Ibn 'AshurFatir · 35:5–8

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Fatir 35:5–8

35:5Page 435

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ٥

O mankind, indeed the promise of Allāh is truth, so let not the worldly life delude you and be not deceived about Allāh by the Deceiver [i.e., Satan].

﴿يا أيُّها النّاسُ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾

أُعِيدَ خِطابُ النّاسِ إعْذارًا لَهم وإنْذارًا بِتَحْقِيقِ أنَّ وعْدَ اللَّهِ الَّذِي وعَدَهُ مِن عِقابِهِ المُكَذِّبِينَ في يَوْمِ البَعْثِ هو وعْدٌ واقِعٌ لا يَتَخَلَّفُ وذَلِكَ بَعْدَ أنْ قَدَّمَ لَهُمُ التَّذْكِيرَ بِدَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ المُشْتَمِلَةِ عَلَيْها، مَعَ الدَّلالَةِ عَلى نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ غَيْرُهُ، وأنَّهُ لا يَتَّصِفُ بِالإلَهِيَّةِ الحَقِّ غَيْرُهُ.

وبَعْدَ أنْ أشارَ إلَيْهِمْ بِأنَّ ما أنْتَجَتْهُ تِلْكَ الدَّلائِلُ هو ما أنْبَأهم بِهِ الرَّسُولُ ﷺ فَيَعْلَمُونَ صِدْقَهُ فِيما أنْبَأهم مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وهو أكْبَرُ ما قَرَعَ آذانَهم وأحْرَجُ شَيْءٍ

صفحة ٢٥٨

لِنُفُوسِهِمْ، فَإذا تَأيَّدَ بِالدَّلِيلِ البُرْهانِيِّ تَمَهَّدَ السَّبِيلُ لِتَصْدِيقِ الرَّسُولِ ﷺ فِيما أخْبَرَهم بِهِ مِن وعْدِ اللَّهِ وهو يَوْمُ البَعْثِ؛ لِأنَّهُ لَمّا تَبَيَّنَ صِدْقُهُ في الأُولى يُعْلَمُ صِدْقُهُ في الثّانِيَةِ بِحُكْمِ قِياسِ المُساواةِ.

والخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ، أوْ لَهم ولِلْمُؤْمِنِينَ لِأنَّ ما تَلاهُ صالِحٌ لِمَوْعِظَةِ الفَرِيقَيْنِ كُلٌّ عَلى حَسَبِ حالِهِ.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ ”إنَّ“ إمّا لِأنَّ الخِطابَ لِلْمُنْكِرِينَ، وإمّا لِتَغْلِيبِ فَرِيقِ المُنْكِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ لِأنَّهم أحْوَجُ إلى تَقْوِيَةِ المَوْعِظَةِ.

والوَعْدُ مَصْدَرٌ، وهو الإخْبارُ عَنْ فِعْلِ المُخْبِرِ شَيْئًا في المُسْتَقْبَلِ، والأكْثَرُ أنْ يَكُونَ فِيما عَدا الشَّرِّ، ويُخَصُّ الشَّرُّ مِنهُ بِاسْمِ الوَعِيدِ، يَعُمُّهُما وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في القَدْرِ المُشْتَرَكِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨] الآيَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وإضافَتُهُ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ تَوْطِئَةٌ لِكَوْنِهِ حَقًّا لِأنَّ اللَّهَ لا يَأْتِي مِنهُ الباطِلُ.

والحَقُّ هُنا مُقابِلُ الكَذِبِ. والمَعْنى: أنَّ وعْدَ اللَّهِ صادِقٌ. ووَصْفُهُ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةٌ في حَقِّيَّتِهِ.

والمُرادُ بِهِ: الوَعْدُ بِحُلُولِ يَوْمِ جَزاءٍ بَعْدَ انْقِضاءِ هَذِهِ الحَياةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ تَفْرِيعُ ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ الآيَةَ.

و”الغَرُورُ“ بِضَمِّ الغَيْنِ ويُقالُ التَّغْرِيرُ: إيهامُ النَّفْعِ والصَّلاحِ فِيما هو ضُرٌّ وفَسادٌ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٩٦] في سُورَةِ (آلِ عِمْرانَ) وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والمُرادُ بِالحَياةِ: ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ أحْوالُ الحَياةِ الدُّنْيا مِن لَهْوٍ وتَرَفٍ، وانْتِهائِها بِالمَوْتِ والعَدَمِ مِمّا يُسَوِّلُ لِلنّاسِ أنْ لَيْسَ بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ أُخْرى.

وإسْنادُ التَّغْرِيرِ إلى الحَياةِ ولَوْ مَعَ تَقْدِيرِ المُضافِ إسْنادٌ مَجازِيٌّ لِأنَّ الغارَّ لِلْمَرْءِ هو نَفْسُهُ المُنْخَدِعَةُ بِأحْوالِ الحَياةِ الدُّنْيا فَهو مِن إسْنادِ الفِعْلِ إلى سَبَبِهِ والباعِثِ عَلَيْهِ.

صفحة ٢٥٩

والنَّهْيُ في الظّاهِرِ مُوَجَّهٌ لِلنّاسِ والمَنهِيُّ عَنْهُ مِن أحْوالِ الحَياةِ الدُّنْيا، ولَيْسَتِ الحَياةُ الدُّنْيا مِن فِعْلِ النّاسِ فَتَعَيَّنَ أنَّ المَقْصُودَ النَّهْيُ عَنْ لازِمِ ذَلِكَ الإسْنادِ وهو الِاغْتِرارُ لِمَظاهِرِ الحَياةِ. ونَظِيرُهُ كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِهِمْ: لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا، ولا أرَيَنَّكَ هاهُنا، ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَئانُ قَوْمٍ﴾ [المائدة: ٢]، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] آخِرَ آلِ عِمْرانَ.

وكَذَلِكَ القَوْلُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ .

و”﴿الغَرُورُ﴾“ بِفَتْحِ الغَيْنِ: هو الشَّدِيدُ التَّغْرِيرِ. والمُرادُ بِهِ الشَّيْطانُ، قالَ تَعالى ﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢]، وهو يُغَيِّرُ النّاسَ بِتَزْيِينِ القَبائِحِ لَهم تَمْوِيهًا بِما يَلُوحُ عَلَيْها مِن مَحاسِنَ تُلائِمُ نُفُوسَ النّاسِ.

والباءُ في قَوْلِهِ ”﴿بِاللَّهِ﴾“ لِلْمُلابَسَةِ وهي داخِلَةٌ عَلى مُضافٍ مُقَدَّرٍ، أيْ بِشَأْنِ اللَّهِ، أيْ يَتَطَرَّقُ إلى نَقْضِ هُدى اللَّهِ فَإنَّ فِعْلَ ”غَرَّ“ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ فَإذا أُرِيدَ تَعْدِيَتُهُ إلى بَعْضِ مُتَعَلِّقاتِهِ عُدِّيَ إلَيْهِ بِواسِطَةِ حَرْفِ الجَرِّ، فَقَدْ يُعَدّى بِالباءِ وهي باءُ المُلابَسَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ [الإنفطار: ٦] وقَوْلِهِ بِسُورَةِ الحَدِيدِ ﴿وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ [الحديد: ١٤] وذَلِكَ إذا أُرِيدَ بَيانُ مَنِ الغَرُورُ مُلابِسٌ لَهُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ حالٌ مِن أحْوالِهِ. وتِلْكُ مُلابَسَةُ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ في الكَلامِ عَلى الإيجازِ. ولَيْسَتْ هَذِهِ الباءُ باءَ السَّبَبِيَّةِ.

وقَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ غُرُورَيْنِ: غُرُورًا يَغْتَرُّهُ المَرْءُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ ويُزَيِّنُ لِنَفْسِهِ مِنَ المَظاهِرِ الفاتِنَةِ الَّتِي تَلُوحُ لَهُ في الدُّنْيا ما يَتَوَهَّمُهُ خَيْرًا ولا يَنْظُرُ في عَواقِبِهِ بِحَيْثُ تَخْفى مَضارُّهُ في بادِئِ الرَّأْيِ ولا يَظُنُّ أنَّهُ مِنَ الشَّيْطانِ.

وغُرُورًا يَتَلَقّاهُ مِمَّنْ يَغُرُّهُ وهو الشَّيْطانُ، وكَذَلِكَ الغُرُورُ كُلُّهُ في هَذا العالَمِ بَعْضُهُ يُمْلِيهِ المَرْءُ عَلى نَفْسِهِ وبَعْضُهُ يَتَلَقّاهُ مِن شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ، فَتُرِكَ تَفْصِيلُ الغَرُورِ الأوَّلِ الآنَ اعْتِناءً بِالأصْلِ والأهَمِّ، فَإنَّ كُلَّ غُرُورٍ يَرْجِعُ إلى غُرُورِ الشَّيْطانِ. وسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠] .

35:6Page 435

إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمۡ عَدُوّٞ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّاۚ إِنَّمَا يَدۡعُواْ حِزۡبَهُۥ لِيَكُونُواْ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ٦

Indeed, Satan is an enemy to you; so take him as an enemy. He only invites his party to be among the companions of the Blaze.

صفحة ٢٦٠

﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ لَمّا كانَ في قَوْلِهِ ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥] إبْهامُ ما في المُرادِ بِالغَرُورِ عُقِّبَ ذَلِكَ بِبَيانِهِ بِأنَّ الغَرُورَ هو الشَّيْطانُ لِيَتَقَرَّرَ المُسْنَدُ إلَيْهِ بِالبَيانِ بَعْدَ الإبْهامِ. فَجُمْلَةُ ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ﴾ تَتَنَزَّلُ مِن جُمْلَةِ ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥] مَنزِلَةَ البَيانِ مِنَ المُبَيَّنِ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ، وهَذا مِن دَلالَةِ تَرْتِيبِ الكَلامِ عَلى إرادَةِ المُتَكَلِّمِ إذْ يَعْلَمُ السّامِعُ مِن وُقُوعِ وصْفِ الشَّيْطانِ عَقِبَ وصْفِ الغَرُورِ أنَّ الغَرُورَ هو الشَّيْطانُ.

وأُظْهِرَ اسْمُ الشَّيْطانِ في مَقامِ الإضْمارِ لِلْإفْصاحِ عَنِ المُرادِ بِالغَرُورِ أنَّهُ الشَّيْطانُ، وإثارَةُ العَداوَةِ بَيْنَ النّاسِ والشَّيْطانِ مَعْنًى مِن مَعانِي القُرْآنِ تَصْرِيحًا وتَضْمِينًا، وهو هُنا صَرِيحٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] .

وتِلْكَ عَداوَةٌ مُودَعَةٌ في جِبِلَّتِهِ كَعَداوَةِ الكَلْبِ لِلْهِرِّ لِأنَّ جِبِلَّةَ الشَّيْطانِ مَوْكُولَةٌ بِإيقاعِ النّاسِ في الفَسادِ وأسْوَأِ العَواقِبِ في قَوالِبَ مُحَسَّنَةٍ مُزَيَّنَةٍ، وشَواهِدُ ذَلِكَ تَظْهَرُ لِلْإنْسانِ في نَفْسِهِ وفي الحَوادِثِ حَيْثُما عَثَرَ عَلَيْها وقَدْ قالَ تَعالى ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] .

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّأكُّدِ لِقَصْدِ تَحْقِيقِهِ لِأنَّهم بِغَفْلَتِهِمْ عَنْ عَداوَةِ الشَّيْطانِ كَحالِ مَن يُنْكِرُ أنَّ الشَّيْطانَ عَدُوٌّ.

وتَقْدِيمُ ”لَكم“ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا المُتَعَلِّقِ فَرَّعَ عَنْهُ أنْ أُمِرُوا بِاتِّخاذِهِ عَدُوًّا، لِأنَّهم إذا عَلِمُوا أنَّهُ عَدُوٌّ لَهم حَقَّ عَلَيْهِمُ اتِّخاذُهُ عَدُوًّا وإلّا لَكانُوا في حَماقَةٍ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى وُجُوبِ عَداوَتِهِمُ الدُّعاةَ في الضَّلالَةِ المُسْتَمِدِّينَ مِنَ الشَّيْطانِ.

والكَلامُ عَلى لَفْظِ ”عَدُوٌّ“ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢] في سُورَةِ النِّساءِ.

واللّامُ في ”لَكم“ لامُ الِاخْتِصاصِ وهي الَّتِي تَتَضَمَّنُها الإضافَةُ فَلَمّا قَدَّمَ ما حَقُّهُ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلَيْهِ صَرَّحَ بِاللّامِ لِيَحْصُلَ مَعْنى الإضافَةِ.

صفحة ٢٦١

وإنَّما أمَرَ اللَّهُ بِاتِّخاذِ العَدُوِّ عَدُوًّا ولَمْ يَنْدُبْ إلى العَفْوِ عَنْهُ والإغْضاءِ عَنْ عَداوَتِهِ كَما أمَرَ في قَوْلِهِ ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا تَكَرَّرَ في القُرْآنِ وكَلامِ الرَّسُولِ ﷺ، لِأنَّ ما نُدِبَ إلَيْهِ مِنَ العَفْوِ إنَّما هو فِيما بَيْنَ المُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ رَجاءَ صَلاحِ حالِ العَدُوِّ لِأنَّ عَداوَةَ المُسْلِمِ عارِضَةٌ لِأغْراضٍ يُمْكِنُ زَوالُها ولَها حُدُودٌ لا يُخْشى مَعَها المَضارُّ الفادِحَةُ كَما قالَ تَعالى ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] ولِذَلِكَ لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ تَعالى بِمِثْلِ ذَلِكَ مَعَ أعْداءِ الدِّينِ فَقالَ ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة: ١] الآيَةَ، بَلْ لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ تَعالى بِالعَفْوِ عَنِ المُحارِبِينَ مِن أهْلِ المِلَّةِ لِأنَّ مُناوَأتَهم غَيْرُ عارِضَةٍ بَلْ هي لِغَرَضِ ابْتِزازِ الأمْوالِ ونَحْوِ ذَلِكَ فَقالَ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] فَعَداوَةُ الشَّيْطانِ لَمّا كانَتْ جِبِلِيَّةً لا يُرْجى زَوالُها مَعَ مَن يَعْفُو عَنْهُ لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ إلّا بِاتِّخاذِهِ عَدُوًّا لِأنَّهُ إذا لَمْ يُتَّخَذْ عَدُوًّا لَمْ يُراقِبِ المُسْلِمُ مَكائِدَهُ ومُخادَعَتَهُ. ومِن لَوازِمِ اتِّخاذِهِ عَدُوًّا العَمَلُ بِخِلافِ ما يَدْعُوا إلَيْهِ لِتَجَنُّبِ مَكائِدِهِ ولِمَقْتِهِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ.

فالإيقاعُ بِالنّاسِ في الضُّرِّ لا يَسْلَمُ مِنهُ أوْلِياؤُهُ ولا أعْداؤُهُ ولَكِنَّ أوْلِياءَهُ يُضْمِرُ لَهُمُ العَداوَةَ ويَأْنَسُ بِهِمْ لِأنَّهُ يَقْضِي بِهِمْ وطَرَهُ وأمّا أعْداؤُهُ فَهو مَعَ عَداوَتِهِ لَهم يَشْمَئِزُّ ويَنْفِرُ ويَغْتاظُ مِن مُقاوَمَتِهِمْ وساوِسَهُ إلى أنْ يَبْلُغَ حَدَّ الفِرارِ مِن عُظَماءِ الأُمَّةِ فَقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ لِعُمَرَ «إيهِ يا بْنَ الخَطّابِ ما رَآكَ الشَّيْطانُ سالِكًا فَجًّا إلّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ»، ووَرَدَ في الصَّحِيحِ «إذا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ أدْبَرَ الشَّيْطانُ» الحَدِيثَ. ووَرَدَ أنَّهُ «ما رُئِيَ الشَّيْطانُ أخْسَأ وأحْقَرَ مِنهُ في يَوْمِ عَرَفَةَ لِما يَرى مِنَ الرَّحْمَةِ» .

وأُعْقِبَ الأمْرُ بِاتِّخاذِ الشَّيْطانِ عَدُوًّا بِتَحْذِيرٍ مِن قَبُولِ دَعْوَتِهِ وحَثٍّ عَلى وُجُوبِ اليَقْظَةِ لِتَغْرِيرِهِ وتَجَنُّبِ تَوَلِّيهِ بِأنَّهُ يَسْعى في ضُرِّ أوْلِيائِهِ وحِزْبِهِ فَيَدْعُوهم إلى ما يُوقِعُهم في السَّعِيرِ. وهَذا يُؤَكِّدُ الأمْرَ بِاتِّخاذِهِ عَدُوًّا لِأنَّ أشَدَّ النّاسِ تَضَرُّرًا بِهِ هم حِزْبُهُ وأوْلِياؤُهُ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾، وجِيءَ بِها في صِيغَةِ حَصْرٍ لِانْحِصارِ دَعَوْتِهِ في الغايَةِ المَذْكُورَةِ عَقِبَها بِلامِ العِلَّةِ كَيْلا يُتَوَهَّمَ أنَّ دَعْوَتَهُ تَخْلُو مِن تِلْكَ الغايَةِ ولَوْ في وقْتٍ ما

صفحة ٢٦٢

وبِهَذا العُمُومِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الحَصْرُ صارَتِ الجُمْلَةُ أيْضًا في مَعْنى التَّذْيِيلِ لِما قَبْلَهُ كُلَّهُ.

ومُقْتَضى وُقُوعِ فِعْلِ ”يَدْعُو“ في حَيِّزِ القَصْرِ أنَّ مَفْعُولَهُ وهو قَوْلُهُ ”حِزْبَهُ“ هو المَقْصُودُ مِنَ القَصْرِ، أيْ أنَّهُ يَدْعُو حِزْبَهُ ولا يَدْعُو غَيْرَ حِزْبِهِ، والشَّيْطانُ يَدْعُو النّاسَ كُلَّهم سَواءً في ذَلِكَ حِزْبُهُ ومَن لَمْ يَرْكَنْ إلى دَعْوَتِهِ إلّا أنَّ أثَرَ دَعْوَتِهِ لا يَظْهَرُ إلّا في الَّذِينَ يَرْكَنُونَ لَهُ فَيَصِيرُونَ حِزْبَهُ قالَ تَعالى ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]، وحَكى اللَّهُ عَنِ الشَّيْطانِ بِقَوْلِهِ ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] فَتَعَيَّنَ أنَّ في الكَلامِ إيجازَ حَذْفٍ. والتَّقْدِيرُ: إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ دَعْوَةً بالِغَةً مَقْصِدَهُ. والقَرِينَةُ هي ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّحْذِيرِ ولَوْ كانَ لا يَدْعُو إلّا حِزْبَهُ لَما كانَ لِتَحْذِيرِ غَيْرِهِمْ فائِدَةٌ.

واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لامَ العِلَّةِ فَإنَّ الشَّيْطانَ قَدْ يَكُونُ ساعِيًا لِغايَةِ إيقاعِ الآدَمِيِّينَ في العَذابِ نِكايَةً بِهِمْ، وهي عِلَّةٌ لِلدَّعْوَةِ مَخْفِيَّةٌ في خاطِرِهِ الشَّيْطانِيِّ وإنْ كانَ لا يَجْهَرُ بِها لِأنَّ إخْفاءَها مِن جُمْلَةِ كَيْدِهِ وتَزْيِينِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ العاقِبَةِ والصَّيْرُورَةِ مِثْلَ ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] . فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِأنَّهُ لَمْ يَدْعُهم إلى السَّعِيرِ إنَّما اتَّفَقَ أنْ صارَ أمْرُهم مِن دُعائِهِ إلى ذَلِكَ.

والسَّعِيرُ النّارُ الشَّدِيدَةُ، وغَلَبَ في لِسانِ الشَّرْعِ عَلى جَهَنَّمَ.

35:7Page 435

ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٌ ٧

Those who disbelieve will have a severe punishment, and those who believe and do righteous deeds will have forgiveness and great reward.

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ يُفِيدُ مَفادَ الفَذْلَكَةِ والِاسْتِنْتاجِ مِمّا تَقَدَّمَ.

هَذا الِاسْتِئْنافُ يَوْمِئُ إلى أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا هم حِزْبُ الشَّيْطانِ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ حِزْبَهُ مِن أصْحابِ السَّعِيرِ وحَكَمَ هُنا بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ عُلِمَ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ إذْ هو العَذابُ الشَّدِيدُ فَعُلِمَ أنَّهم حِزْبُ الشَّيْطانِ بِطَرِيقَةِ قِياسٍ مَطْوِيٍّ، فالَّذِينَ كَفَرُوا هم حِزْبُ الشَّيْطانِ لِعُكُوفِهِمْ عَلى مُتابَعَتِهِ وإنْ لَمْ يُعْلِنُوا ذَلِكَ لِاقْتِناعِهِ مِنهم بِمُلازَمَةِ ما يُمْلِيهِ عَلَيْهِمْ.

صفحة ٢٦٣

وأمّا المُؤْمِنُونَ العُصاةُ فَلَيْسُوا مِن حِزْبِهِ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ كَيْدَهُ ولَكِنَّهم يَتَّبِعُونَ بَعْضَ وسْوَسَتِهِ بِدافِعِ الشَّهَواتِ وهم مَعَ ذَلِكَ يَلْعَنُونَهُ ويَتَبَرَّأُونَ مِنهُ. وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ في حَجَّةِ الوَداعِ «إنَّ الشَّيْطانَ قَدْ يَئِسَ أنْ يُعْبَدَ في أرْضِكم هَذِهِ ولَكِنَّهُ قَدْ رَضِيَ مِنكم بِما دُونَ ذَلِكَ مِمّا تَحْقِرُونَ مِن أعْمالِكم» .

وذِكْرُ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ تَتْمِيمٌ بِأنَّ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مِن حِزْبِهِ قَدْ فازُوا بِالخَيْراتِ.

وقَدْ أشارَتِ الآيَةُ إلى طَرَفَيْنِ في الضَّلالِ والِاهْتِداءِ وطَوَتْ ما بَيْنَ ذَيْنِكَ مِنَ المَراتِبِ لِيُعْلَمَ أنَّ ما بَيْنَ ذَلِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِن أشْبَهِ أحْوالِهِمْ بِأحْوالِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في وضْعِ المُسْلِمِ بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ. والأمَلِ والرَّهْبَةِ.

35:8Page 435

أَفَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنٗاۖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۖ فَلَا تَذۡهَبۡ نَفۡسُكَ عَلَيۡهِمۡ حَسَرَٰتٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ ٨

Then is one to whom the evil of his deed has been made attractive so he considers it good [like one rightly guided]? For indeed, Allāh sends astray whom He wills and guides whom He wills. So do not let yourself perish over them in regret. Indeed, Allāh is Knowing of what they do.

﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ لَمّا جَرى تَحْذِيرُ النّاسِ مِن غُرُورِ الشَّيْطانِ وإيقاظُهم إلى عَداوَتِهِ لِلنَّوْعِ الإنْسانِيِّ، وتَقْسِيمُ النّاسِ إلى فَرِيقَيْنِ: فَرِيقٍ انْطَلَتْ عَلَيْهِ مَكائِدُ الشَّيْطانِ واغْتَرُّوا بِغُرُورِهِ ولَمْ يُناصِبُوهُ العَداءَ، وفَرِيقٍ أخَذُوا حِذْرَهم مِنهُ واحْتَرَسُوا مِن كَيْدِهِ وتَجَنَّبُوا السَّيْرَ في مَسالِكِهِ، ثُمَّ تَقْسِيمُهم إلى كافِرٍ مُعَذَّبٍ ومُؤْمِنٍ صالِحٍ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِالإيماءِ إلى اسْتِحْقاقِ حِزْبِ الشَّيْطانِ عَذابَ السَّعِيرِ، وبِتَسْلِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى مَن لَمْ يَخْلُصُوا مِن حَبائِلِ الشَّيْطانِ مِن أُمَّةِ دَعْوَتِهِ بِأُسْلُوبِ المُلاطَفَةِ في التَّسْلِيَةِ فَفَرَّعَ عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ قَوْلَهُ ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿بِما يَصْنَعُونَ﴾ فابْتِداؤُهُ بِفاءِ التَّفْرِيعِ رَبْطٌ لَهُ بِما تَقَدَّمَ لِيَعُودَ الذِّهْنُ إلى ما حُكِيَ مِن أحْوالِهِمْ، فالتَّفْرِيعُ عَلى قَوْلِهِ ﴿إنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]، ثُمَّ بِإبْرازِ الكَلامِ المُفَرَّعِ في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، واجْتِلابِ المَوْصُولِ الَّذِي تُومِئُ صِلَتُهُ إلى عِلَّةِ الخَبَرِ المَقْصُودِ، فَأُشِيرَ إلى أنَّ وُقُوعَهُ في هَذِهِ الحالَةِ ناشِئٌ مِن تَزْيِينِ الشَّيْطانِ لَهُ سُوءَ عَمَلِهِ، فالمُزَيِّنُ لِلْأعْمالِ السَّيِّئَةِ هو الشَّيْطانُ قالَ تَعالى ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ [النمل: ٢٤] فَرَأوْا أعْمالَهُمُ

صفحة ٢٦٤

السَّيِّئَةَ حَسَنَةً فَعَكَفُوا عَلَيْها ولَمْ يَقْبَلُوا فِيهِ نَصِيحَةَ ناصِحٍ، ولا رِسالَةَ مُرْسَلٍ.

و”مَن“ مَوْصُولَةٌ صادِقَةٌ عَلى جَمْعٍ مِنَ النّاسِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في آخِرِ الكَلامِ ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ بَلْ ودَلَّ عَلَيْهِ تَفْرِيعُ هَذا عَلى قَوْلِهِ ﴿إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦] و”مَن“ في مَوْضِعِ رَفْعِ الِابْتِداءِ والخَبَرُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ إيجازًا لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [فاطر: ٧] عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦] . فَتَقْدِيرُهُ بِالنِّسْبَةِ لِما اسْتَحَقَّهُ حِزْبُ الشَّيْطانِ مِنَ العَذابِ: أفَأنْتَ تَهْدِي مَن زُيِّنَ لَهُ عَمَلُهُ فَرَآهُ حَسَنًا فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ.

وتَقْدِيرُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّبِيءِ ﷺ: لا يَحْزُنْكَ مَصِيرُهُ فَإنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ.

وفُرِّعَ عَلَيْهِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾، وفُرِّعَ عَلى هَذا قَوْلُهُ ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ أيْ فَلا تَفْعَلْ ذَلِكَ، أيْ لا يَنْبَغِي لَكَ ذَلِكَ فَإنَّهم أوْقَعُوا أنْفُسَهم في تِلْكَ الحالَةِ بِتَزْيِينِ الشَّيْطانِ لَهم ورُؤْيَتِهِمْ ذَلِكَ حَسَنًا وهو مِن فِعْلِ أنْفُسِهِمْ فَلِماذا تَتَحَسَّرُ عَلَيْهِمْ.

وهَذا الخَبَرُ مِمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ المُقابَلَةُ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [فاطر: ٧] فَقَدْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الكُفْرَ سُوءٌ وأنَّ الإيمانَ حُسْنٌ فَيَكُونُ مَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ هو الكافِرَ، ويَكُونُ ضِدُّهُ هو المُؤْمِنَ، ونَظِيرُ هَذا التَّرْكِيبِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] وفي سُورَةِ الزُّمَرِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] في سُورَةِ الرَّعْدِ.

والتَّزْيِينُ: تَحْسِينُ ما لَيْسَ بِحَسَنٍ بَعْضَهُ أوْ كُلَّهُ. وقَدْ صَرَّحَ هُنا بِضِدِّهِ في قَوْلِهِ ”سُوءُ عَمَلِهِ“، أيْ صُوِّرَتْ لَهم أعْمالُهُمُ السَّيِّئَةُ بِصُورَةٍ حَسَنَةٍ لِيُقْدِمُوا عَلَيْها بِشَرَهٍ وتَقَدَّمَ في أوائِلِ سُورَةِ النَّمْلِ.

وجُمْلَةُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ مُفَرَّعَةٌ، وهي تَقْرِيرٌ

صفحة ٢٦٥

لِلتَّسْلِيَةِ وتَأْيِيسٌ مِنِ اهْتِداءِ مَن لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ فِيهِ أسْبابَ الِاهْتِداءِ إلى الحَقِّ مِن صَحِيحِ النَّظَرِ وإنْصافِ المُجادَلَةِ.

وإسْنادُ الإضْلالِ والهِدايَةِ إلى اللَّهِ بِواسِطَةِ أنَّهُ خالِقُ أسْبابِ الضَّلالِ والِاهْتِداءِ، وذَلِكَ مِن تَصَرُّفِهِ تَعالى بِالخَلْقِ، وهو سِرٌّ مِنَ الحِكْمَةِ عَظِيمٌ لا يُدْرَكُ غَوْرُهُ ولَهُ أُصُولٌ وضَوابِطُ سَأُبَيِّنُها في رِسالَةِ القَضاءِ والقَدَرِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

وجُمْلَةُ ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ مُفَرَّعَةٌ عَلى المُفَرَّعِ عَلى جُمْلَةِ ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ الَخْ فَتُأوَّلُ إلى التَّفْرِيعِ عَلى الجُمْلَتَيْنِ فَيُأوَّلُ إلى أنْ يَكُونَ النَّظْمُ هَكَذا: أفَتَتَحَسَّرُ عَلى مَن زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ فَرَأوْها حَسَناتٍ واخْتارُوا لِأنْفُسِهِمْ طَرِيقَ الضَّلالِ فَإنَّ اللَّهَ أضَلَّهم بِاخْتِيارِهِمْ وهو قَدْ تَصَرَّفَ بِمَشِيئَتِهِ فَهو أضَلَّهم وهُدى غَيْرَهم بِمَشِيئَتِهِ وإرادَتِهِ الَّتِي شاءَ بِها إيجادَ المَوْجُوداتِ لا بِأمْرِهِ ورِضاهُ الَّذِي دَعا بِهِ النّاسَ إلى الرَّشادِ، ”فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ“ وإنَّما حَسْرَتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ إذْ رَضُوا لَها بِاتِّباعِ الشَّيْطانِ ونَبَذُوا اتِّباعَ إرْشادِ اللَّهِ كَما دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ أنَّهم ورَّطُوا أنْفُسَهم فِيما أوْقَعُوها فِيهِ بِصُنْعِهِمْ.

فاللَّهُ أرْشَدَهم بِإرْسالِ رَسُولِهِ لِيَهْدِيَهم إلى ما يُرْضِيهِ، واللَّهُ أضَلَّهم بِتَكْوِينِ نُفُوسِهِمْ نافِرَةً عَنِ الهُدى تَكْوِينًا مُتَسَلْسِلًا مِن كائِناتٍ جَمَّةٍ لا يُحِيطُ بِها إلّا عِلْمُهُ وكُلُّها مِن مَظاهِرِ حِكْمَتِهِ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَ سَلاسِلَ الكائِناتِ عَلى غَيْرِ هَذا النِّظامِ فَلَهَدى النّاسَ جَمِيعًا، وكُلُّهم مُيَسَّرٌ بِتَيْسِيرِهِ إلى ما يَعْلَمُ مِنهم فَعُدِلَ عَنِ النَّظْمِ المَأْلُوفِ إلى هَذا النَّظْمِ العَجِيبِ. وصِيغَ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ والنَّهْيِ التَّثْبِيتِيِّ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في هَذا الأُسْلُوبِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] في سُورَةِ الزُّمَرِ، فَإنَّ أصْلَ نَظْمِها: أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أنْتَ تُنْقِذُهُ مِنَ النّارِ، أفَأنْتَ تُنْقِذُ الَّذِينَ في النّارِ. إلّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ زادَتْ بِالِاعْتِراضِ، وكانَ المُفَرَّعُ الأخِيرُ فِيها نَهْيًا والأُخْرى عُرِّيَتْ عَنِ الِاعْتِراضِ وكانَ المُفَرَّعُ الأخِيرُ فِيها اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا.

والنَّهْيُ مُوَجَّهٌ إلى نَفْسِ الرَّسُولِ ﷺ أنْ تَذْهَبَ حَسَراتٍ عَلى الضّالِّينَ ولَمْ يُوَجَّهْ إلَيْهِ بِأنْ يُقالَ: فَلا تَذْهَبْ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ، والرَّسُولُ ﷺ ونَفْسُهُ مُتَّحِدانِ

صفحة ٢٦٦

فَتَوْجِيهُ النَّهْيِ إلى نَفْسِهِ دُونَ أنْ يُقالَ فَلا تَذْهَبْ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الذَّهابَ مُسْتَعارٌ إلى التَّلَفِ والِانْعِدامِ كَما يُقالُ: طارَتْ نَفْسُها شَعاعًا، ومِثْلُهُ في كَلامِهِمْ كَثِيرٌ كَقَوْلِ الأعْرابِيِّ مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ:

أقُولُ لِلنَّفْسِ تَأْساءً وتَعْزِيَةً إحْدى يَدَيَّ أصابَتْنِي ولَمْ تُرِدِ

لِتَحْصُلَ فائِدَةُ تَوْزِيعِ النَّهْيِ والخِطابِ عَلى شَيْئَيْنِ في ظاهِرِ الأمْرِ فَهو تَكْرِيرُ الخِطابِ والنَّهْيِ لِكِلَيْهِما. وهي طَرِيقَةُ التَّجْرِيدِ المَعْدُودِ في المُحَسِّناتِ، وفائِدَةُ التَّكْرِيرِ المُوجِبِ تَقْرِيرَ الجُمْلَةِ في النَّفْسِ. وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يُخادِعُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والحَسْرَةُ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ﴾ [مريم: ٣٩] مِن سُورَةِ مَرْيَمَ.

وانْتَصَبَ ”حَسَراتٍ“ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ، أيْ لا تُتْلِفْ نَفْسَكَ لِأجْلِ الحَسْرَةِ عَلَيْهِمْ، وهو كَقَوْلِهِ ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]، وقَوْلِهِ ﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ [يوسف: ٨٤] أيْ مِن حُزْنِ نَفْسِهِ لا مِن حُزْنِ العَيْنَيْنِ.

وجُمِعَتِ الحَسَراتُ مَعَ أنَّ اسْمَ الجِنْسِ صالِحٌ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ الأفْرادِ قَصْدًا لِلتَّنْبِيهِ عَلى إرادَةِ أفْرادٍ كَثِيرَةٍ مِن جِنْسِ الحَسْرَةِ لِأنَّ تَلَفَ النَّفْسِ يَكُونُ عِنْدَ تَعاقُبِ الحَسَراتِ الواحِدَةِ تِلْوَ الأُخْرى لِدَوامِ المُتَحَسَّرِ مِنهُ فَكُلُّ تَحَسُّرٍ يَتْرُكُ حَزازَةً وكَمَدًا في النَّفْسِ حَتّى يَبْلُغَ إلى الحَدِّ الَّذِي لا تُطِيقُهُ النَّفْسُ فَيَنْفَطِرَ لَهُ القَلْبُ فَإنَّهُ قَدْ عُلِمَ في الطِّبِّ أنَّ المَوْتَ مِن شِدَّةِ الألَمِ كالضَّرْبِ المُبَرِّحِ وقَطْعِ الأعْضاءِ سَبَبُهُ اخْتِلالُ حَرَكَةِ القَلْبِ مِن تَوارُدِ الآلامِ عَلَيْهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ﴾ بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ والهاءِ ورَفْعِ ”نَفْسُكَ“ عَلى أنَّهُ نَهْيٌ لِنَفْسِهِ وهو كِنايَةٌ ظاهِرَةٌ عَنْ نَهْيِهِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِضَمِّ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ الهاءِ ونَصْبِ ”نَفْسَكَ“ عَلى أنَّهُ نَهْيُ الرَّسُولِ أنْ يُذْهِبَ نَفْسَهُ.

وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى فاءاتٍ أرْبَعٍ كُلُّها لِلسَّبَبِيَّةِ والتَّفْرِيعِ وهي الَّتِي بَلَغَ بِها نَظْمُ الآيَةِ إلى هَذا الإيجازِ البالِغِ حَدَّ الإعْجازِ وفي اجْتِماعِها مُحَسِّنُ جَمْعِ النَّظائِرِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ تَصْلُحُ لِإفادَةِ التَّصَبُّرِ والتَّحَلُّمِ، أيْ أنَّ اللَّهَ

صفحة ٢٦٧

عَلِيمٌ بِصُنْعِهِمْ في المُخالَفَةِ عَنْ أمْرِهِ فَكَما أنَّهُ لِحِلْمِهِ لَمْ يُعَجِّلْ بِمُؤاخَذَتِهِمْ فَكُنْ أنْتَ مُؤْتَسِيًا بِاللَّهِ ومُتَخَلِّقًا بِما تَسْتَطِيعُهُ مِن صِفاتِهِ، وفي ضِمْنِ هَذا كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ إفْلاتِهِمْ مِنَ العَذابِ عَلى سُوءِ عَمَلِهِمْ، ولَيْسَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ مَعْنى التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ لِأنَّ كَمَدَ نَفْسِ الرَّسُولِ ﷺ لَمْ يَكُنْ لِأجْلِ تَأْخِيرِ عِقابِهِمْ ولَكِنْ لِأجْلِ عَدَمِ اهْتِدائِهِمْ.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ ”إنَّ“ إمّا تَمْثِيلٌ لِحالِ الرَّسُولِ ﷺ بِحالِ مَن أغْفَلَهُ التَّحَسُّرُ عَلَيْهِمْ عَنِ التَّأمُّلِ في إمْهالِ اللَّهِ إيّاهم فَأكَّدَ لَهُ الخَبَرَ بِـ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾، وإمّا لِجَعْلِ التَّأْكِيدِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ لِتَكُونَ ”إنَّ“ مُغْنِيَةً غَناءَ فاءِ التَّفْرِيعِ فَتَتَمَخَّضَ الجُمْلَةُ لِتَقْرِيرِ التَّسْلِيَةِ والتَّعْرِيضِ بِالجَزاءِ عَنْ ذَلِكَ.

وعَبَّرَ بِـ ”يَصْنَعُونَ“ دُونَ: يَعْمَلُونَ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم يُدَبِّرُونَ مَكائِدَ لِلنَّبِيءِ ﷺ ولِلْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُ هَذا الكَلامُ إيذانًا بِوُجُودِ باعِثٍ آخَرَ عَلى النَّزْعِ عَنِ الحَسْرَةِ عَلَيْهِمْ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المُرادَ بِهِ أبُو جَهْلٍ وحِزْبُهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском