارِعُ بِتَجَدُّدِ تِلاوَتِهِمْ فَإنَّ نُزُولَ القُرْآنِ مُتَجَدِّدٌ فَكُلَّما نَزَلَ مِنهُ مِقْدارٌ تَلَقَّوْهُ وتَدارَسُوهُ.
وكِتابُ اللَّهِ القُرْآنُ، وعَدَلَ عَنِ اسْمِهِ العَلَمِ إلى اسْمِ الجِنْسِ المُضافِ لِاسْمِ الجَلالَةِ لِما في إضافَتِهِ مِن تَعْظِيمِ شَأْنِهِ.
وأتْبَعَ ما هو عَلامَةُ قَبُولِ الإيمانِ والعِلْمِ بِهِ بِعَلامَةٍ أُخْرى وهي إقامَةُ الصَّلاةِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣] فَإنَّها أعْظَمُ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ، ثُمَّ أُتْبِعَتْ بِعَمَلٍ عَظِيمٍ مِنَ الأعْمالِ في المالِ وهي الإنْفاقُ، والمُرادُ بِالإنْفاقِ حَيْثُما أُطْلِقَ في القُرْآنِ هو الصَّدَقاتُ واجِبُها ومُسْتَحَبُّها، وما ورَدَ الإنْفاقُ في السُّوَرِ المَكِّيَّةِ إلّا والمُرادُ بِهِ الصَّدَقاتُ المُسْتَحَبَّةُ إذْ لَمْ تَكُنِ الزَّكاةُ قَدْ فُرِضَتْ أيّامَئِذٍ، عَلى أنَّهُ قَدْ تَكُونُ الصَّدَقَةُ مَفْرُوضَةً دُونَ نُصُبٍ ولا تَحْدِيدٍ ثُمَّ حُدِّدَتْ بِالنُّصُبِ والمَقادِيرِ.
وجِيءَ في جانِبِ إقامَةِ الصَّلاةِ والإنْفاقِ بِفِعْلِ المُضِيِّ لِأنَّ فَرْضَ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ قَدْ تَقَرَّرَ وعَمِلُوا بِهِ فَلا تَجَدُّدَ فِيهِ، وامْتِثالُ الَّذِي كُلِّفُوا يَقْتَضِي أنَّهم مُداوِمُونَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ ﴿مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ إدْماجٌ لِلِامْتِنانِ وإيماءٌ إلى أنَّهُ إنْفاقُ شُكْرٍ عَلى نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالرِّزْقِ فَهم يُعْطُونَ مِنهُ أهْلَ الحاجَةِ. ووَقَعَ الِالتِفاتُ مِنَ الغَيْبَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿كِتابَ اللَّهِ﴾ إلى التَّكَلُّمِ في قَوْلِهِ ﴿مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِلِامْتِنانِ.
صفحة ٢٠٧
وانْتَصَبَ ﴿سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ عَلى الصِّفَةِ لِمَصْدَرِ ”أنْفَقُوا“ مَحْذُوفٍ، أيْ إنْفاقَ سِرٍّ وإنْفاقَ عَلانِيَةٍ والمَصْدَرُ مُبَيِّنٌ لِلنَّوْعِ.
والمَعْنى: أنَّهم لا يُرِيدُونَ مِنَ الإنْفاقِ إلّا مَرْضاةَ اللَّهِ تَعالى لا يُراءُونَ بِهِ، فَهم يُنْفِقُونَ حَيْثُ لا يَراهم أحَدٌ ويُنْفِقُونَ بِمَرْأًى مِنَ النّاسِ فَلا يَصُدُّهم مُشاهَدَةُ النّاسِ عَنِ الإنْفاقِ.
وفِي تَقْدِيمِ السِّرِّ إشارَةٌ إلى أنَّهُ أفْضَلُ لِانْقِطاعِ شائِبَةِ الرِّياءِ مِنهُ، وذِكْرُ العَلانِيَةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم لا يَصُدُّهم مَرْأى المُشْرِكِينَ عَنِ الإنْفاقِ فَهم قَدْ أعْلَنُوا بِالإيمانِ وشَرائِعِهِ حُبَّ مَن حَبَّ أوْ كُرْهَ مَن كَرِهَ.
و﴿يَرْجُونَ تِجارَةً﴾ هو خَبَرُ ”إنَّ“ .
والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في إنْشاءِ التَّبْشِيرِ كَأنَّهُ قِيلَ: لِيَرْجُوا تِجارَةً، وزادَهُ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ ﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهُمْ﴾ قَرِينَةً عَلى إرادَةِ التَّبْشِيرِ.
والتِّجارَةُ مُسْتَعارَةٌ لِأعْمالِهِمْ مِن تِلاوَةٍ وصَلاةٍ وإنْفاقٍ.
ووَجْهُ الشَّبَهِ مُشابَهَةُ تَرَتُّبِ الثَّوابِ عَلى أعْمالِهِمْ بِتَرَتُّبِ الرِّبْحِ عَلى التِّجارَةِ.
والمَعْنى: لِيَرْجُوا أنْ تَكُونَ أعْمالُهم كَتِجارَةٍ رابِحَةٍ.
والبَوارُ: الهَلاكُ. وهَلاكُ التِّجارَةِ: خَسارَةُ التّاجِرِ. فَمَعْنى ﴿لَنْ تَبُورَ﴾ أنَّها رابِحَةٌ. و﴿لَنْ تَبُورَ﴾ صِفَةُ تِجارَةً، والمَعْنى: أنَّهم يَرْجُونَ عَدَمَ بَوارِ التِّجارَةِ.
فالصِّفَةُ مَناطُ التَّبْشِيرِ والرَّجاءِ لا أصْلُ التِّجارَةِ؛ لِأنَّ مُشابَهَةَ العَمَلِ الفَظِيعِ لِعَمَلِ التّاجِرِ شَيْءٌ مَعْلُومٌ.
و”لِيُوَفِّيَهم“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يَرْجُونَ“، أيْ بَشَّرْناهم بِذَلِكَ وقَدَّرْناهُ لَهم لِنُوَفِّيَهم أُجُورَهم ووَقَعَ الِالتِفاتُ مِنَ التَّكَلُّمِ في قَوْلِهِ ﴿مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ إلى الغَيْبَةِ رُجُوعًا إلى سِياقِ الغَيْبَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ﴾ أيْ لِيُوَفِّيَ اللَّهُ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَهُ.
والتَّوْفِيَةُ: جَعْلُ الشَّيْءِ وافِيًا، أيْ تامًّا لا نَقِيصَةَ فِيهِ ولا غَبْنَ.
وأسْجَلَ عَلَيْهِمُ الفَضْلَ بِأنَّهُ يَزِيدُهم عَلى ما تَسْتَحِقُّهُ أعْمالُهم ثَوابًا مِن فَضْلِهِ
صفحة ٣٠٨
أيْ كَرَمِهِ، وهو مُضاعَفَةُ الحَسَناتِ الوارِدَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] الآيَةَ.
وذُيِّلَ هَذا الوَعْدُ بِما يُحَقِّقُهُ وهو أنَّ الغُفْرانَ والشُّكْرانَ مِن شَأْنِهِ، فَإنَّ مِن صِفاتِهِ الغَفُورَ الشَّكُورَ، أيِ الكَثِيرَ المَغْفِرَةِ والشَّدِيدَ الشُّكْرِ.
فالمَغْفِرَةُ تَأْتِي عَلى تَقْصِيرِ العِبادِ المُطِيعِينَ، فَإنَّ طاعَةَ اللَّهِ الحَقَّ الَّتِي هي بِالقَلْبِ والعَمَلِ والخَواطِرِ لا يَبْلُغُ حَقَّ الوَفاءِ بِها إلّا المَعْصُومُ ولَكِنَّ اللَّهَ تَجاوَزَ عَنِ الأُمَّةِ فِيما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها، وفِيما هَمَّتْ بِهِ ولَمْ تَفْعَلْهُ. وفي اللَّمَمِ، وفي مَحْوِ الذُّنُوبِ الماضِيَةِ بِالتَّوْبَةِ، والشُّكْرُ كِنايَةٌ عَنْ مُضاعَفَةِ الحَسَناتِ عَلى أعْمالِهِمْ فَهو يَشْكُرُ بِالعَمَلِ لِأنَّ الَّذِي يُجازِي عَلى عَمَلٍ عَمِلَهُ المَجْزِيُّ بِجَزاءٍ وافِرٍ يَدُلُّ جَزاؤُهُ عَلى أنَّهُ حَمِدَ لِلْفاعِلِ فِعْلَهُ.
وأُكِّدَ هَذا الخَبَرُ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ زِيادَةً في تَحْقِيقِهِ، ولِما في التَّأْكِيدِ مِنَ الإيذانِ بِكَوْنِ ذَلِكَ عِلَّةً لِتَوْفِيَةِ الأُجُورِ والزِّيادَةِ فِيها.
وفِي الآيَةِ ما يَشْمَلُ ثَوابَ قُرّاءِ القُرْآنِ، فَإنَّهم يَصْدُقُ عَنْهم أنَّهم مِنَ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ولَوْ لَمْ يُصاحِبْهُمُ التَّدَبُّرُ في القُرْآنِ فَإنَّ لِلتِّلاوَةِ حَظَّها مِنَ الثَّوابِ والتَّنَوُّرِ بِأنْوارِ كَلامِ اللَّهِ.
35:31Page 438
وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ هُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِۦ لَخَبِيرُۢ بَصِيرٞ ٣١
And that which We have revealed to you, [O Muḥammad], of the Book is the truth, confirming what was before it. Indeed Allāh, of His servants, is Aware and Seeing.
﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هو الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لَمّا كانَ المُبْدَأُ بِهِ مِن أسْبابِ ثَوابِ المُؤْمِنِينَ هو تِلاوَتُهم كِتابَ اللَّهِ أُعْقِبَ التَّنْوِيهُ بِهِمْ بِالتَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ لِلتَّذْكِيرِ بِذَلِكَ، ولِأنَّ في التَّذْكِيرِ بِجَلالِ القُرْآنِ وشَرَفِهِ إيماءً إلى عِلَّةِ اسْتِحْقاقِ الَّذِينَ يَتْلُونَهُ ما اسْتَحَقُّوا. وابْتُدِئَ التَّنْوِيهُ بِهِ بِأنَّهُ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ إلى رَسُولِهِ، وناهِيكَ بِهَذِهِ الصِّلَةِ تَنْوِيهًا بِالكِتابِ، وهو يَتَضَمَّنُ تَنْوِيهًا بِشَأْنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾، فَفي هَذِهِ مَسَرَّةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وبِشارَةٌ لَهُ بِأنَّهُ أفْضَلُ الرُّسُلِ وأنَّ كِتابَهُ أفْضَلُ الكُتُبِ.
صفحة ٣٠٩
وهَذِهِ نُكْتَةُ تَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِاسْمِ المَوْصُولِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ كَوْنِهِ الحَقَّ الكامِلَ، دُونَ الإضْمارِ الَّذِي هو مُقْتَضى الظّاهِرِ بِأنْ يُقالَ: وهو الكِتابُ الحَقُّ.
فالتَّعْرِيفُ في الكِتابِ تَعْرِيفُ العَهْدِ.
و”مِن“ بَيانِيَّةٌ لِما في المَوْصُولِ مِنَ الإبْهامِ، والتَّقْدِيرُ: والكِتابُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ هو الحَقُّ. فَقُدِّمَ المَوْصُولُ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يَقَعَ صِفَةً لِلْكِتابِ تَقْدِيمًا لِلتَّشْوِيقِ بِالإبْهامِ لِيَقَعَ بَعْدَهُ التَّفْصِيلُ فَيَتَمَكَّنَ مِنَ الذِّهْنِ فَضْلَ تَمَكُّنٍ.
فَجُمْلَةُ ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٢٩] فَهي مِثْلُها في حُكْمِ الِاسْتِئْنافِ. وضَمِيرُ ”هو“ ضَمِيرُ فَصْلٍ، وهو تَأْكِيدٌ لِما أفادَهُ تَعْرِيفُ المُسْنَدِ مِنَ القَصْرِ.
والتَّعْرِيفُ في ”الحَقِّ“ تَعْرِيفُ الجِنْسِ. وأفادَ تَعْرِيفُ الجُزْأيْنِ قَصْرَ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ، أيْ قَصْرَ جِنْسِ الحَقِّ عَلى ﴿الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾، وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِحَقِّيَّةِ ما عَداهُ مِنَ الكُتُبِ.
وأمّا الكُتُبُ غَيْرُ الإلَهِيَّةِ مِثْلُ (الزَّنْدِ فِسْتا) كِتابِ زِرادِشْتَ ومِثْلُ كُتُبِ الصّابِئَةِ فَلِأنَّ ما فِيها مِن قَلِيلِ الحَقِّ قَدْ غُمِرَ بِالباطِلِ والأوْهامِ.
وأمّا الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ وما تَضَمَّنَتْهُ كُتُبُ الأنْبِياءِ كالزَّبُورِ وكِتابِ أرْمِيا مِنَ الوَحْيِ الإلَهِيِّ، فَما شَهِدَ القُرْآنُ بِحَقِّيَّتِهِ فَقَدْ دَخَلَ في شَهادَةِ قَوْلِهِ ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، وما جاءَ نَسْخُهُ بِالقُرْآنِ فَقَدْ بَيَّنَ النَّسْخُ تَحْدِيدَ صَلاحِيَّتِهِ في القُرْآنِ. وذَلِكَ أيْضًا تَصْدِيقٌ لَها لِأنَّهُ يَدْفَعُ مَوْهِمَ بُطْلانِها عِنْدَ مَن يَجِدُ خِلافَها في القُرْآنِ، وما عَسى أنْ يَكُونَ قَدْ نُقِلَ عَلى تَحْرِيفٍ أوْ تَأْوِيلٍ فَقَدْ دَخَلَ فِيما أخْرَجَهُ القَصْرُ. وقَدْ بَيَّنَ القُرْآنُ مُعْظَمَهُ وكَشَفَ عَنْ مَواقِعِهِ كَقَوْلِهِ ﴿وهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] .
ومَعْنى ما بَيْنَ يَدَيْهِ ما سَبَقَهُ لِأنَّ السّابِقَ يَجِيءُ مُتَقَدِّمًا عَلى المَسْبُوقِ فَكَأنَّهُ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ هو إلّا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٤٦] .
صفحة ٣١٠
والمُرادُ بِما بَيْنَ يَدَيْهِ ما قَبْلَهُ مِنَ الشَّرائِعِ، وأهَمُّها شَرِيعَةُ مُوسى وشَرِيعَةُ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ.
وانْتَصَبَ مُصَدِّقًا عَلى الحالِ مِنَ الكِتابِ والعامِلُ في الحالِ فِعْلُ ”أوْحَيْنا“ لِيُفِيدَ أنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ حَقًّا بالِغًا في الحَقِّيَّةِ فَهو مُصَدِّقٌ لِلْكُتُبِ الحَقَّةِ، ومُقَرِّرٌ لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ.
* * *
﴿إنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾
تَذْيِيلٌ جامِعٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ الآياتُ قَبْلَهُ مِن تَفْضِيلِ بَعْضِ عِبادِ اللَّهِ عَلى بَعْضٍ ومِنِ انْطِواءِ ضَمائِرِهِمْ عَلى الخَشْيَةِ وعَدَمِها، وإقْبالِ بَعْضِهِمْ عَلى الطّاعاتِ وإعْراضِ بَعْضٍ، ومِن تَفْضِيلِ بَعْضِ كُتُبِ اللَّهِ عَلى بَعْضٍ المُقْتَضِي أيْضًا تَفْضِيلَ بَعْضِ المُرْسَلِينَ بِها عَلى بَعْضٍ، فَمَوْقِعُ قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ مَوْقِعُ إقْناعِ السّامِعِينَ بِأنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِعِبادِهِ وهو يُعامِلُهم بِحَسَبِ ما يَعْلَمُ مِنهم، ويَصْطَفِي مِنهم مَن عَلِمَ أنَّهُ خَلَقَهُ كُفْئًا لِاصْطِفائِهِ، فَألْقَمَ بِهَذا الَّذِينَ قالُوا ﴿أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ [ص: ٨] حَجَرًا، وكَأُولَئِكَ أيْضًا الَّذِينَ يُنْكِرُونَ القُرْآنَ مِن أهْلِ الكِتابِ بِعِلَّةِ أنَّهُ جاءَ مُبْطِلًا لِكِتابِهِمْ.
والخَبِيرُ: العالِمُ بِدَقائِقِ الأُمُورِ المَعْقُولَةِ والمَحْسُوسَةِ والظّاهِرَةِ والخَفِيَّةِ.
والبَصِيرُ: العالِمُ بِالأُمُورِ المُبْصَرَةِ. وتَقْدِيمُ ”الخَبِيرُ“ عَلى ”البَصِيرُ“ لِأنَّهُ أشْمَلُ. وذِكْرُ ”البَصِيرُ“ عَقِبَهُ لِلْعِنايَةِ بِالأعْمالِ الَّتِي هي مِنَ المُبْصَراتِ وهي غالِبُ شَرائِعِ الإسْلامِ، وقَدْ تَكَرَّرَ إرْدافُ الخَبِيرِ بِالبَصِيرِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ.
والتَّأْكِيدُ بِـ ”إنَّ“ واللّامِ لِلِاهْتِمامِ بِالمَقْصُودِ مِن هَذا الخَبَرِ.
35:32Page 438
ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَيۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَيۡرَٰتِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ ٣٢
Then We caused to inherit the Book those We have chosen of Our servants;1 and among them is he who wrongs himself [i.e., sins], and among them is he who is moderate, and among them is he who is foremost in good deeds by permission of Allāh. That [inheritance] is what is the great bounty.
﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾
”ثُمَّ“ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتَبِيِّ كَما هو شَأْنُها في عَطْفِها الجُمَلَ فَهي هُنا لِعَطْفِ الجُمَلِ
صفحة ٣١١
عَطْفًا ذِكْرِيًّا، فالمُتَعاطِفاتُ بِها بِمَنزِلَةِ المُسْتَأْنَفاتِ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ كالمُسْتَأْنَفَةِ، و”ثُمَّ“ لِلتَّرَقِّي في الِاسْتِئْنافِ. وهَذا ارْتِقاءٌ في التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ المُتَضَمِّنِ التَّنْوِيهَ بِالرَّسُولِ ﷺ وعُرُوجٌ في مَسَرَّتِهِ وتَبْشِيرِهِ، فَبَعْدَ أنْ ذُكِّرَ بِفَضِيلَةِ كِتابِهِ وهو أمْرٌ قَدْ تَقَرَّرَ لَدَيْهِ زِيدَ تَبْشِيرًا بِدَوامِ كِتابِهِ وإيتائِهِ أُمَّةً هُمُ المُصْطَفَوْنَ مِن عِبادِ اللَّهِ تَعالى، وتَبْشِيرِهِ بِأنَّهم يَعْمَلُونَ بِهِ ولا يَتْرُكُونَهُ كَما تَرَكَ أُمَمٌ مِن قَبْلِهِ كُتُبَهم ورُسُلَهم، لِقَوْلِهِ ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ الآيَةَ، فَهَذِهِ البِشارَةُ أهَمُّ عِنْدَ النَّبِيءِ ﷺ مِنَ الإخْبارِ بِأنَّ القُرْآنَ حَقٌّ مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، لِأنَّ هَذِهِ البِشارَةَ لَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً عِنْدَهُ فَوَقْعُها أهَمُّ.
وحَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ”ثُمَّ“ هُنا عَلى التَّراخِي الزَّمَنِيِّ فاحْتاجَ إلى تَكَلُّفٍ في إقامَةِ المَعْنى.
والمُرادُ بِـ ”الكِتابِ“ الكِتابُ المَعْهُودُ وهو الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ﴾ [فاطر: ٣١] أيِ القُرْآنِ.
و”أوْرَثْنا“ جَعَلْنا وارِثِينَ. يُقالُ: ورِثَ، إذا صارَ إلَيْهِ مالُ مَيِّتٍ قَرِيبٍ. ويَسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الكَسْبِ عَنْ غَيْرِ اكْتِسابٍ ولا عِوَضٍ، فَيَكُونُ مَعْناهُ: جَعَلْناهم آخِذِينَ الكِتابَ مِنّا، أوْ نَجْعَلُ الإيراثَ مُسْتَعْمَلًا في الأمْرِ بِالتَّلَقِّي، أيْ أمَرْنا المُسْلِمِينَ بِأنْ يَرِثُوا القُرْآنَ، أيْ يَتَلَقَّوْهُ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ، وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَفي الإيراثِ مَعْنى الإعْطاءِ فَيَكُونُ فِعْلُ ”أوْرَثْنا“ حَقِيقًا بِأنْ يَنْصِبَ مَفْعُولَيْنِ. وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَكُونَ أحَدُ المَفْعُولَيْنِ الَّذِي هو الآخِذُ في المَعْنى هو المَفْعُولَ الأوَّلَ والآخَرُ ثانِيًا، وإنَّما خُولِفَ هُنا فَقُدِّمَ المَفْعُولُ الثّانِي لِأمْنِ اللَّبْسِ قَصْدًا لِلِاهْتِمامِ بِالكِتابِ المُعْطى. وأمّا التَّنْوِيهُ بِآخِذِي الكِتابِ فَقَدْ حَصَلَ مِنَ الصِّلَةِ.
والمُرادُ بِالَّذِينِ اصْطَفاهُمُ اللَّهُ: المُؤْمِنُونَ كَما قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] إلى قَوْلِهِ ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ [الحج: ٧٨]، وقَدِ اخْتارَ اللَّهُ لِلْإيمانِ والإسْلامِ أفْضَلَ أُمَّةٍ مِنَ النّاسِ، وقَدْ رُوِيَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ تُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى في مُسْنَدِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وغَيْرِهِ ذَكَرَها ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ.
ولَمّا أُرِيدَ تَعْمِيمُ البِشارَةِ مَعَ بَيانِ أنَّهم مَراتِبُ فِيما بُشِّرُوا بِهِ جِيءَ بِالتَّفْرِيعِ في قَوْلِهِ ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ إلى آخِرِهِ، فَهو تَفْصِيلٌ لِمَراتِبِ المُصْطَفَيْنَ لِتَشْمَلَ البِشارَةُ
صفحة ٣١٢
جَمِيعَ أصْنافِهِمْ ولا يُظَنَّ أنَّ الظّالِمَ لِنَفْسِهِ مَحْرُومٌ مِنها، فَمَناطُ الِاصْطِفاءِ هو الإيمانُ والإسْلامُ وهو الِانْقِيادُ بِالقَوْلِ والِاسْتِسْلامُ.
وقُدِّمَ في التَّفْصِيلِ ذِكْرُ الظّالِمِ لِنَفْسِهِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ حِرْمانِهِ مِنَ الجَنَّةِ وتَعْجِيلًا لِمَسَرَّتِهِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ الَخْ تَفْصِيلٌ لِأحْوالِ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ أيْ أُعْطَوُا القُرْآنَ. وضَمِيرُ ”مِنهُمُ“ الأظْهَرُ أنَّهُ عائِدٌ إلى ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنا﴾، وذَلِكَ قَوْلُ الحَسَنِ، وعَلَيْهِ فالظّالِمُ لِنَفْسِهِ مِنَ المُصْطَفَيْنَ. وقِيلَ هو عائِدٌ إلى عِبادِنا أيْ ومِن عِبادِنا عَلى الإطْلاقِ. وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ، وعَلَيْهِ فالظّالِمُ لِنَفْسِهِ هو الكافِرُ. ويَسْرِي أثَرُ هَذا الخِلافِ في مَحْمَلِ ضَمِيرِ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ [فاطر: ٣٣] ولِذَلِكَ يَكُونُ قَوْلُ الحَسَنِ جارِيًا عَلى وِفاقِ ما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وعُثْمانَ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي الدَّرْداءِ وعُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو وما هو مَرْوِيٌّ عَنْ عائِشَةَ وهو الرّاجِحُ.
والظّالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ هُمُ الَّذِينَ يَجُرُّونَ أنْفُسَهم إلى ارْتِكابِ المَعْصِيَةِ فَإنَّ مَعْصِيَةَ المَرْءِ رَبَّهُ ظُلْمٌ لِنَفْسِهِ لِأنَّهُ يُوَرِّطُها في العُقُوبَةِ المُعَيَّنَةِ لِلْمَعاصِي عَلى تَفْصِيلِها وذَلِكَ ظُلْمٌ لِلنَّفْسِ لِأنَّهُ اعْتِداءٌ عَلَيْها إذْ قَصَّرَ بِها عَنْ شَيْءٍ مِنَ الخَيِّراتِ قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ، ووَرَّطَها فِيما تَجِدُ جَزاءَ ذَمِيمِها عَلَيْهِ. قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ آدَمَ وحَوّاءَ حِينَ خالَفا ما نُهِيا عَنْهُ مِن أكْلِ الشَّجَرَةِ ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعراف: ٢٣] وقالَ ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] وقالَ ﴿إلّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النمل: ١١] في سُورَةِ (النَّمْلِ)، وقالَ ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] في سُورَةِ الزُّمَرِ.
واللّامُ في ”لِنَفْسِهِ“ لامُ التَّقْوِيَةِ لِأنَّ العامِلَ فَرْعٌ في العَمَلِ إذْ هو اسْمُ فاعِلٍ.
والمُقْتَصِدُ: هو غَيْرُ الظّالِمِ نَفْسَهُ كَما تَقْتَضِيهِ المُقابَلَةُ، فَهُمُ الَّذِينَ اتَّقَوُا الكِبارَ ولَمْ يَحْرِمُوا أنْفُسَهم مِنَ الخَيْراتِ المَأْمُورِ بِها وقَدْ يُلِمُّونَ بِاللَّمَمِ المَعْفُوِّ عَنْهُ مِنَ اللَّهِ، ولَمْ يَأْتُوا بِمُنْتَهى القُرُباتِ الرّافِعَةِ لِلدَّرَجاتِ، فالِاقْتِصادُ افْتِعالٌ مِنَ القَصْدِ وهو ارْتِكابُ
صفحة ٣١٣
القَصْدِ وهو الوَسَطُ بَيْنَ طَرَفَيْنِ يُبَيِّنُهُ المَقامُ، فَلَمّا ذُكِرَ هُنا في مُقابَلَةِ الظّالِمِ والسّابِقِ عُلِمَ أنَّهُ مُرْتَكِبٌ حالَةً بَيْنِ تَيْنِكَ الحالَتَيْنِ فَهو لَيْسَ بِظالِمٍ لِنَفْسِهِ ولَيْسَ بِسابِقٍ.
والسّابِقُ أصْلُهُ: الواصِلُ إلى غايَةٍ مُعَيَّنَةٍ قَبْلَ غَيْرِهِ مِنَ الماشِينَ إلَيْها. وهو هُنا مَجازٌ لِإحْرازِ الفَضْلِ لِأنَّ السّابِقَ يُحْرِزُ السَّبَقَ ”بِفَتْحِ الباءِ“، أوْ مَجازٌ في بَذْلِ العِنايَةِ لِنَوالِ رِضى اللَّهِ، وعَلى الِاعْتِبارَيْنِ في المَجازِ فَهو مُكَنًّى عَنِ الإكْثارِ مِنَ الخَيْرِ لِأنَّ السَّبْقَ يَسْتَلْزِمُ إسْراعَ الخُطُواتِ، والإسْراعُ إكْثارٌ. وفي هَذا السَّبْقِ تَفاوُتٌ أيْضًا كَخَيْلِ الحَلَبَةِ.
والخَيْراتُ: جَمْعُ خَيْرٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، والخَيْرُ: النّافِعُ. والمُرادُ بِها هُنا الطّاعاتُ لِأنَّها أعْمالٌ صالِحَةٌ نافِعَةٌ لِعامِلِها ولِلنّاسِ بِآثارِها.
والباءُ لِلظَّرْفِيَّةِ، أيْ في الخَيْراتِ كَقَوْلِهِ ﴿يُسارِعُونَ في الإثْمِ والعُدْوانِ﴾ [المائدة: ٦٢] .
وفِي ذِكْرِ الخَيْراتِ في القِسْمِ الآخَرِ دَلالَةٌ عَلى أنَّها مُرادَةٌ في القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ فَيُؤَوَّلُ إلى مَعْنى ظالِمٍ لِنَفْسِهِ في الخَيْراتِ ومُقْتَصِدٍ في الخَيْراتِ أيْضًا، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ مَعْنى ﴿ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ أنَّهُ ناقِصُها مِنَ الخَيْراتِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] أيْ لَمْ تَنْقُصْ عَنْ مُعْتادِها في الإثْمارِ في سُورَةِ الكَهْفِ.
والإذْنُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّيْسِيرِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ”سابِقٌ“، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ الأمْرَ لِأنَّ اللَّهَ أمَرَ النّاسَ كُلَّهم بِفِعْلِ الخَيْرِ سَواءٌ مِنهم مَن أتى بِهِ ومَن قَصَّرَ فِيهِ.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الباءَ لِلْمُلابَسَةِ وتَجْعَلَها ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا في مَوْضِعِ الحالِ مِن ”سابِقٌ“ أيْ مُتَلَبِّسًا بِإذْنِ اللَّهِ، ويَكُونُ الإذْنُ مَصْدَرًا بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ سابِقٌ مَلابِسٌ لِما أذِنَ اللَّهُ بِهِ، أيْ لَمْ يُخالِفْهُ.
وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ هو تَنْوِيهٌ بِالسّابِقِينَ بِأنَّ سَبْقَهم كانَ بِعَوْنٍ مِنَ اللَّهِ وتَيْسِيرٍ مِنهُ.
وفِيما رَأيْتَ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثِ في الآيَةِ المَأْخُوذِ مِن كَلامِ الأئِمَّةِ
صفحة ٣١٤
مَعَ ضَمِيمَةٍ لا بُدَّ مِنها. تَسْتَغْنِي عَنِ التِّيهِ في مَهامِّهِ أقْوالٌ كَثِيرَةٌ في تَفْسِيرِها تَجاوَزَتِ الأرْبَعِينَ قَوْلًا.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ إلى الِاصْطِفاءِ المَفْهُومِ مِنِ ﴿اصْطَفَيْنا﴾ أوْ إلى المَذْكُورِ مِن الِاصْطِفاءِ وإيراثِ الكِتابِ.
والفَضْلُ: الزِّيادَةُ في الخَيْرِ، والكَبِيرُ مُرادٌ بِهِ ذُو العِظَمِ المَعْنَوِيِّ وهو الشَّرَفُ وهو فَضْلُ الخُرُوجِ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ والإسْلامِ. وهَذا الفَضْلُ مَراتِبُ في الشَّرَفِ كَما أشارَ إلَيْهِ تَقْسِيمُ أصْحابِهِ إلى: ظالِمٍ، ومُقْتَصِدٍ، وسابِقٍ. وضَمِيرُ الفَصْلِ لِتَأْكِيدِ القَصْرِ الحاصِلِ مِن تَعْرِيفِ الجُزْأيْنِ، وهو حَقِيقِيٌّ لِأنَّ الفَضْلَ الكَبِيرَ مُنْحَصِرٌ في المُشارِ إلَيْهِ بِذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ فَضْلٍ هو غَيْرُ كَبِيرٍ إلّا ذَلِكَ الفَضْلَ.
ووَجْهُ هَذا الِانْحِصارِ أنَّ هَذا الِاصْطِفاءَ وإيراثَ الكِتابِ جَمَعَ فَضِيلَةَ الدُّنْيا وفَضْلَ الآخِرَةِ قالَ تَعالى ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، وقالَ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا﴾ [النور: ٥٥] .
35:33Page 438
جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَلُؤۡلُؤٗاۖ وَلِبَاسُهُمۡ فِيهَا حَرِيرٞ ٣٣
[For them are] gardens of perpetual residence which they will enter. They will be adorned therein with bracelets of gold and pearls, and their garments therein will be silk.
﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾
الأظْهَرُ أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢] فَإنَّ مِما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الفَضْلُ دُخُولَهُمُ الجَنَّةَ كَما عَلِمْتَ، وتَخْصِيصُ هَذا الفَضْلِ مِن بَيْنِ أصْنافِهِ لِأنَّهُ أعْظَمُ الفَضْلِ ولِأنَّهُ أمارَةٌ عَلى رِضْوانِ اللَّهِ عَنْهم حِينَ إدْخالِهِمُ الجَنَّةَ، ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِبَيانِ الفَضْلِ الكَبِيرِ وقَدْ بُيِّنَ بِأعْظَمِ أصْنافِهِ. والمَعْنى واحِدٌ.
وضَمِيرُ الجَماعَةِ في ”يَدْخُلُونَها“ راجِعٌ إلى ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنا﴾ [فاطر: ٣٢] المُقَسَّمِ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: ظالِمٍ، ومُقْتَصِدٍ، وسابِقٍ، أيْ هَؤُلاءِ كُلُّهم يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ لِأنَّ
صفحة ٣١٥
المُؤْمِنِينَ كُلَّهم مَآلُهُمُ الجَنَّةُ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الأخْبارُ الَّتِي تَكاثَرَتْ. وقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ فِيهِ مَجْهُولانِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢] قالَ: هَؤُلاءِ كُلُّهم بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ وكُلُّهم في الجَنَّةِ» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن هَذا الوَجْهِ. قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ في العارِضَةِ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ هَذِهِ الأصْنافَ الثَّلاثَةَ هُمُ الَّذِينَ في سُورَةِ الواقِعَةِ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ، والسّابِقُونَ. وهَذا فاسِدٌ لِأنَّ أصْحابَ المَشْأمَةِ في النّارِ الحامِيَةِ، وأصْحابَ سُورَةِ فاطِرٍ في جَنَّةٍ عالِيَةٍ لِأنَّ اللَّهَ ذَكَرَهم بَيْنَ فاتِحَةٍ وخاتِمَةٍ؛ فَأمّا الفاتِحَةُ فَهي قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ [فاطر: ٣٢] فَجَعَلَهم مُصْطَفَيْنَ. ثُمَّ قالَ في آخِرِهِمْ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ ولا يُصْطَفى إلّا مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ، ولَكِنَّ مِن أهْلِ الجَنَّةِ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ فَقالَ ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢] وهو العاصِي والظّالِمُ المُطْلَقُ هو الكافِرُ، وقِيلَ عَنْهُ: الظّالِمُ لِنَفْسِهِ رِفْقًا بِهِ، وقِيلَ لِلْآخَرِ السّابِقِ بِإذْنِ اللَّهِ إنْباءً أنَّ ذَلِكَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ لا مِن حالِ العَبْدِ اهـ.
وفِي الإخْبارِ بِالمُسْنَدِ الفِعْلِيِّ عَنِ المُسْنَدِ إلَيْهِ إفادَةٌ تُقَوِّي الحُكْمَ، وصَوْغُ الفِعْلِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِأنَّهُ مُسْتَقْبِلٌ، وكَذَلِكَ صَوْغُ ”يُحَلَّوْنَ“ وهو خَبَرٌ ثانٍ عَنْ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾، وتَقَدَّمَ نَظِيرُها في سُورَةِ الحَجِّ فانْظُرْهُ.
وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ ”ولُؤْلُؤًا“ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ”أساوِرَ“ لِأنَّهُ لَمّا جُرَّ بِحَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ كانَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِفِعْلِ ”يُحَلَّوْنَ“ فَجازَ في المَعْطُوفِ أنْ يُنْصَبَ عَلى مُراعاةِ مَحَلِّ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِالجَرِّ عَلى مُراعاةِ اللَّفْظِ، وهُما وجْهانِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences