Ibn 'AshurYa-Sin · 36:66–68

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ya-Sin 36:66–68

36:66–67Page 444

وَلَوۡ نَشَآءُ لَطَمَسۡنَا عَلَىٰٓ أَعۡيُنِهِمۡ فَٱسۡتَبَقُواْ ٱلصِّرَٰطَ فَأَنَّىٰ يُبۡصِرُونَ ٦٦

And if We willed, We could have obliterated their eyes, and they would race to [find] the path, and how could they see?1

وَلَوۡ نَشَآءُ لَمَسَخۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمۡ فَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ مُضِيّٗا وَلَا يَرۡجِعُونَ ٦٧

And if We willed, We could have deformed them, [paralyzing them] in their places so they would not be able to proceed, nor could they return.1

صفحة ٥١

﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأنّى يُبْصِرُونَ﴾ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهم عَلى مَكانَتِهِمْ فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ولا يَرْجِعُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ، ومَوْقِعُ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِنَ الَّتِي قَبْلَهُما أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ إلْجاءَهم إلى الِاعْتِرافِ بِالشِّرْكِ بَعْدَ إنْكارِهِ يَوْمَ القِيامَةِ كانَ ذَلِكَ مُثِيرًا لِأنْ يَهْجِسَ في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَتَمَنَّوْا لَوْ سَلَكَ اللَّهُ بِهِمْ في الدُّنْيا مِثْلَ هَذا الإلْجاءِ فَألْجَأهم إلى الإقْرارِ بِوَحْدانِيَّتِهِ وإلى تَصْدِيقِ رَسُولِهِ واتِّباعِ دِينِهِ، فَأفادَ اللَّهُ أنَّهُ لَوْ تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِذَلِكَ في الدُّنْيا لَفَعَلَ، إيماءً إلى أنَّ إرادَتَهُ تَعالى تُجْرِي تَعَلُقاتِهِا عَلى وفْقِ عِلْمِهِ تَعالى وحَكْمَتِهِ، فَهو قَدْ جَعَلَ نِظامَ الدُّنْيا جارِيًا عَلى حُصُولِ الأشْياءِ عَنْ أسْبابِها الَّتِي وكَّلَ اللَّهُ إلَيْها إنْتاجَ مُسَبَّباتِها وأثارِها وتَوالُداتِها حَتّى إذا بُدِّلَ هَذا العالَمُ بِعالَمِ الحَقِيقَةِ أجْرى الأُمُورَ كُلَّها عَلى المَهْيَعِ الحَقِّ الَّذِي لا يَنْبَغِي غَيْرُهُ في مَجارِي العَقْلِ والحِكْمَةِ. والمَعْنى إنّا ألْجَأْناهم إلى الإقْرارِ في الآخِرَةِ بِأنَّ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا شِرْكٌ وباطِلٌ ولَوْ نَشاءُ لَأرَيْناهم آياتِنا في الدُّنْيا لِيَرْتَدِعُوا ويَرْجِعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ وسُوءِ إنْكارِهِمْ.

ولَمّا كانَتْ ”لَوْ“ تَقْتَضِي امْتِناعًا لِامْتِناعٍ فَهي تَقْتَضِي مَعْنى: لَكِنّا لَمْ نَشَأْ ذَلِكَ فَتَرَكْناهم عَلى شَأْنِهِمُ اسْتِدْراجًا وتَمْيِيزًا بَيْنَ الخَبِيثِ والطَّيِّبِ. فَهَذا كَلامٌ مُوَجَّهٌ إلى المُسْلِمِينَ ومُرادٌ مِنهُ تَبْصِرَةُ المُؤْمِنِينَ وإرْشادُهم إلى الصَّبْرِ عَلى ما يُلاقُونَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ حَتّى يَأْتِيَ نَصْرُ اللَّهِ.

فالطَّمْسُ والمَسْخُ المُتَعَلِّقانِ عَلى الشَّرْطِ الِامْتِناعِيِّ طَمْسٌ ومَسْخٌ في الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ.

والطَّمْسُ: مَسْخُ شَواهِدِ العَيْنِ بِإزالَةِ سَوادِها وبَياضِها أوِ اخْتِلاطِهِما وهو العَمى أوِ العَوَرُ، ويُقالُ: طَرِيقٌ مَطْمُوسَةٌ، إذا لَمْ تَكُنْ فِيها آثارُ السّائِرِينَ لِيَقْفُوَها السّائِرُ. وحَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ الطَّمْسِ وإلّا فَإنَّ طَمَسَ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ.

صفحة ٥٢

والِاسْتِباقُ: افْتِعالٌ مِنَ السَّبْقِ والِافْتِعالُ دالٌّ عَلى التَّكَلُّفِ والِاجْتِهادِ في الفِعْلِ أيْ فَبادَرُوا.

والصِّراطُ: الطَّرِيقُ الَّذِي يُمْشى فِيهِ، وتَعْدِيَةُ فِعْلِ الِاسْتِباقِ إلَيْهِ عَلى حَذْفِ إلى بِطَرِيقَةِ الحَذْفِ والإيصالِ، قالَ الشّاعِرُ وهو مِن شَواهِدِ الكِتابِ:

تَمُرُّونَ الدِّيارَ ولَمْ تَعُوجُوا

أرادَ: تَمُرُّونَ عَلى الدِّيارِ.

أوْ عَلى تَضْمِينِ اسْتَبَقُوا مَعْنى ابْتَدَرُوا، أيِ ابْتَدَرُوا الصِّراطَ مُتَسابِقِينَ، أيْ مُسْرِعِينَ لِما دَهَمَهم رَجاءَ أنْ يَصِلُوا إلى بُيُوتِهِمْ قَبْلَ أنْ يَهْلِكُوا فَلَمْ يُبْصِرُوا الطَّرِيقَ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ في سُورَةِ يُوسُفَ.

و(أنّى) اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى (كَيْفَ) وهو مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ، أيْ لا يُبْصِرُونَ وقَدْ طُمِسَتْ أعْيُنُهم، أيْ لَوْ شِئْنا لِعَجَّلْنا لَهم عُقُوبَةً في الدُّنْيا يَرْتَدِعُونَ بِها لِيُقْلِعُوا عَنْ إشْراكِهِمْ.

والمَسْخُ: تَصْيِيرُ جِسْمِ الإنْسانِ في صُورَةِ جِسْمٍ مِن غَيْرِ نَوْعِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَمْسُوخَ لا يَعِيشُ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ أيّامٍ وعَلَيْهِ فَلا شَيْءَ مِنَ الأشْياءِ المَوْجُودَةِ الآنَ بِبَقِيَّةِ مَسْخٍ.

والمَكانَةُ: تَأْنِيثُ المَكانِ عَلى تَأْوِيلِهِ بِالبُقْعَةِ كَما قالُوا: مُقامٌ ومُقامَةٌ، ودارٌ ودارَةٌ، أيْ لَوْ نَشاءُ لَمَسَخْنا الكافِرِينَ في الدُّنْيا في مَكانِهِمُ الَّذِي أظْهَرُوا فِيهِ التَّكْذِيبَ بِالرُّسُلِ فَما اسْتَطاعُوا انْصِرافًا إلى ما خَرَجُوا إلَيْهِ ولا رُجُوعًا إلى ما أتَوْا مِنهُ بَلْ لَزِمُوا مَكانَهم لِزَوالِ العَقْلِ الإنْسانِيِّ مِنهم بِسَبَبِ المَسْخِ.

وكانَ مُقْتَضى المُقابَلَةِ أنْ يُقالَ: ولا رُجُوعًا، ولَكِنْ عَدَلَ إلى ولا يَرْجِعُونَ لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ فَجُعِلَ قَوْلُهُ ولا يَرْجِعُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ما اسْتَطاعُوا ولَيْسَ عَطْفًا عَلى ”مُضِيًّا“ لِأنَّ فِعْلَ اسْتَطاعَ لا يَنْصِبُ الجُمَلَ. والتَّقْدِيرُ: فَما

صفحة ٥٣

مَضَوْا ولا رَجَعُوا، فَجَعَلْنا لَهُمُ العَذابَ في الدُّنْيا قَبْلَ الآخِرَةِ وأرَحْنا مِنهُمُ المُؤْمِنِينَ وتَرَكْناهم عِبْرَةً ومَوْعِظَةً لِمَن بَعْدَهم.

36:68Page 444

وَمَن نُّعَمِّرۡهُ نُنَكِّسۡهُ فِي ٱلۡخَلۡقِۚ أَفَلَا يَعۡقِلُونَ ٦٨

And he to whom We grant long life We reverse in creation;1 so will they not understand?

﴿ومَن نُعَمِّرُهُ نَنْكُسْهُ في الخَلْقِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ قَدْ يُلَوَّحُ في بادِئِ الرَّأْيِ أنَّ مَوْقِعَ هَذِهِ الآيَةِ كالغَرِيبِ عَنِ السِّياقِ فَيَظُنُّ ظانٌّ أنَّها كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ انْتَقَلَ بِهِ غَرَضُ الحَدِيثِ عَنِ المُشْرِكِينَ وأحْوالِهِمْ والإمْلاءِ لَهم إلى التَّذْكِيرِ بِأمْرٍ عَجِيبٍ مِن صُنْعِ اللَّهِ حَتّى يُخالُ أنَّ الَّذِي اقْتَضى وُقُوعَ هَذِهِ الآيَةِ في هَذا المَوْقِعِ أنَّها نَزَلَتْ في تِباعِ نُزُولِ الآياتِ قَبْلَها لِسَبَبٍ اقْتَضى نُزُولَها. فَجَعَلَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَوْقِعَها مَوْقِعَ الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى لا يُسْتَصْعَبُ عَلَيْها طَمْسُ أعْيُنِهِمْ ولا مَسْخُهم كَما غَيَّرَ خِلْقَةَ المُعَمَّرِينَ مِن قُوَّةٍ إلى ضَعْفٍ، فَيَكُونُ قِياسَ تَقْرِيبٍ مِن قَبِيلِ ما يُسَمّى في أُصُولِ الفِقْهِ بِالقِياسِ الخَفِيِّ وبِالأدْوَنِ، فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ في الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا إلَخْ لِأنّا قادِرُونَ عَلى قَلْبِ الأحْوالِ، ألا يَرَوْنَ كَيْفَ نُقَلِّبُ خَلْقَ الإنْسانِ فَنَجْعَلُهُ عَلى غَيْرِ ما خَلَقْناهُ أوَّلًا. وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ فَمَوْقِعُ واوِ العَطْفِ غَيْرُ شَدِيدِ الِانْتِظامِ.

وجَعَلَها بَعْضُ المُفَسِّرِينَ واقِعَةً مَوْقِعَ الِاسْتِدْلالِ عَلى المَكانِ البَعِيدِ، أيْ أنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلى تَغْيِيرِ خَلْقِهِمْ مِن شَبابٍ إلى هَرَمٍ قادِرٌ عَلى أنْ يَبْعَثَهم بَعْدَ المَوْتِ فَهو أيْضًا قِياسُ تَقْرِيبٍ بِالخَفِيِّ وبِالأدْوَنِ.

ومِنهم مَن تَكَلَّمَ عَلَيْها مُعْرِضًا عَمّا قَبْلَها فَتَكَلَّمُوا عَلى مَعْناها وما فِيها مِنَ العِبْرَةِ ولَمْ يُبَيِّنُوا وجْهَ اتِّصالِها بِما قَبْلَها.

ومِنهم مَن جَعَلَها لِقَطْعِ مَعْذِرَةِ المُشْرِكِينَ في ذَلِكَ اليَوْمِ أنْ يَقُولُوا: ما لَبِثْنا في الدُّنْيا إلّا عَمْرًا قَلِيلًا ولَوْ عَمَّرْنا طَوِيلًا لَما كانَ مِنّا تَقْصِيرٌ، وهو بَعِيدٌ عَنْ مُقْتَضى قَوْلِهِ ﴿نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ﴾، وكُلُّ هَذِهِ التَّفاسِيرِ تَحُومُ حَوْلَ جَعْلِ الخَلْقِ بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ، أيْ في خِلْقَتِهِ أوْ في أثَرِ خَلْقِهِ.

وكُلُّ هَذِهِ التَّفْسِيراتِ بَعِيدٌ عَنْ نَظْمِ الكَلامِ، فالَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الَّذِي دَفَعَ

صفحة ٥٤

المُفَسِّرِينَ إلى ذَلِكَ هو ما ألِفَهُ النّاسُ مِن إطْلاقِ التَّعْمِيرِ عَلى طُولِ عُمْرِ المُعَمَّرِ، فَلَمّا تَأوَّلُوهُ بِهَذا المَعْنى ألْحَقُوا تَأْوِيلَ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ عَلى ما يُناسِبُ ذَلِكَ.

والوَجْهُ عِنْدِي أنَّ لِكَوْنِ جُمْلَةِ (ومَن نُعَمِّرْهُ) عَطَفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهم عَلى مَكانَتِهِمْ﴾ [يس: ٦٧] فَهي جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ عُطِفَتْ عَلى جُمْلَةٍ شَرْطِيَّةٍ، فالمَعْطُوفُ عَلَيْها جُمْلَةُ شَرْطٍ امْتِناعِيٍّ والمَعْطُوفَةُ جُمْلَةُ شَرْطٍ تَعْلِيقِيٍّ، والجُمْلَةُ الأوْلى أفادَتْ إمْهالَهم والإمْلاءَ لَهم، والجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ أفادَتْ إنْذارَهَمْ بِعاقِبَةٍ غَيْرِ مَحْمُودَةٍ ووَعِيدَهم بِحُلُولِها بِهِمْ، أيْ إنْ كُنّا لَمْ نَمْسَخْهم ولَمْ نَطْمِسْ عَلى عُيُونِهِمْ فَقَدْ أبْقَيْناهم لِيَكُونُوا مَغْلُوبِينَ أذِلَّةً، فَمَعْنى ”ومَن نُعَمِّرْهُ“ مَن نُعَمِّرْهُ مِنهم.

فالتَّعْمِيرُ بِمَعْنى الإبْقاءِ، أيْ مَن نُبْقِيهِ مِنهم ولا نَسْتَأْصِلُهُ مِنهم، أيْ مِنَ المُشْرِكِينَ فَجَعَلَهُ بَيْنَ الأُمَمِ ذَلِيلًا، فالتَّعْمِيرُ المُرادُ هُنا كالتَّعْمِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧]، بِأنَّ مَعْناها: ألَمْ نُبْقِكم مُدَّةً مِنَ الحَياةِ تَكْفِي المُتَأمِّلَ وهو المُقَدَّرُ بِقَوْلِهِ ﴿ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧] .

ولَيْسَ المُرادُ مِنَ التَّعْمِيرِ فِيها طُولَ الحَياةِ وإدْراكَ الهَرَمِ كالَّذِي في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ مِنَ المُعَمَّرِينَ، فَإنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ بِجَمِيعِ أهْلِ النّارِ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِقَوْلِهِ أوَلَمْ نُعَمِّرْكم، وقَدْ طُوِيَتْ في الكَلامِ جُمْلَةٌ تَقْدِيرُها: ولَوْ نَشاءُ لَأهْلَكْناهم، يَدُلُّ عَلَيْها قَوْلُهُ ”مَن نُعَمِّرْهُ“ أيْ نُبْقِهِ حَيًّا.

والنَّكْسُ: حَقِيقَةُ قَلْبِ الأعْلى أسْفَلَ، أوْ ما يَقْرُبُ مِنَ الأسْفَلِ، قالَ تَعالى ﴿ناكِسُوا رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة: ١٢]، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى الرُّجُوعِ مِن حالٍ حَسَنَةٍ إلى سَيِّئَةٍ، ولِذَلِكَ يُقالُ: فُلانٌ نَكِسٌ، إذا كانَ ضَعِيفًا لا يُرْجى لِنَجْدَةٍ، وهو فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَأنَّهُ مَنكُوسٌ في خَلائِقِ الرُّجُولَةِ، فَـ ”نُنَكِّسْهُ“ مَجازٌ لا مَحالَةَ إلّا أنّا نَجْعَلُهُ مَجازًا في الإذْلالِ بَعْدَ العِزَّةِ وسُوءِ الحالَةِ بَعْدَ زَهْرَتِها.

والخَلْقُ: مَصْدَرُ خَلَقَهُ، ويُطْلَقُ عَلى المَخْلُوقِ كَثِيرًا وعَلى النّاسِ. وفي «حَدِيثِ عائِشَةَ عَنِ الكَنِيسَةِ الَّتِي رَأتْها أُمُّ سَلَمَةَ وأُمُّ حَبِيبَةَ بِالحَبَشَةِ قالَ النَّبِيءُ ﷺ وأُولَئِكَ شِرارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ»، أيْ شَرارُ النّاسِ.

ووُقُوعُ حَرْفِ (في) هُنا يُعَيِّنُ أنَّ الخَلْقَ هَنا مُرادٌ بِهِ النّاسُ، أيْ تَجْعَلُهُ دَلِيلًا في

صفحة ٥٥

النّاسِ وهو ألْيَقُ بِهَذا المَعْنى دُونَ مَعْنًى في خِلْقَتِهِ؛ لِأنَّ الإنْكاسَ لا يَكُونُ في أصْلِ الخِلْقَةِ إنَّما يَكُونُ في أطْوارِها، وقَدْ فُسِّرَ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً﴾ [الأعراف: ٦٩] أيْ زادَكم قُوَّةً وسَعَةً في الأُمَمِ، أيْ في الأُمَمِ المُعاصِرَةِ لَكم، فَهو وعِيدٌ لَهم ووَعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ عَلى المُشْرِكِينَ ووُقُوعِهِمْ تَحْتَ نُفُوذِ المُسْلِمِينَ، فَإنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا رُءُوسًا لِلْمُشْرِكِينَ في الجاهِلِيَّةِ صارُوا في أسْرِ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ وفي حُكْمِهِمْ يَوْمَ الفَتْحِ فَكانُوا يُدْعَوْنَ الطُّلَقاءَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”نَنْكُسْهُ“ بِفَتْحِ النُّونِ الأُولى وسُكُونِ النُّونِ الثّانِيَةِ وضَمِّ الكافِ مُخَفَّفَةً، وهو مُضارِعُ نَكَسَ المُتَعَدِّي، يُقالُ: نَكَسَ رَأْسَهُ. وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ بِضَمِّ النُّونِ الأُولى وفَتْحِ النُّونِ الثّانِيَةِ وكَسْرِ الكافِ مُشَدَّدَةً مُضارِعُ نَكَّسَ المُضاعَفِ.

وفُرِّعَ عَلى الجُمَلِ الشَّرْطِيَّةِ الثَّلاثِ وما تَفَرَّعَ عَلَيْها قَوْلُهُ (﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾) اسْتِئْنافًا إنْكارِيًّا لِعَدَمِ تَأمُّلِهِمْ في عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ لَوْ شاءَ لَطَمَسَ عَلى أعْيُنِهِمْ ولَوْ شاءَ لَمَسْخَهم عَلى مَكانَتِهِمْ، وأنَّهُ إنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَإنَّهم لا يَسْلَمُونَ مِن نَصْرِهِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم لَوْ قاسُوا مَقْدُوراتِ اللَّهِ تَعالى المُشاهَدَةِ لَهم لَعَلِمُوا أنَّ قُدْرَتَهُ عَلى مَسْخِهِمْ فَما دَونَهُ مِن إنْزالِ مَكْرُوهٍ بِهِمْ أيْسَرُ مِن قُدْرَتِهِ عَلى إيجادِ المَخْلُوقاتِ العَظِيمَةِ المُتْقَنَةِ، وأنَّهُ لا حائِلَ بَيْنَ تَعَلُّقِ قُدْرَتِهِ بِمَسْخِهِمْ إلّا عَدَمُ إرادَتِهِ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ عَلِمَها فَإنَّ القُدْرَةَ إنَّما تَتَعَلَّقُ بِالمَقْدُوراتِ عَلى وفْقِ الإرادَةِ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ ذَكْوانَ عَنْ أبِي عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ”أفَلا تَعْقِلُونَ“ بِتاءِ الخِطابِ وهو خِطابٌ لِلَّذِينِ وُجِّهَ إلَيْهِمْ قَوْلُهُ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ﴾ [يس: ٦٦] الآيَةَ. وقَرَأ الباقُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ لِأنَّ تِلْكَ الجُمَلَ الشَّرْطِيَّةَ لا تَخْلُوا مِن مُواجَهَةٍ بِالتَّعْرِيضِ لِلْمُتَحَدَّثِ عَنْهم فَكانُوا أحْرِياءَ أنْ يَعْقِلُوا مَغْزاها ويَتَفَهَّمُوا مَعْناها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском