Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
As-Saffat 37:153–163
37:153–157Page 451
أَصۡطَفَى ٱلۡبَنَاتِ عَلَى ٱلۡبَنِينَ ١٥٣
Has He chosen daughters over sons?
مَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ ١٥٤
What is [wrong] with you? How do you make judgement?
أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ١٥٥
Then will you not be reminded?
أَمۡ لَكُمۡ سُلۡطَٰنٞ مُّبِينٞ ١٥٦
Or do you have a clear authority?1
فَأۡتُواْ بِكِتَٰبِكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٥٧
Then produce your scripture, if you should be truthful.
﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكَمَ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَّكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ عَوْدٌ إلى الِاسْتِفْتاءِ، ولِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ لِأنَّ بَيْنَها وبَيْنَ ما قَبْلَها كَمالَ الِاتِّصالِ، فالمَعْنى: وقُلْ لَهم: أصْطَفى البَناتِ.
قَرَأهُ الجُمْهُورُ أصْطَفى بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ عَلى أنَّها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، وأمّا هَمْزَةُ الوَصْلِ الَّتِي في الفِعْلِ فَمَحْذُوفَةٌ لِأجْلِ الوَصْلِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِهَمْزَةِ وصْلٍ عَلى أنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ مَحْذُوفَةٌ.
والكَلامُ ارْتِقاءٌ في التَّجْهِيلِ، أيْ لَوْ سَلَّمْنا أنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ ولَدًا فَلِماذا اصْطَفى البَناتِ دُونَ الذُّكُورِ ؟ أيِ اخْتارَ لِذاتِهِ البَناتِ دُونَ البَنِينَ والبَنُونَ أفْضَلُ عِنْدَكم ؟ . وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ فَإنَّ إنْكارَ اصْطِفاءِ البَناتِ يَقْتَضِي عَدَمَ الدَّلِيلِ في حُكْمِهِمْ ذَلِكَ، فَأبْدَلَ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ مِن إنْكارِ ادِّعائِهِمُ اصْطِفاءَ اللَّهِ البَناتِ لِنَفْسِهِ.
وقَوْلُهُ ”ما لَكم“ (ما) اسْتِفْهامٌ عَنْ ذاتٍ وهي مُبْتَدَأٌ و”لَكم“ خَبَرٌ.
والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَكم ؟ وهَذا إبْهامٌ، فَلِذَلِكَ كانَتْ كَلِمَةُ ”ما لَكَ“ ونَحْوُها في الِاسْتِفْهامِ يَجِبُ أنْ يُتْلى بِجُمْلَةِ حالٍ تُبَيِّنُ الفِعْلَ المُسْتَفْهَمَ عَنْهُ نَحْوَ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ [الصافات: ٩٢] ونَحْوَ ﴿ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١١] وقَدْ بُيِّنَتْ هُنا بِما
صفحة ١٨٣
تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ اسْتِفْهامِ ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾، فَإنَّ (كَيْفَ) اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنِ الحالِ، وهي في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”تَحْكُمُونَ“ قُدِّمَتْ لِأجْلِ صَدارَةِ الِاسْتِفْهامِ.
وجُمْلَةُ ”تَحْكُمُونَ“ حالٌ مِن ضَمِيرِ ”لَكم“ في قَوْلِهِ تَعالى ”ما لَكم“ فَحَصَلَ اسْتِفْهامانِ: أحَدُهُما عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي حَصَلَ لَهم فَحَكَمُوا هَذا الحُكْمَ. وثانِيهِما عَنِ الحالَةِ الَّتِي اتَّصَفُوا بِها لَمّا حُكِيَ هَذا الحُكْمُ الباطِلُ. وهَذا إيجازُ حَذْفٍ إذِ التَّقْدِيرُ: ما لَكَمَ تَحْكُمُونَ هَذا الحُكْمَ، كَيْفَ تَحْكُمُونَهُ ؟ وحُذِفَ مُتَعَلَّقُ ”تَحْكُمُونَ“ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامانِ مِن كَوْنِ ما حَكَمُوا بِهِ مُنْكَرًا يَحِقُّ العَجَبُ مِنهُ، فَكِلا الِاسْتِفْهامَيْنِ إنْكارٌ وتَعْجِيبٌ.
وفَرَّعَ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ عَنْ عَدَمِ تَذَكُّرِهِمْ، أيِ اسْتِعْمالُ ذُكْرِهِمْ ”بِضَمِّ الذّالِ وهو العَقْلُ“ أيْ فَمُنْكَرٌ عَدَمُ تَفَهُّمِكم فِيما يَصْدُرُ مِن حُكْمِكم.
و﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ، فَ (أمْ) مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى (بَلْ) الَّتِي مَعْناها الإضْرابُ الإبْطالِيُّ والإضْرابُ الِانْتِقالِيُّ.
والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ.
والمُبِينُ: المُوَضِّحُ لِلْحَقِّ. والِاسْتِفْهامُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ (أمْ) بَعْدَها إنْكارِيُّ أيْضًا. فالمَعْنى: ما لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ، أيْ عَلى ما قُلْتُمْ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ.
وتَفَرَّعَ عَلى إنْكارِ أنْ تَكُونَ لَهم حُجَّةٌ بِما قالُوا أنْ خُوطِبُوا بِالإتْيانِ بِكِتابٍ عَلى ذَلِكَ إنْ كانُوا صادِقِينَ فِيما زَعَمُوا، فَإنْ لَمْ تَأْتُوا بِكُتّابٍ عَلى ذَلِكَ فَأنْتُمْ غَيْرُ صادِقِينَ.
والأمْرُ في قَوْلِهِ ”فَأْتُوا“ أمْرُ تَعْجِيزٍ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] .
وإضافَةُ الكِتابِ إلَيْهِمْ عَلى مَعْنى المَفْعُولِيَّةِ، أيْ كِتابٍ مُرْسَلٍ إلَيْكم. ومُجادَلَتُهم بِهَذِهِ الجُمَلِ المُتَفَنَّنَةِ رُتِّبَتْ عَلى قانُونِ المُناظَرَةِ، فابْتَدَأهم بِما يُشْبِهُ الِاسْتِفْسارَ عَنْ دَعْوَيَيْنِ: دَعْوى أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، ودَعْوى أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ بِقَوْلِهِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا﴾ [الصافات: ١٤٩] .
صفحة ١٨٤
ثُمَّ لَمّا كانَ تَفْسِيرُهم لِذَلِكَ مَعْلُومًا مِن مُتَكَرَّرِ أقْوالِهِمْ نُزِّلُوا مَنزِلَةَ المُجِيبِ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ وأنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ. وإنَّما أُرِيدَ مِنِ اسْتِفْسارِهِمْ صُورَةُ الِاسْتِفْسارِ مُضايَقَةً لَهم ولِيَنْتَقِلَ مِن مَقامِ الِاسْتِفْسارِ إلى مَقامِ المُطالَبَةِ بِالدَّلِيلِ عَلى دَعْواهم، فَذَلِكَ الِانْتِقالُ ابْتِداءٌ مِن قَوْلِهِ ﴿وهم شاهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠] وهو اسْمُ فاعِلٍ مَن شَهِدَ إذا حَضَرَ ورَأى، ثُمَّ قَوْلِهِ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، فَرَدَّدَهم بَيْنَ أنْ يَكُونُوا قَدِ اسْتَنَدُوا إلى دَلِيلِ المُشاهَدَةِ أوْ إلى دَلِيلٍ غَيْرِهِ، وهو هُنا مُتَعَيَّنٌ لِأنْ يَكُونَ خَبَرًا مَقْطُوعًا بِصِدْقِهِ ولا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الدَّعْوى لا سَبِيلَ إلى إثْباتِها غَيْرُ ذَلِكَ، فَدَلِيلُ المُشاهَدَةِ مُنْتَفٍ بِالضَّرُورَةِ، ودَلِيلُ العَقْلِ والنَّظَرِ مُنْتَفٍ أيْضًا إذْ لا دَلِيلَ مِنَ العَقْلِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ ولا عَلى أنَّهم ذُكُورٌ.
فَلَمّا عُلِمَ أنَّ دَلِيلَ العَقْلِ غَيْرُ مَفْرُوضٍ هُنا انْحَصَرَ الكَلامُ مَعَهم في دَلِيلِ السَّمْعِ وهو الخَبَرُ الصّادِقُ لِأنَّ أسْبابَ العِلْمِ لِلْخَلْقِ مُنْحَصِرَةٌ في هَذِهِ الأدِلَّةِ الثَّلاثَةِ: أُشِيرَ إلى دَلِيلِ الحِسِّ بِقَوْلِهِ ”وهم شاهِدُونَ“، وإلى دَلِيلَيِ العَقْلِ والسَّمْعِ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وهو دَلِيلُ السَّمْعِ. فَأسْقَطَ بِهَذا التَّفْرِيعِ احْتِمالَ دَلِيلِ العَقْلِ لِأنَّ انْتِفاءَهُ مَقْطُوعٌ إذْ لا طَرِيقَ إلَيْهِ، وانْحَصَرَ دَلِيلُ السَّمْعِ في أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما عَلِمْتَ إذْ لا يَعْلَمُ ما في غَيْبِ اللَّهِ غَيْرُهُ.
ثُمَّ خُوطِبُوا بِأمْرِ التَّعْجِيزِ بِأنْ يَأْتُوا بِكِتابٍ أيْ كِتابٍ جاءَهم مِن عِنْدِ اللَّهِ. وإنَّما عَيَّنَ لَهم ذَلِكَ لِأنَّهم يَعْتَقِدُونَ اسْتِحالَةَ مَجِيءِ رَسُولٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ واسْتِحالَةَ أنْ يُكَلِّمَ اللَّهُ أحَدًا مَن خَلْقِهِ، فانْحَصَرَ الدَّلِيلُ المَفْرُوضُ مِن جانِبِ السَّمْعِ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ في أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ كِتابٌ مِنَ السَّماءِ لِأنَّهم كانُوا يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣]، ولَنْ يَسْتَطِيعُوا أنْ يَأْتُوا بِكِتابٍ.
فَذِكْرُ لَفْظِ ”كِتابِكم“ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: فَأْتُوا بِهِ، أيِ السُّلْطانِ المُبِينِ فَإنَّهُ لا يَحْتَمِلُ إلّا أنْ يَكُونَ كِتابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وإضافَةُ كِتابٍ إلى ضَمِيرِهِمْ مِن إضافَةِ ما فِيهِ مَعْنى المَصْدَرِ إلى مَعْنى المَفْعُولِ
صفحة ١٨٥
عَلى طَرِيقَةِ الحَذْفِ والإيصالِ، والتَّقْدِيرُ: بِكِتابٍ إلَيْكم؛ لِأنَّ ما فِيهِ مادَّةُ الكِتابَةِ لا يَتَعَدّى إلى المَكْتُوبِ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ بَلْ بِواسِطَةِ حَرْفِ الجَرِّ وهو (إلى) .
فَلا جَرَمَ قَدِ اتَّضَحَ إفْحامُهم بِهَذِهِ المُجادَلَةِ الجارِيَةِ عَلى القَوانِينِ العَقْلِيَّةِ، ولِذَلِكَ صارُوا كالمُعْتَرِفِينَ بِأنْ لا دَلِيلَ لَهم عَلى ما زَعَمُوا فانْتَقَلَ السّائِلُ المُسْتَفْتِي مِن مَقامِ الِاعْتِراضِ في المُناظَرَةِ إلى انْقِلابِهِ مُسْتَدِلًّا بِاسْتِنْتاجٍ مِن إفْحامِهِمْ، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] الواقِعُ مُعْتَرِضًا بَيْنَ التَّرْدِيدِ في الدَّلِيلِ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ فَذَلِكَ بِمَنزِلَةِ التَّسْلِيمِ في أثْناءِ المُناظَرَةِ كَما عَلِمْتَ عِنْدَ الكَلامِ عَلَيْهِ، وهَذا يُسَمّى المُعارَضَةَ. وإنَّما أُقْحِمَ في أثْناءِ الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ ولَمْ يُجْعَلْ مَعَ حِكايَةِ دَعْواهم لِيَكُونَ آخِرُ الجَدَلِ مَعَهم هو الدَّلِيلَ الَّذِي يَجْرِفُ جَمِيعَ ما بَنَوْهُ وهو قَوْلُهُ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ . فَهَذا مِن بَدِيعِ النَّسِيجِ الجامِعِ بَيْنَ أُسْلُوبِ المُناظَرَةِ وأُسْلُوبِ المَوْعِظَةِ وأُسْلُوبِ التَّعْلِيمِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”تَذَّكَّرُونَ“ بِتَشْدِيدِ الذّالِ عَلى أنَّ أصْلَهُ تَتَذَكَّرُونَ فَأُدْغِمَتْ إحْدى التّاءَيْنِ في الدّالِ بَعْدَ قَلْبِها ذالًا لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٌ بِتَخْفِيفِ الذّالِ عَلى أنَّ إحْدى التّاءَيْنِ حُذِفَتْ تَخْفِيفًا.
37:158Page 452
وَجَعَلُواْ بَيۡنَهُۥ وَبَيۡنَ ٱلۡجِنَّةِ نَسَبٗاۚ وَلَقَدۡ عَلِمَتِ ٱلۡجِنَّةُ إِنَّهُمۡ لَمُحۡضَرُونَ ١٥٨
And they have made [i.e., claimed] between Him and the jinn a lineage, but the jinn have already known that they [who made such claims] will be brought [to punishment].
﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”لَيَقُولُونَ“ أيْ شَفَّعُوا قَوْلَهم ”ولَدَ اللَّهُ“، فَجَعَلُوا بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ الجِنِّ نَسَبًا بِتِلْكَ الوِلادَةِ، أيْ بَيَّنُوا كَيْفَ حَصَلَتْ تِلْكَ الوِلادَةُ بِأنْ جَعَلُوها بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا.
صفحة ١٨٦
والجِنَّةُ: الجَماعَةُ مِنَ الجِنِّ، فَتَأْنِيثُ اللَّفْظِ بِتَأْوِيلِ الجَماعَةِ مِثْلُ تَأْنِيثِ رَجْلَةَ، الطّائِفَةُ مِنَ الرِّجالِ، ذَلِكَ لِأنَّ المُشْرِكِينَ زَعَمُوا أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ مِن سَرَواتِ الجِنِّ، أيْ مِن فَرِيقِ نِساءٍ مِنَ الجِنِّ مِن أشْرافِ الجِنِّ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٨٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والنَّسَبُ: القَرابَةُ العَمُودِيَّةُ أوِ الأُفُقِيَّةُ أيْ مِنَ الأطْرافِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ذَوِي نَسَبٍ لِلَّهِ تَعالى وهو نَسَبُ النُّبُوَّةِ لِزَعْمِهِمْ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ تَعالى، أيْ جَعَلُوا لِلَّهِ تَعالى نَسَبًا لِلْجِنَّةِ ولِلْجِنَّةِ نَسَبًا لِلَّهِ.
وقَوْلُهُ ﴿بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ”نَسَبًا“ أيْ كائِنًا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ، أيْ أنَّ نَسَبَهُ تَعالى، أيْ نَسْلَهُ سُبْحانَهُ، ناشِئٌ مِن بَيْنِهِ وبَيْنِ الجِنِّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِ ”جَعَلُوا“، أيْ جَعَلُوا في الِاقْتِرانِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنِّ نَسَبًا لَهُ، أيْ جَعَلُوا مِن ذَلِكَ نَسَبًا يَتَوَلَّدُ لَهُ، فَقَوْلُهُ ﴿بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ هو كَقَوْلِكَ: بَيْنَ فُلانٍ وفُلانَةٍ بَنُونَ، أيْ لَهُ مِنها ولَها مِنهُ بَنُونَ، وهَذا المَعْنى هو مُرادُ مَن فَسَّرَهُ بِأنْ جَعَلُوا الجِنَّ أصْهارًا لِلَّهِ تَعالى، فَتَفْسِيرُهُ النَّسَبَ بِالمُصاهَرَةِ تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى ولَيْسَ المُرادُ أنَّ النَّسَبَ يُطْلَقُ عَلى المُصاهَرَةِ كَما تَوَهَّمَهُ كَثِيرٌ؛ لِأنَّ هَذا الإطْلاقَ غَيْرُ مَوْجُودٍ في دَواوِينِ اللُّغَةِ فَلا تَغْتَرِرْ بِهِ.
ولِعَدَمِ الغَوْصِ في مَعْنى الآيَةِ ذَهَبَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ بِالجِنَّةِ المَلائِكَةُ، أيْ جَعَلُوا بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ المَلائِكَةِ نَسَبَ الأُبُوَّةِ والبُنُوَّةِ، وهَذا تَفْسِيرٌ فاسِدٌ لِأنَّهُ يَصِيرُ قَوْلُهُ ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ إعادَةً لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ولَدَ اللَّهُ﴾ [الصافات: ١٥١] ومِن قَوْلِهِ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠] .
ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ مِنَ الجِنَّةِ أصْلُ الجِنَّةِ وهو الشَّيْطانُ وأنَّ مَعْنى الآيَةِ: أنَّهم جَعَلُوا اللَّهَ نَسِيبًا لِلشَّيْطانِ نَسَبَ الأُخُوَّةِ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. عَلى أنَّهُ إشارَةٌ إلى قَوْلِ الثَّنَوِيَّةِ مِنَ المَجُوسِ بِوُجُودِ إلَهٍ لِلْخَيْرِ هو اللَّهُ، وإلَهٍ لِلشَّرِّ هو الشَّيْطانُ، وهم مِن مِلَلِ مَجُوسِ فارِسَ وسَمَّوْا إلَهَ الخَيْرِ (يَزْدانَ) وإلَهَ الشَّرِّ (أهْرُمُنْ)، وقالُوا: كانَ إلَهُ الخَيْرِ وحْدَهُ فَخَطَرَ لَهُ خاطِرٌ في نَفْسِهِ مِنَ الشَّرِّ فَنَشَأ مِنهُ إلَهُ الشَّرِّ هو (أهْرُمُنْ) وهو ما نَعاهُ المَعَرِّيُّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ:
صفحة ١٨٧
قالَ أُناسٌ باطِلٌ زَعْمُهم فَراقِبُوا اللَّهَ ولا تَزْعُمُنْ
فَكَّرَ (يَزْدانُ) عَلى غِرَّةٍ ∗∗∗ فَصِيغَ مِن تَفْكِيرِهِ أهْرُمُنْ
وهَذا الدِّينُ كانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ بَعْضِ العَرَبِ في الجاهِلِيَّةِ مِن عَرَبِ العِراقِ المُجاوِرِينَ لِبِلادِ فارِسَ والخاضِعِينَ لِسُلْطانِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا بَيْنَ أهْلِ مَكَّةَ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآياتِ، ولِأنَّ الجِنَّةَ لا يَشْمَلُ الشَّياطِينَ إذا أُطْلِقَ فَإنَّ الشَّيْطانَ كانَ مِنَ الجِنِّ إلّا أنَّهُ تَمَيَّزَ بِهِ صِنْفٌ خاصٌّ مِنهم.
وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٥٩]، ”وجَعَلُوا بَيْنَهُ“ إلَخْ. . . حالٌ والواوُ حالِيَّةٌ، وضَمِيرُ ”إنَّهم“ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ أوْ إلى الجِنَّةِ، والوَجْهانِ مُرادانِ فَإنَّ الفَرِيقَيْنِ مُتَعاقِبانِ. والمُحْضَرُونَ: المَجْلُوبُونَ لِلْحُضُورِ، والمُرادُ: مُحَضَرُونَ لِلْعِقابِ، بِقَرِينَةِ مَقامِ التَّوْبِيخِ فَإنَّ التَّوْبِيخَ يَتْبَعُهُ التَّهْدِيدُ، والغالِبُ في فِعْلِ الإحْضارِ أنْ يُرادَ بِهِ إحْضارُ سُوءٍ، قالَ تَعالى: ”﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المَحْضَرَيْنَ﴾ [الصافات: ٥٧]“ ولِذَلِكَ حَذَفَ مُتَعَلِّقَ ”مُحْضَرُونَ“، فَأمّا الإتْيانُ بِأحَدٍ لِإكْرامِهِ فَيُطْلَقُ عَلَيْهِ المَجِيءُ.
والمَعْنى: أنَّ الجِنَّ تَعْلَمُ كَذِبَ المُشْرِكِينَ في ذَلِكَ كَذِبًا فاحِشًا يُجازَوْنَ عَلَيْهِ بِالإحْضارِ لِلْعَذابِ، فَجُعِلَ ”مُحْضَرُونَ“ كِنايَةً عَنْ كَذِبِهِمْ لِأنَّهم لَوْ كانُوا صادِقِينَ ما عُذِّبُوا عَلى قَوْلِهِمْ ذَلِكَ.
وظاهِرُهُ أنَّ هَذا العِلْمَ حاصِلٌ لِلْجِنِّ فِيما مَضى، ولَعَلَّ ذَلِكَ حَصَلَ لَهم مِن زَمانِ تَمَكُّنِهِمْ مِنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ اسْتِعْمالِ الماضِي في مَوْضِعِ المُسْتَقْبَلِ لِتَحْقِيقِ وُقُوعِهِ مِثْلَ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، أيْ سَتَعْلَمُ الجِنَّةُ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ. والمَقْصُودُ: أنَّهم يَتَحَقَّقُونَ ذَلِكَ ولا يَسْتَطِيعُونَ دَفْعَ العَذابِ عَنْهم فَقَدْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ لِاعْتِقادِ وجاهَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ بِالصَّهْرِ الَّذِي لَهم.
صفحة ١٨٨
١ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ اتُّبِعَتْ حِكايَةُ قَوْلِهِمُ الباطِلِ والوَعِيدِ عَلَيْهِ بِاعْتِراضٍ بَيْنَ المُسْتَثْنى مِنهُ والمُسْتَثْنى، يَتَضَمَّنُ إنْشاءَ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ، فَهو إنْشاءٌ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى لِتَنْزِيهِهِ، وتَلْقِينٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنْ يَقْتَدُوا بِاللَّهِ في ذَلِكَ التَّنْزِيهِ، وتَعْجِيبٌ مِن فَظِيعِ ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ.
37:160Page 452
إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ١٦٠
Except the chosen servants of Allāh [who do not share in that sin].
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ”سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ“ وجُمْلَةِ ”فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ“ الآيَةَ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، قِيلَ: نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ ”إنَّهم لَمُحْضَرُونَ“، والمَعْنى لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ لا يُحْضَرُونَ، وقِيلَ: نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ ”عَمّا يَصِفُونَ“ أيْ لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخَلَصِينَ لا يَصِفُونَهُ بِذَلِكَ، وقِيلَ: مِن ضَمِيرِ ”وجَعَلُوا“ أيْ لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ لا يَجْعَلُونَ ذَلِكَ. وهو مِن مَعْنى القَوْلِ الثّانِي، فالمُرادُ بِالعِبادِ المُخْلَصِينَ المُؤْمِنُونَ.
والوَجْهُ عِنْدِي: أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ ”﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٥٩]“ فَهو مُرْتَبِطٌ بِهِ لِأنَّ ما يَصِفُونَ أفادَ أنَّهم يَصِفُونَ اللَّهَ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُهُ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ [الصافات: ١٤٩] .
والمَعْنى: لَكِنَّ المَلائِكَةَ عِبادُ اللَّهِ المُخْلَصِينَ، فالمُرادُ مِن ”﴿عِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾“ المَلائِكَةُ، فَهَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] .
37:161–163Page 452
فَإِنَّكُمۡ وَمَا تَعۡبُدُونَ ١٦١
So indeed, you [disbelievers] and whatever you worship,
مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ بِفَٰتِنِينَ ١٦٢
You cannot tempt [anyone] away from Him
إِلَّا مَنۡ هُوَ صَالِ ٱلۡجَحِيمِ ١٦٣
Except he who is to [enter and] burn in the Hellfire.1
﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ عُقِّبَ قَوْلُهم في المَلائِكَةِ والجِنِّ بِهَذا لِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ دَعاهم إلى عِبادَةِ الجِنِّ وعِبادَةِ الأصْنامِ الَّتِي سَوَّلَها لَهُمُ الشَّيْطانُ وحَرَّضَهم عَلَيْها الكُهّانُ خَدَمَةُ الجِنِّ،
صفحة ١٨٩
فَعُقِّبَ ذَلِكَ بِتَأْيِيسِ المُشْرِكِينَ مِن إدْخالِ الفِتْنَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ في إيمانِهِمْ بِما يُحاوِلُونَ مِنهم مِنَ الرُّجُوعِ إلى الشِّرْكِ، أوْ هي فاءٌ فَصِيحَةٌ، والتَّقْدِيرُ: إذا عَلِمْتُمْ أنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ مُنَزَّهُونَ عَنْ مِثْلِ قَوْلِكم، فَإنَّكم لا تَفْتِنُونَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ.
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ داخِلًا في حَيِّزِ الِاسْتِفْتاءِ مِن قَوْلِهِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ [الصافات: ١٤٩] الآيَةَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلى قَوْلِهِ ”﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨]“ الآيَةَ.
والواوُ في قَوْلِهِ ”وما تَعْبُدُونَ“ واوُ العَطْفِ أوْ واوُ المَعِيَّةِ، وما بَعْدَها مَفْعُولٌ مَعَهُ، والخَبَرُ هو ”﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾“ .
وضَمِيرُ ”أنْتُمْ“ خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ مِثْلُ ضَمِيرِ ”إنَّكم“ .
والمَعْنى: أنَّكم مُصْطَحَبِينَ بِالجِنِّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَهم لا تَفْتِنُونَ أحَدًا. ووَجْهُ ذِكْرِ المَفْعُولِ مَعَهُ أنَّهم كانُوا يُمَوِّهُونَ لِلنّاسِ أنَّ الجِنَّ تَنْفَعُ وتَضُرُّ وأنَّ الأصْنامَ كَذَلِكَ، وكانُوا يُخَوِّفُونَ النّاسَ مِن بَأْسِها وانْتِقامِها كَما قالَتِ امْرَأةُ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيِّ لَمّا أسْلَمَ ودَعاها إلى الإسْلامِ: ”ألا تَخْشى عَلى الصِّبْيَةِ مِن ذِي الشَّرى ؟ قالَ: لا، فَأسْلَمَتْ، وكانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ مَن يَسُبُّ الأصْنامَ يُصِيبُهُ البَرَصُ أوِ الجُذامُ.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ: لَمّا قَدِمَ ضِمامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ وافِدُ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ عَلى قَوْمِهِ مِن عِنْدِ النَّبِيءِ ﷺ قالَ في قَوْلِهِ: باسَتِ اللّاتُ والعُزّى. فَقالُوا: يا ضِمامُ اتَّقِ الجُذامَ اتَّقِ الجُنُونَ.
ولا يَسْتَقِيمُ أنْ تَكُونَ الواوُ عاطِفَةً لِأنَّ الأصْنامَ لا يُسْنَدُ إلَيْها الإفْتانُ.
وجَوَّزَ في الكَشّافِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ“ وما تَعْبُدُونَ ”مَفْعُولًا مَعَهُ سادًّا مَسَدَّ خَبَرِ (إنَّ)، والمَعْنى: فَإنَّكم مَعَ ما تَعْبُدُونَ، أيْ فَإنَّكم قُرَناءُ لِآلِهَتِكم لا تَبْرَحُونَ تَعْبُدُونَها، وهَذا كَما يَقُولُونَ:“ كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتَهُ ”أيْ مَعَ ضَيْعَتِهِ، أيْ مُقارِنٌ لَها.
و“ ما تَعْبُدُونَ ”صادِقٌ عَلى الجِنِّ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠] لِأنَّ الجِنَّ تَصْدُرُ مِنهم فِتْنَةُ النّاسِ بِالإشْراكِ دُونَ الأصْنامِ إذْ لا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ مِنها،
صفحة ١٩٠
قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧] الآيَةَ.
وضَمِيرُ“ عَلَيْهِ ”يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿لَيَقُولُونَ ولَدَ اللَّهُ﴾ [الصافات: ١٥١] أوْ في قَوْلِهِ“ إلّا عِبادَ اللَّهِ ”، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى“ ما تَعْبُدُونَ ”بِمُراعاةِ إفْرادِ اسْمِ المَوْصُولِ وهو (ما) .
وحُذِفَ مَفْعُولُ“ فاتِنِينَ ”لِقَصْدِ العُمُومِ. والتَّقْدِيرُ: بِفاتِنِينَ أحَدًا، ومِعْيارُهُ صِحَّةُ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ ﴿إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾، فالِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ والمُسْتَثْنى مَفْعُولٌ بِفاتِنِينَ.
وحَرْفُ (عَلى) يَتَعَلَّقُ بِ“ فاتِنِينَ ”إمّا لِتَضْمِينِ“ فاتِنِينَ ”مَعْنى مُفْسِدِينَ إنْ كانَ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِها عائِدًا إلى اسْمِ الجَلالَةِ كَما يُقالُ: فَسَدَ العَبْدُ عَلى سَيِّدِهِ، وخَلَّقَ فُلانٌ المَرْأةَ عَلى زَوْجِها، وتَكُونُ (عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ لِأنَّ تَضْمِينَ مُفْسِدِينَ فِيهِ مَعْنى الغَلَبَةِ.
وإمّا لِتَضْمِينِهِ مَعْنى حامِلِينَ ومَسْئُولِينَ، ويَكُونُ (عَلى) بِمَعْنى لامِ التَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ويَكُونُ تَقْدِيرُ مُضافٍ بَيْنَ (عَلى) ومَجْرُورِها تَقْدِيرُهُ: عَلى عِبادَةِ ما تَعْبُدُونَ، والمَعْنى: أنَّكم والشَّياطِينَ لا يَتْبَعُكم أحَدٌ في دِينِكم إلّا مَن عَرَّضَ نَفْسَهُ لِيَكُونَ صالِيَ الجَحِيمِ، وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] .
ورُسِمَ في المُصْحَفِ“ صالِ الجَحِيمِ ”بِدُونِ ياءٍ بَعْدَ اللّامِ اعْتِبارًا بِحالَةِ الوَصْلِ، فَإنَّ الياءَ لا يُنْطَقُ بِها فَرَسَمَهُ كاتِبُ المُصْحَفِ بِمِثْلِ حالَةِ النُّطْقِ، ولِذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ لا يُوقَفَ عَلى“ صالِ " .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences