Ibn 'AshurAs‑Saffat · 37:164–179

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

As-Saffat 37:164–179

37:164–169Page 452

وَمَا مِنَّآ إِلَّا لَهُۥ مَقَامٞ مَّعۡلُومٞ ١٦٤

[The angels say],1 "There is not among us any except that he has a known position.2

وَإِنَّا لَنَحۡنُ ٱلصَّآفُّونَ ١٦٥

And indeed, we are those who line up [for prayer].

وَإِنَّا لَنَحۡنُ ٱلۡمُسَبِّحُونَ ١٦٦

And indeed, we are those who exalt Allāh."

وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ ١٦٧

And indeed, they [i.e., the disbelievers] used to say,1

لَوۡ أَنَّ عِندَنَا ذِكۡرٗا مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٦٨

"If we had a message from [those of] the former peoples,

لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ١٦٩

We would have been the chosen servants of Allāh."

﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٠] عَلى أوَّلِ الوَجْهَيْنِ

صفحة ١٩١

فِي المَعْنى بِعِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى مَعْنى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ؛ لِأنَّ مَعْناهُ أنَّهم لَيْسُوا أوْلادَ اللَّهِ تَعالى، وعُطِفَ عَلَيْهِ أنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِن ذَلِكَ فالواوُ عاطِفَةٌ قَوْلًا مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ ما بَعْدَ الواوِ لا يَصْلُحُ إلّا أنْ يَكُونَ كَلامَ قائِلٍ. والتَّقْدِيرُ: ويَقُولُونَ ﴿ما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾، وهَذا الوَجْهُ أوْفَقُ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ مِن قَوْلِهِ ”﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾“ وقَوْلِهِ ”الصّافُّونَ. . . المُسَبِّحُونَ“: الشّائِعُ وصْفُ المَلائِكَةِ بِأمْثالِها في القُرْآنِ، كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ وصْفُهم بِالصّافّاتِ، ووَصْفُهم بِالتَّسْبِيحِ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ٥]، وذِكْرُ مَقاماتِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٌ مُطاعٌ ثَمَّ أمِينٌ﴾ [التكوير: ٢٠] وقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٣] .

وفِي أحادِيثَ كَثِيرَةٍ مَثَلًا حَدِيثُ الإسْراءِ: «أنَّ جِبْرِيلَ وجَدَ في كُلِّ سَماءٍ مَلَكًا يَسْتَأْذِنُهُ جِبْرِيلُ أنْ يَدْخُلَ تِلْكَ السَّماءَ، ويَسْألُهُ المَلَكُ: مَن أنْتَ ؟ ومَن مَعَكَ ؟ وهَلْ أُرْسِلَ إلَيْهِ ؟ فَإذا قالَ: نَعَمْ، فَتَحَ لَهُ» .

وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ قَوْلَهُ ”﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾“ إلى ”المُسَبِّحُونَ“ نَزَلَ «ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى فَتَأخَّرَ جِبْرِيلُ فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ: أهُنا تُفارِقُنِي فَقالَ: لا أسْتَطِيعُ أنْ أتَقَدَّمَ عَنْ مَكانِي»، وأنْزَلَ اللَّهُ حِكايَةً عَنْ قَوْلِ المَلائِكَةِ ”﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾“ الآيَتَيْنِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِمّا أُمِرَ النَّبِيءُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لِلْمُشْرِكِينَ عَطْفًا عَلى التَّفْرِيعِ الَّذِي في قَوْلِهِ ”﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ١٦١]“ إلى آخِرِهِ، ويَتَّصِلُ الكَلامُ بِقَوْلِهِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ [الصافات: ١٤٩] إلى هُنا.

والمَعْنى: ما أنْتُمْ بَفاتِنِينَنا فِتْنَةَ جَراءَةٍ عَلى رَبِّنا فَنَقُولُ مِثْلَ قَوْلِكُمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ والجِنُّ أصْهارُ اللَّهِ فَما مِنا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ لا يَتَجاوَزُهُ وهو مَقامُ المَخْلُوقِيَّةِ لِلَّهِ والعُبُودِيَّةِ لَهُ.

والمَنفِيُّ بِ ”ما“ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ وصْفُهُ بِقَوْلِهِ ”مِنّا“، والتَّقْدِيرُ: وما أحَدٌ مِنّا، كَما في قَوْلِ سُحَيْمِ بْنِ وثِيلٍ:

أنا ابْنُ جَلا وطَلاعِ الثَّنايا مَتى أضَعُ العِمامَةَ تَعْرِفُونِي

صفحة ١٩٢

التَّقْدِيرُ: ابْنُ رَجُلٍ جَلا.

والخَبَرُ هو قَوْلُهُ ”﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾“، والتَّقْدِيرُ: ما أحَدٌ مِنّا إلّا كائِنٌ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ.

والمَقامُ: أصْلُهُ مَكانُ القِيامِ. ولَمّا كانَ القِيامُ يَكُونُ في الغالِبِ لِأجْلِ العَمَلِ كَثُرَ إطْلاقُ المَقامِ عَلى العَمَلِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ المَرْءُ، كَما حُكِيَ في قَوْلِ نُوحٍ ﴿إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي﴾ [يونس: ٧١] أيْ عَمَلِي.

والمَعْلُومُ: المُعَيَّنُ المَضْبُوطُ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ وصْفُ ”مَعْلُومٌ“ لِأنَّ الشَّيْءَ المُعَيَّنَ المَضْبُوطَ لا يَشْتَبِهُ عَلى المُتَبَصِّرِ فِيهِ فَمَن تَأمَّلَهُ عَلِمَهُ.

والمَعْنى: ما مِن أحَدٍ مِنّا مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ إلّا لَهُ صِفَةٌ وعَمَلٌ نَحْوَ خالِقِهِ لا يَسْتَزِلُّهُ عَنْهُ شَيْءٌ ولا تَرُوجُ عَلَيْهِ فِيهِ الوَساوِسُ، فَلا أنْ تَزِلُّونا عَنْ عِبادَةِ رَبِّنا. فالمَقامُ هو صِفَةُ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ بِقَرِينَةِ وُقُوعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦١]، أيْ ما أنْتُمْ بِفاتِنِينَ لَنا فَلا يَلْتَبِسُ عَلَيْنا فَضْلُ المَلائِكَةِ فَنَرْفَعَهُ إلى مَقامِ البُنُوَّةِ لِلَّهِ تَعالى، ولا نُشَبِّهُ اعْتِقادَكم في تَصَرُّفِ الجِنِّ أنْ تَبْلُغُوا بِهِمْ مَقامَ المُصاهَرَةِ لِلَّهِ تَعالى والمُداناةِ لِجَلالِهِ كَقَوْلِهِ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ وخَلَقَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٠] .

فَقَوْلُهُ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ أيْ وإنّا - مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ - الصّافُّونَ أيِ: الواقِفُونَ لِعِبادَةِ اللَّهِ صُفُوفًا بِالصَّلاةِ. ووَصَفَ وُقُوفَهم في الصَّلاةِ بِالصَّفِّ تَشَبُّهًا بِنِظامِ المَلائِكَةِ. قالَ النَّبِيءُ ﷺ في حَدِيثِ مُسْلِمٍ: «جُعِلَتْ صُفُوفُنا كَصُفُوفِ المَلائِكَةِ»، والمُرادُ بِالمُسَبِّحِينَ المُنَزِّهُونَ لِلَّهِ تَعالى عَنْ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا أوْ يَكُونَ خَلَقَ صِهْرًا لَهُ أوْ صاحِبَةً خِلافًا لِشِرْكِكم إذْ عِبادَتُكم مُكاءٌ وتَصْدِيَةٌ، وخِلافًا لِكُفْرِكم إذْ تَجْعَلُونَ لَهُ صَواحِبَ وبَناتٍ وأصْهارًا. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ ”الصّافُّونَ. . المُسَبِّحُونَ“ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢] عَلَيْهِ، أيِ: الصّافُّونَ لِعِبادَتِهِ المُسَبِّحُونَ لَهُ، فَإنَّ الكَلامَ في هَذِهِ الآياتِ كُلِّها مُتَعَلِّقٌ بِشُئُونِ اللَّهِ تَعالى.

وتَعْرِيفُ جُزْأيِ الجُمْلَةِ، وضَمِيرِ الفَصْلِ مِن قَوْلِهِ ”لَنَحْنُ“ يُفِيدانِ قَصْرًا مُؤَكَّدًا فَهو قَصْرُ قَلْبٍ، أيْ دُونَ ما وصَفْتُمُوهُ بِهِ مِنَ البُنُوَّةِ لِلَّهِ.

37:170Page 452

فَكَفَرُواْ بِهِۦۖ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ١٧٠

But they disbelieved in it,1 so they are going to know.

صفحة ١٩٣

﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٦٧] ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٩] ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ انْتِقالٌ مَن ذِكْرِ كُفْرِ المُشْرِكِينَ بِتَعَدُّدِ الإلَهِ وبِإنْكارِ البَعْثِ وما وصَفُوا بِهِ الرَّسُولَ ﷺ مِنَ السِّحْرِ والجُنُونِ، ثُمَّ بِما نَسَبُوا لِلَّهِ مِمّا لا يَلِيقُ بِإلَهِيَّتِهِ، وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ المَواعِظِ والوَعِيدِ لَهم والوَعْدِ لِلْمُؤْمِنِينَ والعِبْرَةِ بِمَصارِعِ المُكَذِّبِينَ السّابِقِينَ وما لَقِيَهُ رُسُلُ اللَّهِ مِن أقْوامِهِمْ.

فانْتَقَلَ الكَلامُ إلى ذِكْرِ ما كَفَرَ بِهِ المُشْرِكُونَ مِن تَكْذِيبِ القُرْآنِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ هَدًى لَهم، فالمَقْصُودُ مِن هَذا هو قَوْلُهُ ”فَكَفَرُوا بِهِ“ أيِ الذِّكْرِ، وإنَّما قَدَّمَ لَهُ في نَظْمِ الكَلامِ ما فِيهِ تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ تَهافُتُهم في القَوْلِ، إذْ كانُوا قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهم مُحَمَّدٌ ﷺ بِالكِتابِ المُبِينِ يَوَدُّونَ أنْ يُشَرِّفَهُمُ اللَّهُ بِكِتابٍ لَهم كَما شَرَّفَ الأوَّلِينَ، ويَرْجُونَ لَوْ كانَ ذَلِكَ أنْ يَكُونُوا عِبادًا لِلَّهِ مُخْلَصِينَ لَهُ، فَلَمّا جاءَهم ما رَغِبُوا فِيهِ كَفَرُوا بِهِ وذَلِكَ أفْظَعُ الكُفْرِ لِأنَّهُ كُفْرٌ بِما كانُوا عَلى بَصِيرَةٍ مِن أمْرِهِ، إذْ كانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ لِأنْفُسِهِمْ ويَغْبِطُونَ الأُمَمَ الَّتِي أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِثْلُهُ، فَلَمْ يَكُنْ كُفْرُهم عَنْ مُباغَتَةٍ ولا عَنْ قِلَّةِ تَمَكُّنٍ مِنَ النَّظَرِ.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِ (إنْ) المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ وبِلامِ الِابْتِداءِ الفارِقَةِ بَيْنَ المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِتَحْقِيقِ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنهم لِيَسُدَّ عَلَيْهِمْ بابَ الإنْكارِ.

وإقْحامُ فِعْلِ ”كانُوا“ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ خَبَرَ ”كانَ“ ثابِتٌ لَهم في الماضِي.

والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في ”يَقُولُونَ“ لِإفادَةِ أنَّ ذَلِكَ تَكَرَّرَ مِنهم.

و(لَوْ) شَرْطِيَّةٌ وسَدَّتْ (أنَّ) وصِلَتُها مَسَدَّ فِعْلِ الشَّرْطِ وهو كَثِيرٌ في الكَلامِ.

والذِّكْرُ: الكِتابُ المَقْرُوءُ، سُمِّيَ ذِكْرًا لِأنَّهُ يُذَكِّرُ النّاسَ بِما يَجِبُ عَلَيْهِمْ، مُسَمًّى بِالمَصْدَرِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] في سُورَةِ الحِجْرِ.

و”﴿مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨]“ صِفَةٌ لِ ”ذِكْرًا“، والمُرادُ بِ ”الأوَّلِينَ“ الرُّسُلُ السّابِقُونَ، و(مِنَ) ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ: ذِكْرًا جائِيًا مِنَ الرُّسُلِ الأوَّلِينَ، أيْ مِثْلَ مُوسى وعِيسى. ومُرادُهم

صفحة ١٩٤

بِهَذا أنَّ الرُّسُلَ الأوَّلِينَ لَمْ يَكُونُوا مُرْسَلِينَ إلَيْهِمْ ولا بَلَّغُوا إلَيْهِمْ كِتابَهم ولَوْ كانُوا مُرْسَلِينَ إلَيْهِمْ لَآمَنُوا بِهِمْ فَكانُوا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ، فَذَكَرَ في جَوابِ (لَوْ) ما هو أخَصُّ مِنَ الإيمانِ لِيُفِيدَ مَعْنى الإيمانِ بِدَلالَةِ الفَحْوى.

وفِي جُمْلَةِ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٩] صِيغَةُ قَصْرٍ مِن أجْلِ كَوْنِ المُسْنَدِ إلَيْهِ مَعْرِفَةً بِالإضْمارِ والمُسْنَدِ مَعْرِفَةً بِالإضافَةِ، أيْ لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ دُونَ غَيْرِنا، ولَمّا وصَفَ المُسْنَدَ بِ ”المُخْلَصِينَ“ وهو مُعَرَّفٌ بِلامِ الجِنْسِ، حَصَلَ قَصْرُ عِبادِ اللَّهِ الَّذِينَ لَهم صِفَةُ الإخْلاصِ في المُسْنَدِ إلَيْهِ، وهَذا قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ في ثُبُوتِ صِفَةِ الإخْلاصِ لَهم حَتّى كانُوا شَبِيهِينَ بِالمُنْفَرِدِينَ بِالإخْلاصِ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِإخْلاصِ غَيْرِهِمْ في جانِبِ إخْلاصِهِمْ. وهو يَئُولُ إلى مَعْنى تَفْضِيلِ أنْفُسِهِمْ في الإخْلاصِ لِلَّهِ حِينَئِذٍ، كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧] .

والفاءُ في قَوْلِهِ ”فَكَفَرُوا بِهِ“ لِلتَّعْقِيبِ عَلى فِعْلِ ”لَيَقُولُونَ“، أيِ اسْتَمَرَّ قَوْلُهم حَتّى كانَ آخِرُهُ أنْ جاءَهُمُ الكِتابُ فَكَفَرُوا بِهِ، أوْ لِلْفَضِيحَةِ، والتَّقْدِيرُ: فَكانَ عِنْدَهم ذِكْرٌ فَكَفَرُوا بِهِ، فالضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الذِّكْرِ وهو القُرْآنُ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهم وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١]، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ لِيَكُونُنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلّا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢] .

وبِهَذا كانَ لِلْوَعِيدِ بِقَوْلِهِ ”﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾“ مَوْقِعُهُ المُصادِفُ المِجَزُّ مِنَ الكَلامِ، وهَوْلُهُ بِما ضَمِنَهُ مِنَ الإبْهامِ.

و(سَوْفَ) أُخْتُ السِّينِ في إفادَةِ مُطْلَقِ الِاسْتِقْبالِ.

37:171–173Page 452

وَلَقَدۡ سَبَقَتۡ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٧١

And Our word [i.e., decree] has already preceded for Our servants, the messengers,

إِنَّهُمۡ لَهُمُ ٱلۡمَنصُورُونَ ١٧٢

[That] indeed, they would be those given victory

وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ١٧٣

And [that] indeed, Our soldiers [i.e., the believers] will be those who overcome.1

﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ عَلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ”فَكَفَرُوا بِهِ“ وبَيانٌ لِبَعْضِ الوَعِيدِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الصافات: ١٧٠] بِمَنزِلَةِ بَدَلِ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ، ولَكِنَّهُ غَلَبَ عَلَيْهِ

صفحة ١٩٥

جانِبُ التَّسْلِيَةِ فَعَطَفَ بِالواوِ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ.

والكَلِمَةُ مُرادٌ بِها الكَلامُ، عَبَّرَ عَنِ الكَلامِ بِكَلِمَةٍ إشارَةً إلى أنَّهُ مُنْتَظِمٌ في مَعْنًى واحِدٍ دالٍّ عَلى المَقْصُودِ دَلالَةً سَرِيعَةً فَشُبِّهَ بِالكَلِمَةِ الواحِدَةِ في سُرْعَةِ الدَّلالَةِ وإيجازِ اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠]، وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «أصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَها شاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍ:

ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ»

وبُيِّنَتِ الكَلِمَةُ بِجُمْلَةِ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾، أيِ الكَلامُ المُتَضَمِّنُ وعْدَهم بِأنْ يَنْصُرَهُمُ اللَّهُ عَلى الَّذِينَ كَذَّبُوهم وعادَوْهم، وهَذِهِ بِشارَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ عَقِبَ تَسْلِيَتِهِ لِأنَّهُ داخِلٌ في عُمُومِ المُرْسَلِينَ.

وعَطَفَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ بِشارَةً لِلْمُؤْمِنِينَ فَإنَّ المُؤْمِنِينَ جُنْدُ اللَّهِ، أيْ أنْصارُهُ لِأنَّهم نَصَرُوا دِينَهُ وتَلَقَّوْا كَلامَهُ، كَما سُمُّوا حِزْبَ اللَّهِ في قَوْلِهِ ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١] إلى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ وأيَّدَهم بِرُوحٍ﴾ [المجادلة: ٢٢] مِنهُ إلى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] .

وقَوْلُهُ ”لَهُمُ الغالِبُونَ“ يَشْمَلُ عُلُوَّهم عَلى عَدُوِّهِمْ في مَقامِ الحِجاجِ ومَلاحِمِ القِتالِ في الدُّنْيا، وعُلُوَّهم عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ كَما قالَ تَعالى والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ فَهو مِنِ اسْتِعْمالِ ”الغالِبُونَ“ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ.

ومَعْنى ”المَنصُورُونَ“ و”الغالِبُونَ“ في أكْثَرِ الأحْوالِ وبِاعْتِبارِ العاقِبَةِ، فَلا يُنافِي أنَّهم يُغْلَبُونَ نادِرًا ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العاقِبَةُ، أوِ المُرادُ النَّصْرُ والغَلَبَةُ المَوْعُودُ بِهِما قَرِيبًا وهُما ما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ.

37:174–175Page 452

فَتَوَلَّ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ حِينٖ ١٧٤

So, [O Muḥammad], leave them for a time.

وَأَبۡصِرۡهُمۡ فَسَوۡفَ يُبۡصِرُونَ ١٧٥

And see [what will befall] them, for they are going to see.

﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ هَذا مُفَرَّعٌ عَلى التَّسْلِيَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها قَوْلُهُ ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾ [الصافات: ١٧١] .

صفحة ١٩٦

التَّوَلِّي حَقِيقَتُهُ: المُفارَقَةُ كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات: ٩٠]، واسْتُعْمِلَ هُنا مَجازًا في عَدَمِ الِاهْتِمامِ بِما يَقُولُونَهُ وتَرْكِ النَّكَدِ مِن إعْراضِهِمْ.

والحِينُ: الوَقْتُ. وأجْمَلَ هُنا إيماءً إلى تَقْلِيلِهِ، أيْ تَقْرِيبِهِ، فالتَّنْكِيرُ لِلتَّحْقِيرِ المَعْنَوِيِّ وهو التَّقْلِيلُ.

ومَعْنى ”أبْصِرْهم“ انْظُرْ إلَيْهِمْ، أيْ مِنَ الآنِ، وعُدِّيَ (أبْصِرْ) إلى ضَمِيرِهِمُ الدّالِّ عَلى ذَواتِهِمْ، ولَيْسَ المُرادُ النَّظَرَ إلى ذَواتِهِمْ لَكِنْ إلى أحْوالِهِمْ، أيْ تَأمَّلْ أحْوالَهم تَرَ كَيْفَ نَصَرَكَ عَلَيْهِمْ، وهَذا وعِيدٌ بِما حَلَّ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ.

وحُذِفَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الإبْصارُ مِن حالٍ أوْ مَفْعُولٍ مَعَهُ بِتَقْدِيرِ: وأبْصِرْهم مَأْسُورِينَ مَقْتُولِينَ، أوْ وأبْصِرْهم وما يُقْضى بِهِ عَلَيْهِمْ مِن أسْرٍ وقَتْلٍ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ عَلَيْهِ، إذْ لَيْسَ المَأْمُورُ بِهِ أيْضًا ذَواتِهِمْ، وهَذا مِن دَلالَةِ الِاقْتِضاءِ.

وصِيغَةُ الأمْرِ في ”وأبْصِرْهم“ مُسْتَعْمَلَةٌ في الإرْشادِ عَلى حَدِّ قَوْلِ:

إذا أعْجَبَتْكَ الدَّهْرَ حالٌ مِنِ امْرِئٍ فَدَعْهُ وواكِلْ أمْرَهُ واللَّيالِيا

أيْ إذا شِئْتَ أنْ تَتَحَقَّقَ قَرارَةَ حالِهِ فانْتَظِرْهُ.

وعَبَّرَ عَنْ تَرْتِيبِ نُزُولِ الوَعِيدِ بِهِمْ بِفِعْلِ الإبْصارِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما تُوُعِّدُوا بِهِ واقِعٌ لا مَحالَةَ، وأنَّهُ قَرِيبٌ حَتّى أنَّ المَوْعُودَ بِالنَّصْرِ يَتَشَوَّفُ إلى حُلُولِهِ، فَكانَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ تَحَقُّقِهِ وقُرْبِهِ لِأنَّ تَحْدِيقَ البَصَرِ لا يَكُونُ إلّا إلى شَيْءٍ أشْرَفَ عَلى الحُلُولِ.

وتَفْرِيعُ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ عَلى ”وأبْصِرْهم“ تَفْرِيعٌ لِإنْذارِهِمْ بِوَعِيدٍ قَرِيبٍ عَلى بِشارَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِقُرْبِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ البَصَرَ يَسُرُّ النَّبِيءَ ﷺ ويُحْزِنُ أعْداءَهُ، فَفي الكَلامِ اكْتِفاءٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أبْصِرْهم وما يَنْزِلُ بِهِمْ فَسَوْفَ تُبْصِرُ ما وعَدْناكَ ولِيُبْصِرُوا ما يَنْزِلُ بِهِمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَهُ.

وحُذِفَ مَفْعُولُ ”يُبْصِرُونَ“ لِدَلالَةِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ دَلالَةُ الِاقْتِضاءِ.

واعْلَمْ أنَّ تَفْرِيعَ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ عَلى ”وأبْصِرْهم“ يَمْنَعُ مِن إرادَةِ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وأبْصِرْهم حِينَ يَنْزِلُ بِهِمُ العَذابُ بَعْدَ ذَلِكَ الحِينِ كَما لا يَخْفى.

37:176–177Page 452

أَفَبِعَذَابِنَا يَسۡتَعۡجِلُونَ ١٧٦

Then for Our punishment are they impatient?

فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمۡ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلۡمُنذَرِينَ ١٧٧

But when it descends in their territory, then evil is the morning of those who were warned.

صفحة ١٩٧

﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ هَذا تَفْرِيعٌ عَلى التَّأْجِيلِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ ”حَتّى حِينٍ“ فَإنَّ ذَلِكَ ما أُنْذِرُهم بِعَذابٍ يَحِلُّ بِهِمْ تُوُقِّعَ أنَّهم سَيَقُولُونَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ: أرِنا العَذابَ الَّذِي تُخَوِّفُنا بِهِ وعَجِّلْهُ لَنا.

وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ ذَكَرَ أنَّهم قالُوهُ فَلُوحِظَ ذَلِكَ وفُرِّعَ عَلَيْهِ اسْتِفْهامٌ تَعْجِيبِيٌّ مِنِ اسْتِعْجالِهِمْ في تَأْخِيرِهِ والنَّظْرَةِ بِهِ رَأْفَةً بِهِمْ واسْتِبْقاءً لَهم حِينًا.

والفاءُ في قَوْلِهِ فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فاءُ الفَصِيحَةِ، أيْ إنْ كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِالعَذابِ فَإذا نَزَلَ بِهِمْ فَبِئْسَ وقْتُ نُزُولِهِ.

وإسْنادُ النُّزُولِ إلى العَذابِ وجَعْلُهُ في ساحَتِهِمُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ مَكْنِيَّةٌ، شَبَّهَتْ هَيْئَةَ حُصُولِ العَذابِ لَهم بَعْدَ ما أُنْذِرُوا بِهِ فَلَمْ يَعْبَئُوا بِهَيْئَةِ نُزُولِ جَيْشِ عَدُوٍّ في ساحَتِهِمْ بَعْدَ أنْ أنْذَرَهم بِهِ النَّذِيرُ العُرْيانُ فَلَمْ يَأْخُذُوا أُهْبَتَهم حَتّى أناخَ بِهِمْ.

وذَكَرَ الصَّباحَ لِأنَّهُ مِن عَلائِقِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها، فَإنَّ شَأْنَ الغارَةِ أنْ تَكُونَ في الصَّباحِ ولِذَلِكَ كانَ نَذِيرُ المَجِيءِ بِغارَةِ عَدُوٍّ يُنادِي: يا صَباحاهُ ! نِداءَ نُدْبَةٍ وتَفَجُّعٍ.

ولِذَلِكَ جُعِلَ جَوابُ (إذا) قَوْلُهُ ﴿فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ أيْ بِئْسَ الصَّباحُ صَباحُهم.

وفِي وصْفِهِمْ بِ ”المُنْذَرِينَ“ تَرْشِيحٌ لِلتَّمْثِيلِ وتَوْرِيَةٌ في اللَّفْظِ لِأنَّ المُشَبَّهِينَ مُنْذَرُونَ مِنَ اللَّهِ بِالعَذابِ. والَّذِينَ يَسُوءُ صَباحُهم عِنْدَ الغارَةِ هُمُ المَهْزُومُونَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ كانُوا مَغْلُوبِينَ.

وهَذا التَّمْثِيلُ قابِلٌ لِتَفْرِيقِ أجْزائِهِ في التَّشْبِيهِ بِأنْ يُشَبِّهَ العَذابَ بِالجَيْشِ، وحُلُولَهُ بِهِمْ بِنُزُولِ الجَيْشِ بِساحَةِ قَوْمٍ وما يَلْحَقُهم مِن ضُرِّ العَذابِ بِضُرِّ الهَزِيمَةِ، ووَقْتَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ بِتَصْبِيحِ العَدُوِّ مَحِلَّةَ قَوْمٍ. قالَ في الكَشّافِ: " وما فَصَحَتْ هَذِهِ الآيَةُ

صفحة ١٩٨

ولا كانَتْ لَها الرَّوْعَةُ الَّتِي تُحِسُّ بِها ويَرُوقُكَ مَوْرِدُها عَلى نَفْسِكَ وطَبْعِكَ إلّا لِمَجِيئِها عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ.

واعْلَمْ أنَّ في اخْتِيارِ هَذا التَّمْثِيلِ البَدِيعِ مَعْنًى بَدِيعًا مِنَ الإيماءِ إلى أنَّ العَذابَ الَّذِي وُعِدُوهُ هو ما أصابَهم يَوْمَ بَدْرٍ مِن قَتْلٍ وأسْرٍ عَلى طَرِيقَةِ التَّوْرِيَةِ.

37:178–179Page 452

وَتَوَلَّ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ حِينٖ ١٧٨

And leave them for a time.

وَأَبۡصِرۡ فَسَوۡفَ يُبۡصِرُونَ ١٧٩

And see, for they are going to see.

﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ [الصافات: ١٧٧] الآيَةَ؛ لِأنَّ مَعْنى المَعْطُوفِ عَلَيْها الوَعْدُ بِأنَّ اللَّهَ سَيَنْتَقِمُ مِنهم، فَعَطَفَ عَلَيْهِ أمْرَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ لا يَهْتَمَّ بِعِنادِهِمْ.

وهَذِهِ نَظِيرُ الَّتِي سَبَقَتْها المُفَرَّعَةِ بِالفاءِ، فَلِذَلِكَ يَحْصُلُ مِنها تَأْكِيدُ نَظِيرَتِها، عَلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ هَذا التَّوَلِّي غَيْرَ الأوَّلِ وإلى حِينٍ آخَرَ وإبْصارٍ آخَرَ، فالظّاهِرُ أنَّهُ تَوَلٍّ عَمَّنْ يَبْقى مِنَ المُشْرِكِينَ بَعْدَ حُلُولِ العَذابِ الَّذِي اسْتُعْجِلُوهُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حِينًا مِن أوْقاتِ الدُّنْيا فَهو إنْذارٌ بِفَتْحِ مَكَّةَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إلى حِينٍ مِن أحْيانِ الآخِرَةِ، وإنَّما جَعَلَ ذَلِكَ غايَةً لِتَوَلِّي النَّبِيءِ ﷺ عَنْهم لِأنَّ تَوَلِّيَهُ العَذابَ عَنْهم غايَةٌ لِتَوَلِّي النَّبِيءِ ﷺ عَنْهم لِأنَّ تَوَلِّيَهُ عَنْهم مُسْتَمِرٌّ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّ مُدَّةَ لَحاقِ النَّبِيءِ ﷺ بِالرَّفِيقِ الأعْلى لَمّا كانَتْ مُتَّصِلَةً بِتَوَلِّيهِ عَنْهم جُعِلَتْ تِلْكَ المُدَّةُ كَأنَّها ظَرْفٌ لِلتَّوَلِّي يَنْتَهِي بِحِينِ إحْضارِهِمْ لِلْعِقابِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ”إلى حِينٍ“ مُرادًا بِهِ الأبَدُ.

وحُذِفَ مَفْعُولُ ”وأبْصِرْ“ في هَذِهِ الآيَةِ لِدَلالَةِ ما في نَظِيرِها عَلَيْهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском