Ibn 'AshurFatir · 35:34–39

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Fatir 35:34–39

35:34–35Page 438

وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَذۡهَبَ عَنَّا ٱلۡحَزَنَۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٞ شَكُورٌ ٣٤

And they will say, "Praise to Allāh, who has removed from us [all] sorrow. Indeed, our Lord is Forgiving and Appreciative -

ٱلَّذِيٓ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلۡمُقَامَةِ مِن فَضۡلِهِۦ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٞ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٞ ٣٥

He who has settled us in the home of duration [i.e., Paradise] out of His bounty. There touches us not in it any fatigue, and there touches us not in it weariness [of mind]."

﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ الأظْهَرُ أنَّ جُمْلَةَ ”وقالُوا“ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”يُحَلَّوْنَ“ لِئَلّا يَلْزَمَ تَأْوِيلُ

صفحة ٣١٦

الماضِي بِتَحْقِيقِ الوُقُوعِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ في قَوْلِهِ ”يَدْخُلُونَها“، وتِلْكَ المَقالَةُ مُقارِنَةٌ لِلتَّحْلِيَةِ واللِّباسِ، وهو كَلامٌ يَجْرِي بَيْنَهم ساعَتَئِذٍ لِإنْشاءِ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ عَلى ما خَوَّلَهم مِن دُخُولِ الجَنَّةِ، ولِما فِيهِ مِنَ الكَرامَةِ.

وإذْهابُ الحَزَنِ مَجازٌ في الإنْجاءِ مِنهُ فَتَصْدُقُ بِإزالَتِهِ بَعْدَ حُصُولِهِ ويَصْدُقُ بِعَدَمِ حُصُولِهِ.

والحَزَنُ: الأسَفُ. والمُرادُ: أنَّهم لَمّا أُعْطَوْا ما أُعْطَوْهُ زالَ عَنْهم ما كانُوا فِيهِ قَبْلُ مِن هَوْلِ المَوْقِفِ ومِن خَشْيَةِ العِقابِ بِالنِّسْبَةِ لِلسّابِقِينَ والمُقْتَصِدِينَ ومِمّا كانُوا فِيهِ مِن عِقابٍ بِالنِّسْبَةِ لِظالِمِي أنْفُسِهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ اسْتِئْنافُ ثَناءٍ عَلى اللَّهِ شَكَرُوا بِهِ نِعْمَةَ السَّلامَةِ أثْنَوْا عَلَيْهِ بِالمَغْفِرَةِ لِما تَجاوَزَ عَمّا اقْتَرَفُوهُ مِنَ اللَّمَمِ وحَدِيثِ الأنْفُسِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا تَجاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُقْتَصِدِينَ والسّابِقِينَ، ولِما تَجاوَزَ عَنْهُ مِن تَطْوِيلِ العَذابِ وقَبُولِ الشَّفاعَةِ بِالنِّسْبَةِ لِمُخْتَلَفِ أحْوالِ الظّالِمِينَ أنْفُسَهم وأثْنَوْا عَلى اللَّهِ بِأنَّهُ ”شَكُورٌ“ لِما رَأوْا مِن إفاضَتِهِ الخَيْراتِ عَلَيْهِمْ ومُضاعَفَةِ الحَسَناتِ مِمّا هو أكْثَرُ مِن صالِحاتِ أعْمالِهِمْ. وهَذا عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٠] .

والمُقامَةُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِن أقامَ بِالمَكانِ إذا قَطَنَهُ. والمُرادُ: دارُ الخُلُودِ. وانْتَصَبَ ﴿دارَ المُقامَةِ﴾ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِـ ﴿أحَلَّنا﴾ أيْ أسْكَنَنا.

و”مِن“ في قَوْلِهِ ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ٣٠] ابْتِدائِيَّةٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿دارَ المُقامَةِ﴾ .

والفَضْلُ: العَطاءُ، وهو أخُو التَّفَضُّلِ في أنَّهُ عَطاءٌ مِنهُ وكَرَمٌ.

ومِن فَضْلِ اللَّهِ أنْ جَعَلَ لَهُمُ الجَنَّةَ جَزاءً عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ لِأنَّهُ لَوْ شاءَ لَما جَعَلَ لِلصّالِحاتِ عَطاءً ولَكانَ جَزاؤُها مُجَرَّدَ السَّلامَةِ مِنَ العِقابِ، وكانَ أمْرُ مَن لَمْ يَسْتَحِقَّ الخُلُودَ في النّارِ كِفافًا، أيْ لا عِقابَ ولا ثَوابَ فَيَبْقى كالسَّوائِمِ، وإنَّما أرادُوا مِن هَذا تَمامَ الشُّكْرِ والمُبالَغَةَ في التَّأدُّبِ.

وجُمْلَةُ ﴿لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ.

صفحة ٣١٧

والمَسُّ: الإصابَةُ في ابْتِداءِ أمْرِها، والنَّصَبُ: التَّعَبُ مِن نَحْوِ شِدَّةِ حَرٍّ وشِدَّةِ بَرْدٍ. واللُّغُوبُ: الإعْياءُ مِن جَرّاءِ عَمَلٍ أوْ جَرْيٍ.

وإعادَةُ الفِعْلِ المَنفِيِّ في قَوْلِهِ ﴿ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ لِتَأْكِيدِ انْتِفاءِ المَسِّ.

35:36Page 438

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقۡضَىٰ عَلَيۡهِمۡ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُم مِّنۡ عَذَابِهَاۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي كُلَّ كَفُورٖ ٣٦

And for those who disbelieve will be the fire of Hell. [Death] is not decreed for them1 so they may die, nor will its torment be lightened for them. Thus do We recompense every ungrateful one.

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾

مُقابَلَةُ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ لِلَّذِينِ أُورِثُوا الكِتابَ بِذِكْرِ الكافِرِينَ يَزِيدُنا يَقِينًا بِأنَّ تِلْكَ الأقْسامَ أقْسامُ المُؤْمِنِينَ، ومُقابَلَةُ جَزاءِ الكافِرِينَ بِنارِ جَهَنَّمَ يُوَضِّحُ أنَّ الجَنَّةَ دارٌ لِلْأقْسامِ الثَّلاثَةِ عَلى تَفاوُتٍ في الزَّمانِ والمَكانِ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى في الكُفّارِ ﴿ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها﴾ إيماءٌ إلى أنَّ نارَ عِقابِ المُؤْمِنِينَ خَفِيَّةٌ عَنْ نارِ المُشْرِكِينَ.

فَجُمْلَةُ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ [فاطر: ٣٣] .

ووَقَعَ الإخْبارُ عَنْ نارِ جَهَنَّمَ بِأنَّها ”لَهم“ بِلامِ الِاسْتِحْقاقِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها أُعِدَّتْ لِجَزاءِ أعْمالِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ وقَوْلِهِ ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، فَنارُ عِقابِ عُصاةِ المُؤْمِنِينَ نارٌ مُخالِفَةٌ أوْ أنَّها أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ.

وإنَّما دَخَلَ فِيها مَن أُدْخِلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم لِاقْتِرافِهِمُ الأعْمالَ السَّيِّئَةَ الَّتِي شَأْنُها أنْ تَكُونَ لِلْكافِرِينَ.

وقُدِّمَ المَجْرُورُ في ﴿لَهم نارُ جَهَنَّمَ﴾ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ حَتّى إذا سَمِعَهُ السّامِعُونَ تَمَكَّنَ مِن نُفُوسِهِمْ تَمامَ التَّمَكُّنِ.

وجُمْلَةُ ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿لَهم نارُ جَهَنَّمَ﴾، والقَضاءُ: حَقِيقَتُهُ الحُكْمُ، ومِنهُ قَضاءُ اللَّهِ حُكْمُهُ وما أوْجَدَهُ في مَخْلُوقاتِهِ. وقَدْ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى أماتَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، وهو هُنا مُحْتَمِلٌ

صفحة ٣١٨

لِلْحَقِيقَةِ، أيْ لا يُقَدِّرُ اللَّهُ مَوْتَهم، فَقَوْلُهُ فَيَمُوتُوا مُسَبَّبٌ عَلى القَضاءِ. والمَعْنى: لا يُقْضى عَلَيْهِمْ بِالمَوْتِ فَيَمُوتُوا، ومُحْتَمِلٌ لِلْمَجازِ وهو المَوْتُ. وتَفْرِيعُ فَيَمُوتُوا عَلى هَذا الوَجْهِ أنَّهم لا يَمُوتُونَ إلّا الإماتَةَ الَّتِي يَتَسَبَّبُ عَلَيْها المَوْتُ الحَقِيقِيُّ الَّذِي يَزُولُ عِنْدَهُ الإحْساسُ، فَيُفِيدُ أنَّهم يَمُوتُونَ مَوْتًا لَيْسَ فِيهِ مِنَ المَوْتِ إلّا آلامُهُ دُونَ راحَتِهِ، قالَ تَعالى ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] وقالَ تَعالى ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ [النساء: ٥٦] .

وضَمِيرُ ”عَذابِها“ عائِدٌ إلى جَهَنَّمَ لِيَشْمَلَ ما ورَدَ مِن أنَّ المُعَذَّبِينَ يُعَذَّبُونَ بِالنّارِ ويُعَذَّبُونَ بِالزَّمْهَرِيرِ وهو شِدَّةُ البَرْدِ وكُلُّ ذَلِكَ مِن عَذابِ جَهَنَّمَ.

ووَقَعَ كَذَلِكَ مَوْقِعَ المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِقَوْلِهِ ”نَجْزِي“ أيْ نَجْزِيهِمْ جَزاءً كَذَلِكَ الجَزاءِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ تَذْيِيلٌ. والكَفُورُ: الشَّدِيدُ الكُفْرِ، وهو المُشْرِكُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”نَجْزِي“ بِنُونِ العَظَمَةِ ونَصْبِ ”كُلَّ“، وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ ”يُجْزى“ بِياءِ الغائِبِ والبِناءِ لِلنّائِبِ ورَفْعِ ”كُلَّ“ .

35:37Page 438

وَهُمۡ يَصۡطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا غَيۡرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعۡمَلُۚ أَوَلَمۡ نُعَمِّرۡكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُۖ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ٣٧

And they will cry out therein, "Our Lord, remove us;1 we will do righteousness - other than what we were doing!" But did We not grant you life enough for whoever would remember therein to remember, and the warner had come to you? So taste [the punishment], for there is not for the wrongdoers any helper.

﴿وهم يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾

الضَّمِيرُ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَهم نارُ جَهَنَّمَ﴾ [فاطر: ٣٦] ولا تُجْعَلُ حالًا لِأنَّ التَّذْيِيلَ آذَنَ بِانْتِهاءِ الكَلامِ وبِاسْتِقْبالِ كَلامٍ جَدِيدٍ.

و﴿يَصْطَرِخُونَ﴾ مُبالَغَةٌ في ”يَصْرُخُونَ“ لِأنَّهُ افْتِعالٌ مِنَ الصُّراخِ وهو الصِّياحُ بِشِدَّةٍ وجُهْدٍ، فالِاصْطِراخُ مُبالَغَةٌ فِيهِ، أيْ يَصِيحُونَ مِن شِدَّةِ ما نابَهم.

وجُمْلَةُ ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿يَصْطَرِخُونَ﴾، يَحْسَبُونَ أنَّ رَفْعَ الأصْواتِ أقْرَبُ إلى عِلْمِ اللَّهِ بِنِدائِهِمْ وإظْهارِ عَدَمِ إطاقَةِ ما هم فِيهِ.

صفحة ٣١٩

وقَوْلُهم ﴿نَعْمَلْ صالِحًا﴾ وعْدٌ بِالتَّدارُكِ لِما فاتَهم مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ولَكِنَّها إنابَةٌ بَعْدَ إبانِها.

ولِإرادَةِ الوَعْدِ جُزِمَ ﴿نَعْمَلْ صالِحًا﴾ في جَوابِ الدُّعاءِ. والتَّقْدِيرُ: إنْ تُخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا.

و﴿غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ نَعْتٌ لِـ صالِحًا، أيْ عَمَلًا مُغايِرًا لِما كُنّا نَعْمَلُهُ في الدُّنْيا، وهَذا نَدامَةٌ عَلى ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ لِأنَّهم أيْقَنُوا بِفَسادِ عَمَلِهِمْ وضُرِّهِ فَإنَّ ذَلِكَ العالَمَ عالَمُ الحَقائِقِ.

* * *

﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾

الواوُ عاطِفَةٌ فِعْلَ قَوْلٍ مَحْذُوفًا لِعِلْمِهِ مِنَ السِّياقِ بِحَسَبِ الضَّمِيرِ في ﴿نُعَمِّرْكُمْ﴾ مَعْطُوفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿وهم يَصْطَرِخُونَ فِيها﴾ فَإنَّ صُراخَهم كَلامٌ مِنهم، والتَّقْدِيرُ: يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا ونَقُولُ ألَمْ نُعَمِّرْكم.

والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيعٌ لِلتَّوْبِيخِ، وجُعِلَ التَّقْرِيرُ عَلى النَّفْيِ تَوْطِئَةً لِيُنْكِرَهُ المُقَرَّرُ حَتّى إذا قالَ: بَلى عُلِمَ أنَّهُ لَمْ يَسَعْهُ الإنْكارُ إلَيْهِ حَتّى مَعَ تَمْهِيدِ وِطاءِ الإنْكارِ عَلَيْهِ.

والتَّعْمِيرُ: تَطْوِيلُ العُمُرِ. وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، مِنها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ ﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ﴾ [فاطر: ١١] في هَذِهِ السُّورَةِ.

و”ما“ ظَرْفِيَّةٌ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ زَمانَ تَعْمِيرِ مُعَمَّرٍ.

وجُمْلَةُ ﴿يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ صِفَةٌ لِـ ”ما“، أيْ زَمانًا كافِيًا بِامْتِدادِهِ لِلتَّذَكُّرِ والتَّبْصِيرِ.

والنَّذِيرُ: الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ . وجُمْلَةُ ﴿وجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ألَمْ نُعَمِّرْكم لِأنَّ مَعْناها الخَبَرُ

صفحة ٣٢٠

فَعُطِفَ عَلَيْها الخَبَرُ، عَلى أنَّ عَطْفَ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ جائِزٌ عَلى التَّحْقِيقِ وهو هُنا حَسَنٌ.

ووَصْفُ الرَّسُولِ بِالنَّذِيرِ لِأنَّ الأهَمَّ مِن شَأْنِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ هو النِّذارَةُ.

والفاءُ في فَذُوقُوا لِلتَّفْرِيعِ، وحَذْفُ مَفْعُولِ ”ذُوقُوا“ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ، أيْ ذُوقُوا العَذابَ.

والأمْرُ في قَوْلِهِ فَذُوقُوا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الدَّوامِ وهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الخَلاصِ مِنَ العَذابِ.

وقَوْلُهُ ﴿فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى ما سَبَقَ مِنَ الحِكايَةِ. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ الكَلامِ الَّذِي وبَّخَهُمُ اللَّهُ بِهِ فَهو تَذْيِيلُ لَهُ وتَفْرِيعٌ عَلَيْهِ لِتَأْيِيسِهِمْ مِنَ الخَلاصِ يَعْنِي: فَأيْنَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم أوْلِياؤُكم ونُصَراؤُكم فَما لَكم مَن نَصِيرٍ.

وعُدِلَ عَنْ ضَمِيرِ الخِطابِ أنْ يُقالَ: فَما لَكُمَ مِن نَصِيرٍ، إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ بِوَصْفِ الظّالِمِينَ لِإفادَةِ سَبَبِ انْتِفاءِ النَّصِيرِ عَنْهم، فَفي الكَلامِ إيجازٌ، أيْ لِأنَّكم ظالِمُونَ وما لِلظّالِمِينَ مَن نَصِيرٍ، فالمَقْصُودُ ابْتِداءُ نَفْيِ النَّصِيرِ عَنْهم ويَتْبَعُهُ التَّعْمِيمُ بِنَفْيِ النَّصِيرِ عَنْ كُلِّ مَن كانَ مِثْلَهم مِنَ المُشْرِكِينَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُسْتَقِلًّا مُفَرَّعًا عَلى القِصَّةِ ذُيِّلَتْ بِهِ لِلسّامِعِينَ مِن قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ﴾ [فاطر: ٣٦]، فَلَيْسَ فِيهِ عُدُولٌ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ لِأنَّ المَقْصُودَ إفادَةُ شُمُولِ هَذا الحُكْمِ لِكُلِّ ظالِمٍ فَيَدْخُلُ الَّذِينَ كَفَرُوا المُتَحَدَّثُ عَنْهم في العُمُومِ.

والظُّلْمُ: هو الِاعْتِداءُ عَلى حَقِّ صاحِبِ حَقٍّ، وأعْظَمُهُ الشِّرْكُ لِأنَّهُ اعْتِداءٌ عَلى اللَّهِ بِإنْكارِ صِفَتِهِ النَّفْسِيَّةِ وهو الوَحْدانِيَّةُ، واعْتِداءُ المُشْرِكِ عَلى نَفْسِهِ إذا أقْحَمَها في العَذابِ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .

وتَعْمِيمُ الظّالِمِينَ وتَعْمِيمُ النَّصِيرِ يَقْتَضِي أنَّ نَصْرَ الظّالِمِ تَجاوُزٌ لِلْحَقِّ، لِأنَّ الحَقَّ أنْ لا يَكُونَ لِلظّالِمِ نَصِيرٌ، إذْ واجِبُ الحِكْمَةِ والحَقِّ أنْ يَأْخُذَ المُقْتَدِرُ عَلى يَدِ كُلِّ ظالِمٍ لِأنَّ الأُمَّةَ مُكَلَّفَةٌ بِدَفْعِ الفَسادِ عَنْ جَماعَتِها.

صفحة ٣٢١

وفِي هَذا إبْطالٌ لِخُلُقِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ القائِلِينَ في أمْثالِهِمُ «انْصُرْ أخاكَ ظالِمًا أوْ مَظْلُومًا»، وقَدْ ألْقى النَّبِيءُ ﷺ عَلى أصْحابِهِ إبْطالُ ذَلِكَ؛ فَساقَ لَهم هَذا المَثَلَ حَتّى سَألُوا عَنْهُ ثُمَّ أصْلَحَ مَعْناهُ مَعَ بَقاءِ لَفْظِهِ فَقالَ ”«إذا كانَ ظالِمًا تَنْصُرُهُ عَلى نَفْسِهِ فَتَكُفُّهُ عَنْ ظُلْمِهِ» “ .

35:38–39Page 438

إِنَّ ٱللَّهَ عَٰلِمُ غَيۡبِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٣٨

Indeed, Allāh is Knower of the unseen [aspects] of the heavens and earth. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.

هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمۡ خَلَٰٓئِفَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيۡهِ كُفۡرُهُۥۖ وَلَا يَزِيدُ ٱلۡكَٰفِرِينَ كُفۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ إِلَّا مَقۡتٗاۖ وَلَا يَزِيدُ ٱلۡكَٰفِرِينَ كُفۡرُهُمۡ إِلَّا خَسَارٗا ٣٩

It is He who has made you successors upon the earth. And whoever disbelieves - upon him will be [the consequence of] his disbelief. And the disbelief of the disbelievers does not increase them in the sight of their Lord except in hatred; and the disbelief of the disbelievers does not increase them except in loss.

﴿إنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ في الأرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إلّا مَقْتًا ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم إلّا خَسارًا﴾ جُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ واصِلٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر: ٣١] وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿قُلْ أراْيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مَن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا في الأرْضِ﴾ [فاطر: ٤٠] الآيَةَ، فَتَسَلْسَلَتْ مَعانِيهِ فَعادَ إلى فَذْلَكَةِ الغَرَضِ السّالِفِ المُنْتَقِلِ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [فاطر: ٢٥] إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر: ٣١]، فَكانَتْ جُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ كالتَّذْيِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر: ٣١] .

وفِي هَذا إيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ يُجازِي كُلَّ ذِي نِيَّةٍ عَلى حَسَبِ ما أضْمَرَهُ لِيَزْدادَ النَّبِيءُ ﷺ يَقِينًا بِأنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِما يُكِنُّهُ المُشْرِكُونَ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ هي كالنَّتِيجَةِ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لِأنَّ ما في الصُّدُورِ مِنَ الأُمُورِ المُغَيَّبَةِ فَيَلْزَمُ مِن عِلْمِ اللَّهِ بِغَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ عِلْمُهُ بِما في صُدُورِ النّاسِ.

وذاتِ الصُّدُورِ ضَمائِرِ النّاسِ ونِيّاتِهِمْ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ في سُورَةِ الأنْفالِ.

وجِيءَ في الإخْبارِ بِعِلْمِ اللَّهِ بِالغَيْبِ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ، وفي الإخْبارِ بِعِلْمِهِ بِذاتِ الصُّدُورِ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن إخْبارِ المُخاطَبِينَ تَنْبِيِهُهم عَلى أنَّهُ

صفحة ٣٢٢

كِنايَةٌ عَنِ انْتِفاءِ أنْ يَفُوتَ عِلْمَهُ تَعالى شَيْءٌ. وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ الجَزاءِ عَلَيْهِ فَهي كِنايَةٌ رَمْزِيَّةٌ.

وجُمْلَةُ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ .

والخَلائِفُ: جَمْعُ خَلِيفَةٍ، وهو الَّذِي يَخْلُفُ غَيْرَهُ في أمْرٍ كانَ لِذَلِكَ الغَيْرِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ أُمَمٍ مَضَتْ كَما في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ﴾ [يونس: ١٤] في سُورَةِ يُونُسَ فَيَكُونُ هَذا بَيانًا لِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ هو الَّذِي أوْجَدَكم في الأرْضِ فَكَيْفَ لا يَعْلَمُ ما غابَ في قُلُوبِكم كَما قالَ تَعالى ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] ويَكُونُ ماصَدَقُ ضَمِيرِ جَماعَةِ المُخاطَبِينَ شامِلًا لِلْمُؤْمِنِينَ وغَيْرِهِمْ مِنَ النّاسِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: هو الَّذِي جَعَلَكم مُتَصَرِّفِينَ في الأرْضِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩]، فَيَكُونَ الكَلامُ بِشارَةً لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ قَدَّرَ أنْ يَكُونَ المُسْلِمُونَ أهْلَ سُلْطانٍ في الأرْضِ بَعْدَ أُمَمٍ تَداوَلَتْ سِيادَةَ العالَمِ ويَظْهَرُ بِذَلِكَ دِينُ الإسْلامِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ.

والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مُفِيدَةٌ تُقَوِّي الحُكْمِ الَّذِي هو جَعْلُ اللَّهِ المُخاطَبِينَ خَلائِفَ في الأرْضِ.

وقَدْ تَفَرَّعَ عَلى قَوْلِهِ ﴿عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ قَوْلُهُ ﴿فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ وهو شَرْطٌ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ الِاهْتِمامِ بِأمْرِ دَوامِهِمْ عَلى الكُفْرِ.

وجُمْلَةُ ﴿ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إلّا مَقْتًا﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ وكانَ مُقْتَضى ظاهِرِ هَذا المَعْنى أنْ لا تُعْطَفَ عَلَيْها لِأنَّ البَيانَ لا يُعْطَفُ عَلى المُبَيَّنِ، وإنَّما خُولِفَ ذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاهْتِمامِ بِهَذا البَيانِ فَجُعِلَ مُسْتَقِلًّا بِالقَصْدِ إلى الإخْبارِ بِهِ فَعُطِفَتْ عَلى الجُمْلَةِ المُبَيَّنَةِ بِمَضْمُونِها تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ الِاسْتِقْلالِ، وهَذا مَقْصِدٌ يَفُوتُ لَوْ تُرِكَ العَطْفُ، أمّا ما تُفِيدُهُ مِنَ البَيانِ فَهو أمْرٌ لا يَفُوتُ لِأنَّهُ تَقْتَضِيهِ نِسْبَةُ مَعْنى الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مِن مَعْنى الجُمْلَةِ الأُولى.

صفحة ٣٢٣

والمَقْتُ: البُغْضُ مَعَ خِزْيٍ وصَغارٍ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا وساءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢] في سُورَةِ النِّساءِ، أيْ يَزِيدُهم مَقْتُ اللَّهِ إيّاهم، ومَقْتُ اللَّهِ مَجازٌ عَنْ لازِمِهِ وهو إمْساكُ لُطْفِهِ عَنْهم وجَزاؤُهم بِأشَدِّ العِقابِ.

وتَرْكِيبُ جُمْلَةِ ﴿ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إلّا مَقْتًا﴾ تَرْكِيبٌ عَجِيبٌ لِأنَّ ظاهِرَهُ يَقْتَضِي أنَّ الكافِرِينَ كانُوا قَبْلَ الكُفْرِ مَمْقُوتِينَ عِنْدَ اللَّهِ، فَلَمّا كَفَرُوا زادَهم كُفْرُهم مَقْتًا عِنْدَهُ، في حالِ أنَّ الكُفْرَ هو سَبَبُ مَقْتِ اللَّهِ إيّاهم، ولَوْ لَمْ يَكْفُرُوا لَما مَقَتَهُمُ اللَّهُ. فَتَأْوِيلُ الآيَةِ: أنَّهم لَمّا وُصِفُوا بِالكُفْرِ ابْتِداءً ثُمَّ أخْبَرَ بِأنَّ كُفْرَهم يَزِيدُهم مَقْتًا عُلِمَ أنَّ المُرادَ بِكُفْرِهِمُ الثّانِي الدَّوامُ عَلى الكُفْرِ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يَتَكَبَّرُونَ عَلى المُسْلِمِينَ ويُشاقُّونَهم ويُؤَيِّسُونَهم مِنَ الطَّماعِيَّةِ في أنْ يَقْبَلُوا الإسْلامَ بِأنَّهم أعْظَمُ مِن أنْ يَتَّبِعُوهم وأنَّهم لا يُفارِقُونَ دِينَ آبائِهِمْ، ويَحْسَبُونَ ذَلِكَ مَقْتًا مِنهم لِلْمُسْلِمِينَ فَجازاهُمُ اللَّهُ بِزِيادَةِ المَقْتِ عَلى اسْتِمْرارِ الكُفْرِ، قالَ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: ١٠]، يَعْنِي: يُنادَوْنَ في المَحْشَرِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم إلّا خَسارًا﴾ .

والخَسارُ: مَصْدَرُ خَسِرَ مِثْلُ الخَسارَةِ، وهو: نُقْصانُ التِّجارَةِ، واسْتُعِيرَ لِخَيْبَةِ العَمَلِ. شَبَّهَ عَمَلَهم في الكُفْرِ بِعَمَلِ التّاجِرِ والخاسِرِ، أيِ الَّذِي بارَتْ سِلْعَتُهُ فَباعَ بِأقَلَّ مِمّا اشْتَراها بِهِ فَأصابَهُ الخَسارُ فَكُلَّما زادَ بَيْعًا زادَتْ خَسارَتُهُ حَتّى تُفْضِيَ بِهِ إلى الإفْلاسِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنها ما في سُورَةِ البَقَرَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском