Ibn 'AshurYa-Sin · 36:38–44

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ya-Sin 36:38–44

36:38Page 442

وَٱلشَّمۡسُ تَجۡرِي لِمُسۡتَقَرّٖ لَّهَاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ٣٨

And the sun runs [on course] toward its stopping point. That is the determination of the Exalted in Might, the Knowing.

صفحة ١٩

﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ الشَّمْسُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى اللَّيْلِ مِن قَوْلِهِ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ [يس: ٣٧] عَطْفَ مُفْرَدٍ عَلى مُفْرِدٍ ويُقَدَّرُ لَهُ خَبَرٌ مُماثِلٌ لِخَبَرِ اللَّيْلِ، والتَّقْدِيرُ: والشَّمْسُ آيَةٌ لَهم، وتَكُونُ جُمْلَةُ تَجْرِي حالًا مِنَ الشَّمْسِ مِثْلُ جُمْلَةِ ﴿نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ [يس: ٣٧] .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفَ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ ويَكُونُ قَوْلُهُ تَجْرِي خَبَرًا عَنِ الشَّمْسِ، وأيًّا ما كانَ فَهو تَفْصِيلٌ لِإجْمالِ جُمْلَةِ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ [يس: ٣٧] إلْخَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الآتِي ﴿ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ [يس: ٤٠]، وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ مِن كَوْنِهِ تَفْصِيلًا أنْ لا يُعْطَفَ فَيُقالَ: الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها، فَخُولِفَ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِأنَّ في هَذا التَّفْصِيلِ آيَةً خاصَّةً وهي آيَةُ سَيْرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ.

وقُدِّمَ التَّنْبِيهُ عَلى آيَةِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لِما ذَكَرْناهُ هُنالِكَ، فَكانَتْ آيَةُ الشَّمْسِ المَذْكُورَةِ هُنا مُرادًا بِها دَلِيلٌ آخَرَ عَلى عَظِيمِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى وهو نِظامُ الفُصُولِ.

وجُمْلَةُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها يَتَحَمَّلُ الوُجُوهَ الَّتِي ذَكَرْناها في جُمْلَةِ أحْيَيْناها مِن كَوْنِها حالًا أوْ بَيانًا لِجُمْلَةِ ”وآيَةٌ لَهم“ أوْ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن ”آيَةٌ“ .

والجَرْيُ حَقِيقَتُهُ: السَّيْرُ السَّرِيعُ لِذَواتِ الأرْجُلِ، وأُطْلِقَ مَجازًا عَلى تَنَقُّلِ الجِسْمِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ تَنَقُّلًا سَرِيعًا بِالنِّسْبَةِ لِتَنَقُّلِ أمْثالِ ذَلِكَ الجِسْمِ، وغَلَبَ هَذا الإطْلاقُ فَساوى الحَقِيقَةَ وأُرِيدَ بِهِ السَّيْرُ في مَسافاتٍ مُتَباعِدَةٍ جِدَّ التَّباعُدِ فَتَقْطَعُها في مُدَّةٍ قَصِيرَةٍ بِالنِّسْبَةِ لِتَباعُدِ الأرْضِ حَوْلَ الشَّمْسِ. وهَذا اسْتِدْلالٌ بِآثارِ ذَلِكَ السَّيْرِ المَعْرُوفَةِ لِلنّاسِ مَعْرِفَةً إجْمالِيَّةً بِما يَحْسِبُونَ مِنَ الوَقْتِ وامْتِدادِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وهي المَعْرِفَةُ لِأهْلِ المَعْرِفَةِ بِمُراقَبَةِ أحْوالِها مِن خاصَّةِ النّاسِ وهُمُ الَّذِينَ يَرْقُبُونَ مَنازِلَ تَنَقُّلِها المُسَمّاةِ بِالبُرُوجِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، والمَعْرُوفَةِ لِأهْلِ العِلْمِ بِالهَيْئَةِ تَفْصِيلًا واسْتِدْلالًا، وكُلُّ هَؤُلاءِ مُخاطَبُونَ بِالِاعْتِبارِ بِما بَلَغَهُ عِلْمُهم.

والمُسْتَقَرُّ: مَكانُ الِاسْتِقْرارِ، أيِ القَرارُ أوْ زَمانُهُ، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلتَّأْكِيدِ مِثْلُ: اسْتَجابَ بِمَعْنى أجابَ.

صفحة ٢٠

واللّامُ في لِمُسْتَقَرٍّ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامُ التَّعْلِيلِ عَلى ظاهِرِها، أيْ تَجْرِي لِأجْلِ أنْ تَسْتَقِرَّ، أيْ لِأجْلِ أنْ يَنْتَهِيَ جَرْيُها كَما يَنْتَهِي سَيْرُ المُسافِرِ إذا بَلَغَ إلى مَكانِهِ فاسْتَقَرَّ فِيهِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ ”تَجْرِي“ عَلى أنَّهُ نِهايَةٌ لَهُ لِأنَّ سَيْرَ الشَّمْسِ لَمّا كانَتْ نِهايَتُهُ انْقِطاعَهُ نَزَلَ الِانْقِطاعُ عَنْهُ مَنزِلَةَ العِلَّةِ كَما يُقالُ (لِدُوا لِلْمَوْتِ وابْنُوا لِلْخَرابِ) .

وتَنْزِيلُ النِّهايَةِ مَنزِلَةَ العِلَّةِ مُسْتَعْمَلٌ في الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، والمَعْنى: أنَّها تَسِيرُ سَيْرًا دائِبًا مُشاهَدًا إلى أنْ تَبْلُغَ الِاحْتِجابَ عَنِ الأنْظارِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ بِمَعْنى إلى، أيْ تَجْرِي إلى مَكانِ اسْتِقْرارِها وهو مَكانُ الغُرُوبِ، شُبِّهَ غُرُوبُها عَنِ الأبْصارِ بِالمُسْتَقَرِّ والمَأْوى الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ المَرْءُ في آخِرِ النَّهارِ بَعْدَ الأعْمالِ.

وقَدْ ورَدَ تَقْرِيبُ ذَلِكَ في حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ الهَرَوِيِ في صَحِيحَي البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ وجامِعِ التِّرْمِذِيِّ بِرِواياتٍ مُخْتَلِفَةٍ حاصِلُ تَرْتِيبِها أنَّهُ قالَ: «كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ في المَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَسَألْتُهُ أوْ قالَ: إنَّ هَذِهِ تَجْرِي حَتّى تَنْتَهِيَ إلى مُسْتَقَرِّها تَحْتَ العَرْشِ فَتَخِرُّ ساجِدَةً، فَلا تَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يُقالُ لَها: ارْتَفِعِي، ارْجِعِي مِن حَيْثُ جِئْتِ، فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طالِعَةً مِن مَطْلَعِها ثُمَّ تَجْرِي حَتّى تَنْتَهِيَ إلى مُسْتَقَرِّها تَحْتَ العَرْشِ فَتَخِرُّ ساجِدَةً ولا تَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يُقالُ لَها: ارْتَفِعِي ارْجِعِي مِن حَيْثُ جِئْتِ، فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طالِعَةً مِن مَطْلَعِها، ثُمَّ تَجْرِي لا يَسْتَنْكِرُ النّاسُ مِنها شَيْئًا حَتّى تَنْتَهِيَ إلى مُسْتَقَرِّها ذاكَ تَحْتَ العَرْشِ فَيُقالُ لَها: ارْتَفِعِي أصْبِحِي طالِعَةً مِن مَغْرِبِكِ، فَتُصْبِحُ طالِعَةً مِن مَغْرِبِها فَذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَها ومُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى» ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ .

وهَذا تَمْثِيلٌ وتَقْرِيبٌ لِسَيْرِ الشَّمْسِ اليَوْمِيِّ الَّذِي يَبْتَدِئُ بِشُرُوقِها عَلى بَعْضِ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ ويَنْتَهِي بِغُرُوبِها عَلى بَعْضِ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ، في خُطُوطٍ دَقِيقَةٍ، وبِتَكَرُّرِ طُلُوعِها وغُرُوبِها تَتَكَوَّنُ السَّنَةُ الشَّمْسِيَّةُ.

وقَدْ جُعِلَ المَوْضِعُ الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ سَيْرُها هو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِتَحْتِ العَرْشِ وهو سَمْتٌ مُعَيَّنٌ لا قِبَلَ لِلنّاسِ بِمَعْرِفَتِهِ، وهو مُنْتَهى مَسافَةِ سَيْرِها اليَوْمِيِّ، وعِنْدَهُ

صفحة ٢١

يَنْقَطِعُ سَيْرُها في إبّانِ انْقِطاعِهِ، وذَلِكَ حِينَ تَطْلُعُ مِن مَغْرِبِها، أيْ حِينَ يَنْقَطِعُ سَيْرُ الأرْضِ حَوْلَ شُعاعِها لِأنَّ حَرَكَةَ الأجْرامِ التّابِعَةِ لِنِظامِها تَنْقَطِعُ تَبَعًا لِانْقِطاعِ حَرَكَتِها هي وذَلِكَ نِهايَةُ بَقاءِ هَذا العِلْمِ الدُّنْيَوِيِّ.

واللّامُ في قَوْلِهِ لَها لامُ الِاخْتِصاصِ وهو صِفَةٌ لِمُسْتَقَرٍّ، وعُدِلَ عَنْ إضافَةِ مُسْتَقَرٍّ لِضَمِيرِ الشَّمْسِ المُغْنِيَةِ عَنْ إظْهارِ اللّامِ إلى الإتْيانِ بِاللّامِ لِيَتَأتّى تَنْكِيرُ مُسْتَقَرٍّ تَنْكِيرًا مُشْعِرًا بِتَعْظِيمِ ذَلِكَ المُسْتَقَرِّ.

وكَلامُ النَّبِيءِ ﷺ هَذا تَمْثِيلٌ لِحالِ الغُرُوبِ والشُّرُوقِ اليَوْمِيَّيْنِ. وجُعِلَ سُجُودُ الشَّمْسِ تَمْثِيلًا لِتَسْخِرِها لِتَسْخِيرِ اللَّهِ إيّاها كَما جُعِلَ القَوْلُ تَمْثِيلًا لَهُ في آيَةِ ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] .

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ لِمُسْتَقَرِّ لَها إدْماجٌ لِلتَّعْلِيمِ في التَّذْكِيرِ ولَيْسَ مِن آيَةِ الشَّمْسِ لِلنّاسِ لِأنَّ النّاسَ لا يَشْعُرُونَ بِهِ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٦٠] عَقِبَ الِامْتِنانِ بِقَوْلِهِ ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٠] .

والإشارَةُ بِـ ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ إلى المَذْكُورِ: إمّا مِن قَوْلِهِ ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي﴾ أيْ ذَلِكَ الجَرْيِ، وإمّا مِنهُ ومِن قَوْلِهِ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ [يس: ٣٧] أيْ ذَلِكَ المَذْكُورُ مِن تَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ.

وذِكْرُ صِفَتِي ”العَزِيزِ العَلِيمِ“ لِمُناسَبَةِ مَعْناهُما لِلتَّعَلُّقِ بِنِظامِ سَيْرِ الكَواكِبِ، فالعِزَّةُ تُناسِبُ تَسْخِيرَ هَذا الكَوْكَبِ العَظِيمِ، والعِلْمُ يُناسِبُ النِّظامَ البَدِيعَ الدَّقِيقَ، وتَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] في سُورَةِ الفُرْقانِ.

36:39Page 442

وَٱلۡقَمَرَ قَدَّرۡنَٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلۡعُرۡجُونِ ٱلۡقَدِيمِ ٣٩

And the moon - We have determined for it phases, until it returns [appearing] like the old date stalk.

﴿والقَمَرُ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ ”قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِرَفْعِ (والقَمَرُ) فَهو إمّا مَعْطُوفٌ عَلى“ والشَّمْسُ ”تَجْرِي عَطْفَ المُفْرَداتِ، وإمّا مُبْتَدَأٌ والعَطْفُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ.

صفحة ٢٢

وجُمْلَةُ قَدَّرْناهُ إمّا حالٌ وإمّا خَبَرٌ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ وخَلَفٍ بِنَصْبِ“ القَمَرَ ”عَلى الِاشْتِغالِ فَهو إذَنْ مِن عَطْفِ الجُمَلِ.

وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مَنازِلِ القَمَرِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [يونس: ٥] في سُورَةِ يُونُسَ.

والتَّقْدِيرُ: يُطْلَقُ عَلى جَعْلِ الأشْياءِ بِقَدَرٍ ونِظامٍ مُحْكَمٍ، ويُطْلَقُ عَلى تَحْدِيدِ المِقْدارِ مِن شَيْءٍ تُطْلَبُ مَعْرِفَةُ مِقْدارِهِ مِثْلُ تَقْدِيرِ الأوْقاتِ وتَقْدِيرِ الكِمِّيّاتِ مِنَ المَوْزُوناتِ والمَعْدُوداتِ، وكِلا الإطْلاقَيْنِ مُرادٌ هُنا. فَإنَّ اللَّهَ قَدَّرَ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ نِظامَ سَيْرِهِما وقَدَّرَ بِذَلِكَ حِسابَ الفُصُولِ السَّنَوِيَّةِ والأشْهُرِ والأيّامِ واللَّيالِي.

وعُدِّيَ فَعْلُ“ قَدَّرْنا ”إلى ضَمِيرِ (القَمَرَ) الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ ذاتِهِ وإنَّما التَّقْدِيرُ لِسَيْرِهِ ولَكِنْ عُدِّيَ التَّقْدِيرُ إلى اسْمِ ذاتِهِ دُونَ ذِكْرِ المُضافِ مُبالَغَةً في لُزُومِ السَّيْرِ لَهُ مِن وقْتِ خَلْقِهِ حَتّى كَأنَّ تَقْدِيرَ سَيْرِهِ تَقْدِيرٌ لِذاتِهِ.

وانْتَصَبَ“ مَنازِلَ ”عَلى الظَّرْفِيَّةِ المَكانِيَّةِ مِثْلُ: سِرْتُ أمْيالًا، أيْ قَدَّرْنا سَيْرَهُ في مَنازِلَ يَنْتَقِلُ بِسَيْرِهِ فِيها مَنزِلَةً بَعْدَ أُخْرى.

و“ حَتّى ”ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ لَيْسَتْ حَرْفَ جَرٍّ فَإنَّ ما بَعْدَها جُمْلَةٌ. ومَعْنى الغايَةِ لا يُفارِقُ“ حَتّى ”فَآذَنَ ما فِيها مِن مَعْنى الغايَةِ بِمُغَيًّا مَحْذُوفٍ، فالغايَةُ تَسْتَلْزِمُ ابْتِداءَ شَيْءٍ. والتَّقْدِيرُ: فابْتَدَأ ضَوْءُهُ وأخَذَ في الِازْدِيادِ لَيْلَةً قَلِيلَةً ثُمَّ أخَذَ في التَّناقُصِ حَتّى عادَ، أيْ صارَ كالعُرْجُونِ التَّقْدِيمِ، أيْ شَبِيهًا بِهِ.

وعُبِّرَ عَنْهُ بِهَذا التَّشْبِيهِ إذْ لَيْسَ لِضَوْءِ القَمَرِ في أواخِرِ لَيالِيهِ اسْمٌ يُعْرَفُ بِهِ، بِخِلافِ أوَّلِ أجْزاءِ ضَوْئِهِ المُسَمّى هِلالًا، ولِأنَّ هَذا التَّشْبِيهَ يُماثِلُ حالَةَ اسْتِهْلالِهِ كَما يُماثِلُ حالَةَ انْتِهائِهِ.

وعادَ بِمَعْنى صارَ شَكْلُهُ لِلرّائِي كالعُرْجُونِ.

والعُرْجُونُ: العُودُ الَّذِي تُخْرِجُهُ النَّخْلَةُ، فَيَكُونُ الثَّمَرُ في مُنْتَهاهِ وهو الَّذِي يَبْقى مُتَّصِلًا بِالنَّخْلَةِ بَعْدَ قَطْعِ الكِباسَةِ مِنهُ وهي مُجْتَمَعُ أعْوادِ التَّمْرِ.

صفحة ٢٣

والقَدِيمُ: هو البالِي لِأنَّهُ إذا انْقَطَعَ الثَّمَرُ تَقَوَّسَ واصْفَرَّ وتَضاءَلَ فَأشْبَهَ صُورَةَ ما يُواجِهُ الأرْضَ مِن ضَوْءِ القَمَرِ في آخِرِ لَيالِي الشَّهْرِ وفي أوَّلِ لَيْلَةٍ مِنهُ، وتَرْكِيبُ“ ﴿عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ " صالِحٌ لِصُورَةِ القَمَرِ في اللَّيْلَةِ الأخِيرَةِ وهي الَّتِي يَعْقُبُها المُحاقُ ولِصُورَتِهِ في اللَّيْلَةِ الأُولى مِنَ الشَّهْرِ هو الهِلالُ.

وقَدْ بَسَّطَ لَهم بَيانُ سَيْرِ القَمَرِ ومَنازِلِهِ لِأنَّهم كانُوا يُتْقِنُونَ عِلْمَهُ بِخِلافِ سَيْرِ الشَّمْسِ.

36:40Page 442

لَا ٱلشَّمۡسُ يَنۢبَغِي لَهَآ أَن تُدۡرِكَ ٱلۡقَمَرَ وَلَا ٱلَّيۡلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِۚ وَكُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ ٤٠

It is not allowable [i.e., possible] for the sun to reach the moon, nor does the night overtake the day, but each, in an orbit, is swimming.

﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ لَمّا جَرى ذِكْرُ الشَّمْسِ والقَمَرِ في مَعْرِضِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِالخَلْقِ والتَّدْبِيرِ، وعَلى صِفاتِ إلَهِيَّتِهِ الَّتِي مِن مُتَعَلَّقاتِها تَعَلُّقُ صِفَةِ القُدْرَةِ بِآيَةِ الشَّمْسِ وسَيْرِها، والقَمَرِ وسَيْرِهِ، وقَدْ سَمّاها بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ صِفاتِ الأفْعالِ، وكانَ النّاسُ يَعْرِفُونَ تَقارُبَ الشَّمْسِ والقَمَرِ فِيما يَراهُ الرّاءُونَ، وكانُوا يُقَدِّرُونَ سَيْرَهُما بِأسْماتٍ مُعَلَّمَةٍ بِعَلاماتٍ نُجُومِيَّةٍ تُسَمّى بُرُوجًا بِالنِّسْبَةِ لِسَيْرِ الشَّمْسِ، وتُسَمّى مُنازِلَ بِالنِّسْبَةِ لِسَيْرِ القَمَرِ، وكانُوا يَعْلَمُونَ شِدَّةَ قُرْبِ المَنازِلِ القَمَرِيَّةِ مِنَ البُرُوجِ الشَّمْسِيَّةِ فَإنَّ كُلَّ بُرْجٍ تُسامِتُهُ مَنزِلَتانِ أوْ ثَلاثَ مَنازِلَ، وبَعْضُ نُجُومِ المَنازِلِ هي أجْزاءٌ مِن نُجُومِ البُرُوجِ، زادَهُمُ اللَّهُ عِبْرَةً وتَعْلِيمًا بِأنَّ لِلشَّمْسِ سَيْرًا لا يُلاقِي سَيْرَ القَمَرِ، ولِلْقَمَرِ سَيْرًا لا يُلاقِي سَيْرَ الشَّمْسِ ولا يَمُرُّ أحَدُهُما بِطَرائِقِ مَسِيرِ الآخَرِ وأنَّ ما يَتَراءى لِلنّاسِ مِن شِدَّةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ في جَوٍّ واحِدٍ وفي حَجْمَيْنِ مُتَقارِبَيْنِ، وما يَتَراءى لَهم مِن تَقارُبِ نُجُومِ بُرُوجِ الشَّمْسِ ونُجُومِ مَنازِلِ القَمَرِ، إنْ هو إلّا مِن تَخَيُّلاتِ الأبْصارِ وتَفاوُتِ المَقادِيرِ بَيْنَ الأجْرامِ والأبْعادِ.

فالكُرَةُ العَظِيمَةُ كالشَّمْسِ تَبْدُو مُقارِبَةً لِكُرَةِ القَمَرِ في المَرْأى وإنَّما ذَلِكَ مِن تَباعُدِ الأبْعادِ، فَأبْعادُ فَلَكِ الشَّمْسِ تَفُوتُ أبْعادَ فَلَكِ القَمَرِ بِمِئاتِ المَلايِينِ مِنَ الأمْيالِ، حَتّى يَلُوحَ لَنا حَجْمُ الشَّمْسِ مُقارِبًا لِحَجْمِ القَمَرِ.

فَبَيَّنَ اللَّهُ أنَّهُ نَظَّمَ سَيْرَ الشَّمْسِ والقَمَرِ عَلى نِظامٍ يَسْتَحِيلُ مَعَهُ اتِّصالُ إحْدى الكُرَتَيْنِ بِالأُخْرى لِشِدَّةِ الأبْعادِ بَيْنَ مَدارَيْهِما.

صفحة ٢٤

فَمَعْنى ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ نَفْيُ انْبِغاءِ ذَلِكَ، أيْ: نَفْيُ تَأْتِيهِ؛ لِأنَّ انْبَغى مُطاوِعُ بَغى الَّذِي هو بِمَعْنى طَلَبَ، فانْبَغى يُفِيدُ أنَّ الشَّيْءَ طَلَبٌ فَحَصَلَ لِلَّذِي طَلَبَهُ، يُقالُ: بَغاهُ فانْبَغى لَهُ، فَإثْباتُ الِانْبِغاءِ يُفِيدُ التَّمَكُّنَ مِنَ الشَّيْءِ فَلا يَقْتَضِي وُجُوبًا، ونَفْيُ الِانْبِغاءِ يُفِيدُ نَفْيَ إمْكانِهِ ولِذَلِكَ يُكْنى بِهِ عَنِ الشَّيْءِ المَحْظُورِ. يُقالُ: لا يَنْبَغِي لَكَ كَذا، فَفَرِّقْ ما بَيْنَ قَوْلِكَ: يَنْبَغِي أنْ لا تَفْعَلَ كَذا، وبَيْنَ قَوْلِكَ: لا يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا، قالَ تَعالى:

﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ [الفرقان: ١٨] وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٩٢] في سُورَةِ مَرْيَمَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] في هَذِهِ السُّورَةِ.

والإدْراكُ: اللَّحاقُ والوُصُولُ إلى البُغْيَةِ، فَقَوْلُهُ (أنْ تُدْرِكَ) فاعِلُ (يَنْبَغِي) فَأفادَ الكَلامُ نَفِيَ انْبِغاءِ إدْراكِ الشَّمْسِ القَمَرَ. والمَعْنى: نَفْيُ أنْ تَصْطَدِمَ الشَّمْسُ بِالقَمَرِ، خِلافًا لِما يَبْدُو مِن قُرْبِ مَنازِلِهِما فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ المُسامَتَةِ لا مِنَ الِاقْتِرابِ.

وصَوْغُ هَذا بِصِيغَةِ الإخْبارِ عَنِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالمُسْنَدِ الفِعْلِيِّ لِإفادَةٍ تُقَوِّي حُكْمَ النَّفْيِ فَذَلِكَ أبْلَغُ في الِانْتِفاءِ مِمّا لَوْ قِيلَ: لا يَنْبَغِي لِلشَّمْسِ أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ.

وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ النَّفْيِ قَبْلَ ذِكْرِ الفِعْلِ المَنفِيِّ لِيَكُونَ النَّفْيُ مُتَقَرَّرًا في ذِهْنِ السّامِعِ أقْوى مِمّا لَوْ قِيلَ: الشَّمْسُ لا يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ، فَكانَ في قَوْلِهِ ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ خُصُوصِيَّتانِ.

ولَمّا ذَكَرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ، وكانَتِ الشَّمْسُ مُقارِنَةً لِلنَّهارِ في مُخَيَّلاتِ البَشَرِ، وكانَ القَمَرُ مُقارِنًا لِلَّيْلِ، وكانَ في نِظامِ اللَّيْلِ والنَّهارِ مَنافِعُ لِلنّاسِ اعْتُرِضَ بِذِكْرِ نِظامِ الشَّمْسِ والقَمَرِ أثْناءَ الِاعْتِبارِ بِنِظامِ اللَّيْلِ والنَّهارِ. ومَعْنى ﴿ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ أنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ بِمُفْلِتٍ لِلنَّهارِ، فالسَّبْقُ بِمَعْنى التَّخَلُّصِ والنَّجاةِ، كَقَوْلِ مُرَّةَ بْنِ عَدّاءَ الفَقْعَسِيِّ:

كَأنَّكَ لَمْ تُسْبَقْ مِنَ الدَّهْـرِ مَـرَّةً إذا أنْتَ أدْرَكَتَ الَّذِي كُنْتَ تَطْلُبُ

صفحة ٢٥

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا﴾ [العنكبوت: ٤] في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، والمَعْنى: أنَّ انْسِلاخَ النَّهارِ عَلى اللَّيْلِ أمْرٌ مُسَخَّرٌ لا قِبَلَ لِلَّيْلِ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ.

ولا يَسْتَقِيمُ تَفْسِيرُ السَّبْقِ هُنا بِمَعْناهُ المَشْهُورِ وهو الأوَّلِيَّةُ بِالسَّيْرِ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُتَصَوَّرُ في تَداوُلِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، ولا أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالسَّبْقِ ابْتِداءَ التَّكْوِينِ إذْ لا يُتَعَلَّقُ بِذَلِكَ غَرَضٌ مُهِمٌّ في الآيَةِ، عَلى أنَّ الشَّأْنَ أنْ تَكُونَ الظُّلْمَةُ أسْبَقَ في التَّكْوِينِ.

والغَرَضُ التَّذْكِيرُ بِنِعْمَةِ اللَّيْلِ ونِعْمَةِ النَّهارِ فَإنَّ لِكِلَيْهِما فَوائِدَ لِلنّاسِ فَلَوْ تَخَلَّصَ أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ فاسْتَقَرَّ في الأُفُقِ لَتَعَطَّلَتْ مَنافِعُ جَمَّةٌ مِن حَياةِ النّاسِ والحَيَوانِ.

وفِي الكَلامِ اكْتِفاءٌ، أيْ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: ولا القَمَرُ يُدْرِكُ الشَّمْسَ، ولا النَّهارُ سابِقُ اللَّيْلِ.

وقَوْلُهُ ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾، والواوُ عاطِفَةٌ تَرْجِيحًا لِجانِبِ الإخْبارِ بِهَذِهِ الحَقِيقَةِ عَلى جانِبِ التَّذْيِيلِ، وإلّا فَحَقُّ التَّذْيِيلِ الفَصْلُ.

وما أُضِيفَ إلَيْهِ ”كُلٌّ“ مَحْذُوفٍ، وتَنْوِينُ ”كُلٌّ“ تَنْوِينُ عِوَضٍ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ، فالتَّقْدِيرُ: وكُلُّ الكَواكِبِ.

وزِيدَتْ قَرِينَةُ السِّياقِ تَأْكِيدًا بِضَمِيرِ الجَمْعِ في قَوْلِهِ ”يَسْبَحُونَ“ مَعَ أنَّ المَذْكُورَ مِن قَبْلُ شَيْئانِ لا أشْياءَ، وبِهَذا التَّعْمِيمِ صارَتِ الجُمْلَةُ في مَعْنى التَّذْيِيلِ.

والفَلَكُ: الدّائِرَةُ المَفْرُوضَةُ في الخَلاءِ الجَوِّيِّ لِسَيْرِ أحَدِ الكَواكِبِ سَيْرًا مُطَّرِدًا لا يَحِيدُ عَنْهُ، فَإنَّ أهْلَ الأرْصادِ الأقْدَمِينَ لَمّا رَصَدُوا تِلْكَ المَداراتِ وجَدُوها لا تَتَغَيَّرُ ووَجَدُوا نِهايَتَها تَتَّصِلُ بِمُبْتَداها فَتَوَهَّمُوها طَرائِقَ مُسْتَدِيرَةً تَسِيرُ فِيها الكَواكِبُ كَما تَتَقَلَّبُ الكُرَةُ عَلى الأرْضِ ورُبَّما تَوَسَّعُوا في التَّوَهُّمِ فَظَنُّوها طَرائِقَ صَلْبَةً تَرْتَكِزُ عَلَيْها الكَواكِبُ في سَيْرِها مَجْرُورَةً بِسَلاسِلَ وكَلالِيبَ وكانَ ذَلِكَ في مُعْتَقَدِ القِبْطِ بِمِصْرَ.

صفحة ٢٦

وسَمّى العَرَبُ تِلْكَ الطَّرائِقَ أفْلاكًا وأحَدُها فَلَكٌ اشْتَقُّوا لَهُ اسْمًا مِنِ اسْمِ فَلْكَةِ المِغْزَلِ، وهي عُودٌ في أعْلاهُ خَشَبَةٌ مُسْتَدِيرَةٌ مُتَبَطِّحَةٌ مِثْلُ التُّفّاحَةِ الكَبِيرَةِ، تَلُفُّ المَرْأةُ عَلَيْها خِيُوطَ غَزْلِها الَّتِي تَفْتِلُها لِتُدِيرَها بِكَفَّيْها. فَتَلْتَفُّ عَلَيْها خُيُوطُ الغَزْلِ، فَتَوَهَّمُوا الفَلَكَ جِسْمًا كُرَوِيًّا، وتَوَهَّمُوا الكَواكِبَ مَوْضُوعَةً عَلَيْهِ تَدُورُ بِدَوْرَتِهِ ولِذَلِكَ قَدَّرُوا الزَّمانَ بِأنَّهُ حَرَكَةُ الفَلَكِ. وسَمَّوْا ما بَيْنَ مَبْدَأِ المُدَّتَيْنِ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى حَيْثُ ابْتَدَأ دَوْرَةَ الفَلَكِ ولَكِنَّ القُرْآنَ جاراهم في الِاسْمِ اللُّغَوِيِّ لِأنَّ ذَلِكَ مَبْلَغُ اللُّغَةِ وأصْلَحُ لَهم ما تَوَهَّمُوا بِقَوْلِهِ يَسْبَحُونَ، فَبَطَلَ أنْ تَكُونَ أجْرامُ الكَواكِبِ مُلْتَصِقَةً بِأفْلاكِها ولَزِمَ مِن كَوْنِها سابِحَةً أنَّ طَرائِقَ سَيْرِها دَوائِرُ وهْمِيَّةٌ لِأنَّ السَّبْحَ هُنا سَبَحٌ في الهَواءِ لا في الماءِ، والهَواءُ لا تُخَطَّطُ فِيهِ الخُطُوطُ ولا الأخادِيدُ.

وجِيءَ بِضَمِيرِ يَسْبَحُونَ ضَمِيرَ جَمْعٍ مَعَ أنَّ المُتَقَدِّمَ ذِكْرُهُ شَيْئانِ هُما الشَّمْسُ والقَمَرُ لِأنَّ المُرادَ إفادَةُ تَعْمِيمِ هَذا الحُكْمِ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ وجَمِيعِ الكَواكِبِ وهي حَقِيقَةٌ عِلْمِيَّةٌ سَبَقَ بِها القُرْآنُ.

وجُمْلَةُ ”كُلٌّ في فَلَكٍ“ فِيها مُحَسِّنُ الطَّرْدِ والعَكْسُ فَإنَّها تُقْرَأُ مِن آخِرِها كَما تَقْرَأُ مَن أوَّلِها.

36:41–44Page 443

وَءَايَةٞ لَّهُمۡ أَنَّا حَمَلۡنَا ذُرِّيَّتَهُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ ٤١

And a sign for them is that We carried their forefathers1 in a laden ship.

وَخَلَقۡنَا لَهُم مِّن مِّثۡلِهِۦ مَا يَرۡكَبُونَ ٤٢

And We created for them from the likes of it that which they ride.

وَإِن نَّشَأۡ نُغۡرِقۡهُمۡ فَلَا صَرِيخَ لَهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنقَذُونَ ٤٣

And if We should will, We could drown them; then no one responding to a cry would there be for them, nor would they be saved

إِلَّا رَحۡمَةٗ مِّنَّا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ ٤٤

Except as a mercy from Us and provision for a time.

”﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيّاتِهِمْ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ ﴿وإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهم فَلا صَرِيخَ لَهم ولا هم يُنْقَذُونَ﴾ ﴿إلّا رَحْمَةً مِنّا ومُتَعًا إلى حِينٍ﴾“ انْتِقالٌ مِن عَدِّ آياتٍ في الأرْضِ وفي السَّماءِ إلى عَدِّ آيَةٍ في البَحْرِ تَجْمَعُ بَيْنَ العِبْرَةِ والمِنَّةِ وهي آيَةُ تَسْخِيرِ الفُلْكِ أنْ تَسِيرَ عَلى الماءِ وتَسْخِيرِ الماءِ لِتَطْفُوَ عَلَيْهِ دُونَ أنْ يُغْرِقَها.

وقَدْ ذَكَّرَ اللَّهُ النّاسَ بِآيَةٍ عَظِيمَةٍ اشْتُهِرَتْ حَتّى كانَتْ كالمُشاهَدَةِ عِنْدَهم وهي آيَةُ إلْهامِ نُوحٍ صُنْعَ السَّفِينَةِ لِيَحْمِلَ النّاسَ الَّذِينَ آمَنُوا ويَحْمِلَ مِن كُلِّ أنْواعِ الحَيَوانِ زَوْجَيْنِ لِيُنْجِيَ الأنْواعَ مِنَ الهَلاكِ والِاضْمِحْلالِ بِالغَرَقِ في حادِثِ الطُّوفانِ. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ حاصِلَةً لِفائِدَةِ حَمْلِ أزْواجٍ مِن أنْواعِ الحَيَوانِ جُعِلَتِ

صفحة ٢٧

الآيَةُ نَفْسَ الحَمْلِ إدْماجًا لِلْمِنَّةِ في ضِمْنِ العِبْرَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وآيَةٌ لَهم صُنْعُ الفُلْكِ لِنَحْمِلَ ذُرِّيّاتِهِمْ فِيهِ فَحَمَلْناهم.

وأُطْلِقَ الحَمْلُ عَلى الإنْجاءِ مِنَ الغَرَقِ عَلى وجْهِ المَجازِ المُرْسَلِ لِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ والمُسَبَبِيَّةِ، أيْ أنْجَيْنا ذُرِّيّاتِهِمْ مِنَ الغَرَقِ بِحَمْلِهِمْ في الفُلْكِ حِينَ الطُّوفانِ.

والذُّرِّيّاتُ: جُمَعُ ذُرِّيَّةٍ وهي نَسْلُ الإنْسانِ.

والفُلْكُ المَشْحُونُ: هو المَعْهُودُ بَيْنَ البَشَرِ في قِصَّةِ الطُّوفانِ، وهو هُنا مُفْرَدٌ بِقَرِينَةِ وصْفِهِ وهو المَشْحُونُ ولَمْ يَقُلِ: المَشْحُونَةُ كَما قالَ:

﴿وتَرى الفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ﴾ [فاطر: ١٢] وهو فُلْكُ نُوحٍ فَقَدِ اشْتَهَرَ بِهَذا الوَصْفِ في القُرْآنِ كَما في سُورَةِ الشُّعَراءِ فَأنْجَيْناهُ ﴿ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] ولَمْ يُوصَفْ غَيْرُ فُلْكِ نُوحٍ بِهَذا الوَصْفِ.

وتَعْدِيَةُ حَمَلْنا إلى الذُّرِّيّاتِ تَعْدِيَةٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المَجازِيَّةِ وهو مَجازٌ عَقْلِيٌّ فَإنَّ المَجازَ العَقْلِيَّ لا يَخْتَصُّ بِالإسْنادِ بَلْ يَكُونُ المَجازَ في التَّعْلِيقِ فَإنَّ المَحْمُولَ أُصُولُ الذُّرِّيّاتِ، لا الذُّرِّيّاتُ وأُصُولُها مُلابِسَةً لَها.

ولَمّا كانَتْ ذُرِّيّاتُ المُخاطَبِينَ مِمّا أرادَ اللَّهُ بَقاءَهُ في الأرْضِ حِينَ أمَرَ نُوحًا بِصُنْعِ الفُلْكِ لِإنْجاءِ الأنْواعِ وأمَرَهُ بِحَمْلِ أزْواجٍ مِنَ النّاسِ هُمُ الَّذِينَ تَوَلَّدَ مِنهُمُ البَشَرَ بَعْدَ الطُّوفانِ نَزَّلَ البَشَرَ كُلَّهُ مَنزِلَةَ مَحْمُولِينَ في الفُلْكِ المَشْحُونِ في زَمَنِ نُوحٍ، وذِكْرُ الذُّرِّيّاتِ يَقْتَضِي أنَّ أُصُولَهم مَحْمُولُونَ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ إيجازًا في الكَلامِ، وأنَّ أنْفُسَهم مَحْمُولُونَ كَذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنّا حَمَلْنا أُصُولَهم وحَمَلْناهم وحَمَلْنا ذُرِّيّاتِهِمْ، إذْ لَوْلا نَجاةُ الأُصُولِ ما جاءَتِ الذُّرِّيّاتُ، وكانَتِ الحِكْمَةُ في حَمْلِ الأُصُولِ بَقاءَ الذُّرِّيّاتِ فَكانَتِ النِّعْمَةُ شامِلَةً لِلْكُلِّ، وهَذا كالِامْتِنانِ في قَوْلِهِ ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] ﴿لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً﴾ [الحاقة: ١٢] .

وضَمِيرُ ”ذُرِّيّاتِهِمْ“ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ لَهم أيِ: العِبادُ المُرادُ بِهِمُ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ لَكِنَّهم لُوحِظُوا هُنا بِعُنْوانِ كَوْنِهِمْ مِن جُمْلَةِ البَشَرِ، فالمَعْنى: آيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيّاتِ البَشَرِ في سَفِينَةِ نُوحٍ وذَلِكَ حِينَ أمْرَ اللَّهُ نُوحًا

صفحة ٢٨

بِأنْ يَحْمِلَ فِيها أهَّلَهُ والَّذِينَ آمَنُوا مِن قَوْمِهِ لِبَقاءِ ذُرِّيّاتِ البَشَرِ فَكانَ ذَلِكَ حَمْلًا لِذُرِّيّاتِهِمْ ما تَسَلْسَلَتْ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.

هَذا هو تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ قالَ القُرْطُبِيُّ: وهي مِن أشْكَلِ ما في السُّورَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَدْ خَلَطَ بَعْضُ النّاسِ حَتّى قالُوا: الذُّرِّيَّةُ تُطْلَقُ عَلى الآباءِ وهَذا لا يُعْرَفُ مِنَ اللُّغَةِ وتَقْدَمَ قَوْلُهُ ”﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]“ في سُورَةِ الأعْرافِ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”ذُرِّيّاتِهِمْ“ بِلَفْظِ الجَمْعِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِدُونِ ألْفٍ بِصِيغَةِ اسْمِ الجَمْعِ، والمَعْنى واحِدٌ.

وقَدْ فَهُمَ مِن دَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيّاتِهِمْ﴾ صَرِيحًا وكِنايَةً أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُسْتَمِرَّةٌ لِكُلِّ ناظِرٍ إذْ يَشْهَدُونَ أسْفارَهم وأسْفارَ أمْثالِهِمْ في البَحْرِ، وخاصَّةً سُكّانَ الشُّطُوطِ والسَّواحِلِ مَثْلَ أهْلِ جِدَّةَ وأهْلِ يَنْبُعَ إذْ يُسافِرُونَ إلى بِلادِ اليَمَنِ وبِلادِ الحَبَشَةِ فَيُفْهَمُ مِنهُ: أنّا حَمَلْنا ونَحْمِلُ وسَنَحْمِلُ أسْلافَهم وأنْفُسَهم وذُرِّيّاتِهِمْ. وقَدْ وصَفَ طَرَفَةُ السُّفُنَ في مُعَلَّقَتِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ في خِلالِ آيَةِ البَحْرِ اقْتَضَتْها مُراعاةُ النَّظِيرِ تَذْكِيرًا بِنِعْمَةِ خَلْقِ الإبِلِ صالِحَةً لِلْأسْفارِ فَحُكِيَتْ آيَةُ الإلْهامِ بِصُنْعِ الفُلْكِ مِن حَيْثُ الحِكْمَةُ العَظِيمَةُ في الإلْهامِ وتَسْخِيرِ البَحْرِ لَها وإيجادِها في وقْتِ الحاجَةِ لِحِفْظِ النَّوْعِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُؤْتَ في جانِبِها بِفِعْلِ الخَلْقِ المُخْتَصِّ بِالإيجادِ دُونَ صُنْعِ النّاسِ. وحُكِيَتْ آيَةُ اتِّخاذِ الرَّواحِلِ بِفِعْلِ خَلَقْنا، ونَظِيرُ هَذِهِ المُقارَنَةِ قَوْلُهُ وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ، فَماصَدَقُ ما يَرْكَبُونَ هُنا هو الرَّواحِلُ خاصَّةً؛ لِأنَّها الَّتِي تُشْبِهُ الفُلْكَ في جَعْلِها قادِرَةً عَلى قَطْعِ الرِّمالِ كَما جَعَلَ الفُلْكَ صالِحًا لِمَخْرِ البِحارِ، وقَدْ سَمَّتِ العَرَبُ الرَّواحِلَ سَفائِنَ البَرِّ و”مِن“ الَّتِي في قَوْلِهِ ”مِن مِثْلِهِ“ بَيانِيَّةٌ بِتَقْدِيمِ البَيانِ عَلى المُبَيَّنِ وهو جائِزٌ عَلى الأصَحِّ، أوْ مُؤَكِّدَةٌ ومَجْرُورُها أصْلُهُ حالٌ مِن ”ما“ المَوْصُولَةِ في قَوْلِهِ ما يَرْكَبُونَ، والمُرادُ المُماثَلَةُ في العَظَمَةِ وقُوَّةِ الحَمْلِ ومُداوَمَةِ السَّيْرِ وفي الشَّكْلِ.

صفحة ٢٩

وجُمْلَةُ وإنْ نَشَأ نُغْرِقُهم عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيّاتِهِمْ﴾“ بِاعْتِبارِ دَلالَتِها الكِنائِيَّةِ عَلى اسْتِمْرارِ هَذِهِ الآيَةِ وهَذِهِ المِنَّةِ تَذْكِيرًا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى الَّذِي امْتَنَّ عَلَيْهِمْ إذا شاءَ جَعْلَ فِيما هو نِعْمَةٌ عَلى النّاسِ نِقْمَةً لَهم لِحِكْمَةٍ يَعْلَمُها. وهَذا جَرْيٌ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ التَّرْغِيبِ بِالتَّرْهِيبِ وعَكْسِهِ لِئَلّا يَبْطَرَ النّاسُ بِالنِّعْمَةِ ولا يَيْأسُوا مِنَ الرَّحْمَةِ.

وقَرِينَةُ ذَلِكَ أنَّهُ جِيءَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالمُضارِعِ المُتَمَحِّضِ في سِياقِ الشَّرْطِ لِكَوْنِهِ مُسْتَقْبَلًا، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٨] ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكَمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٦٩] .

والصَّرِيخُ: الصّارِخُ وهو المُسْتَغِيثُ المُسْتَنْجِدُ تَقُولُ العَرَبُ: جاءَهُمُ الصَّرِيخُ، أيِ المَنكُوبُ المُسْتَنْجِدُ لِيُنْقِذُوهُ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ. ويُطْلَقُ الصَّرِيخُ عَلى المُغِيثِ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وذَلِكَ أنَّ المُنْجِدَ إذا صَرَخَ بِهِ المُسْتَنْجِدُ صَرَخَ هو مُجِيبًا بِما يَطْمَئِنُّ لَهُ مِنَ النَّصْرِ. وقَدْ جَمَعَ المَعْنَيَيْنِ قَوْلُ سَلامَةَ بْنِ جَنْدَلٍ أنْشَدَهُ المُبَرِّدُ في الكامِلِ:

إنّا إذا أتَـانَـا صَـارِخٌ فَـزِعٌ كانَ الصُّراخُ لَهُ قَرْعَ الظَّنابِيبِ

والظَّنابِيبُ: جَمْعُ ظُنْبُوبٍ وهو مِسْمارٌ يَكُونُ في جُبَّةِ السِّنانِ. وقَرَعَ الظَّنابِيبَ تَفَقَّدَ الأسِنَّةَ اسْتِعْدادًا لِلْخُرُوجِ.

والمَعْنى: لا يَجِدُونَ مَن يَسْتَصْرِخُونَ بِهِ وهم في لُجُجِ البَحْرِ ولا يُنْقِذُهم أحَدٌ مِنَ الغَرَقِ.

والإنْقاذُ: الِانْتِشالُ مِنَ الماءِ.

وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ ولا هم يُنْقَذُونَ لِإفادَةٍ تُقَوِّي الحُكْمَ؛ وهو نَفْيُ الحُكْمِ؛ وهو نَفْيُ إنْقاذِ أحَدٍ إيّاهم.

والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ إلّا رَحْمَةً مُنْقَطِعٌ فَإنَّ الرَّحْمَةَ لَيْسَتْ مِنَ الصَّرِيخِ ولا مِنَ

صفحة ٣٠

المُنْقِذِ وإنَّما هي إسْعافُ اللَّهِ تَعالى إيّاهم بِسُكُونِ البَحْرِ وتَمْكِينِهِمْ مِنَ السَّبْحِ عَلى أعْوادِ الفَلَكِ.

و”مَتاعًا“ عَطَفٌ عَلى ”رَحْمَةً“، أيْ إلّا رَحْمَةً هي تَمْتِيعٌ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ فَإنَّ كُلَّ حَيٍّ طائِرٌ إلى المَوْتِ فَإذا نَجا مِن مَوْتَةٍ اسْتَقْبَلَتْهُ مَوْتَةٌ أُخْرى ولَكِنَّ اللَّهَ أوْدَعَ في فِطْرَةِ الإنْسانِ حُبَّ زِيادَةِ الحَياةِ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ لا مَحِيدَ لَهُ عَنِ المَوْتِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском