Ibn 'AshurYa-Sin · 36:81–83

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ya-Sin 36:81–83

36:81Page 445

أَوَلَيۡسَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يَخۡلُقَ مِثۡلَهُمۚ بَلَىٰ وَهُوَ ٱلۡخَلَّٰقُ ٱلۡعَلِيمُ ٨١

Is not He who created the heavens and the earth Able to create the likes of them? Yes, [it is so]; and He is the Knowing Creator.

صفحة ٧٨

﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى وهو الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾ عُطِفَ هَذا التَّقْرِيرُ عَلى الِاحْتِجاجاتِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى الإنْسانِ المَعْنِيِّ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ﴾ [يس: ٧٧]، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا تَبَيَّنَ الِاسْتِدْلالُ بِخَلْقِ أشْياءَ عَلى إمْكانِ خَلْقِ أمْثالِها ارْتُقِيَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ مَخْلُوقاتٍ عَظِيمَةٍ عَلى إمْكانِ خَلْقِ ما دَونَها.

وجِيءَ في هَذا الدَّلِيلِ بِطَرِيقَةِ التَّقْرِيرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ التَّقْرِيرِيُّ لِأنَّ هَذا الدَّلِيلَ لِوُضُوحِهِ لا يَسَعُ المُقِرَّ إلّا الإقْرارُ بِهِ فَإنَّ البَدِيهَةَ قاضِيَةٌ بِأنَّ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ هو عَلى خَلْقِ ناسٍ بَعْدَ المَوْتِ أقْدَرُ.

وإنَّما وُجِّهَ التَّقْرِيرُ إلى نَفْيِ المُقَرَّرِ بِثُبُوتِهِ تَوْسِعَةً عَلى المُقَرَّرِ إنْ أرادَ إنْكارًا مَعَ تَحَقُّقِ أنَّهُ لا يَسَعُهُ الإنْكارُ، فَيَكُونُ إقْرارُهُ بَعْدَ تَوْجِيهِ التَّقْرِيرِ إلَيْهِ عَلى نَفْيِ المَقْصُودِ، شاهِدًا عَلى أنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ إلّا أنْ يُقِرَّ، وأمْثالُ هَذا الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ كَثِيرَةٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿بِقادِرٍ﴾) بِالباءِ المُوَحَّدَةِ وبِألْفٍ بَعْدِ القافِ وجُرَّ الِاسْمُ بِالباءِ المَزِيدَةِ في النَّفْيِ لِتَأْكِيدِهِ. وقَرَأهُ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِتَحْتِيَّةٍ بِصِيغَةِ المُضارِعِ ”يَقْدِرُ“ .

ولِكَوْنِ ذَلِكَ كَذَلِكَ عَقِبَ التَّقْرِيرِ بِجَوابٍ عَنِ المُقَرَّرِ بِكَلِمَةِ ”بَلى“ الَّتِي هي لِنَقْضِ النَّفْيِ، أيْ بَلى هو قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم.

وضَمِيرُ ”مِثْلَهم“ عائِدٌ إلى الإنْسانِ في قَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ﴾ [يس: ٧٧] عَلى تَأْوِيلِهِ بِالنّاسِ سَواءً كانَ المُرادُ بِالإنْسانِ في قَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ﴾ [يس: ٧٧] شَخْصًا مُعَيَّنًا أمْ غَيْرَ شَخْصٍ، فالمَقْصُودُ هو وأمْثالُهُ مِنَ المُشايِعِينَ لَهُ عَلى اعْتِقادِهِ وهُمُ المُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ، أيْ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ أمْثالَهم، أيْ أجْسادًا عَلى صُوَرِهِمْ وشَبَهِهِمْ لِأنَّ الأجْسامَ المَخْلُوقَةَ لِلْبَعْثِ هي أمْثالُ النّاسِ الَّذِينَ كانُوا في الدُّنْيا مُرَكَّبِينَ مِن أجْزائِهِمْ فَإنَّ إعادَةَ الخَلْقِ لا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ بِجَمْعِ مُتَفَرِّقِ الأجْسامِ بَلْ يَجُوزُ كَوْنُها عَنْ عَدَمِها، ولَعَلَّ ذَلِكَ كَيْفِيّاتٌ، فالأمْواتُ الباقِيَةُ أجْسادُها تُبَثُّ فِيها الحَياةُ، والأمْواتُ الَّذِينَ تَفَرَّقَتْ أوْصالُهم وتَفَسَّخَتْ يُعادُ تَصْوِيرُها، والأجْسادُ

صفحة ٧٩

الَّتِي لَمْ تَبْقَ مِنها باقِيَةٌ تُعادُ أجْسادًا عَلى صُوَرِها لِتُودَعَ فِيها أرْواحُهم، ألا تَرى أنَّ جَسَدَ الإنْسانِ يَتَغَيَّرُ عَلى حالَتِهِ عِنْدَ الوِلادَةِ ويَكْبُرُ وتَتَغَيَّرُ مَلامِحُهُ، ويُجَدَّدُ كُلَّ يَوْمٍ مِنَ الدَّمِ واللَّحْمِ بِقَدْرِ ما اضْمَحَلَّ وتَبَخَّرَ ولا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ التَّغَيُّرُ تَبْدِيلًا لِذاتِهِ، فَهو يُحِسُّ بِأنَّهُ هو هو، والنّاسُ يُمَيِّزُونَهُ عَنْ غَيْرِهِ بِسَبَبِ عَدَمِ تَغَيُّرِ الرُّوحِ. وفي آياتِ القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى هَذِهِ الأحْوالِ لِلْمَعادِ، ولِذَلِكَ اخْتَلَفَ عُلَماءُ السُّنَّةِ في أنَّ البَعْثَ عَنْ عَدَمٍ أوْ عَنْ تَفْرِيقٍ - كَما أشارَ إلَيْهِ سَيْفُ الدِّينِ الآمِدِيِّ في أبْكارِ الأفْكارِ - ومُودَعَةٌ فِيها أرْواحُهُمُ الَّتِي كانَتْ تُدَبِّرُ أجْسامَهم، فَإنَّ الأرْواحَ باقِيَةٌ بَعْدَ فَناءِ الأجْسادِ.

وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ في آخِرِ الكَلامِ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، أيْ هو يَخْلُقُ خَلائِقَ كَثِيرَةً، وواسِعُ العِلْمِ بِأحْوالِها ودَقائِقِ تَرْتِيبِها.

36:82Page 445

إِنَّمَآ أَمۡرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيۡـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٨٢

His command is only when He intends a thing that He says to it, "Be," and it is.

﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ هَذِهِ فَذَلَكَةُ الِاسْتِدْلالِ، وفَصْلُ المَقالِ، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ عَمّا قَبْلَها كَما تُفْصَلُ جُمْلَةُ النَّتِيجَةِ عَنْ جُمْلَتِيِ القِياسِ، فَقَدْ نَتَجَ مِمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ تَعالى إذا أرادَ شَيْئًا تَعَلَّقَتْ قُدْرَتُهُ بِإيجادِهِ بِالأمْرِ التَّكْوِينِيِّ المُعَبِّرِ عَنْ تَقْرِيبِهِ بِـ (كُنْ) وهو أخْصَرُ كَلِمَةٍ تُعَبِّرُ عَنِ الأمْرِ بِالكَوْنِ، أيِ الِاتِّصافَ بِالوُجُودِ.

والأمْرُ في قَوْلِهِ (﴿إنَّما أمْرُهُ﴾) بِمَعْنى الشَّأْنِ؛ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِإنْكارِهِمْ قُدْرَتَهُ عَلى إحْياءِ الرَّمِيمِ، أيْ لا شَأْنَ لِلَّهِ في وقْتِ إرادَتِهِ تَكْوِينَ كائِنٍ إلّا تَقْدِيرُهُ بِأنْ يُوجِدَهُ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ التَّقْدِيرِ الَّذِي يَنْطاعُ لَهُ المَقْدُورُ بِقَوْلِ (كُنْ) لِيُعْلِمَ أنْ لا يُباشِرَ صُنْعَهُ بِيَدٍ ولا بِآلَةٍ ولا بِعَجْنِ مادَّةِ ما يَخْلُقُ مِنهُ كَما يَفْعَلُ الصُّنّاعُ والمُهَنْدِسُونَ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ نَشَأ لَهم تَوَهُّمُ اسْتِحالَةِ المَعادِ مِنِ انْعِدامِ المَوادِ فَضْلًا عَنْ إعْدادِها وتَصْوِيرِها، فالقَصْرُ إضافِيٌّ لِقَلْبِ اعْتِقادِهِمْ أنَّهُ يَحْتاجُ إلى جَمْعِ مادَّةٍ وتَكْيِيفِها ومُضِيُّ مُدَّةٍ لِإتْمامِها.

و(إذا) ظَرْفُ زَمانٍ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ فِيهِ، أيْ حِينَ إرادَتِهِ شَيْئًا.

صفحة ٨٠

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”﴿فَيَكُونُ﴾“ مَرْفُوعًا عَلى تَقْدِيرِ: أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَهو يَكُونُ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى (يَقُولَ) المَنصُوبُ.

36:83Page 445

فَسُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيۡءٖ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٨٣

So exalted is He in whose hand is the realm of all things, and to Him you will be returned.

﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ، أيْ إذا ظَهَرَ كُلُّ ما سَمِعْتُمْ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ وأنَّهُ يُعِيدُكم بَعْدَ المَوْتِ فَيَنْشَأُ تَنْزِيهُهُ عَنْ أقْوالِهِمْ في شَأْنِهِ المُفْضِيَةِ إلى نَقْصِ عَظْمَتِهِ لِأنَّ بِيَدِهِ المُلْكَ الأتَمَّ لِكُلِّ مَوْجُودٍ.

والمَلَكُوتُ: مُبالَغَةٌ في المِلْكِ - بِكَسْرِ المِيمِ - فَإنَّ مادَّةَ فَعَلَوْتٍ ورَدَتْ بِقِلَّةٍ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ. مِن ذَلِكَ قَوْلُهم: رَهَبُوتٌ ورَحَمُوتٌ، ومِن أقْوالِهِمُ الشَّبِيهَةِ بِالأمْثالِ رَهَبُوتٌ خَيْرُ مِن رَحَمُوتٍ أيْ لَأنْ يَرْهَبَكَ النّاسُ خَيْرٌ مِن أنْ يَرْحَمُوكَ، أيْ لَأنْ تَكُونَ عَزِيزًا يُخْشى بَأْسُكَ خَيْرٌ مِن أنْ تَكُونَ هَيِّنًا يَرِقُّ لَكَ النّاسُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.

وجُمْلَةُ ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ التَّسْبِيحِ عَطْفَ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ فَهو مِمّا شَمِلَتْهُ الفَصِيحَةُ. والمَعْنى: قَدِ اتَّضَحَ أنَّكم صائِرُونَ إلَيْهِ غَيْرَ خارِجِينَ مِن قَبْضَةِ مُلْكِهِ وذَلِكَ بِإعادَةِ خَلْقِكم بَعْدَ المَوْتِ.

وتَقْدِيمُ (إلَيْهِ) عَلى (تُرْجَعُونَ) لِلِاهْتِمامِ ورِعايَةِ الفاصِلَةِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَزْعُمُونَ أنَّ ثَمَّةَ رَجْعَةً إلى غَيْرِهِ، ولَكِنَّهم يُنْكِرُونَ المَعادَ مِن أصْلِهِ.

* * *

صفحة ٨١

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الصّافّاتِ

اسْمُها المَشْهُورُ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ ”الصّافّاتِ“، وبِذَلِكَ سُمِّيَتْ في كُتُبِ التَّفْسِيرِ وكُتُبِ السُّنَّةِ وفي المَصاحِفِ كُلِّها، ولَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ في تَسْمِيَتِها، وقالَ في الإتْقانِ: رَأيْتُ في كَلامِ الجَعْبَرِيِّ أنَّ سُورَةَ ”الصّافّاتِ“ تُسَمّى ”سُورَةَ الذَّبِيحِ“ وذَلِكَ يَحْتاجُ إلى مُسْتَنَدٍ مِنَ الأمْرِ.

ووَجْهُ تَسْمِيَتِها باسِمِ ”الصّافّاتِ“ وُقُوعُ هَذا اللَّفْظِ فِيها بِالمَعْنى الَّذِي أُرِيدَ بِهِ أنَّهُ وصْفُ المَلائِكَةِ، وإنْ كانَ قَدْ وقَعَ في سُورَةِ المُلْكِ لَكِنْ بِمَعْنًى آخَرَ إذْ أُرِيدَ هُنالِكَ صِفَةُ الطَّيْرِ، عَلى أنَّ الأشْهَرَ أنَّ ”سُورَةَ المُلْكِ“ نَزَلَتْ بَعْدَ ”سُورَةِ الصّافّاتِ“ .

وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ وهي السّادِسَةُ والخَمْسُونَ في تَعْدادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الأنْعامِ وقَبْلَ سُورَةِ لُقْمانَ.

وعُدَّتْ آيُها مِائَةً واثْنَتَيْنِ وثَمانِينَ عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ العَدَدِ. وعَدَّها البَصْرِيُّونَ مِائَةً وإحْدى وثَمانِينَ.

* * *

أغْراضُها إثْباتُ وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، وسَوْقُ دَلائِلَ كَثِيرَةٍ عَلى ذَلِكَ دَلَّتْ عَلى انْفِرادِهِ بِصُنْعِ المَخْلُوقاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا قِبَلَ لِغَيْرِهِ بِصُنْعِها؛ وهي العَوالِمُ السَّماوِيَّةِ بِأجْزائِها وسُكّانِها ولا قِبَلَ لِمَن عَلى الأرْضِ أنْ يَتَطَرَّقَ في ذَلِكَ.

وإثْباتُ أنَّ البَعْثَ يَعْقُبُهُ الحَشْرُ والجَزاءُ.

صفحة ٨٢

ووَصْفُ حالِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الجَزاءِ ووُقُوعِ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ.

ووَصْفُ حُسْنِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ ونَعِيمِهِمْ.

ومُذاكَرَتُهم فِيما كانَ يَجْرِي بَيْنَهم وبَيْنَ بَعْضِ المُشْرِكِينَ مِن أصْحابِهِمْ في الجاهِلِيَّةِ ومُحاوَلَتِهِمْ صَرْفَهم عَنِ الإسْلامِ.

ثُمَّ انْتَقَلَ إلى تَنْظِيرِ دَعْوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ قَوْمَهُ بِدَعْوَةِ الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ، وكَيْفَ نَصَرَ اللَّهُ رُسُلَهُ ورَفَعَ شَأْنَهم وبارَكَ عَلَيْهِمْ.

وأُدْمِجَ في خِلالِ ذَلِكَ شَيْءٌ مِن مَناقِبِهِمْ وفَضائِلِهِمْ وقُوَّتِهِمْ في دِينِ اللَّهِ، وما نَجّاهُمُ اللَّهُ مِنَ الكُرُوبِ الَّتِي حَفَّتْ بِهِمْ. وخاصَةً مَنقَبَةُ الذَّبِيحِ، والإشارَةُ إلى أنَّهُ إسْماعِيلُ.

ووَصَفُ ما حَلَّ بِالأُمَمِ الَّذِينَ كَذَّبُوهم.

ثُمَّ الإنْحاءُ عَلى المُشْرِكِينَ فَسادَ مُعْتَقَداتِهِمْ في اللَّهِ ونِسْبَتِهِمْ إلَيْهِ الشُّرَكاءِ، وقَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وتَكْذِيبِ المَلائِكَةِ إيّاهم عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، وقَوْلِهِمْ في النَّبِيءِ ﷺ والقُرْآنِ وكَيْفَ كانُوا يَوَدُّونَ أنْ يَكُونَ لَهم كِتابٌ.

ثُمَّ وعَدَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِالنَّصْرِ كَدَأْبِ المُرْسَلِينَ ودَأْبِ المُؤْمِنِينَ السّابِقِينَ، وأنَّ عَذابَ اللَّهِ نازِلٌ بِالمُشْرِكِينَ، وتَخْلُصُ العاقِبَةُ الحُسْنى لِلْمُؤْمِنِينَ.

وكانَتْ فاتِحَتُها مُناسِبَةً لِأغْراضِها بِأنَّ القَسَمَ بِالمَلائِكَةِ مُناسِبٌ لِإثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ لِأنَّ الأصْنامَ لَمْ يَدَّعُوا لَها مَلائِكَةً، والَّذِي تَخْدِمُهُ المَلائِكَةُ هو الإلَهُ الحَقُّ، ولِأنَّ المَلائِكَةَ مِن جُمْلَةِ المَخْلُوقاتِ الدّالِّ خَلْقُها عَلى عِظَمِ الخالِقِ، ويُؤْذِنُ القَسَمُ بِأنَّها أشْرَفُ المَخْلُوقاتِ العُلْوِيَّةِ.

ثُمَّ إنَّ الصِّفاتِ الَّتِي لُوحِظَتْ في القَسَمِ بِها مُناسِبَةٌ لِلْأغْراضِ المَذْكُورَةِ بَعْدَها، فَـ (الصّافّاتِ) يُناسِبُ عَظَمَةَ رَبِّها، و(الزّاجِراتِ) يُناسِبُ قَذْفَ الشَّياطِينِ عَنِ السَّماواتِ، ويُناسِبُ تَسْيِيرَ الكَواكِبِ وحِفْظَها مِن أنْ يُدْرِكَ بَعْضُها بَعْضًا، ويُناسِبُ زَجْرَها النّاسَ في المَحْشَرِ.

صفحة ٨٣

و”التّالِياتِ ذِكْرًا“ يُناسِبُ أحْوالَ الرَّسُولِ والرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما أُرْسِلُوا بِهِ إلى أقْوامِهِمْ.

هَذا، وفي الِافْتِتاحِ بِالقَسَمِ تَشْوِيقٌ إلى مَعْرِفَةِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ لِيُقْبِلَ عَلَيْهِ السّامِعُ بِشَراشِرِهِ.

فَقَدِ اسْتُكْمِلَتْ فاتِحَةُ السُّورَةِ أحْسَنَ وُجُوهِ البَيانِ وأكْمَلَها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском