Ibn 'AshurYa-Sin · 36:20–30

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ya-Sin 36:20–30

36:20–25Page 441

وَجَآءَ مِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢٠

And there came from the farthest end of the city a man, running. He said, "O my people, follow the messengers.

ٱتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسۡـَٔلُكُمۡ أَجۡرٗا وَهُم مُّهۡتَدُونَ ٢١

Follow those who do not ask of you [any] payment, and they are [rightly] guided.

وَمَالِيَ لَآ أَعۡبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢٢

And why should I not worship He who created me and to whom you will be returned?

ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً إِن يُرِدۡنِ ٱلرَّحۡمَٰنُ بِضُرّٖ لَّا تُغۡنِ عَنِّي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يُنقِذُونِ ٢٣

Should I take other than Him [false] deities [while], if the Most Merciful intends for me some adversity, their intercession will not avail me at all, nor can they save me?

إِنِّيٓ إِذٗا لَّفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٢٤

Indeed, I would then be in manifest error.

إِنِّيٓ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمۡ فَٱسۡمَعُونِ ٢٥

Indeed, I have believed in your Lord, so listen to me."

﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا وهم مُهْتَدُونَ﴾ ﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا ولا يُنْقِذُونِ﴾ ﴿إنِّيَ إذًا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إنِّيَ آمَنتُ بِرَبِّكم فاسْمَعُونِ﴾ عُطِفَ عَلى قِصَّةِ التَّحاوُرِ الجارِي بَيْنَ أصْحابِ القَرْيَةِ والرُّسُلِ الثَّلاثَةِ لِبَيانِ البَوْنِ بَيْنَ حالِ المُعانِدِينَ مِن أهَّلِ القَرْيَةِ وحالِ الرَّجُلِ المُؤْمِنِ مِنهُمُ الَّذِي وعَظَهم بِمَوْعِظَةٍ بالِغَةٍ وهو مِن نَفَرٍ قَلِيلٍ مِن أهْلِ القَرْيَةِ.

فَلَكَ أنْ تَجْعَلَ جُمْلَةَ ﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ جاءَها المُرْسَلُونَ ولَكَ أنْ تَجْعَلَها عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿فَقالُوا إنّا إلَيْكم مُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٤] .

والمُرادُ بِالمَدِينَةِ هُنا نَفْسُ القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ (﴿أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣]) عُبِّرَ عَنْها هُنا بِالمَدِينَةِ تَفَنُّنًا، فَيَكُونُ أقْصى صِفَةً لِمَحْذُوفٍ هو المُضافُ في المَعْنى إلى المَدِينَةِ. والتَّقْدِيرُ: مِن بَعِيدِ المَدِينَةِ، أيْ طَرَفِ المَدِينَةِ، وفائِدَةُ ذِكْرِ أنَّهُ جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ الإشارَةُ إلى أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ ظَهَرَ في أهْلِ رَبَضِ المَدِينَةِ قَبْلَ ظُهُورِهِ في قَلْبِ المَدِينَةِ لِأنَّ قَلْبَ المَدِينَةِ هو مَسْكَنُ حُكّامِها وأحْبارِ اليَهُودِ وهم أبْعَدُ عَنِ الِإنْصافِ والنَّظَرِ في صِحَّةِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِمُ الرُّسُلُ، وعامَّةُ سُكّانِها تَبَعٌ لِعُظَمائِها لِتَعَلُّقِهِمْ بِهِمْ وخَشْيَتِهِمْ بَأْسَهم بِخِلافِ أطْرافِ سُكّانِ المَدِينَةِ فَهم أقْرَبُ إلى الِاسْتِقْلالِ بِالنَّظَرِ وقِلَّةِ اكْتِراثٍ بِالآخَرِينَ لِأنَّ سُكّانَ أطْرافِ المَدِينَةِ غالِبُهم عَمَلَةُ أنْفُسِهِمْ لِقُرْبِهِمْ مِنَ البَدْوِ.

وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ تَقْدِيمِ (مِن أقْصى المَدِينَةِ) عَلى (رَجُلٍ) لِلِاهْتِمامِ بِالثَّناءِ

صفحة ٣٦٦

عَلى أهْلِ أقْصى المَدِينَةِ. وأنَّهُ قَدْ يُوجَدُ الخَيْرُ في الأطْرافِ ما لا يُوجَدُ في الوَسَطِ، وأنَّ الإيمانَ يَسْبِقُ إلَيْهِ الضُّعَفاءُ لِأنَّهم لا يَصُدُّهم عَنِ الحَقِّ ما فِيهِ أهَّلُ السِّيادَةِ مِن تَرَفُّقٍ وعَظَمَةٍ إذِ المُعْتادُ أنَّهم يَسْكُنُونَ وسَطَ المَدِينَةِ، قالَ أبُو تَمّامٍ:

كانَتْ هي الوَسَطَ المَحْمِيَّ فاتَّصَلَتْ بِها الحَوادِثُ حَتّى أصْبَحَتْ طَرَفا

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ القَصَصِ ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ [القصص: ٢٠] . فَجاءَ النَّظْمُ عَلى التَّرْتِيبِ الأصْلِيِّ إذْ لا داعِي إلى التَّقْدِيمِ إذْ كانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ ناصِحًا ولَمْ يَكُنْ داعِيًا لِلْإيمانِ.

وعَلى هَذا فَهَذا الرَّجُلُ غَيْرُ مَذْكُورٍ في سِفْرِ أعْمالِ الرُّسُلِ وهو مِمّا امْتازَ القُرْآنُ بِالإعْلامِ بِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأصْحابِهِ وُجِدَ أنَّ اسْمَهُ حَبِيبُ بْنُ مُرَّةَ قِيلَ كانَ نَجّارًا - وقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ - فَلَمّا أشْرَفَ الرُّسُلُ عَلى المَدِينَةِ رَآهم ورَأى مُعْجِزَةً لَهم أوْ كَرامَةً فَآمَنَ. وقِيلَ: كانَ مُؤْمِنًا مِن قَبْلُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ هَذا الرَّجُلُ الَّذِي وصَفَهُ المُفَسِّرُونَ بِالنَّجّارِ أنَّهُ هو ”سَمْعانُ“ الَّذِي يُدْعى ”بِالنَّيْجَرِ“ المَذْكُورُ في الإصْحاحِ الحادِيَ عَشَرَ مِن سِفْرِ أعْمالِ الرُّسُلِ وأنَّ وصْفَ النَّجّارِ مُحَرَّفٌ عَنْ ”نَيْجَر“ فَقَدْ جاءَ في الأسْماءِ الَّتِي جَرَتْ في كَلامِ المُفَسِّرِينَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ اسْمُ شَمْعُونَ الصَّفا أوْ سَمْعانَ. ولَيْسَ هَذا الِاسْمُ مَوْجُودًا في كِتابِ أعْمالِ الرُّسُلِ.

ووَصْفُ الرَّجُلِ بِالسَّعْيِ يُفِيدُ أنَّهُ جاءَ مُسْرِعًا وأنَّهُ بَلَغَهُ هَمُّ أهْلِ المَدِينَةِ بِرَجْمِ الرُّسُلِ أوْ تَعْذِيبِهِمْ، فَأرادَ أنْ يَنْصَحَهم خَشْيَةً عَلَيْهِمْ وعَلى الرُّسُلِ، وهَذا ثَناءٌ عَلى هَذا الرَّجُلِ يُفِيدُ أنَّهُ مِمَّنْ يُقْتَدى بِهِ في الإسْراعِ إلى تَغَيُّرِ المُنْكَرِ.

وجُمْلَةُ قالَ (يا قَوْمِ) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ (جاءَ رَجُلٌ) لِأنَّ مَجِيئَهُ لَمّا كانَ لِهَذا الغَرَضِ كانَ مِمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ المَجِيءُ المَذْكُورُ.

وافْتِتاحُ خِطابِهِ إيّاهم بِنِدائِهِمْ بِوَصْفِ القَوْمِيَّةِ لَهُ قَصْدٌ مِنهُ أنَّ في كَلامِهِ الإيماءَ إلى أنَّ ما سَيُخاطِبُهم بِهِ هو مَحْضُ نَصِيحَةٍ لِأنَّهُ يُحِبُّ لِقَوْمِهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ.

والِاتِّباعُ: الِامْتِثالُ، اسْتُعِيرَ لَهُ الِاتِّباعُ تَشْبِيهًا لِلْأخْذِ بِرَأْيِ غَيْرِهِ بِالمُتَّبِعِ لَهُ في سَيْرِهِ.

والتَّعْرِيفُ في المُرْسَلِينَ لِلْعَهْدِ.

صفحة ٣٦٧

وجُمْلَةُ ﴿اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا﴾ مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ (﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾) مَعَ زِيادَةِ الإيماءِ إلى عِلَّةِ اتِّباعِهِمْ بِلَوائِحِ عَلاماتِ الصِّدْقِ والنُّصْحِ عَلى رِسالَتِهِمْ إذْ هم يَدْعُونَ إلى هُدًى، ولا نَفْعَ يَنْجَرُّ لَهم مِن ذَلِكَ فَتَمَحَّضَتْ دَعْوَتُهم لِقَصْدِ هِدايَةِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ، وهَذِهِ كَلِمَةٌ حِكْمَةٌ جامِعَةٌ، أيِ اتَّبِعُوا مَن لا تَخْسَرُونَ مَعَهم شَيْئًا مِن دُنْياكم وتَرْبَحُونَ صِحَّةَ دِينِكم.

وإنَّما قُدِّمَ في الصِّلَةِ عَدَمُ سُؤالِ الأجْرِ عَلى الِاهْتِداءِ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا في شَكٍّ مِن صِدْقِ المُرْسَلِينَ وكانَ مِن دَواعِي تَكْذِيبِهِمُ اتِّهامُهم بِأنَّهم يَجُرُّونَ لِأنْفُسِهِمْ نَفْعًا مِن ذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ لَمّا غَلَبَ عَلَيْهِمُ التَّعَلُّقُ بِحُبِّ المالِ وصارُوا بُعَداءَ عَنْ إدْراكِ المَقاصِدِ السّامِيَةِ كانُوا يَعُدُّونَ كُلَّ سَعْيٍ يَلُوحُ عَلى امْرِئٍ إنَّما يَسْعى بِهِ إلى نَفْعِهِ. فَقَدَّمَ ما يُزِيلُ عَنْهم هَذِهِ الِاسْتِرابَةَ ولِيتَهَيَّوْا إلى التَّأمُّلِ فِيما يَدْعُونَهم إلَيْهِ، ولِأنَّ هَذا مِن قَبِيلِ التَّخْلِيَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُرْسَلِينَ والمُرْسَلِ إلَيْهِمْ، والتَّخْلِيَةُ تُقَدَّمُ عَلى التَّحْلِيَةِ، فَكانَتْ جُمْلَةُ لا يَسْألُكم أجْرًا أهَمَّ في صِلَةِ المَوْصُولِ.

والأجْرُ يَصْدُقُ بِكُلِّ نَفْعٍ دُنْيَوِيٍّ يَحْصُلُ لِأحَدٍ مِن عَمَلِهِ فَيَشْمَلُ المالَ والجاهَ والرِّئاسَةَ. فَلَمّا نُفِيَ عَنْهم أنْ يَسْألُوا أجْرًا فَقَدْ نُفِيَ عَنْهم أنْ يَكُونُوا يَرْمُونَ مِن دَعْوَتِهِمْ إلى نَفْعٍ دُنْيَوِيٍّ يَحْصُلُ لَهم.

وبَعْدَ ذَلِكَ تَهَيَّأُ المَوْقِعُ لِجُمْلَةِ (﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾) أيْ وهم مُتَّصِفُونَ بِالِاهْتِداءِ إلى ما يَأْتِي بِالسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ، وهم إنَّما يَدْعُونَكم إلى أنْ تَسِيرُوا سِيرَتَهم فَإذا كانُوا هم مُهْتَدِينَ فَإنَّ ما يَدْعُونَكم إلَيْهِ مِنَ الِاقْتِداءِ بِهِمْ دَعْوَةً إلى الهُدى، فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِمَوْقِعِها بَعْدَ الَّتِي قَبْلَها ثَناءً عَلى المُرْسَلِينَ وعَلى ما يَدْعُونَ إلَيْهِ وتَرْغِيبًا في مُتابَعَتِهِمْ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قَدْ مَثَّلَ بِها القَزْوِينِيُّ في الإيضاحِ والتَّلْخِيصِ لِلْإطْنابِ المُسَمّى بِالإيغالِ وهو أنْ يُؤْتى بَعْدَ تَمامِ المَعْنى المَقْصُودِ بِكَلامٍ آخَرَ يَتِمُّ المَعْنى بِدُونِهِ لِنُكْتَةٍ، وقَدْ تَبَيَّنَ لَكَ مِمّا فَسَّرْنا بِهِ أنَّ قَوْلَهُ (﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾) لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ زِيادَةٍ بَلْ كانَ لِتَوَقُّفِ المَوْعِظَةِ عَلَيْها، وكانَ قَوْلُهُ (﴿مَن لا يَسْألُكم أجْرًا﴾) كالتَّوْطِئَةِ لَهُ. ونَعْتَذِرُ لِصاحِبِ التَّلْخِيصِ بِأنَّ المِثالَ يَكْفِي فِيهِ الفَرْضُ والتَّقْدِيرُ.

صفحة ٣٦٨

وجاءَتِ الجُمْلَةُ الأُولى مِنَ الصِّلَةِ فِعْلِيَّةً مَنفِيَّةً لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ أنْ يَحْدُثَ مِنهم سُؤالُ أجْرٍ فَضْلًا عَنْ دَوامِهِ وثَباتِهِ، وجاءَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ اسْمِيَّةً لِإفادَةِ إثْباتِ اهْتِدائِهِمْ ودَوامِهِ بِحَيْثُ لا يُخْشى مَن يَتَّبِعُهم أنْ يَكُونَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ غَيْرَ مُهْتَدٍ.

وقَوْلُهُ (﴿ومالِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾) قَصَدَ إشْعارَهم بِأنَّهُ اتَّبَعَ المُرْسَلِينَ وخَلَعَ عِبادَةَ الأوْثانِ، وأبْرَزَ الكَلامَ في صُورَةِ اسْتِفْهامٍ إنْكارِيٍّ وبِصِيغَةِ: ما لِيَ لا أفْعَلُ، الَّتِي شَأْنُها أنْ يُورِدَها المُتَكَلِّمُ في رَدِّ مَن أنْكَرَ عَلَيْهِ فِعْلًا، أوْ مَلَكَهُ العَجَبُ مِن فِعْلِهِ أوْ يُورِدُها مَن يُقَدِّرُ ذَلِكَ في قَلْبِهِ، فَفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ عَلَيْهِ الدَّعْوَةَ إلى تَصْدِيقِ الرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ سَبَقَهم بِما أمَرَهم بِهِ.

و”ما“ اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَوْضِعِ رَفْعِ الِابْتِداءِ، والمَجْرُورُ مِن قَوْلِهِ لِي خَبَرٌ عَنْ ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ.

وجُمْلَةُ لا أعْبُدُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ. والمَعْنى: وما يَكُونُ لِي في حالِ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي، أيْ لا شَيْءَ يَمْنَعُنِي مِن عِبادَةِ الَّذِي خَلَقَنِي، وهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْرِيضِ بِهِمْ كَأنَّهُ يَقُولُ: وما لِيَ لا أعْبُدُ وما لَكَمَ لا تَعْبُدُونَ الَّذِي فَطَرَكم بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ (وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ) إذْ جَعَلَ الإسْنادَ إلى ضَمِيرِهِمْ تَقْوِيَةً لِمَعْنى التَّعَرُّضِ، وإنَّما ابْتَدَأهُ بِإسْنادِ الخَبَرِ إلى نَفْسِهِ لِإبْرازِهِ في مَعْرِضِ المُناصَحَةِ لِنَفْسِهِ وهو مُرِيدٌ مُناصَحَتَهم لِيَتَلَطَّفَ بِهِمْ ويُدارِئَهم فَيُسْمِعَهُمُ الحَقَّ عَلى وجْهٍ لا يُثِيرُ غَضَبَهم ويَكُونُ أعْوَنَ عَلى قَبُولِهِمْ إيّاهُ حِينَ يَرَوْنَ أنَّهُ لا يُرِيدُ لَهم إلّا ما يُرِيدُ لِنَفْسِهِ.

ثُمَّ أتْبَعَهُ بِإبْطالِ عِبادَةِ الأصْنامِ فَرَجَعَ إلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ بِقَوْلِهِ ﴿أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ وهي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِاسْتِشْعارِ سُؤالٍ عَنْ وُقُوعِ الِانْتِفاعِ بِشَفاعَةِ تِلْكَ الآلِهَةِ عِنْدَ الَّذِي فَطَرَهُ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيُّ أيْ أُنْكِرُ عَلى نَفْسِي أنْ أتَّخِذَ مِن دُونِهِ آلِهَةً، أيْ لا أتَّخِذُ آلِهَةً.

والِاتِّخاذٌ: افْتِعالٌ مِنَ الأخْذِ وهو التَّناوُلُ، والتَّناوُلُ يُشْعِرُ بِتَحْصِيلِ ما لَمْ يَكُنْ قَبْلُ، فالِاتِّخاذُ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ صُنِعَ وذَلِكَ مِن تَمامِ التَّعْرِيضِ بِالمُخاطَبِينَ أنَّهم جَعَلُوا الأوْثانَ آلِهَةً ولَيْسَتْ بِآلِهَةٍ لِأنَّ الإلَهَ الحَقَّ لا يُجْعَلُ جَعْلًا ولَكِنَّهُ مُسْتَحِقٌّ الإلَهِيَّةَ بِالذّاتِ.

صفحة ٣٦٩

ووَصَفَ الآلِهَةَ المَزْعُومَةَ المَفْرُوضَةَ الِاتِّخاذِ بِجُمْلَةِ الشَّرْطِ بِقَوْلِهِ ﴿إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا ولا يُنْقِذُونِ﴾، والمَقْصُودُ: التَّعْرِيضُ بِالمُخاطَبِينَ في اتِّخاذِهِمْ تِلْكَ الآلِهَةِ بِعِلَّةِ أنَّها تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ وتُقَرِّبُهم إلَيْهِ زُلْفى. وقَدْ عَلِمَ مِنِ انْتِفاءِ دَفْعِهِمُ الضُّرَّ أنَّهم عاجِزُونَ عَنْ جَلْبِ نَفْعٍ لِأنَّ دَواعِيَ دَفْعِ الضُّرِّ عَنِ المَوْلى أقْوى وأهَمُّ، ولَحاقُ العارِ بِالوَلِيِّ في عَجْزِهِ عَنْهُ أشَدُّ.

وجاءَ بِوَصْفِ الرَّحْمَنِ دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ لِلْوَجْهِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وما أنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ﴾ [يس: ١٥] .

والإنْقاذُ: التَّخْلِيصُ مِن غَلَبٍ أوْ كَرْبٍ أوْ حَيْرَةٍ، أيْ لا تَنْفَعُنِي شَفاعَتُهم عِنْدَ اللَّهِ الَّذِي أرادَنِي بِضُرٍّ ولا يُنْقِذُونَنِي مِنَ الضُّرِّ إذا أصابَنِي.

وإذْ قَدْ نُفِيَ عَنْ شَفاعَتِهِمُ النَّفْعُ لِلْمَشْفُوعِ فِيهِ فَقَدْ نُفِيَ عَنْهم أنْ يَشْفَعُوا بِطَرِيقِ الِالتِزامِ لِأنَّ مَن يَعْلَمُ أنَّهُ لا يُشَفَّعُ لا يَشْفَعُ، فَكَأنَّهُ قالَ: أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً لا شَفاعَةَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ، لِإبْطالِ اعْتِقادِهِمْ أنَّهم شُفَعاءُ مَقْبُولُو الشَّفاعَةِ. وإذْ كانَتْ شَفاعَتُهم لا تَنْفَعُ لِعَجْزِهِمْ وعَدَمِ مُساواتِهِمْ لِلَّهِ الَّذِي يَضُرُّ ويَنْفَعُ في صِفاتِ الإلَهِيَّةِ كانَ انْتِفاءُ أنْ يُنْقِذُوا أوْلى. وإنَّما ذُكِرَ العُدُولُ عَنْ دَلالَةِ الفَحْوى إلى دَلالَةِ المَنطُوقِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَصْرِيحٍ لِتَعَلُّقِهِ بِالإيمانِ وهو أساسُ الصَّلاحِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنِّي إذًا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ. فَحَرْفُ إذًا جَزاءٌ لِلْمَنفِيِّ لا لِلنَّفْيِ، أيْ إنِ اتَّخَذَتُ مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً أكُنْ في ضَلالٍ مُبِينٍ.

وجُمْلَةُ ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكم فاسْمَعُونِ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الغايَةِ مِنَ الخِطابِ والنَّتِيجَةِ مِنَ الدَّلِيلِ. وهَذا إعْلانٌ لِإيمانِهِ وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّ اللَّهَ هو رَبُّهم لا تِلْكَ الأصْنامِ.

وأُكِّدَ الإعْلانُ بِتَفْرِيعِ فاسْمَعُونِ اسْتِدْعاءً لِتَحْقِيقِ أسْماعِهِمْ إنْ كانُوا في غَفْلَةٍ.

36:26–29Page 441

قِيلَ ٱدۡخُلِ ٱلۡجَنَّةَۖ قَالَ يَٰلَيۡتَ قَوۡمِي يَعۡلَمُونَ ٢٦

It was said, "Enter Paradise."1 He said, "I wish my people could know

بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ ٢٧

Of how my Lord has forgiven me and placed me among the honored."

۞ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِن جُندٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ ٢٨

And We did not send down upon his people after him any soldiers from the heaven, nor would We have done so.

إِن كَانَتۡ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَإِذَا هُمۡ خَٰمِدُونَ ٢٩

It was not but one shout,1 and immediately they were extinguished.

صفحة ٣٧٠

﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِما يَنْتَظِرُهُ سامِعُ القِصَّةِ مِن مَعْرِفَةِ ما لَقِيَهُ مِن قَوْمِهِ بَعْدَ أنْ واجَهَهم بِذَلِكَ الخِطابِ الجَزْلِ. وهَلِ اهْتَدَوْا بِهَدْيِهِ أوْ أعْرَضُوا عَنْهُ وتارَكُوهُ أوْ آذَوْهُ كَما يُؤْذى أمْثالُهُ مِنَ الدّاعِينَ إلى الحَقِّ المُخالِفِينَ هَوى الدَّهْماءِ فَيُجابُ بِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾ وهو الأهَمُّ عِنْدَ المُسْلِمِينَ وهم مِنَ المَقْصُودِينَ بِمَعْرِفَةِ مِثْلِ هَذا لِيَزْدادُوا يَقِينًا وثَباتًا في إيمانِهِمْ، وأمّا المُشْرِكُونَ فَحَظُّهم مِنَ المَثَلِ ما تَقَدَّمَ وما يَأْتِي مِن قَوْلِهِ إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم خامِدُونَ.

وفِي قَوْلِهِ ﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾ كِنايَةٌ عَنْ قَتْلِهِ شَهِيدًا في إعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ لِأنَّ تَعْقِيبَ مَوْعِظَتِهِ بِأمْرِهِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ دُفْعَةً بِلا انْتِقالٍ يُفِيدُ بِدَلالَةِ الِاقْتِضاءِ أنَّهُ ماتَ وأنَّهم قَتَلُوهُ لِمُخالَفَتِهِ دِينَهم، قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: قَتَلُوهُ رَجْمًا بِالحِجارَةِ، وقالَ بَعْضُهم: أحْرَقُوهُ، وقالَ بَعْضُهم: حَفَرُوا لَهُ حُفْرَةً ورَدَمُوهُ فِيها حَيًّا.

وإنَّ هَذا الرَّجُلَ المُؤْمِنَ قَدْ أُدْخِلَ الجَنَّةَ عَقِبَ مَوْتِهِ لِأنَّهُ كانَ مِنَ الشُّهَداءِ، والشُّهَداءُ لَهم مَزِيَّةَ التَّعْجِيلِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ دُخُولًا غَيْرَ مُوَسَّعٍ. فَفي الحَدِيثِ «إنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في حَواصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ تَأْكُلُ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ» .

والقائِلُ ادْخُلِ الجَنَّةَ هو اللَّهُ تَعالى.

والمَقُولُ لَهُ هو الرَّجُلُ الَّذِي جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ ضَمِيرُ المَقُولِ لَهُ مَجْرُورًا بِاللّامِ لِأنَّ القَوْلَ المَذْكُورَ هُنا قَوْلٌ تَكْوِينِيٌّ لا يُقْصَدُ مِنهُ المُخاطَبُ بِهِ بَلْ يُقْصَدُ حِكايَةُ حُصُولِهِ؛ لِأنَّهُ إذا حَصَلَ حَصَلَ أثَرُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]) .

وإذْ لَمْ يَقُصَّ في المَثَلِ أنَّهُ غادَرَ مَقامَهَ الَّذِي قامَ فِيهِ بِالمَوْعِظَةِ كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّهُ ماتَ في مَقامِهِ ذَلِكَ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ ماتَ قَتِيلًا في ذَلِكَ الوَقْتِ أوْ بِأثَرِهِ.

وإنَّما سَلَكَ في هَذا المَعْنى طَرِيقَ الكِنايَةِ ولَمْ يُصَرِّحْ بِأنَّهم قَتَلُوهُ إغْماضًا لِهَذا المَعْنى عَنِ المُشْرِكِينَ كَيْلا يَسُرُّهم أنَّ قَوْمَهُ قَتَلُوهُ فَيَجْعَلُوهُ مِن جُمْلَةِ ما ضُرِبَ بِهِ

صفحة ٣٧١

المَثَلُ لَهم ولِلرَّسُولِ ﷺ فَيَطْمَعُوا فِيهِ أنَّهم يَقْتُلُونَ الرَّسُولَ ﷺ فَهَذِهِ الكِنايَةُ لا يَفْهَمُها إلّا أهْلُ الإسْلامِ الَّذِينَ تَقَرَّرَ عِنْدَهُمُ التَّلازُمُ بَيْنَ الشَّهادَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ ودُخُولِ الجَنَّةِ، أمّا المُشْرِكُونَ فَيَحْسَبُونَ أنَّ ذَلِكَ في الآخِرَةِ. وقَدْ تَكُونُ في الكَلامِ البَلِيغِ خَصائِصُ يَخْتَصُّ بِنَفْعِها بَعْضُ السّامِعِينَ.

وجُمْلَةُ ﴿قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ أيْضًا اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ السّامِعَ يَتَرَقَّبُ ماذا قالَ حِينَ غَمَرَهُ الفَرَحُ بِدُخُولِ الجَنَّةِ. والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ يُلْهِهِ دُخُولُ الجَنَّةِ عَنْ حالِ قَوْمِهِ، فَتَمَنّى أنْ يَعْلَمُوا ماذا لَقِيَ مِن رَبِّهِ لِيَعْلَمُوا فَضِيلَةَ الإيمانِ فَيُؤْمِنُوا وما تَمَنّى هَلاكَهم ولا الشَّماتَةَ بِهِمْ فَكانَ مُتَّسِمًا بِكَظْمِ الغَيْظِ وبِالحِلْمِ عَلى أهْلِ الجَهْلِ، وذَلِكَ لِأنَّ عالَمَ الحَقائِقِ لا تَتَوَجَّهُ فِيهِ النَّفْسُ إلّا إلى الصَّلاحِ المَحْضِ ولا قِيمَةَ لِلْحُظُوظِ الدَّنِيَّةَ وسَفْسافِ الأُمُورِ.

وأُدْخِلَتِ الباءُ عَلى مَفْعُولِ يَعْلَمُونَ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى: يُخْبِرُونَ، لِأنَّهُ لا مَطْمَعَ في أنْ يَحْصُلَ لَهم عِلْمُ ذَلِكَ بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ.

و(ما) مِن قَوْلِهِ (﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي﴾) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ يَعْلَمُونَ بِغُفْرانِ رَبِّي وجَعْلِهِ إيّايَ مِنَ المُكْرَمِينَ.

والمُرادُ بِالمُكْرَمِينَ: الَّذِينَ تَلْحَقُهم كَرامَةُ اللَّهِ تَعالى وهُمُ المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ وأفْضَلُ الصّالِحِينَ قالَ تَعالى بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ يَعْنِي المَلائِكَةَ وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

* * *

صفحة ٥

﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ ﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم خامِدُونَ﴾ رُجُوعٌ إلى قِصَّةِ أصْحابِ القَرْيَةِ بَعْدَ أنِ انْقَطَعَ الحَدِيثُ عَنْهم بِذِكْرِ الرَّجُلِ المُؤْمِنِ الَّذِي جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ ناصِحًا لَهم وكانَ هَذا الرُّجُوعُ بِمُناسَبَةِ أنَّ القَوْمَ قَوْمُ ذَلِكَ الرَّجُلِ.

فَجُمْلَةُ ﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ﴾ إلَخْ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾ فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ أيْضًا اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ السّامِعَ يَتَشَوَّفُ إلى مَعْرِفَةِ ما كانَ مِن هَذا الرَّجُلِ ومِن أمْرِ قَوْمِهِ الَّذِينَ نَصَحَهم فَلَمْ يَنْتَصِحُوا فَلَمّا بَيَّنَ لِلسّامِعِ ما كانَ مِن أمْرِهِ عُطِفَ عَلَيْهِ بَيانُ ما كانَ مِن أمْرِ القَوْمِ بَعْدَهُ.

وافْتِتاحُ قِصَّةِ عِقابِهِمْ في الدُّنْيا بِنَفْيِ صُورَةٍ مِن صُوَرِ الِانْتِقامِ تَمْهِيدٌ لِلْمَقْصُودِ مِن أنَّهم ما حَلَّ بِهِمْ إلّا مِثْلُ ما حَلَّ بِأمْثالِهِمْ مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ، أيْ لَمْ نُنْزِلْ جُنُودًا مِنَ السَّماءِ مَخْلُوقَةً لِقِتالِ قَوْمِهِ، أوْ لَمْ نُنْزِلْ جُنُودًا مِنَ المَلائِكَةِ مِنَ السَّماءِ لِإهْلاكِهِمْ، وما كانَتْ عُقُوبَتُهم إلّا صَيْحَةً واحِدَةً مِن مَلَكٍ واحِدٍ أهْلَكَتْهم جَمِيعًا.

و(مِن) في قَوْلِهِ مِن بَعْدِهِ مَزِيدَةٌ في الظَّرْفِ لِتَأْكِيدِ اتِّصالِ المَظْرُوفِ بِالظَّرْفِ. وأصْلُها (مِن) الِابْتِدائِيَّةِ، وإضافَةُ (بَعْدِ) إلى ضَمِيرِ الرَّجُلِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ شائِعِ الحَذْفِ، أيْ بَعْدَ مَوْتِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾ [البقرة: ١٣٣]

صفحة ٦

و(مِن) في قَوْلِهِ مِن جُنْدٍ مُؤَكِّدَةٌ لِعُمُومِ جُنْدٍ في سِياقِ النَّفْيِ، و(مِنَ) في قَوْلِهِ مِنَ السَّماءِ ابْتِدائِيَّةٌ، وفي الإتْيانِ بِحَرْفٍ مِن ثَلاثِ مَرّاتٍ مَعَ اخْتِلافِ المَعْنى مُحَسِّنُ الجِناسِ.

وفِي هَذا تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ إذْ قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] أيْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ الَّذِي تَدَّعِي أنَّهُ أرْسَلَكَ ومَعَهُ جُنْدُهُ مِنَ المَلائِكَةِ لِيَثْأرَ لَكَ.

فَجُمْلَةُ ﴿وما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ نَوْعَيِ العِقابِ المَنفِيِّ والمُثْبَتِ، لِقَصْدِ الرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ بِأنَّ سُنَّةَ اللَّهِ تَعالى لَمْ تَجْرِ بِإنْزالِ الجُنُودِ عَلى المُكَذِّبِينَ، وشَأْنُ العاصِينَ أدْوَنُ مِن هَذا الِاهْتِمامِ.

والصَّيْحَةُ: المَرَّةُ مِنَ الصِّياحِ، بِوَزْنِ فَعْلَةٍ، فَوَصْفُهُا بِواحِدَةٍ تَأْكِيدٌ لِمَعْنى الوَحْدَةِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ المُرادَ الجِنْسُ المُفْرَدُ مِن بَيْنِ الأجْناسِ، و(صَيْحَةً) مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ”كانَتْ“ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ المُفْرَّغِ، ولَحاقُ تاءِ التَّأْنِيثِ بِالفِعْلِ مَعَ نَصْبِ (صَيْحَةً) مُشِيرٌ إلى أنَّ المُسْتَثْنى مِنهُ المَحْذُوفَ العُقُوبَةُ أوِ الصَّيْحَةُ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها صَيْحَةً واحِدَةً، أيْ لَمْ تَكُنِ العُقُوبَةُ أوِ الصَّيْحَةُ إلّا صَيْحَةً مِن صِفَتِها أنَّها واحِدَةٌ إلى آخِرِهِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِ ”صَيْحَةٌ“ عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، أيْ ما وقَعَتْ إلّا صَيْحَةٌ واحِدَةٌ.

ومَجِيءُ ”إذا“ الفُجائِيَّةُ في الجُمْلَةِ المُفَرَّعَةِ عَلى ﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ لِإفادَةِ سُرْعَةِ الخُمُودِ إلَيْهِمْ بِتِلْكَ الصَّيْحَةِ.

وهَذِهِ الصَّيْحَةُ صاعِقَةٌ كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ ثَمُودٍ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٧٣] .

والخُمُودُ: انْطِفاءُ النّارِ، اسْتُعِيرَ لِلْمَوْتِ بَعْدَ الحَياةِ المَلِيئَةِ بِالقُوَّةِ والطُّغْيانِ، لِيَتَضَمَّنَ الكَلامُ تَشْبِيهَ حالِ حَياتِهِمْ بِشُبُوبِ النّارِ وحالِ مَوْتِهِمْ بِخُمُودِ النّارِ فَحَصَلَ لِذَلِكَ اسْتِعارَتانِ إحْداهُما صَرِيحَةٌ مُصَرِّحَةٌ، وأُخْرى ضِمْنِيَّةٌ مَكْنِيَّةٌ ورَمْزُها الأُولى، وهُما الِاسْتِعارَتانِ اللَّتانِ تَضَمَّنَهُما قَوْلُ لَبِيَدٍ:

وما المَرْءُ إلّا كالشِّهابِ وضَوْئِهِ يَحُورُ رَمادًا بَعْدَ إذْ هو ساطِعُ

صفحة ٧

وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٥] في سُورَةِ الإسْراءِ، فَكانَ هَذا الإيجازُ في الآيَةِ بَدِيعًا لِحُصُولِ مَعْنى بَيْتِ لَبِيَدٍ في ثَلاثِ كَلِماتٍ.

وهَذا يُشِيرُ إلى حَدَثٍ عَظِيمٍ حَدَثَ بِأهْلِ أنْطاكِيَةَ عَقِبَ دَعْوَةِ المُرْسَلِينَ وهو كَرامَةٌ لِشُهَداءِ أتْباعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنْ كانَتِ الصَّيْحَةُ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودٍ كانَ الَّذِينَ خَمَدُوا بِها جَمِيعَ أهْلِ القَرْيَةِ، فَلَعَلَّهم كانُوا كُفّارًا كُلُّهم بَعْدَ مَوْتِ الرَّجُلِ الَّذِي وعَظَهم وبَعْدَ مُغادَرَةِ الرُّسُلِ القَرْيَةَ. ولَكِنْ مِثْلُ هَذا الحادِثِ لَمْ يَذْكُرِ التّارِيخُ حُدُوثَهُ في أنْطاكِيَةَ، فَيَجُوزُ أنْ يُهْمِلَ التّارِيخُ بَعْضَ الحَوادِثِ وخاصَّةً في أزْمِنَةِ الِاضْطِرابِ والفِتْنَةِ.

36:30Page 442

يَٰحَسۡرَةً عَلَى ٱلۡعِبَادِۚ مَا يَأۡتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٣٠

How regretful for the servants. There did not come to them any messenger except that they used to ridicule him.

﴿يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ تَذْيِيلٌ وهو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى واقِعٌ مَوْقِعَ الرَّثاءِ لِلْأُمَمِ المُكَذِّبَةِ الرُّسُلَ شامِلٌ لِلْأُمَّةِ المَقْصُودَةِ بِسَوْقِ الأمْثالِ السّابِقَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣]، واطِّرادِ هَذا السَنَنِ القَبِيحِ فِيهِمْ.

فالتَّعْرِيفُ في العِبادِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ المُسْتَعْمَلِ في الِاسْتِغْراقِ وهو اسْتِغْراقٌ ادِّعائِيٌّ رُوعِيَ فِيهِ حالُ الأغْلَبِ عَلى الأُمَمِ الَّتِي يَأْتِيها رَسُولٌ لِعَدَمِ الِاعْتِداءِ في هَذا المَقامِ بِقِلَّةِ الَّذِينَ صَدَّقُوا الرُّسُلَ ونَصَرُوهم فَكَأنَّهم كُلُّهم قَدْ كَذَّبُوا.

والعِبادُ: اسْمٌ لِلْبَشَرِ وهو جَمْعُ ”عَبْدٍ“ . والعَبْدُ: المَمْلُوكُ وجَمِيعُ النّاسِ عَبِيدُ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ خالِقُهم والمُتَصَرِّفُ فِيهِمْ قالَ تَعالى ﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ [ق: ١١] وقالَ المُغِيرَةُ بْنُ حَبْناءَ:

أمْسى العِبادُ بِشَرٍّ لا غِياثَ لَهم إلّا المُهَلَّبُ بَعْدَ اللَّهِ والمَطَـرُ

ويُجْمَعُ عَلى عَبِيدٍ وعِبادٍ وغَلَبَ الجَمْعُ الأوَّلُ عَلى عَبْدٍ بِمَعْنى مَمْلُوكٍ، والجَمْعُ الثّانِي عَلى عَبْدٍ بِمَعْنى آدَمِيِّ، وهو تَخْصِيصٌ حَسَنٌ مِنَ الِاسْتِعْمالِ العَرَبِيِّ.

والحَسْرَةُ: شِدَّةُ النَّدَمِ مَشُوبًا بِتَلَهُّفٍ عَلى نَفْعٍ فائِتٍ.

صفحة ٨

وحَرْفُ النِّداءِ هُنا لِمُجَرَّدِ التَّنْبِيهِ عَلى خَطَرِ ما بَعْدَهُ لِيُصْغِيَ إلَيْهِ السّامِعُ وكَثُرَ دُخُولُهُ في الجُمَلِ المَقْصُودِ مِنها إنْشاءُ مَعْنًى في نَفْسِ المُتَكَلِّمِ دُونَ الإخْبارِ فَيَكُونُ اقْتِرانُ ذَلِكَ الإنْشاءِ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ إعْلانًا بِما في نَفْسِ المُتَكَلِّمِ مِن مَدْلُولِ الإنْشاءِ كَقَوْلِهِمْ: يا خَيْبَةً، ويا لَعْنَةً، ويا ويْلِي، ويا فَرْحِي، ويا لَيْتَنِي، ونَحْوِ ذَلِكَ، قالَتِ امْرَأةٌ مِن طَيِّءٍ مِن أبْياتِ الحَماسَةِ:

فَيا ضَيْعَةَ الفِتْيانِ إذْ يَعْتَلُونَهُ ∗∗∗ بِبَطْنِ الشَّرا مِثْلِ الفَنِيقِ المُسَدَّمِ

وبَيْتُ الكِتابِ:

يا لَعْنَةَ اللَّهِ والأقْـوامَ كُـلَّـهُـمْ ∗∗∗ والصّالِحِينَ عَلى سِمْعانَ مِن جارِ

وقَدْ يَقَعُ النِّداءُ في مِثْلِ ذَلِكَ بِالهَمْزَةِ كَقَوْلِ جَعْفَرِ بْنِ عُلْبَةَ الحارِثِيِّ:

أُلَهْفى بِقُرّى سَحْبَلٍ حِينَ أجْلَبَتْ ∗∗∗ عَلَيْنا الوَلايا والعَدُوُّ المُباسِـلُ

وأصْلُ هَذا النِّداءِ أنَّهُ عَلى تَنْزِيلِ المَعْنى المُثِيرِ لِلْإنْشاءِ مَنزِلَةَ العاقِلِ فَيَقْصِدُ اسْمَهُ بِالنِّداءِ لِطَلَبِ حُضُورِهِ فَكانَ المُتَكَلِّمُ يَقُولُ: هَذا مَقامُكَ فاحْضُرْ، كَما يُنادى مَن يُقْصَدُ في أمْرٍ عَظِيمٍ، ويَنْتَقِلُ مِن ذَلِكَ إلى الكِتابَةِ عَمّا لَحِقَ المُتَكَلِّمَ مِن حاجَةٍ إلى ذَلِكَ المُنادِي ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ وشاعَ حَتّى تُنُوسِيَ ما فِيهِ مِنَ الِاسْتِعارَةِ والكِنايَةِ وصارَ لِمُجَرَّدِ التَّنْبِيهِ عَلى ما يَجِيءُ بَعْدَهُ، والِاهْتِمامُ حاصِلٌ في الحالَيْنِ.

وتَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ [النساء: ٧٣] في سُورَةِ النِّساءِ، وقَوْلِهِ ﴿يا ويْلَتا لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٨] في سُورَةِ الفُرْقانِ.

ومُوقِعُ مِثْلِهِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى تَمْثِيلٌ لِحالِ عِبادِ اللَّهِ تَعالى في تَكْذِيبِهِمْ رُسُلَ اللَّهِ بِحالِ مَن يَرْثِي لَهُ أهْلُهُ وُقُوعَهُ في هَلاكٍ أرادُوا مِنهُ تَجَنُّبَهُ.

وجُمْلَةُ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ﴾ بَيانٌ لِوَجْهِ التَّحَسُّرِ عَلَيْهِمْ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ وإنْ كانَ قَدْ وقَعَ بَعْدَ ذِكْرِ أهْلِ القَرْيَةِ فَإنَّهُ لَمّا عَمَّمَ عَلى جَمِيعِ العِبادِ حَدَثَ إيهامٌ في وجْهِ العُمُومِ. فَوَقَعَ بَيانُهُ بِأنَّ جَمِيعَ العِبادِ مُساوُونَ لِمَن ضُرِبَ بِهِمُ المَثَلُ ومَن ضُرِبَ لَهم في تِلْكَ الحالَةِ المُمَثَّلِ بِها ولَمْ تَنْفَعْهُمُ المَواعِظُ والنُّذُرُ البالِغَةُ إلَيْهِمْ مِنَ الرَّسُولِ المُرْسَلِ إلى كُلِّ أُمَّةٍ مِنهم ومِن مُشاهَدَةِ القُرُونِ الَّذِينَ كَذَّبُوا

صفحة ٩

الرُّسُلَ فَهَلَكُوا، فَعُلِمَ وجْهُ الحَسْرَةِ عَلَيْهِمْ إجْمالًا مِن هَذِهِ الآيَةِ ثُمَّ تَفْصِيلًا مِن قَوْلِهِ بَعْدُ ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا﴾ [يس: ٣١] إلَخْ.

والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ ﴿إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ مُفَرَّغٌ مِن أحْوالٍ عامَّةٍ مِنَ الضَّمِيرِ في يَأْتِيهِمْ أيْ لا يَأْتِيهِمْ رَسُولٌ في حالٍ مِن أحْوالِهِمْ إلّا في حالَةِ اسْتِهْزائِهِمْ بِهِ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى يَسْتَهْزِئُونَ لِلِاهْتِمامِ بِالرَّسُولِ المُشْعِرِ بِاسْتِفْظاعِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ مَعَ تَأتِّي الفاصِلَةَ بِهَذا التَّقْدِيمِ فَحَصَلَ مِنهُ غَرَضانِ مِنَ المَعانِي ومِنَ البَدِيعِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском