Ibn 'AshurYa-Sin · 36:69–80

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ya-Sin 36:69–80, continued

وفِي ذِكْرِ الإنْذارِ عَوْدٌ إلى ما ابْتُدِئَتْ بِهِ السُّورَةُ مِن قَوْلِهِ ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ [يس: ٦] فَهو كَرَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ، وبِذَلِكَ تَمَّ مَجالُ الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ وإبْطالِ شُبَهِهِمْ، وتَخْلُصُ إلى الِامْتِنانِ الآتِي في قَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا﴾ [يس: ٧١] إلى قَوْلِهِ ﴿أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٧٣] .

36:71–73Page 445

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا خَلَقۡنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتۡ أَيۡدِينَآ أَنۡعَٰمٗا فَهُمۡ لَهَا مَٰلِكُونَ ٧١

Do they not see that We have created for them from what Our hands1 have made, grazing livestock, and [then] they are their owners?

وَذَلَّلۡنَٰهَا لَهُمۡ فَمِنۡهَا رَكُوبُهُمۡ وَمِنۡهَا يَأۡكُلُونَ ٧٢

And We have tamed them for them, so some of them they ride, and some of them they eat.

وَلَهُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ وَمَشَارِبُۚ أَفَلَا يَشۡكُرُونَ ٧٣

And for them therein are [other] benefits and drinks, so will they not be grateful?

﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا فَهم لَها مالِكُونَ﴾ ﴿وذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَهم فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ بَعْدَ أنِ انْقَضى إبْطالُ مَعاقِدِ شِرْكِ المُشْرِكِينَ أخَذَ الكَلامُ يَتَطَرَّقُ غَرَضَ تَذْكِيرِهِمْ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ وكَيْفَ قابَلُوها بِكُفْرانِ النِّعْمَةِ وأعْرَضُوا عَنْ شُكْرِ المُنْعِمِ وعِبادَتِهِ واتَّخَذُوا لِعِبادَتِهِمْ آلِهَةً زَعْمًا بِأنَّها تَنْفَعُهم وتَدْفَعُ عَنْهم وأُدْمِجَ في التَّذْكِيرِ بِأنَّ الأنْعامَ مَخْلُوقَةٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ.

فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَطْفَ الغَرَضِ عَلى الغَرَضِ.

والِاسْتِفْهامُ: إنْكارٌ وتَعْجِيبٌ مِن عَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ شَواهِدَ النِّعْمَةِ، فَإنْ كانَتِ الرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةً كانَ الإنْكارُ جارِيًا عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ، وإنْ كانَتِ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً فالإنْكارُ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ بِتَنْزِيلِ مُشاهَدَتِهِمْ تِلْكَ المَذْكُوراتِ مَنزِلَةَ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلى مُقْتَضى العِلْمِ بِتِلْكَ المُشاهَداتِ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْ رُؤْيَتِها ورُؤْيَةِ أحْوالِها، وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَجُمْلَةُ الفِعْلِ المُنْسَبِكِ بِالمَصْدَرِ سادَّةً مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ لِلرُّؤْيَةِ القَلْبِيَّةِ، أوِ المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِنها مَفْعُولٌ لِلرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ.

وفِي خِلالِ هَذا الِامْتِنانِ إدْماجُ شَيْءٍ مِن دَلائِلَ الِانْفِرادِ بِالتَّصَرُّفِ في الخَلْقِ المُبْطِلَةِ لِإشْراكِهِمْ إيّاهُ غَيْرَهُ في العِبادَةِ وذَلِكَ في قَوْلِهِ ”أنّا خَلَقْنا“ وقَوْلِهِ ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ وقَوْلِهِ ”﴿وذَلَّلْناها﴾“ وقَوْلِهِ ﴿ولَهم فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ﴾، لِأنَّ

صفحة ٦٨

مَعْناهُ: أوْدَعْنا لَهم في أضْراعِها ألْبانًا يَشْرَبُونَها وفي أبْدانِها أوْبارًا وأشْعارًا يَنْتَفِعُونَ بِها.

وقَوْلُهُ (لَهم) هو مَحَلُّ الِامْتِنانِ، أيْ لِأجْلِهِمْ، فَإنَّ جَمِيعَ المَنافِعِ الَّتِي عَلى الأرْضِ خَلَقَها اللَّهُ لِأجْلِ الإنْسانِ بِها تَكْرِمَةً لَهُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

واسْتُعِيرَ عَمَلُ الأيْدِي الَّذِي هو المُتَعارَفُ في الصُّنْعِ إلى إيجادِ أُصُولِ الأجْناسِ بِدُونِ سابِقِ مَنشَأٍ مِن تَوالُدٍ أوْ نَحْوِهِ فَأُسْنِدَ ذَلِكَ إلى أيْدِي اللَّهِ تَعالى لِظُهُورِ أنَّ تِلْكَ الأُصُولَ لَمْ تَتَوَلَّدْ عَنْ سَبَبٍ كَقَوْلِهِ ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧]، فَـ (مِن) في قَوْلِهِ ”﴿مِمّا عَمِلَتْ﴾“ ابْتِدائِيَّةٌ لِأنَّ الأنْعامَ الَّتِي لَهم مُتَوَلَّدَةٌ مِن أُصُولٍ حَتّى تَنْتَهِيَ إلى أُصُولِها الأصْلِيَّةِ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ كَما خَلَقَ آدَمَ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ الخَلْقِ بِأنَّهُ بِيَدِ اللَّهِ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً لِتَقْرِيبِ شَأْنِ الخَلْقِ الخَفِيِّ البَدِيعِ مِثْلَ قَوْلِهِ ”﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدِيَّ﴾ [ص: ٧٥]“، وقَرِينَةُ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ ما تَقَرِّرَ مِن أنَّ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وأنَّهُ لا يُشْبِهُ المَخْلُوقاتِ، فَذَلِكَ مِنَ العَقائِدِ القَطْعِيَّةِ في الإسْلامِ. فَأمّا الَّذِينَ رَأوُا الإمْساكَ عَنْ تَأْوِيلِ أمْثالِ هَذِهِ الِاسْتِعاراتِ فَسَمَّوْها المُتَشابِهَ وإنَّما أرادُوا أنَّنا لَمْ نَصِلْ إلى حَقِيقَةِ ما نُعَبِّرُ عَنْهُ بِالكُنْهِ، وأمّا الَّذِينَ تَأوَّلُوها بِطَرِيقَةِ المَجازِ فَهم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ تَأْوِيلَها تَقْرِيبٌ وإساغَةٌ لِغُصَصِ العِبارَةِ. فَأمّا الَّذِينَ أثْبَتُوا وصْفَ اللَّهِ تَعالى بِظَواهِرِها فَباعِثُهم فَرْطُ الخَشْيَةِ، وكانَ لِلسَّلَفِ في ذَلِكَ عُذْرٌ لا يَسَعُ أهْلَ العُصُورِ الَّتِي فَشا فِيها الإلْحادُ والكُفْرُ فَهم عَنْ إقْناعِ السّائِلِينَ بِمَعْزِلٍ، وقَلَمُ التَّطْوِيلِ في ذَلِكَ مَغْزِلٌ.

والأنْعامُ: الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ والمَعْزُ. وفَرَّعَ عَلى خَلْقِها لِلنّاسِ أنَّهم لَها مالِكُونَ قادِرُونَ عَلى اسْتِعْمالِها فِيما يَشاءُونَ لِأنَّ المِلْكَ هو أنْواعُ التَّصَرُّفِ. قالَ الرَّبِيعُ بْنُ ضَبُعٍ الفَزارِيُّ مِن شُعَراءِ الجاهِلِيَّةِ المُعَمَّرِينَ:

أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَـرا

وهَذا إدْماجٌ لِلِامْتِنانِ في أثْناءِ التَّذْكِيرِ.

وتَقْدِيمُ (لَها) عَلى (مالِكُونَ) الَّذِي هو مُتَعَلِّقَهُ لِزِيادَةِ اسْتِحْضارِ الأنْعامِ عِنْدَ

صفحة ٦٩

السّامِعِينَ قَبْلَ سَماعِ مُتَعَلِّقِهِ لِيَقَعَ كِلاهُما أمْكَنَ وقَعَ بِالتَّقْدِيمِ وبِالتَّشْوِيقِ، وقَضى بِذَلِكَ أيْضًا رَعْيُ الفاصِلَةِ.

وعُدِلَ عَنْ أنْ يُقالَ: (فَهم مالِكُونَ)، إلى ﴿فَهم لَها مالِكُونَ﴾ لِيَتَأتّى التَّنْكِيرُ فَيُفِيدَ بِتَعْظِيمِ المالِكِينَ لِلْأنْعامِ الكِنايَةَ عَنْ تَعْظِيمِ المِلْكِ، أيْ بِكَثْرَةِ الِانْتِفاعِ وهو ما أشارَ إلَيْهِ تَفْصِيلًا وإجْمالًا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وذَلَّلْناها لَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ولَهم فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ﴾، وأنَّ إضافَةَ الوَصْفِ المُشْبِهِ الفِعْلَ وإنْ كانَتْ لا تُكْسِبُ المُضافَ تَعْرِيفًا لَكِنَّها لا تَنْسَلِخُ مِنها خَصائِصُ التَّنْكِيرِ مِثْلَ التَّنْوِينِ.

وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِإفادَةِ ثَباتِ هَذا المِلْكِ ودَوامِهِ.

والتَّذْلِيلُ: جَعْلُ الشَّيْءِ ذَلِيلًا، والذَّلِيلُ ضِدُّ العَزِيزِ وهو الَّذِي لا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ ما يَكْرَهُهُ. ومَعْنى تَذْلِيلِ الأنْعامِ خَلْقُ مَهانَتِها لِلْإنْسانِ في جِبِلَّتِها بِحَيْثُ لا تُقْدِمُ عَلى مُدافَعَةِ ما يُرِيدُ مِنها فَإنَّها ذاتُ قُواتٍ يَدْفَعُ بَعْضُها بَعْضًا عَنْ نَفْسِهِ بِها، فَإذا زَجَرَها الإنْسانُ أوْ أمَرَها ذَلَّتْ لَهُ وطاعَتْ مَعَ كَراهِيَتِها ما يُرِيدُهُ مِنها، مِن سَيْرٍ أوْ حَمْلٍ أوْ حَلْبٍ أوْ أخْذِ نَسْلٍ أوْ ذَبْحٍ.

وقَدْ أشارَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ .

والرَّكُوبُ بِفَتْحِ الرّاءِ: المَرْكُوبُ مِثْلُ الحَلُوبُ وهو فَعَوْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فَلِذَلِكَ يُطابِقُ مَوْصُوفَهُ يُقالُ: بَعِيرٌ رَكُوبٌ وناقَةٌ حَلُوبَةٌ.

و”مِن“ تَبْعِيضِيَّةٌ، أيْ: وبَعْضُها غَيْرُ ذَلِكَ مِثْلُ الحَرْثِ والقِتالِ كَما قالَ ﴿ولَهم فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ﴾ والمَشارِبُ: جَمْعُ مَشْرَبٍ، وهو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الشُّرْبِ، أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ، أيْ: مَشْرُوباتٌ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورَيْنِ بِـ (مِن) عَلى ما حَقِّهِما أنْ يَتَأخَّرا عَنْهُما لِلْوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ في قَوْلِهِ ﴿فَهم لَها مالِكُونَ﴾ .

وفُرِّعَ عَلى التَّذْكِيرِ والِامْتِنانِ قَوْلُهُ ﴿أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٣٥] اسْتِفْهامًا تَعَجُّبِيًّا لِتَرْكِهِمْ تَكْرِيرَ الشُّكْرِ عَلى هَذِهِ النِّعَمِ العِدَّةِ فَلِذَلِكَ جِيءَ بِالمُضارِعِ المُفِيدِ لِلتَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ لِأنَّ تِلْكَ النِّعَمَ مُتَتالِيَةٌ مُتَعاقِبَةٌ في كُلِّ حِينٍ، وإذْ قَدْ عُجِبَ مِن عَدَمِ

صفحة ٧٠

تَكْرِيرِهِمُ الشُّكْرَ كانَتْ إفادَةُ التَّعْجِيبِ مِن عَدَمِ الشُّكْرِ مِن أصْلِهِ بِالفَحْوى ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [يس: ٧٤] .

36:74–75Page 445

وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةٗ لَّعَلَّهُمۡ يُنصَرُونَ ٧٤

But they have taken besides Allāh [false] deities that perhaps they would be helped.

لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَهُمۡ وَهُمۡ لَهُمۡ جُندٞ مُّحۡضَرُونَ ٧٥

They are not able to help them, and they [themselves] are for them soldiers in attendance.1

﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهم وهم لَهم جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا﴾ [يس: ٧١]، أيْ ألَمْ يَرَوْا دَلائِلَ الوَحْدانِيَّةِ ولَمْ يَتَأمَّلُوا جَلائِلَ النِّعْمَةِ، واتَّخَذُوا آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ المُنْعِمِ والمُنْفَرِدِ بِالخَلْقِ.

ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ عَطْفًا عَلى الجُمْلَتَيْنِ المُفَرَّعَتَيْنِ، والمَقْصُودُ مِنَ الإخْبارِ بِاتِّخاذِهِمْ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ التَّعْجِيبُ مِن جَرَيانِهِمْ عَلى خِلافِ حَقِّ النِّعْمَةِ ثُمَّ مُخالَفَةِ مُقْتَضى دَلِيلِ الوَحْدانِيَّةِ المُدْمَجِ في ذِكْرِ النِّعَمِ.

والإتْيانُ بِاسْمِ الجَلالَةِ العَلَمِ دُونَ ضَمِيرِ إظْهارٍ في مَقامِ الإضْمارِ لِما يُشْعِرُ بِهِ اسْمُهُ العَلَمُ مِن عَظَمَةِ الإلَهِيَّةِ، إيماءً إلى أنَّ اتِّخاذَهم آلِهَةً مِن دُونِهِ جَراءَةٌ عَظِيمَةٌ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يس: ٧٦] أيْ فَإنَّهم قالُوا ما هو أشَدُّ نُكْرًا.

وأمّا الإضْمارُ في قَوْلِهِ في سُورَةِ الفُرْقانِ ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣] فَلِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ انْفِرادِهِ بِالإلَهِيَّةِ صَرِيحًا مِن قَوْلِهِ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢] .

وقَوْلُهُ ﴿لَعَلَّهم يُنْصَرُونَ﴾ وقَعَتْ لَعَلَّ فِيهِ مَوْقِعًا غَيْرَ مَأْلُوفٍ لِأنَّ شَأْنَ لَعَلَّ أنْ تُفِيدَ إنْشاءَ رَجاءِ المُتَكَلِّمِ بِها وذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ هُنا. وقَدْ أغْفَلَ المُفَسِّرُونَ التَّعَرُّضَ لِتَفْسِيرِهِ، وأهْمَلَهَ عُلَماءُ النَّحْوِ واللُّغَةِ مِنِ اسْتِعْمالِ لَعَلَّ، فَيَتَعَيَّنُ:

إمّا أنْ تَكُونَ لَعَلَّ تَمْثِيلِيَّةً مَكْنِيَّةً بِأنْ شُبِّهَ شَأْنُ اللَّهِ فِيما أخْبَرَ عَنْهم بِحالِ مَن

صفحة ٧١

يَرْجُو مِنَ المُخْبَرِ عَنْهم أنْ يَحْصُلَ لَهم خَبَرُ لَعَلَّ، وذِكْرُ حَرْفُ لَعَلَّ رَمْزٌ لِرَدِيفِ المُشْتَبَهِ بِهِ، فَتَكُونُ جُمْلَةَ (﴿لَعَلَّهم يُنْصَرُونَ﴾) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ (آلِهَةً) وبَيْنَ صِفَتِهِ وهي جُمْلَةُ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾، وإمّا أنْ يَكُونَ الكَلامُ جَرى عَلى مَعْنى الِاسْتِفْهامِ وهو اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ أوْ تَهَكُّمِيٌّ والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ أيْضًا، وإمّا أنْ يُجْعَلَ الرَّجاءُ مُنْصَرِفًا إلى رَجاءِ المُخْبَرِ عَنْهم، أيْ راجِينَ أنْ تَنْصُرَهم تِلْكَ الآلِهَةُ وعَلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ قائِلِينَ: لَعَلَّنا نُنْصَرُ، وحُكِيَ (يُنْصَرُونَ) بِالمَعْنى عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ في حِكايَةِ الأقْوالِ تَقُولُ: قالَ أفْعَلُ كَذا، وقالَ يَفْعَلُ كَذا، وتَكُونُ جُمْلَةُ (﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾) اسْتِئْنافًا لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ.

وإمّا أنْ تَجْعَلَ لَعَلَّ لِلتَّعْلِيلِ عَلى مَذْهَبِ الكِسائِيِّ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ (﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمُ﴾) اسْتِئْنافًا.

والمَقْصُودُ: الإشارَةُ إلى أنَّ الكُفّارَ يَزْعُمُونَ أنَّ الأصْنامَ تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ في أُمُورِ الدُّنْيا ويَقُولُونَ ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] وهم سالِكُونَ في هَذا الزَّعْمِ مَسْلَكَ ما يَأْلَفُونَهُ مِنَ الِاعْتِزازِ بِالمُوالاةِ والحِلْفِ بَيْنَ القَبائِلِ والِانْتِماءِ إلى قادَتِهِمْ، فَبِمِقْدارِ كَثْرَةِ المَوالِي تَكُونُ عِزَّةُ القَبِيلَةِ فَقاسُوا شُئُونَهم مَعَ رَبِّهِمْ عَلى شُئُونِهِمُ الجارِيَةِ بَيْنَهم وقِياسُ أُمُورِ الإلَهِيَّةِ عَلى أحْوالِ البَشَرِ مِن أعْمَقِ مَهاوِي الضَّلالَةِ.

أُجْرِيَ عَلى الأصْنامِ ضَمِيرُ جَمْعِ العُقَلاءِ في قَوْلِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ لِأنَّهم سَمَّوْهم بِأسْماءِ العُقَلاءِ وزَعَمُوا لَهم إدْراكًا.

وضَمِيرُ (وهم) يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى آلِهَةٍ تَبَعًا لِضَمِيرِ لا يَسْتَطِيعُونَ، وضَمِيرِ (لَهم) لِلْمُشْرِكِينَ، أيْ: والأصْنامُ لِلْمُشْرِكِينَ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ، والجُنْدُ العَدَدُ الكَثِيرُ. والمُحْضَرُ الَّذِي جِيءَ بِهِ لِيَحْضُرَ مَشْهَدًا. والمَعْنى: أنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ النَّصْرَ مَعَ حُضُورِهِمْ في مَوْقِفِ المُشْرِكِينَ لِمُشاهَدَةِ تَعْذِيبِهِمْ ومَعَ كَوْنِهِمْ عَدَدًا كَثِيرًا ولا يَقْدِرُونَ عَلى نَصْرِ المُتَمَسِّكِينَ بِهِمْ، أيْ هم عاجِزُونَ عَنْ ذَلِكَ، وهَذا تَأْيِيسٌ لِلْمُشْرِكِينَ مِن نَفْعِ أصْنامِهِمْ.

ويَجُوزُ العَكْسُ، أيْ والمُشْرِكُونَ جُنْدٌ لِأصْنامِهِمْ مُحَضَرُونَ لِخِدْمَتِها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا إخْبارًا عَنْ حالِهِمْ مَعَ أصْنامِهِمْ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ.

صفحة ٧٢

ويَنْبَغِي أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وهم لَهم جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والواوُ واوُ الحالِ مِن ضَمِيرِ يَسْتَطِيعُونَ، أيْ لَيْسَ عَدَمُ اسْتِطاعَتِهِمْ نَصْرَهَمْ لِبُعْدِ مَكانَتِهِمْ وتَأخُّرِ الصَّرِيخِ لَهم ولَكِنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ وهم حاضِرُونَ لَهم، واللّامُ في (لَهم) لِلْأجَلِ، أيْ أنَّ اللَّهَ يُحْضِرُ الأصْنامَ حِينَ حَشْرِ عَبَدَتِها إلى النّارِ لِيُرِيَ المُشْرِكِينَ خَطَلَ رَأْيِهِمْ وخَيْبَةَ أمَلِهِمْ، فَهَذا وعِيدٌ بِعَذابٍ لا يَجِدُونَ مِنهُ مَلْجَأً.

36:76–77Page 445

فَلَا يَحۡزُنكَ قَوۡلُهُمۡۘ إِنَّا نَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٧٦

So let not their speech grieve you. Indeed, We know what they conceal and what they declare.

أَوَلَمۡ يَرَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ ٧٧

Does man not consider that We created him from a [mere] sperm-drop - then at once1 he is a clear adversary?

﴿فَلا يُحْزِنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ فَرَّعَ عَلى قَوْلِهِ ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [يس: ٧٤] صَرْفَ أنْ تُحْزِنَ أقْوالُهُمُ النَّبِيءَ ﷺ، أيْ تَحْذِيرُهُ مِن أنْ يَحْزَنَ لِأقْوالِهِمْ فِيهِ فَإنَّهم قالُوا في شَأْنِ اللَّهِ ما هو أفْظَعُ.

(وقَوْلُهم) مِن إضافَةِ اسْمِ الجِنْسِ فَيَعُمُّ، أيْ فَلا تُحْزِنْكَ أقْوالُهم في الإشْراكِ وإنْكارِ البَعْثِ والتَّكْذِيبِ والأذى لِلرَّسُولِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ، ولِذَلِكَ حُذِفَ المَقُولُ، أيْ يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُحْزِنَكَ.

والنَّهْيُ عَنِ الحُزْنِ نَهْيٌ عَنْ سَبَبِهِ وهو اشْتِغالُ بالِ الرَّسُولِ بِإعْراضِهِمْ عَنْ قَبُولِ الدِّينِ الحَقِّ، وهو يَسْتَلْزِمُ الأمْرَ بِالأسْبابِ الصّارِفَةِ لِلْحُزْنِ عَنْ نَفْسِهِ مِنَ التَّسَلِّي بِعِنايَةِ اللَّهِ تَعالى وعِقابِهِ مَن ناوَوْهُ وعادَوْهُ.

* * *

﴿إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الحُزْنِ لِقَوْلِهِمْ.

والخَبَرُ كِنايَةٌ عَنْ مُؤاخَذَتِهِمْ بِما يَقُولُونَ، أيْ أنّا مُحْصُونَ عَلَيْهِمْ أقْوالَهَمْ وما تُسِرُّهُ أنْفُسُهم مِمّا لا يَجْهَرُونَ بِهِ فَنُؤاخِذُهم بِذَلِكَ كُلِّهِ بِما يُكافِئُهُ مِن عِقابِهِمْ ونَصْرِكَ عَلَيْهِمْ ونَحْوِ ذَلِكَ. وفي قَوْلِهِ ﴿ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ تَعْمِيمٌ لِجَعْلِ التَّعْلِيلِ تَذْيِيلًا أيْضًا.

و(إنَّ) مُغْنِيَةٌ عَنْ فاءِ التَّسَبُّبِ في مَقامِ وُرُودِها لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالتَّأْكِيدِ المُخْبَرِ بِالجُمْلَةِ لَيْسَتْ مُسْتَأْنَفَةً ولَكِنَّها مُتَرَتِّبَةٌ.

صفحة ٧٣

وقَرَأ نافِعٌ ”﴿يَحْزُنْكَ﴾“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ مِن أحْزَنَهُ إذا أدْخَلَ عَلَيْهِ حَزَنًا. وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ مِن حَزَنَهُ بِفَتْحِ الزّايِ بِمَعْنى أحْزَنَهُ وهَما بِمَعْنًى واحِدٍ.

وقَدَّمَ الإسْرارَ لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِأنَّهُ أشَدُّ دَلالَةً عَلى إحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِأحْوالِهِمْ، وذَكَرَ بَعْدَهُ الإعْلانَ لِأنَّهُ مَحَلُّ الخَبَرِ، ولِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِيعابِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِجُزْئِيّاتِ الأُمُورِ وكُلِّيّاتِها.

والوَقْفُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ولا يُحْزِنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يونس: ٦٥] مَعَ الِابْتِداءِ بِقَوْلِهِ (﴿إنّا نَعْلَمُ﴾) أحْسَنُ مِنَ الوَصْلِ لِأنَّهُ أوْضَحُ لِلْمَعْنى، ولَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ؛ إذْ لا يَخْطُرُ بِبالِ سامِعٍ أنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ، ولَوْ قالُوهُ لَما كانَ مِمّا يَحْزُنُ النَّبِيءَ ﷺ فَكَيْفَ يَنْهى عَنِ الحُزْنِ مِنهُ.

36:78–79Page 445

وَضَرَبَ لَنَا مَثَلٗا وَنَسِيَ خَلۡقَهُۥۖ قَالَ مَن يُحۡيِ ٱلۡعِظَٰمَ وَهِيَ رَمِيمٞ ٧٨

And he presents for Us an example1 and forgets his [own] creation. He says, "Who will give life to bones while they are disintegrated?"

قُلۡ يُحۡيِيهَا ٱلَّذِيٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلۡقٍ عَلِيمٌ ٧٩

Say, "He will give them life who produced them the first time; and He is, of all creation, Knowing."

﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] ﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهْيَ رَمِيمٌ﴾ ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهْوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ لَمّا أُبْطِلَتْ شُبَهُ المُشْرِكِينَ في إشْراكِهِمْ بِعِبادَةِ اللَّهِ وإحالَتِهِمْ قُدْرَتَهُ عَلى البَعْثِ وتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ في إنْبائِهِ بِذَلِكَ إبْطالًا كُلِّيًّا، عُطِفَ الكَلامُ إلى جانِبِ تَسْفِيهِ أقْوالٍ جُزْئِيَّةٍ لِزُعَماءِ المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ تَوْبِيخًا لَهم عَلى وقاحَتِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِنِعْمَةِ رَبِّهِمْ وهم رِجالٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ أحْسَبُ أنَّهم كانُوا يُمَوِّهُونَ الدَّلائِلَ ويُزَيِّنُونَ الجَدَلَ لِلنّاسِ ويَأْتُونَ لَهم بِأقْوالٍ إقْناعِيَّةٍ جارِيَةٍ عَلى وفْقِ أفْهامِ العامَّةِ، فَقِيلَ أُرِيدَ (بِالإنْسانِ) أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ. وقِيلَ أُرِيدَ بِهِ العاصِ بْنُ وائِلٍ، وقِيلَ أبُو جَهْلٍ، وفي ذَلِكَ رِواياتٌ بِأسانِيدَ، ولَعَلَّ ذَلِكَ تَكَرَّرَ مَرّاتٍ تَوَلّى كُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ بَعْضَها.

قالُوا في الرِّواياتِ: «جاءَ أحَدُ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في يَدِهِ عَظْمُ إنْسانٍ رَمِيمٍ فَفَتَّهُ وذَراهُ في الرِّيحِ وقالَ: يا مُحَمَّدُ أتَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ يُحْيِي هَذا بَعْدَ ما أرَمَّ (أيْ بَلِيَ) فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ: نَعَمْ يُمِيتُكَ اللَّهُ ثُمَّ يُحْيِيكَ ثُمَّ يُدْخِلُكَ جَهَنَّمَ» .

صفحة ٧٤

فالتَّعْرِيفُ في (الإنْسانُ) تَعْرِيفُ العَهْدِ وهو الإنْسانُ المُعَيَّنُ المَعْرُوفُ بِهَذِهِ المَقالَةِ يَوْمَئِذٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ مَرْيَمَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أئِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦] نَزَلَ في أحَدِ هَؤُلاءِ، وذُكِرَ مَعَهُمُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [القيامة: ٣] في سُورَةِ القِيامَةِ.

ووَجْهُ حَمْلِ التَّعْرِيفِ هُنا عَلى التَّعْرِيفِ العَهْدِيِّ أنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ حَمْلُها عَلى غَيْرِ ذَلِكَ لِأنَّ جَعْلَهُ لِلْجِنْسِ يَقْتَضِي أنَّ جِنْسَ الإنْسانِ يُنْكِرُونَ البَعْثَ، كَيْفَ وفِيهِمُ المُؤْمِنُونَ وأهْلُ المِلَلِ، وحَمْلُها عَلى الِاسْتِغْراقِ أبْعَدُ إلّا أنْ يُرادَ الِاسْتِغْراقُ العُرْفِيُّ ولَيْسَ مِثْلُ هَذا المَقامِ مِن مَواقِعِهِ. فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤] فَهو تَعْرِيفُ الِاسْتِغْراقِ، أيْ خُلِقَ كُلُّ إنْسانٍ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ الِاسْتِغْراقِ الحَقِيقِيِّ.

والمُرادُ بِـ (خَصِيمٌ) في تِلْكَ الآيَةِ: أنَّهُ شَدِيدُ الشَّكِيمَةِ بَعْدَ أنْ كانَ أصْلُهُ نُطْفَةً، فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهُمُ﴾ [يس: ٧١] الآيَةَ.

والِاسْتِفْهامُ كالِاسْتِفْهامِ في الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ عَلَيْها.

والرُّؤْيَةُ هُنا قَلْبِيَّةٌ. وجُمْلَةُ (﴿أنّا خَلَقْناهُ﴾ [يس: ٧٧]) سادَّةٌ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا﴾ [يس: ٧١] .

و(إذا) لِلْمُفاجَأةِ. ووَجْهُ المُفاجَأةِ أنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ خُلِقَ لِيَعْبُدَ اللَّهَ ويَعْلَمَ ما يَلِيقُ بِهِ فَإذا لَمْ يَجْرِ عَلى ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ فاجَأ بِما لَمْ يَكُنْ مُتَرَقَّبًا مِنهُ مَعَ إفادَةِ أنَّ الخُصُومَةَ في شُئُونِ الإلَهِيَّةِ كانَتْ بِما بادَرَ بِهِ حِينَ عَقَلَ.

والخَصِيمُ فَعِيلٌ مُبالَغَةً في مَعْنى مُفاعِلٍ، أيْ: مُخاصِمٌ شَدِيدُ الخِصامِ.

والمُبِينُ: مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ، أيْ: ظاهِرٌ في ذَلِكَ.

وضَرْبُ المَثَلِ: إيجادُهُ، كَما يُقالُ: ضَرَبَ خَيْمَةً، وضَرَبَ دِينارًا، وتَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمَثَلُ: تَمْثِيلُ الحالَةِ، فالمَعْنى: وأظْهَرَ لِلنّاسِ وأتى لَهم بِتَشْبِيهِ حالِ قُدْرَتِنا بِحالِ عَجْزِ النّاسِ إذْ أحالَ إحْياءُنا العِظامَ بَعْدَ أنْ أرَمَّتْ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى

صفحة ٧٥

﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ [النحل: ٧٤]، أيْ لا تُشَبِّهُوهُ بِخَلْقِهِ فَتَجْعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ لِوُقُوعِهِ بَعْدَ ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٣] .

والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿مَن يُحْيِيِ العِظامَ﴾ إنْكارِيٌّ. و(مَن) عامَّةٌ في كُلِّ مَن يُسْنَدُ إلَيْهِ الخَبَرُ. فالمَعْنى: لا أحَدَ يُحْيِيِ العِظامَ وهي رَمِيمٌ. فَشَمِلَ عُمُومُهُ إنْكارَهم أنْ يَكُونَ اللَّهَ تَعالى مُحْيِيًا لِلْعِظامِ وهي رَمِيمٌ، أيْ في حالِ كَوْنِها رَمِيمًا.

وجُمْلَةُ ﴿قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ (ضَرْبَ لَنا مَثَلًا) كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ﴾ [طه: ١٢٠] الآيَةَ، فَجُمْلَةُ قالَ يا آدَمُ بَيانٌ لِجُمْلَةِ وسُوسَ.

والنِّسْيانُ في قَوْلِهِ (﴿ونَسِيَ خَلْقَهُ﴾) مُسْتَعارٌ لِانْتِفاءِ العِلْمِ مِن أصْلِهِ، أيْ لِعَدَمِ الِاهْتِداءِ إلى كَيْفِيَّةِ الخَلْقِ الأوَّلِ، أيْ نَسِيَ أنَّنا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ، أيْ لَمْ يَهْتَدِ إلى أنَّ ذَلِكَ أعْجَبُ مِن إعادَةِ عَظْمِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥] .

وذِكْرُ النُّطْفَةِ هُنا تَمْهِيدٌ لِلْمُفاجَأةِ بِكَوْنِهِ خَصِيمًا مُبِينًا عَقِبَ خَلْقِهِ، أيْ: ذَلِكَ الهَيِّنُ المَنشَأِ قَدْ أصْبَحَ خَصِيمًا عَنِيدًا، ولِيُبْنى عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ (ونَسِيَ خَلْقُهُ) أيْ نَسِيَ خَلْقَهُ الضَّعِيفَ فَتَطاوَلَ وجاوَزَ، ولِأنَّ خَلْقَهُ مِنَ النُّطْفَةِ أعْجَبُ مِن إحْيائِهِ وهو عَظَمٌ مُجاراةٌ لِزَعْمِهِ في مِقْدارِ الإمْكانِ، وإنْ كانَ اللَّهُ يُحْيِي ما هو أضْعَفُ مِنَ العِظامِ فَيُحْيِي الإنْسانَ مِن رَمادِهِ، ومِن تُرابِهِ، ومِن عَجْبِ ذَنَبِهِ، ومَن لا شَيْءَ باقِيًا مِنهُ.

والرَّمِيمُ: البالِي، يُقالُ: رَمَّ العَظْمُ وأرَمَّ، إذا بَلِيَ فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى المَصْدَرِ، يُقالُ: رَمَّ العَظْمُ رَمِيمًا، فَهو خَبَرٌ بِالمَصْدَرِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُطابِقِ المُخْبَرَ عَنْهُ في الجَمْعِيَّةِ وهي بِلى.

وأمْرُ النَّبِيءِ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهُ ﴿يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها﴾ أمْرٌ بِجَوابٍ عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ بِحَمْلِ اسْتِفْهامِ القائِلِ عَلى خِلافِ مُرادِهِ لِأنَّهُ لَمّا قالَ ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ لَمْ يَكُنْ قاصِدًا تَطَلُّبُ تَعْيِينِ المُحْيِي وإنَّما أرادَ الِاسْتِحالَةَ، فَأُجِيبَ جَوابَ مَن هو مُتَطَلَّبٌ عَلِمًا. فَقِيلَ لَهُ ﴿يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾

صفحة ٧٦

فَلِذَلِكَ بُنِيَ الجَوابُ عَلى فِعْلِ الإحْياءِ مُسْنَدًا لِلْمُحْيِي، عَلى أنَّ الجَوابَ صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ إبْطالٌ لِلنَّفْيِ المُرادِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ. ولَمْ يُبْنَ الجَوابُ عَلى بَيانِ إمْكانِ الإحْياءِ وإنَّما جُعِلَ بَيانُ الإمْكانِ في جَعْلِ المُسْنَدِ إلَيْهِ مَوْصُولًا لِتَدُلَّ الصِّلَةُ عَلى الإمْكانِ فَيَحْصُلُ الغَرَضانِ، فالمَوْصُولُ هُنا إيماءٌ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو يُحْيِيها، أيْ يُحْيِيها لِأنَّهُ أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ فَهو قادِرٌ عَلى إنْشائِها ثانِيَ مَرَّةٍ. قالَ تَعالى ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢]، وقالَ ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] .

وذُيِّلُ هَذا الِاسْتِدْلالُ بِجُمْلَةِ ﴿وهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ أيْ: واسِعُ العِلْمِ مُحِيطٌ بِكُلِّ وسائِلِ الخَلْقِ الَّتِي لا نَعْلَمُها: كالخَلْقِ مِن نُطْفَةٍ، والخَلْقِ مِن ذَرَّةٍ، والخَلْقِ مِن أجْزاءِ النَّباتِ المُغْلَقَةِ كَسُوسِ الفُولِ وسُوسِ الخَشَبِ، فَتِلْكَ أعْجَبُ مِن تَكْوِينِ الإنْسانِ مِن عِظامِهِ.

وفِي تَعْلِيقِ الإحْياءِ بِالعِظامِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ عِظامَ الحَيِّ تَحُلُّها الحَياةُ كَلَحْمِهِ ودَمِهِ، ولَيْسَتْ بِمَنزِلَةِ القَصَبِ والخَشَبِ وهو قَوْلُ مالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ ولِذَلِكَ تَنَجَّسُ عِظامُ الحَيَوانِ الَّذِي ماتَ دُونَ ذَكاةٍ، وعَنِ الشّافِعِيِّ أنَّ العَظْمَ لا تَحُلُّهُ الحَياةُ فَلا يَنَجُسُ بِالمَوْتِ قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وقَدِ اضْطَرَبَ أرْبابُ المَذاهِبِ فِيهِ. والصَّحِيحُ ما ذَكَرْناهُ، يَعْنِي أنَّ بَعْضَهم نَسَبَ إلى الشّافِعِيِّ مُوافَقَةَ قَوْلِ مالِكٍ وهو قَوْلُ أحْمَدَ فَيَصِيرُ اتِّفاقًا، وعُلَماءُ الطِّبِّ يُثْبِتُونَ الحَياةَ في العِظامِ والإحْساسِ. وقالَ ابْنُ زُهْرٍ الحَكِيمُ الأنْدَلُسِيُّ في كِتابِ التَّيْسِيرِ: أنَّ جالِينُوس اضْطَرَبَ كَلامُهُ في العِظامِ هَلْ لَها إحْساسٌ والَّذِي ظَهَرَ لِي أنَّ لَها إحْساسًا بَطِيئًا.

36:80Page 445

ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلۡأَخۡضَرِ نَارٗا فَإِذَآ أَنتُم مِّنۡهُ تُوقِدُونَ ٨٠

[It is] He who made for you from the green tree, fire, and then from it you ignite.

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ بَدَلٌ مِنَ ﴿الَّذِي أنْشَأها﴾ [يس: ٧٩] بَدَلًا مُطابِقًا، وإنَّما لَمْ تُعْطَفِ الصِّلَةُ عَلى الصِّلَةِ فَيُكْتَفى بِالعَطْفِ عَنْ إعادَةِ اسْمِ المَوْصُولِ؛ لِأنَّ في إعادَةِ المَوْصُولِ تَأْكِيدًا لِلْأوَّلِ واهْتِمامًا بِالثّانِي حَتّى تَسْتَشْرِفَ نَفْسُ السّامِعِ لِتَلَقِّي ما يَرِدُ بَعْدَهُ فَيَفْطَنُ بِما في

صفحة ٧٧

هَذا الخَلْقِ مِنَ الغَرابَةِ إذْ هو إيجادُ الضِّدِّ وهو نِهايَةُ الحَرارَةِ مِن ضِدِّهِ وهو الرُّطُوبَةُ. وهَذا هو وجْهُ وصْفِ الشَّجَرِ بِالأخْضَرِ إذْ لَيْسَ المُرادُ مِنَ الأخْضَرِ اللَّوْنَ وإنَّما المُرادُ لازِمُهُ وهو الرُّطُوبَةُ؛ لِأنَّ الشَّجَرَ أخْضَرُ اللَّوْنِ ما دامَ حَيًّا فَإذا جَفَّ وزالَتْ مِنهُ الحَياةُ اسْتَحالَ لَوْنُهُ إلى الغَبَرَةِ فَصارَتِ الخُضْرَةُ كِنايَةً عَنْ رُطُوبَةِ النَّبْتِ وحَياتِهِ. قالَ ذُوُ الرُّمَّةِ:

ولَمّا تَنَمَّتْ تَأْكُلُ الرُّمَّ لَمْ تَـدَعْ ذَوابِلَ مِمّا يَجْمَعُونَ ولا خُضْرا

ووَصْفُ الشَّجَرِ وهو اسْمُ جَمْعِ شَجَرَةٍ، وهو مُؤَنَّثُ المَعْنى بِـ (الأخْضَرِ) بِدُونِ تَأْنِيثٍ مُراعاةً لِلَّفْظِ المَوْصُوفِ بِخُلُوِّهِ عَنْ عَلامَةِ تَأْنِيثٍ وهَذِهِ لُغَةُ أهْلِ نَجْدٍ، وأمّا أهْلُ الحِجازِ فَيَقُولُونَ: شَجَرٌ خَضْراءُ عَلى اعْتِبارِ مَعْنى الجَمْعِ، وقَدْ جاءَ القُرْآنُ بِهِما في قَوْلِهِ (﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الصافات: ٦٦] ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ [الصافات: ٦٧]) .

والمُرادُ بِالشَّجَرِ هُنا: شَجَرُ المَرْخِ - بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الرّاءِ - وشَجَرُ العَفارِ - بِفَتْحِ العَيْنِ المُهْمَلَةِ وفَتْحِ الفاءِ - فَهُما شَجْرانِ يُقْتَدَحُ بِأغْصانِهِما يُؤْخَذُ غُصْنٌ مِن هَذا وغُصْنٌ مِنَ الآخَرِ بِمِقْدارِ المِسْواكِ، وهُما خَضْراوانِ يُقْطُرُ مِنهُما الماءُ فَيُسْحَقُ المَرْخُ عَلى العَفارِ فَتَنْقَدِحُ النّارُ، قِيلَ: يُجْعَلُ العَفارُ أعْلى والمَرْخُ أسْفَلَ، وقِيلَ العَكْسُ لِأنَّ الجَوْهَرِيَّ وابْنَ سِيدَهْ في المُخَصَّصِ قالا: العَفارُ هو الزَّنْدُ وهو الذَّكَرُ والمَرْخُ الأُنْثى وهو الزَّنْدَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ: المَرْخُ الذَّكَرُ والعَفارُ الأُنْثى، والنّارُ هي سِقْطُ الزَّنْدِ، وهو ما يَخْرُجُ عِنْدَ الِاقْتِداحِ مُشْتَعِلًا فَيُوضَعُ تَحْتَهُ شَيْءٌ قابِلٌ لِلِالتِهابِ مِن تِبْنٍ أوْ ثَوْبٍ بِهِ زَيْتٌ فَتُخْطَفُ فِيهِ النّارُ.

والمُفاجَأةُ المُسْتَفادَةُ مِن ﴿فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ دالَّةٌ عَلى عَجِيبِ إلْهامِ اللَّهِ البَشَرَ لِاسْتِعْمالِ الِاقْتِداحِ بِالشَّجَرِ الأخْضَرِ واهْتِدائِهِمْ إلى خاصِّيَّتِهِ.

والإيقادُ: إشْعالُ النّارِ يُقالُ: أوْقَدَ، ويُقالُ: وقَدْ بِمَعْنًى.

وجِيءَ بِالمُسْنَدِ فِعْلًا مُضارِعًا لِإفادَةِ تَكَرُّرِ ذَلِكَ واسْتِمْرارِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском