Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
As-Saffat 37:112–122
37:112–113Page 450
وَبَشَّرۡنَٰهُ بِإِسۡحَٰقَ نَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١١٢
And We gave him good tidings of Isaac, a prophet from among the righteous.1
وَبَٰرَكۡنَا عَلَيۡهِ وَعَلَىٰٓ إِسۡحَٰقَۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحۡسِنٞ وَظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ مُبِينٞ ١١٣
And We blessed him and Isaac. But among their descendants is the doer of good and the clearly unjust to himself [i.e., sinner].
صفحة ١٦١
”﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيئًا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾“ هَذِهِ بِشارَةٌ أُخْرى لِإبْراهِيمَ ومَكْرَمَةٌ لَهُ، وهي غَيْرُ البِشارَةِ بِالغُلامِ الحَلِيمِ، فَإسْحاقُ غَيْرُ الغُلامِ الحَلِيمِ. وهَذِهِ البِشارَةُ هي الَّتِي ذُكِرَتْ في القُرْآنِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] .
وتَسْمِيَةُ المُبَشَّرِ بِهِ إسْحاقَ تَحْتَمِلُ أنَّ اللَّهَ عَيَّنَ لَهُ اسْمًا يُسَمِّيهِ بِهِ وهو مُقْتَضى ما في الإصْحاحِ السّابِعِ عَشَرَ مِنَ التَّكْوِينِ ”سارَةُ امْرَأتُكَ تَلِدُ ابْنًا وتَدْعُو اسْمَهُ إسْحاقَ.
وتَحْتَمِلُ أنَّ المُرادَ: بَشَّرْناهُ بِوَلَدٍ الَّذِي سُمِّيَ إسْحاقُ، وهو عَلى الِاحْتِمالَيْنِ إشارَةً إلى أنَّ الغُلامَ المُبَشَّرَ بِهِ في الآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ لَيْسَ هو الَّذِي اسْمُهُ إسْحاقُ فَتَعَيَّنَ أنَّهُ الَّذِي سُمِّيَ إسْماعِيلَ.
ومَعْنى البِشارَةِ بِهِ البِشارَةُ بِوِلادَتِهِ لَهُ؛ لِأنَّ البِشارَةَ لا تَتَعَلَّقُ بِالذَّواتِ بَلْ تَتَعَلَّقُ بِالمَعانِي.
وانْتَصَبَ“ نَبِيئًا ”عَلى الحالِ مِن إسْحاقَ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً لِلْبِشارَةِ فَيَكُونُ الحالُ حالًا مُقَدَّرًا لِأنَّ اتِّصافَ إسْحاقَ بِالنُّبُوءَةِ بَعْدَ زَمَنِ البِشارَةِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ بَلْ هو لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، فالمَعْنى: وبَشَّرْناهُ بِوِلادَةِ ولَدٍ اسْمُهُ إسْحاقُ مُقَدَّرًا، حالُهُ أنَّهُ نَبِيءٌ، وعَدَمُ وُجُودِ صاحِبِ الحالِ في وقْتِ الوَصْفِ بِالحالِ لا يُنافِي اتِّصالَهُ بِالحالِ عَلى تَقْدِيرِ وُجُودِهِ؛ لِأنَّ وُجُودَ صاحِبِ الحالِ غَيْرُ شَرْطٍ في وصْفِهِ بِالحالِ، بَلِ الشَّرْطُ مُقارَنَةُ تَعَلُّقِ الفِعْلِ بِهِ مَعَ اعْتِبارِ مَعْنى الحالِ لِأنَّ غايَتَهُ أنَّهُ مِنَ اسْتِعْمالِ اسْمِ الفاعِلِ في زَمانِ الِاسْتِقْبالِ بِالقَرِينَةِ، ولا تَكُونُ الحالُ المُقَدَّرَةُ إلّا كَذَلِكَ، وطُولُ زَمانِ الِاسْتِقْبالِ لا يَتَحَدَّدُ، ومِنهُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى“ ﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠] ”في سُورَةِ مَرْيَمَ.
واعْلَمْ أنَّ مَعْنى الحالِ المُقَدَّرَةِ أنَّها مُقَدَّرٌ حُصُولُها غَيْرَ حاصِلَةٍ الآنَ والمُقَدَّرُ هو النّاطِقُ بِها، وهي وصْفٌ لِصاحِبِها في المُسْتَقْبَلِ وقَيْدٌ لِعامِلِها كَيْفَما كانَ، فَلا
صفحة ١٦٢
تَحْتَفِلُ بِما أطالَ بِهِ في الكَشّافِ ولا بِمُخالَفَةِ البَيْضاوِيِّ لَهُ ولا بِما تَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ مِنَ المُباحَثاتِ.
وإنْ كانَ وضْعًا مُعْتَرَضًا في أثْناءِ القِصَّةِ كانَ تَنْوِيهًا بِإسْحاقَ وكانَ حالًا حاصِلَةً.
وقَوْلُهُ“ مِنَ الصّالِحِينَ ”حالٌ ثانِيَةٌ، وذَكَرَها لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الصَّلاحِ، فَإنَّ الأنْبِياءَ مَعْدُودُونَ في زُمْرَةِ أهْلِهِ وإلّا فَإنَّ كُلَّ نَبِيءٍ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ صالِحًا، والنُّبُوءَةُ أعْظَمُ أحْوالِ الصَّلاحِ لِما مَعَها مِنَ العَظَمَةِ.
وبارَكَ: جَعَلَهُ ذا بَرَكَةِ، والبَرَكَةُ زِيادَةُ الخَيْرِ في مُخْتَلَفِ وُجُوهِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وقَوْلِهِ“ ﴿وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ﴾ [هود: ٤٨] ”في سُورَةِ هُودٍ.
و(عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، أيْ تَمَكُّنِ البَرَكَةِ مِنَ الإحاطَةِ بِهِما.
ولَمّا ذَكَرَ ما أعْطاهُما نَقَلَ الكَلامَ إلى ذُرِّيَّتِهِما فَقالَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ، أيْ عامِلٌ بِالعَمَلِ الحَسَنِ،“ ﴿وظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ ”أيْ مُشْرِكٌ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَرِّيَّتَهُما لَيْسَ جَمِيعُها كَحالِهِما بَلْ هم مُخْتَلِفُونَ، فَمِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ أنْبِياءٌ وصالِحُونَ ومُؤْمِنُونَ، ومِن ذُرِّيَّةِ إسْحاقَ مِثْلُهم، ومِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ مَن حادُوا عَنْ سُنَنِ أبِيهِمْ مِثْلَ مُشْرِكِي العَرَبِ، ومِن ذُرِّيَّةِ إسْحاقَ كَذَلِكَ مِثْلَ مَن كَفَرَ مِنَ اليَهُودِ بِالمَسِيحِ وبِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما -، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ لا يَجْرِي أمْرُهُما عَلى العِرْقِ والعُنْصُرِ، فَقَدْ يَلِدُ البَرُّ الفاجِرَ والفاجِرُ البَرَّ، وعَلى أنَّ فَسادَ الأعْقابِ لا يُعَدُّ غَضاضَةً عَلى الآباءِ، وأنَّ مَناطَ الفَضْلِ هو خِصالُ الذّاتِ وما اكْتَسَبَ المَرْءُ مِنَ الصّالِحاتِ، وأمّا كَرامَةُ الآباءِ فَتَكْمِلَةٌ لِلْكَمالِ وباعِثٌ عَلى الِاتِّساعِ بِفَضائِلَ الخِلالِ، فَكانَ في هَذِهِ التَّكْمِلَةِ إبْطالُ غُرُورِ المُشْرِكِينَ بِأنَّهم مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، وأنَّها مَزِيَّةٌ لَكِنْ لا يُعادِلُها الدُّخُولُ في الإسْلامِ وأنَّهُمُ الأوْلى بِالمَسْجِدِ الحَرامِ. قالَ أبُو طالِبٍ في خِطْبَةِ خَدِيجَةَ لِلنَّبِيءِ ﷺ:“ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنا مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ وزَرْعِ إسْماعِيلَ وجَعَلَنا
صفحة ١٦٣
رِجالَ حَرَمِهِ وسَدَنَةَ بَيْتِهِ ”، فَكانَ ذَلِكَ قَبْلَ الإسْلامِ، وقالَ اللَّهُ تَعالى لَهم بَعْدَ الإسْلامِ ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٩]، وقالَ تَعالى ﴿وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] وقالَ“ ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينِ اتَّبَعُوهُ وهَذا النَّبِيءُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ٦٨] .
وقَدْ ضَرَبَ اللَّهُ هَذِهِ القِصَّةَ مَثَلًا لِحالِ النَّبِيءِ ﷺ في ثَباتِهِ عَلى إبْطالِ الشِّرْكِ، وفِيما لَقِيَ مِنَ المُشْرِكِينَ، وإيماءً إلى أنَّهُ يُهاجِرُ مِن أرْضِ الشِّرْكِ وأنَّ اللَّهَ يَهْدِيهِ في هِجْرَتِهِ ويَهَبُ لَهُ أُمَّةً عَظِيمَةً كَما وهَبَ إبْراهِيمَ أتْباعًا، فَقالَ: ”﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠]“ .
وفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ مَثَلٌ لِحالِ النَّبِيءِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ مَعَهُ مَن أهْلِ مَكَّةَ ولِحالِ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ.
37:114–116Page 450
وَلَقَدۡ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ١١٤
And We did certainly confer favor upon Moses and Aaron.
وَنَجَّيۡنَٰهُمَا وَقَوۡمَهُمَا مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ ١١٥
And We saved them and their people from the great affliction,
وَنَصَرۡنَٰهُمۡ فَكَانُواْ هُمُ ٱلۡغَٰلِبِينَ ١١٦
And We supported them so it was they who overcame.
﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ﴾ [الصافات: ٧٥]، والمُناسَبَةُ هي ما ذُكِرَ هُنالِكَ.
وذَكَرَ هُنا ما كانَ مِنَّةً عَلى مُوسى وهارُونَ وهو النُّبُوءَةُ فَإنَّها أعْظَمُ دَرَجَةٍ يُرْفَعُ إلَيْها الإنْسانُ، ولِذَلِكَ اكْتُفِيَ عَنْ تَعْيِينِ المَمْنُونِ بِهِ لِحَمْلِ الفِعْلِ عَلى أكْمَلِ مَعْناهُ. وجُعِلَتْ مِنَّةً مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِما لِأنَّ مُوسى لَمْ يَسْألِ النُّبُوءَةَ إذْ لَيْسَتِ النُّبُوءَةُ بِمُكْتَسَبَةٍ، وكانَتْ مِنَّةً عَلى هارُونَ أيْضًا لِأنَّهُ إنَّما سَألَ لَهُ مُوسى ذَلِكَ ولَمْ يَسْألْهُ هارُونَ، فَهي مِنَّةٌ عَلَيْهِ وإرْضاءٌ لِمُوسى، والمِنَّةُ عَلَيْهِما مِن قَبِيلِ إيصالِ المَنافِعِ، فَإنَّ اللَّهَ أرْسَلَ مُوسى لِإنْقاذِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ اسْتِعْبادِ القِبْطِ لِإبْراهِيمَ وإسْرائِيلَ.
وفِي اخْتِلافِ مَبادِئِ القَصَصِ الثَّلاثِ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ يَغْضَبُ لِأوْلِيائِهِ، إمّا بِاسْتِجابَةِ دَعْوَةٍ، وإمّا لِجَزاءٍ عَلى سَلامَةِ طَوِيَّةٍ وقَلْبٍ سَلِيمٍ، وإمّا لِرَحْمَةٍ مِنهُ ومِنَّةٍ عَلى عِبادِهِ المُسْتَضْعَفِينَ. وإنْجاءُ مُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما كَرامَةٌ أُخْرى لَهُما ولِقَوْمِهِما بِسَبَبِهِما، وهَذِهِ نِعْمَةُ إزالَةِ الضُّرِّ، فَحَصَلَ لِمُوسى وهارُونَ نَوْعا الإنْعامِ وهُما: إعْطاءُ المَنافِعِ، ودَفْعُ المَضارِّ.
صفحة ١٦٤
والكَرْبُ العَظِيمُ: هو ما كانُوا فِيهِ مِنَ المَذَلَّةِ تَحْتَ سُلْطَةِ الفَراعِنَةِ ومِنَ اتِّباعِ فِرْعَوْنَ إيّاهم في خُرُوجِهِمْ حِينَ تَراءى الجَمْعانِ فَقالَ أصْحابُ مُوسى: إنّا لَمُدْرَكُونَ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: أنْ يَضْرِبَ بِعَصاهُ البَحْرَ، فَضَرَبَهُ فانْفَلَقَ واجْتازَ مِنهُ بَنُو إسْرائِيلَ، ثُمَّ مَدَّ البَحْرُ أمْواجَهَ عَلى فِرْعَوْنَ وجُنْدِهِ، عَلى أنَّ الكَرْبَ العَظِيمَ أُطْلِقَ عَلى الغَرَقِ في قِصَّةِ نُوحٍ السّابِقَةِ وفي سُورَةِ الأنْبِياءِ عَلى الأُمَمِ الَّتِي مَرُّوا بِبِلادِها مِنَ العَمالِقَةِ والأمُورِيِّينَ فَكانَ بَنُو إسْرائِيلَ مُنْتَصِرِينَ في كُلِّ مَوْقِعَةٍ قاتَلُوا فِيها عَنْ أمْرِ مُوسى، وما انْهَزَمُوا إلّا حِينَ أقْدَمُوا عَلى قِتالِ العَمالِقَةِ والكَنْعانِيِّينَ في سُهُولِ وادِي (شُكُولَ) لِأنَّ مُوسى نَهاهم عَنْ قِتالِهِمْ هُنالِكَ كَما هو مَسْطُورٌ في تارِيخِهِمْ.
و(هم) مِن قَوْلِهِ ”فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ“ ضَمِيرُ فَصْلٍ وهو يُفِيدُ قَصْرًا، أيْ هُمُ الغالِبِينَ لِغَيْرِهِمْ، وغَيْرُهم لَمْ يَغْلِبُوهم، أيْ لَمْ يُغْلَبُوا ولَوْ مَرَّةً واحِدَةً، فَإنَّ المُنْتَصِرَ قَدْ يَنْتَصِرُ بَعْدَ أنْ يُغْلَبَ في مَواقِعَ.
37:117–122Page 450
وَءَاتَيۡنَٰهُمَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلۡمُسۡتَبِينَ ١١٧
And We gave them the explicit Scripture [i.e., the Torah],
وَهَدَيۡنَٰهُمَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ١١٨
And We guided them on the straight path.
وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِمَا فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ١١٩
And We left for them [favorable mention] among later generations:
سَلَٰمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ١٢٠
"Peace upon Moses and Aaron."
إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٢١
Indeed, We thus reward the doers of good.
إِنَّهُمَا مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٢٢
Indeed, they were of Our believing servants.
﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ .
﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ”هو التَّوْراةُ، والمُسْتَبِينُ القَوِيُّ الوُضُوحِ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ، يُقالُ: اسْتَبانَ الشَّيْءُ إذا ظَهَرَ ظُهُورًا شَدِيدًا.
وتَعْدِيَةُ فِعْلِ الإيتاءِ إلى ضَمِيرِ مُوسى وهارُونَ مَعَ أنَّ الَّذِي أُوتِيَ التَّوْراةَ هو مُوسى كَما قالَ تَعالى:“ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [البقرة: ٨٧] ”مِن حَيْثُ إنَّ هارُونَ كانَ مُعاضِدًا لِمُوسى في رِسالَتِهِ، فَكانَ لَهُ حَظٌّ مِن إيتاءِ التَّوْراةِ كَما قالَ اللَّهُ في الآيَةِ الأُخْرى:“ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً﴾ [الأنبياء: ٤٨] ”وهَذا مِنِ اسْتِعْمالِ الإيتاءِ في مَعْنَيَيْهِ الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ.
و“ ﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ”: الدِّينَ الحَقَّ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ، وقَدْ كانَتْ شَرِيعَةُ التَّوْراةِ يَوْمَ أُوتِيها مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - هي الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ، فَلَمّا نُسِخَتْ
صفحة ١٦٥
بِالقُرْآنِ صارَ القُرْآنُ هو الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ لِلْأبَدِ وتَعَطَّلَ صِراطُ التَّوْراةِ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِ“ ﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ”أُصُولُ الدِّيانَةِ الَّتِي لا تَخْتَلِفُ فِيها الشَّرائِعُ وهي التَّوْحِيدُ وكُلِّيّاتُ الشَّرائِعِ الَّتِي أشارَ إلَيْها قَوْلُهُ تَعالى“ ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] ”إلى قَوْلِهِ“ ومُوسى وعِيسى ”.
والقَوْلُ في تَفْسِيرِ“ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ”إلى آخِرِ الآياتِ الأرْبَعِ كالقَوْلِ في نَظائِرِهِ عِنْدَ ذِكْرِ نُوحٍ في هَذِهِ السُّورَةِ، إلّا أنَّ احْتِمالَ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ مَفْعُولًا لِفِعْلِ“ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما﴾ " عَلى إرادَةِ حِكايَةِ اللَّفْظِ هُنا أضْعَفُ مِنهُ فِيما تَقَدَّمَ، إذْ لَيْسَ يَطَّرِدُ أنْ يَكُونَ تَسْلِيمُ الآخَرِينَ عَلى مُوسى وهارُونَ مَعًا لِأنَّ الَّذِي ذَكَرَ مُوسى يَقُولُ: السَّلامُ عَلى مُوسى، والَّذِي يَجْرِي عَلى لِسانِهِ ذِكْرُ هارُونَ يَقُولُ: السَّلامُ عَلى هارُونَ، ولا يَجْمَعُ اسْمَيْهِما في السَّلامِ إلّا الَّذِي يَجْرِي عَلى لِسانِهِ ذِكْرُهُما مَعًا كَما يَقُولُ المُحَدِّثُ عَنْ جابِرٍ: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ويَقُولُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَرامٍ: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَإذا قالَ: عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
وفِي ذِكْرِ قِصَّةِ مُوسى وهارُونَ عِبْرَةُ مَثَلٍ كامِلٍ لِلنَّبِيءِ ﷺ في رِسالَتِهِ وإنْزالِ القُرْآنِ عَلَيْهِ وهِدايَتِهِ وانْتِشارِ دِينِهِ وسُلْطانِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِن دِيارِ المُشْرِكِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences