Ibn 'AshurAs‑Saffat · 37:139–152

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

As-Saffat 37:139–152

37:139–144Page 451

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٣٩

And indeed, Jonah was among the messengers.

إِذۡ أَبَقَ إِلَى ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ ١٤٠

[Mention] when he ran away to the laden ship.

فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُدۡحَضِينَ ١٤١

And he drew lots1 and was among the losers.

فَٱلۡتَقَمَهُ ٱلۡحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٞ ١٤٢

Then the fish swallowed him, while he was blameworthy.1

فَلَوۡلَآ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُسَبِّحِينَ ١٤٣

And had he not been of those who exalt Allāh,

لَلَبِثَ فِي بَطۡنِهِۦٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ١٤٤

He would have remained inside its belly until the Day they are resurrected.1

﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهْوَ مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ يُونُسُ هو ابْنُ مَتّى، واسْمُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ (يُونانُ بْنُ آمِتايَ، وهو مِن أهْلِ فِلَسْطِينَ، وهو مِن أنْبِياءِ إسْرائِيلَ أرْسَلَهُ اللَّهُ إلى أهْلِ ( نِينَوى) وكانَتْ نِينَوى مَدِينَةً عَظِيمَةً مِن بِلادِ الآشُورِيِّينَ، وكانَ بِها أسْرى بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ بِأيْدِي الآشُورِيِّينَ وكانُوا زُهاءَ مِائَةِ ألْفٍ بَقَوْا بَعْدَ (دانْيالَ)، وكانَ يُونُسُ في أوَّلِ القَرْنِ الثّامِنِ قَبْلَ المَسِيحِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وذِكْرُ قَوْمِهِ في الأنْعامِ وسُورَةِ يُونُسَ.

و(إذْ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِ ”المُرْسَلِينَ“، وإنَّما وُقِّتَتْ رِسالَتُهُ بِالزَّمَنِ الَّذِي أبَقَ فِيهِ إلى الفُلْكِ لِأنَّ فِعْلَتَهُ تِلْكَ كانَتْ عِنْدَما أمَرَهُ اللَّهُ بِالذَّهابِ إلى نِينَوى لِإبْلاغِ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ اللَّهَ غَضِبَ عَلَيْهِمْ لِأنَّهُمُ انْحَرَفُوا عَنْ شَرِيعَتِهِمْ.

فَحِينَما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ بِذَلِكَ عَظُمَ عَلَيْهِ هَذا الأمْرُ فَخَرَجَ مِن بَلَدِهِ وقَصَدَ مَرْسى (يافا) لِيَذْهَبَ إلى مَدِينَةِ (تَرْشِيشَ) وهي طَرْطُوسِيَّةٌ عَلى شاطِئِ بِلادِ الشّامِ، فَهالَ

صفحة ١٧٣

البَحْرُ حَتّى اضْطَرَّ أهْلُ السَّفِينَةِ إلى تَخْفِيفِ عَدَدِ رُكّابِها فاسْتَهَمُوا عَلى مَن يَطْرَحُونَهُ مِن سَفِينَتِهِمْ في البَحْرِ، فَكانَ يُونُسُ مِمَّنْ خَرَجَ سَهْمُ إلْقائِهِ في البَحْرِ فالتَقَمَهُ حُوتٌ عَظِيمٌ، وجَرَتْ قِصَّتُهُ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ، فَلَمّا كانَ هُرُوبُهُ مِن كُلْفَةِ الرِّسالَةِ مُقارِنًا لِإرْسالِهِ وُقِّتَ بِكَوْنِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ.

و”أبَقَ“ مَصْدَرُهُ إباقٌ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ الباءِ وهو فِرارُ العَبْدِ مِن مالِكِهِ. وفِعْلُهُ كَضَرَبَ وسَمِعَ.

والمُرادُ هُنا: أنَّ يُونُسَ هَرَبَ مِنَ البَلَدِ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ فِيهِ قاصِدًا بَلَدًا آخَرَ تَخَلُّصًا مِن إبْلاغِ رِسالَةِ اللَّهِ إلى أهْلِ نِينَوى، ولَعَلَّهُ خافَ بَأْسَهم واتَّهَمَ صَبْرَ نَفْسِهِ عَلى أذاهُمُ المُتَوَقَّعِ لِأنَّهم كانُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ في حِمايَةِ الآشُورِيِّينَ.

فَفِعْلُ أبَقَ هُنا اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، شَبَّهَتْ حالَةَ خُرُوجِهِ مِنَ البَلَدِ الَّذِي كَلَّفَهُ رَبُّهُ فِيهِ بِالرِّسالَةِ تَباعُدًا مِن كُلْفَةِ رَبِّهِ بِإباقِ العَبْدِ مِن سَيِّدِهِ الَّذِي كَلَّفَهُ عَمَلًا.

والفُلْكُ المَشْحُونُ: المَمْلُوءُ بِالرّاكِبِينَ، وتَقَدَّمَ مَعْناهُ في قِصَّةِ نُوحٍ.

وساهَمَ: قارَعَ. وأصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ السَّهْمِ لِأنَّهم كانُوا يَقْتَرِعُونَ بِالسِّهامِ وهي أعْوادُ النِّبالِ وتُسَمّى الأزْلامَ.

وتَفْرِيعُ ”فَساهَمَ“ يُؤْذِنُ بِجُمَلٍ مَحْذُوفَةٍ تَقْدِيرُها: فَهالَ البَحْرُ وخافَ الرّاكِبُونَ الغَرَقَ فَساهَمَ. وهَذا نَظِيرُ التَّفْرِيعِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، والمَذْكُورُ في كِتابِ يُونانَ مِن كُتُبِ اليَهُودِ: أنَّ بَعْضَهم قالَ لِبَعْضٍ: هَلُمَّ نُلْقِ قُرْعَةً لِنَعْرِفَ مَن هو سَبَبُ هَذِهِ البَلِيَّةِ فَألْقَوْا قُرْعَةً فَوَقَعَتْ عَلى يُونُسَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ووَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّ القُرْعَةَ خَرَجَتْ ثَلاثَ مَرّاتٍ عَلى يُونُسَ.

وسُنَّةُ الِاقْتِراعِ في أسْفارِ البَحْرِ كانَتْ مُتَّبَعَةً عِنْدَ الأقْدَمِينَ إذا ثَقُلَتِ السَّفِينَةُ بِوَفْرَةِ الرّاكِبِينَ أوْ كَثْرَةِ المَتاعِ. وفِيها قِصَّةُ الحِيلَةِ الَّتِي ذَكَرَها الصَّفَدَيُّ في شَرْحِ الطُّغْرائِيَّةِ: أنَّ بَعْضَ الأصْحابِ يَدَّعِي أنَّ مَرْكَبًا فِيهِ مُسْلِمُونَ وكُفّارٌ

صفحة ١٧٤

أشْرَفَ عَلى الغَرَقِ وأرادُوا أنْ يَرْمُوا بَعْضَهم إلى البَحْرِ لِيَخِفَّ المَرْكَبُ فَيَنْجُوَ بَعْضُهم ويَسْلَمَ المَرْكَبُ فَقالُوا: نَقْتَرِعُ فَمَن وقَعَتِ القُرْعَةُ عَلَيْهِ ألْقَيْناهُ. فَنَظَرَ رَئِيسُ المَرْكَبِ إلَيْهِمْ وهم جالِسُونَ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ فَقالَ: لَيْسَ هَذا حُكْمًا مُرْضِيًا، وإنَّما نَعُدُّ الجَماعَةَ فَمَن كانَ تاسِعًا ألْقَيْناهُ فارْتَضَوْا بِذَلِكَ، فَلَمْ يَزَلْ يَعُدُّهم ويُلْقِي التّاسِعَ فالتّاسِعَ إلى أنْ ألْقى الكُفّارَ وسَلِمَ المُسْلِمُونَ، وهَذِهِ صُورَةُ ذَلِكَ (وصَوَّرَ دائِرَةً فِيها عَلاماتٌ حُمْرٌ وعَلاماتٌ سُودٌ، فالحُمْرُ لِلْمُسْلِمِينَ ومِنهُمُ ابْتِداءُ العَدِّ وهو إلى جِهَةِ الشِّمالِ) قالَ: ولَقَدْ ذَكَرْتُها لِنُورِ الدِّينِ عَلِيِّ بْنِ إسْماعِيلَ الصَّفَدِيِّ فَأعْجَبَتْهُ وقالَ: كَيْفَ أصْنَعُ بِحِفْظِ هَذا التَّرْتِيبِ ؟ فَقُلْتُ لَهُ: الضّابِطُ في هَذا البَيْتِ تَجْعَلُ حُرُوفَهَ المُعْجَمَةَ لِلْكُفّارِ والمُهْمَلَةَ لِلْمُسْلِمِينَ وهو:

اللَّهُ يَقْضِي بِكُلِّ يُسْرٍ ويَرْزَقُ الضَّيْفَ حَيْثُ كانا

اهـ وكانَتِ القُرْعَةُ طَرِيقًا مِن طُرُقِ القَضاءِ عِنْدَ التِباسِ الحَقِّ أوْ عِنْدَ اسْتِواءِ عَدَدٍ في اسْتِحْقاقِ شَيْءٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، وهي طَرِيقَةٌ إقْناعِيَّةٌ كانَ البَشَرُ يَصِيرُونَ إلَيْها لِفَصْلِ التَّنازُعِ، يَزْعُمُونَ أنَّها دالَّةٌ عَلى إرادَةِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ الأُمَمِ المُتَدَيِّنَةِ، أوْ إرادَةِ الأصْنامِ عِنْدَ الأُمَمِ الَّتِي تَعْبُدُ الأصْنامَ تَمْيِيزَ صاحِبِ الحَقِّ عِنْدَ التَّنازُعِ.

ولَعَلَّها مِن مُخْتَرَعاتِ الكَهَنَةِ وسَدَنَةِ الأصْنامِ. فَلَمّا شاعَتْ في البَشَرِ أقَرَّتْها الشَّرائِعُ لِما فِيها مِن قَطْعِ الخِصامِ والقِتالِ، ولَكِنَّ الشَّرائِعَ الحَقَّ لَمّا أقَرَّتْها اقْتَصَدَتْ في اسْتِعْمالِها بِحَيْثُ لا يُصارُ إلَيْها إلّا عِنْدَ التَّساوِي في الحَقِّ وفُقْدانِ المُرَجِّحِ الَّذِي هو مُؤَثِّرٌ في نَوْعِ ما يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَهي مِن بَقايا الأوْهامِ. وقَدِ اقْتَصَرَتِ الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ في اعْتِبارِها عَلى أقَلِّ ما تُعْتَبَرُ فِيهِ، مِثْلَ تَعْيِينِ أحَدِ الأقْسامِ المُتَساوِيَةِ لِأحَدِ المُتَقاسِمِينَ إذْ تَشاحُّوا في أحَدِها. قالَ ابْنُ رُشْدٍ في المُقَدِّماتِ: ”والقُرْعَةُ إنَّما جُعِلَتْ تَطْيِيبًا لِأنْفُسِ المُتَقاسِمِينَ، وأصْلُها قائِمٌ في كِتابِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ يُونُسَ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾“ .

وعِنْدِي: أنْ لَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ القُرْعَةِ في الفَصْلِ بَيْنَ المُتَساوِيَيْنِ لِأنَّها لَمْ تَحْكِ شَرْعًا صَحِيحًا كانَ قَبْلَ الإسْلامِ إذْ لا يُعْرَفُ دِينُ أهْلِ السَّفِينَةِ الَّذِينَ أجْرَوُا الِاسْتِهامَ عَلى يُونُسَ، عَلى أنَّ ما أُجْرِيَ الِاسْتِهامُ عَلَيْهِ قَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ

صفحة ١٧٥

عَلى أنَّهُ لا يَجْرِي في مِثْلِهِ اسْتِهامٌ. فَلَوْ صَحَّ أنَّ ذَلِكَ كانَ شَرْعًا لِمَن قَبِلْنا فَقَدْ نَسَخَهُ إجْماعُ عُلَماءِ أُمَّتِنا.

قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: الِاقْتِراعُ عَلى إلْقاءِ الآدَمِيِّ في البَحْرِ لا يَجُوزُ، فَكَيْفَ المُسْلِمُ ؟ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ فِيمَن كانَ عاصِيًا أنْ يُقْتَلَ ولا يُرْمى بِهِ في النّارِ والبَحْرِ. وإنَّما تَجْرِي عَلَيْهِ الحُدُودُ والتَّعْزِيزُ عَلى مِقْدارِ جِنايَتِهِ. وظَنَّ بَعْضُ النّاسِ أنَّ البَحْرَ إذا هالَ عَلى القَوْمِ فاضْطَرُّوا إلى تَخْفِيفِ السَّفِينَةِ أنَّ القُرْعَةَ تُضْرَبُ عَلَيْهِمْ فَيُطْرَحُ بَعْضُهم تَخْفِيفًا، وهَذا فاسِدٌ، فَلا تُخَفَّفُ بِرَمْيِ بَعْضِ الرِّجالِ وإنَّما ذَلِكَ في الأمْوالِ، وإنَّما يَصْبِرُونَ عَلى قَضاءِ اللَّهِ.

وكانَتْ في شَرِيعَةِ مَن قَبْلَنا القُرْعَةُ جائِزَةٌ في كُلِّ شَيْءٍ عَلى العُمُومِ. وجاءَتِ القُرْعَةُ في شَرْعِنا عَلى الخُصُوصِ في ثَلاثَةِ مَواطِنَ:

الأوَّلُ: «كانَ النَّبِيءُ ﷺ إذا أرادَ سَفَرًا أقْرَعَ بَيْنَ نِسائِهِ فَأيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُها خَرَجَ بِها مَعَهُ» .

الثّانِي: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ رُفِعَ إلَيْهِ أنَّ رَجُلًا أعْتَقَ في مَرَضِ مَوْتِهِ سِتَّةَ أعْبُدٍ لا مالَ لَهُ غَيْرُهم، فَأقْرَعَ بَيْنَ اثْنَيْنِ (وهُما مُعادِلُ الثُّلُثِ) وأرَقَّ أرْبَعَةً» .

الثّالِثُ: «أنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَما إلَيْهِ في مَوارِيثَ دُرِسَتْ، فَقالَ: اذْهَبا وتَوَخَّيا الحَقَّ واسْتَهِما ولْيُحْلِلْ كُلُّ واحِدٍ مِنكُما صاحِبَهُ» .

واخْتَلَفَ عُلَماؤُنا في القُرْعَةِ بَيْنَ الزَّوْجاتِ عِنْدَ الغَزْوِ عَلى قَوْلَيْنِ: الصَّحِيحُ مِنهُما الِاقْتِراعُ، وبِهِ قالَ أكْثَرُ فُقَهاءِ الأمْصارِ، وذَلِكَ لِأنَّ السَّفَرَ بِجَمِيعِهِنَّ لا يُمْكِنُ، واخْتِيارُ واحِدَةٍ مِنهُنَّ إيثارٌ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا القُرْعَةُ.

وقالَ القَرافِيُّ في الفِرَقِ ٢٤٠: مَتى تَعَيَّنَتِ المَصْلَحَةُ أوِ الحَقُّ في جِهَةٍ لا يَجُوزُ الِاقْتِراعُ لِأنَّ في القُرْعَةِ ضَياعَ الحَقِّ، ومَتى تَساوَتِ الحُقُوقُ أوِ المَصالِحُ فَهَذا مَوْضِعُ القُرْعَةِ دَفْعا لِلضَّغائِنِ، فَهي مَشْرُوعَةٌ بَيْنَ الخُلَفاءِ إذا اسْتَوَتْ فِيهِمُ الأهْلِيَّةُ لِلْوِلايَةِ، والأيِمَّةِ، والمُؤَذِّنِينَ، إذا اسْتَوَوْا، والتَّقَدُّمُ لِلصَّفِّ الأوَّلِ عِنْدَ الِازْدِحامِ، وتَغْسِيلُ الأمْواتِ عِنْدَ تَزاحُمِ الأوْلِياءِ وتُساوِيهِمْ، وبَيْنَ الحاضِناتِ، والزَّوْجاتِ في السَّفَرِ

صفحة ١٧٦

والقِسْمَةُ، والخُصُومُ عِنْدَ الحُكّامِ، في عِتْقِ العَبِيدِ إذا أوْصى بِعِتْقِهِمْ في المَرَضِ ولَمْ يُحَمِّلَهُمُ الثُّلُثَ. وقالَهُ الشّافِعِيُّ وابْنُ حَنْبَلٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا تَجُوزُ القُرْعَةُ (بَيْنَهم) . ويُعْتَقُ مِن كُلِّ واحِدٍ ثُلُثُهُ ويُسْتَسْعى في قِيمَتِهِ ووافَقَ في قِيمَةِ الأرْضِ. قالَ: والحَقُّ عِنْدِي أنَّها تَجْرِي في كُلِّ مُشْكِلٍ اهـ.

قُلْتُ: وفي الصَّحِيحِ عَنْ أُمِّ العَلاءِ الأنْصارِيَّةِ أنَّهُ لَمّا اقْتَرَعَتِ الأنْصارُ عَلى سُكْنى المُهاجِرِينَ وقَعَ في سَهْمِهِمْ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ الحَدِيثَ.

وقالَ الجَصّاصُ: احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ بَعْضُ الأغْمارِ في إيجابِ القُرْعَةِ في العَبِيدِ يَعْتِقُهُمُ المَرِيضُ. وذَلِكَ إغْفالٌ مِنهُ لِأنَّ يُونُسَ ساهَمَ في طَرْحِهِ في البَحْرِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ الفُقَهاءِ كَما لا تَجُوزُ القُرْعَةُ في قَتْلِ مَن خَرَجَتْ عَلَيْهِ وفي أخْذِ مالِهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ خاصٌّ فِيهِ.

وقالَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ: ”ومِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِإلْقاءِ الأقْلامِ في كَفالَةِ مَرْيَمَ عَلى جَوازِ القُرْعَةِ في العَبِيدِ يَعْتِقُهُمُ الرَّجُلُ في مَرَضِهِ ثُمَّ يَمُوتُ ولا مالَ لَهُ غَيْرُهم، ولَيْسَ هَذا (أيْ إلْقاءُ الأقْلامِ) مِن عِتْقِ العَبِيدِ في شَيْءٍ لِأنَّ الرِّضى بِكَفالَةِ الواحِدِ مِنهم مَرْيَمَ جائِزٌ في مِثْلِهِ، ولا يَجُوزُ التَّراضِي عَلى اسْتِرْقاقِ مَن حَصَلَتْ لَهُ الحُرِّيَّةُ، وقَدْ كانَ عِتْقُ المَيِّتِ نافِذًا في الجَمِيعِ فَلا يَجُوزُ نَقْلُهُ بِالقُرْعَةِ عَنْ أحَدٍ مِنهم إلى غَيْرِهِ كَما لا يَجُوزُ التَّراضِي عَلى نَقْلِ الحُرِّيَّةِ عَمَّنْ وقَعَتْ عَلَيْهِ.

والإدْحاضُ: جَعْلُ المَرْءِ داحِضًا، أيْ: زالِقًا غَيْرَ ثابِتِ الرِّجْلَيْنِ، وهو هُنا اسْتِعارَةٌ لِلْخُسْرانِ والمَغْلُوبِيَّةِ.

والِالتِقامُ: البَلْعُ. والحُوتُ الَّذِي التَقَمَهُ: حُوتٌ عَظِيمٌ يَبْتَلِعُ الأشْياءَ ولا يَعَضُّ بِأسْنانِهِ، ويُقالُ: إنَّهُ الحُوتُ الَّذِي يُسَمّى“ بالَيْنُ ”بِالإفْرِنْجِيَّةِ.

والمُلِيمُ: اسْمُ فاعِلٍ مِن ألامَ، إذا فَعَلَ ما يَلُومُهُ عَلَيْهِ النّاسُ لِأنَّهُ جَعَلَهم لائِمِينَ فَهو ألامَهم عَلى نَفْسِهِ.

وكانَ غَرَقُهُ في البَحْرِ المُسَمّى بَحْرَ الرُّومِ وهو الَّذِي نُسَمِّيهِ البَحْرَ الأبْيَضَ المُتَوَسِّطَ، ولَمْ يَكُنْ بِنَهْرِ دِجْلَةَ كَما غَلِطَ فِيهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

صفحة ١٧٧

وكانَ مِنَ المَسَبِّحِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] كَما في سُورَةِ الأنْبِياءِ، فَأنْجاهُ اللَّهُ بِسَبَبِ تَسْبِيحِهِ وتَوْبَتِهِ فَقَذَفَهُ الحُوتُ مِن بَطْنِهِ إلى البَرِّ بَعْدَ أنْ مَكَثَ في جَوْفِ الحُوتِ ثَلاثَ لَيالٍ، وقِيلَ: يَوْمًا ولَيْلَةً، وقِيلَ: بِضْعَ ساعاتٍ.

ومَعْنى قَوْلِهِ“ ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ " التَّأْبِيدُ بِأنْ يُمِيتَ اللَّهُ الحُوتَ حِينَ ابْتِلاعِهِ ويُبْقِيَهُما في قَعْرِ البَحْرِ، أوْ بِأنْ يُخْتَطَفَ الحُوتُ في حَجَرٍ في البَحْرِ أوْ نَحْوِهُ فَلا يَطْفُو عَلى الماءِ حَتّى يُبْعَثَ يُونُسُ يَوْمَ القِيامَةِ مِن قَعْرِ البَحْرِ.

37:145–146Page 451

۞ فَنَبَذۡنَٰهُ بِٱلۡعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٞ ١٤٥

But We threw him onto the open shore while he was ill.

وَأَنۢبَتۡنَا عَلَيۡهِ شَجَرَةٗ مِّن يَقۡطِينٖ ١٤٦

And We caused to grow over him a gourd vine.1

﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهْوَ سَقِيمٌ﴾ ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ لِأنَّها تُفْصِحُ عَنْ كَلامٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ. فالتَّقْدِيرُ: يُسَبِّحُ رَبَّهُ في بَطْنِ الحُوتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ، فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ ونَجّاهُ، كَما في سُورَةِ الأنْبِياءِ. والمَعْنى: فَلَفَظَهُ الحُوتُ وقاءَهُ، وحَمَلَهُ المَوْجُ إلى الشّاطِئِ.

والنَّبْذُ: الإلْقاءُ، وأُسْنِدَ نَبْذُهُ إلى اللَّهِ لِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي سَخَّرَ الحُوتَ لِقَذْفِهِ مِن بَطْنِهِ إلى شاطِئٍ لا شَجَرَ فِيهِ.

والعَراءُ: الأرْضُ الَّتِي لا شَجَرَ فِيها ولا ما يُغَطِّيها.

وكانَ يُونُسُ قَدْ خَرَجَ مِن بَطْنِ الحُوتِ سَقِيمًا لِأنَّ أمْعاءَ الحُوتِ أضَرَّتْ بِجِلْدِهِ بِحَرَكَتِها حَوْلَهُ، فَإنَّهُ كانَ قَدْ نَزَعَ ثِيابَهُ عِنْدَما أُرِيدَ رَمْيُهُ في البَحْرِ لِيَخِفَّ لِلسِّباحَةِ، ولَعَلَّ اللَّهَ أصابَ الحُوتَ بِشِبْهِ الإغْماءِ فَتَعَطَّلَتْ حَرَكَةُ هَضْمِهِ تَعْطِيلًا ما فَبَقِيَ كالخَدِرِ لِئَلّا تَضُرَّ أمْعاؤُهُ لَحْمَ يُونُسَ.

وأنْبَتَ اللَّهُ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ لِتُظَلِّلَهُ وتَسْتُرَهُ. واليَقْطِينُ: الدُّبّاءُ وهي كَثِيرَةُ الوَرَقِ تَتَسَلَّقُ أغْصانُها في الشَّيْءِ المُرْتَفِعِ، فالظّاهِرُ أنَّ أغْصانَ اليَقْطِينَةِ تَسَلَّقَتْ عَلى جَسَدِ يُونُسَ فَكَسَتْهُ وأظَلَّتْهُ. واخْتِيرَ لَهُ اليَقْطِينُ لِيُمْكِنَ لَهُ أنْ يَقْتاتَ مِن غَلَّتِهِ

صفحة ١٧٨

فَيَصْلُحُ جَسَدُهُ لُطْفًا مِن رَبِّهِ بِهِ بَعْدَ أنْ أجْرى لَهُ حادِثًا لِتَأْدِيبِهِ، شَأْنُ الرَّبِّ مَعَ عَبِيدِهِ أنْ يُعْقِبَ الشِّدَّةَ بِاليُسْرِ.

وهَذا حَدَثٌ لَمْ يَعْهَدْ مَثِيلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، ولِأجْلِهِ قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «ما يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ أنا خَيِرٌ مِن يُونُسَ بْنِ مَتّى، يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَفْسَهُ»، إذْ لا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أرادَ أحَدًا آخَرَ إذْ لا يَخْطُرُ بِالبالِ أنْ يَقُولَهُ أحَدٌ غَيْرُ الأنْبِياءِ.

والمَعْنى نَفْيُ الأخْيَرِيَّةِ في وصْفِ النُّبُوءَةِ، أيْ لا يَظُنَّنَّ أحَدٌ أنَّ فِعْلَةَ يُونُسَ تَسْلُبُ عَنْهُ النُّبُوءَةَ.

فَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ ﷺ: «لا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الأنْبِياءِ»، أيْ في أصْلِ النُّبُوءَةِ لا في دَرَجاتِها فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] وقالَ: ”﴿ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيئِينَ عَلى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥]“ .

واعْلَمْ أنَّ الغَرَضَ مِن ذِكْرِ يُونُسَ هُنا تَسْلِيَةُ النَّبِيءِ ﷺ فِيما يَلْقاهُ مَن ثِقَلِ الرِّسالَةِ، بِأنَّ ذَلِكَ قَدْ أثْقَلَ الرُّسُلَ مِن قَبْلِهِ فَظَهَرَتْ مَرْتَبَةُ النَّبِيءِ ﷺ في صَبْرِهِ عَلى ذَلِكَ وعَدَمِ تَذَمُّرِهِ وإعْلامِ جَمِيعِ النّاسِ بِأنَّهُ مَأْمُورٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِمُداوَمَةِ الدَّعْوَةِ لِلدِّينِ؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَلُومُونَهُ عَلى إلْحاحِهِ عَلَيْهِمْ ودَعْوَتِهِ إيّاهم في مُخْتَلَفِ الأزْمانِ والأحْوالِ ويَقُولُونَ: لا تَغْشَنا في مَجالِسِنا، فَمَن جاءَكَ مِنّا فاسْمَعْهُ، كَما قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالاتِهِ﴾ [المائدة: ٦٧] . فَلِذِكْرِ قِصَّةِ يُونُسَ أثَرٌ مِن مَوْعِظَةِ التَّحْذِيرِ مِنَ الوُقُوعِ فِيما وقَعَ فِيهِ مِن غَضَبِ رَبِّهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ إذْ نادى وهو مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨] ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لِنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ [القلم: ٤٩] .

ولْيَعْلَمِ النّاسُ أنَّ اللَّهَ إذا اصْطَفى أحَدًا لِلرِّسالَةِ لا يُرَخِّصُ لَهُ في الفُتُورِ عَنْها ولا يَنْسَخُ أمْرَهُ بِذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ.

37:147–148Page 451

وَأَرۡسَلۡنَٰهُ إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلۡفٍ أَوۡ يَزِيدُونَ ١٤٧

And We sent him1 to [his people of] a hundred thousand or more.

فَـَٔامَنُواْ فَمَتَّعۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٖ ١٤٨

And they believed, so We gave them enjoyment [of life] for a time.

صفحة ١٧٩

﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ ظاهِرُ تَرْتِيبِ ذِكْرِ الإرْسالِ بَعْدَ الإنْجاءِ مِنَ الحُوتِ أنَّهُ إعادَةٌ لِإرْسالِهِ.

وهَذا هو مُقْتَضى ما في كِتابِ يُونُسَ مِن كُتُبِ اليَهُودِ، إذْ وقَعَ في الإصْحاحِ الثّالِثِ ”ثُمَّ صارَ قَوْلُ الرَّبِّ إلى يُونُسَ ثانِيَةً: قُمِ اذْهَبْ إلى نِينَوى ونادِ لَها المُناداةَ الَّتِي أنا مُكَلِّمُكَ بِها.

والمُرْسَلُ إلَيْهِمْ: اليَهُودُ القاطِنُونَ في نِينَوى في أسْرِ الآشُورِيِّينَ كَما تَقَدَّمَ. والظّاهِرُ أنَّ الرَّسُولَ إذا بُعِثَ إلى قَوْمٍ مُخْتَلِطِينَ بِغَيْرِهِمْ أنْ تَعُمَّ رِسالَتُهُ جَمِيعَ الخَلْطِ لِأنَّ في تَمْيِيزِ البَعْضِ بِالدَّعْوَةِ تَقْرِيرًا لِكُفْرِ غَيْرِهِمْ. ولِهَذا لَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِتَخْلِيصِ بَنِي إسْرائِيلَ دَعا فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ إلى نَبْذِ عِبادَةِ الأصْنامِ، فَيُحْتَمَلُ أنَّ المُقَدَّرَيْنِ بِمِائَةِ ألْفٍ هُمُ اليَهُودُ وأنَّ المَعْطُوفَيْنِ بِقَوْلِهِ“ أوْ يَزِيدُونَ ”هم بَقِيَّةُ سُكّانِ نِينَوى، وذُكِرَ في كِتابِ يُونُسَ أنَّ دَعْوَةَ يُونُسَ لَمّا بَلَغَتْ مَلِكَ نِينَوى قامَ عَنْ كُرْسِيِّهِ وخَلَعَ رِداءَهُ ولَبِسَ مَسْحًا وأمَرَ أهْلَ مَدِينَتِهِ بِالتَّوْبَةِ والإيمانِ، إلَخْ. ولَمْ يُذْكَرْ أنَّ يُونُسَ دَعا غَيْرَ أهْلِ نِينَوى مِن بِلادِ أشُورَ مَعَ سَعَتِها.

ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى“ ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ”قالَ:“ عِشْرُونَ ألْفًا» ”. قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ.

فَحَرْفُ (أوْ) في قَوْلِهِ“ أوْ يَزِيدُونَ ”بِمَعْنى (بَلْ) عَلى قَوْلِ الكُوفِيِّينَ واخْتِيارِ الفَرّاءِ وأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ وابْنِ جِنِّيِّ وابْنِ بُرْهانَ. واسْتَشْهَدُوا بِقَوْلِ جَرِيرٍ:

ماذا تَرى في عِيالٍ قَدْ بَرَمْتَ بِهِمْ لَمْ أُحْصِ عِدَّتَهم إلّا بّعَدّادِ

كانُوا ثَمانِينَ أوْ زادُوا ثَمانِيَةً ∗∗∗ لَوْلا رَجاؤُكَ قَدْ قَتَّلْتَ أوْلادِي

والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَ ذَلِكَ إلّا بِشَرْطَيْنِ أنْ يَتَقَدَّمَها نَفْيٌ أوْ نَهْيٌ وأنْ يُعادَ

صفحة ١٨٠

العامِلُ، وتَأوَّلُوا هَذِهِ الآيَةَ بِأنَّ (أوْ) لِلتَّخْيِيرِ، والمَعْنى إذا رَآهُمُ الرّائِي تَخَيَّرَ بَيْنَ أنْ يَقُولَ: هم مِائَةُ ألْفٍ، أوْ يَقُولَ: يَزِيدُونَ.

ويُرَجِّحُهُ أنَّ المَعْطُوفَ بِ (أوْ) غَيْرُ مُفْرَدٍ بَلْ هو كَلامٌ مُبِينٌ ناسَبَ أنْ يَكُونَ الحَرْفُ لِلْإضْرابِ.

والفاءُ في“ فَآمَنُوا " لِلتَّعْقِيبِ العُرْفِيِّ لِأنَّ يُونُسَ لَمّا أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ودَعاهُمُ امْتَنَعُوا في أوَّلِ الأمْرِ فَأخْبَرَهم بِوَعِيدٍ بِهَلاكِهِمْ بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ خافُوا فَآمَنُوا، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلّا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨] .

37:149Page 451

فَٱسۡتَفۡتِهِمۡ أَلِرَبِّكَ ٱلۡبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلۡبَنُونَ ١٤٩

So inquire of them, [O Muḥammad], "Does your Lord have daughters while they have sons?1

﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الإنْكارِ عَلى المُشْرِكِينَ وإبْطالِ دَعاوِيهِمْ، وضَرَبَ الأمْثالَ لَهم بِنُظَرائِهِمْ مِنَ الأُمَمِ فَفَرَّعَ عَلَيْهِ أمْرَ اللَّهِ رَسُولَهُ ﷺ بِإبْطالِ ما نَسَبَهُ المُشْرِكُونَ إلى اللَّهِ مِنَ الوَلَدِ.

فَضَمِيرُ الغَيْبَةِ مِن قَوْلِهِ ”فاسْتَفْتِهِمْ“ عائِدٌ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ يُعْلَمُ مِنَ المَقامِ، مِثْلَ نَظِيرِهِ السّابِقِ في قَوْلِهِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمَّنْ خَلَقْنا﴾ [الصافات: ١١] . والمُرادُ: التَّهَكُّمُ عَلَيْهِمْ بِصُورَةِ الِاسْتِفْتاءِ، إذْ يَقُولُونَ: وُلَدَ اللَّهُ، عَلى أنَّهم قَسَّمُوا قِسْمَةً ضِيزى حَيْثُ جَعَلُوا لِلَّهِ البَناتِ، وهم يَرْغَبُونَ في الأبْناءِ الذُّكُورِ ويَكْرَهُونَ الإناثَ، فَجَعَلُوا لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ.

وقَدْ جاءُوا في مَقالِهِمْ هَذا بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الكُفْرِ:

أحَدُها: أنَّهم أثْبَتُوا التَّجْسِيمَ لِلَّهِ لِأنَّ الوِلادَةَ مِن أحْوالِ الأجْسامِ.

الثّانِي: إيثارُ أنْفُسِهِمْ بِالأفْضَلِ وجَعْلُهم لِلَّهِ الأقَلَّ. قالَ تَعالى: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ [الزخرف: ١٧] .

الثّالِثُ: أنَّهم جَعَلُوا لِلْمَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ وصْفَ الأُنُوثَةِ وهم يَتَعَيَّرُونَ بِأبِي الإناثِ، ولِذَلِكَ كَرَّرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأنْواعَ مِن كُفْرِهِمْ في كِتابِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ.

صفحة ١٨١

فَجُمْلَةُ ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ”فاسْتَفْتِهِمْ“ .

وضَمِيرُ ”لِرَبِّكَ“ مُخاطَبٌ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ وهو حِكايَةٌ لِلِاسْتِفْتاءِ بِالمَعْنى لِأنَّهُ إذا اسْتَفْتاهم يَقُولُ: ألِرَبِّكُمُ البَناتُ، وكَذَلِكَ ضَمِيرُ ”ولَهم“ مَحْكِيٌّ بِالمَعْنى لِأنَّهُ إنَّما يَقُولُ لَهم: ولَكُمُ البَنُونَ. وهَذا التَّصَرُّفُ يَقَعُ في حِكايَةِ القَوْلِ ونَحْوِهُ مِمّا فِيهِ مَعْنى القَوْلِ مِثْلَ الِاسْتِفْتاءِ.

37:150Page 451

أَمۡ خَلَقۡنَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ إِنَٰثٗا وَهُمۡ شَٰهِدُونَ ١٥٠

Or did We create the angels as females while they were witnesses?"

﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى (بَلْ) وهي لا يُفارِقُها مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، فالكَلامُ بَعْدَها مُقَدَّرٌ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، أيْ بَلْ أخَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا.

وضَمِيرُ ”خَلَقْنا“ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ، وهو إذا اسْتَفْتاهم يَقُولُ لَهم: أمْ خَلَقَ المَلائِكَةَ، كَما تَقَدَّمَ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ وتَعْجِيبِيٌّ مِن جُرْأتِهِمْ وقَوْلِهِمْ بِلا عِلْمٍ.

وجُمْلَةُ ”وهم شاهِدُونَ“ في مَوْضِعِ الحالِ وهي قَيْدٌ لِلْإنْكارِ، أيْ كانُوا حاضِرِينَ حِينَ خَلَقْنا المَلائِكَةَ فَشَهِدُوا أُنُوثَةَ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ هَذا لا يَثْبُتُ لِأمْثالِهِمْ إلّا بِالمُشاهَدَةِ إذْ لا قِبَلَ لَهم بِعِلْمِ ذَلِكَ إلّا المُشاهَدَةُ. وبَقِيَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالخَبَرِ القاطِعِ فَذَلِكَ ما سَيَنْفِيهِ بِقَوْلِهِ ”﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥٦]، وذَلِكَ لِأنَّ أُنُوثَةَ المَلائِكَةِ لَيْسَتْ مِنَ المُسْتَحِيلِ ولَكِنَّهُ قَوْلٌ بِلا دَلِيلٍ.

وضَمِيرُ“ وهم شاهِدُونَ " مَحْكِيٌّ بِالمَعْنى في الِاسْتِفْتاءِ. والأصْلُ: وأنْتُمْ شاهِدُونَ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.

37:151–152Page 451

أَلَآ إِنَّهُم مِّنۡ إِفۡكِهِمۡ لَيَقُولُونَ ١٥١

Unquestionably, it is out of their [invented] falsehood that they say,

وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٥٢

"Allāh has begotten," and indeed, they are liars.

﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ارْتِقاءٌ في تَجْهِيلِهِمْ بِأنَّهم يَقُولُونَ المُسْتَحِيلَ فَضْلًا عَلى القَوْلِ بِلا دَلِيلٍ فَلِذَلِكَ سَمّاهُ إفْكًا. والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمَلِ الِاسْتِفْتاءِ.

صفحة ١٨٢

و(ألا) حَرْفُ تَنْبِيهٍ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ. والإفْكُ: الكَذِبُ أيْ: قَوْلُهم هَذا بَعْضٌ مِن أُكْذُوباتِهِمْ.

ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِعَطْفِ وإنَّهم لَكاذِبُونَ مُؤَكَّدًا بِ (إنَّ) واللّامِ، أيْ: شَأْنُهُمُ الكَذِبُ في هَذا وفي غَيْرِهِ مِن باطِلِهِمْ، فَلَيْسَتِ الجُمْلَةُ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ ”مِن إفْكِهِمْ“ كَيْفَ وهي مَعْطُوفَةٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском