Ibn 'AshurAs‑Saffat · 37:11–26

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

As-Saffat 37:11–26

37:11Page 446

فَٱسۡتَفۡتِهِمۡ أَهُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَم مَّنۡ خَلَقۡنَآۚ إِنَّا خَلَقۡنَٰهُم مِّن طِينٖ لَّازِبِۭ ١١

Then inquire of them, [O Muḥammad], "Are they a stronger [or more difficult] creation or those [others] We have created?" Indeed, We created them [i.e., men] from sticky clay.

صفحة ٩٤

﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ الفاءُ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ [الصافات: ٦] بِاعْتِبارِ ما يَقْتَضِيهِ مِن عَظِيمِ القُدْرَةِ عَلى الإنْشاءِ، أيْ فَسَلْهم عَنْ إنْكارِهِمُ البَعْثَ وإحالَتِهِمْ إعادَةَ خَلْقِهِمْ بَعْدَ أنْ يَصِيرُوا عِظامًا ورُفاتًا، أخَلْقُهم حِينَئِذٍ أشُدُّ عَلَيْنا أمْ خَلْقُ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ العَظِيمَةِ ؟ وضَمِيرُ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ فاسْتَفْتِهِمْ عائِدٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ لِلْعِلْمِ بِهِ مِن دَلالَةِ المَقامِ وهُمُ الَّذِينَ أحالُوا إعادَةَ الخَلْقِ بَعْدَ المَماتِ. وكَذَلِكَ ضَمائِرُ الغَيْبَةِ الآتِيَةِ بَعْدَهُ وضَمِيرُ الخِطابِ مِنهُ مُوَجَّهٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ، أيْ فَسَلْهم، وهو سُؤالُ مَحاجَّةٍ وتَغْلِيطٍ.

والِاسْتِفْتاءُ: طَلَبُ الفَتْوى بِفَتْحِ الفاءِ وبِالواوِ، ويُقالُ: الفُتْيا بِضَمِّ الفاءِ وبِالياءِ. وهي إخْبارٌ عَنْ أمْرٍ يَخْفى عَنْ غَيْرِ الخَواصِّ في غَرَضٍ ما. وهي: إمّا إخْبارٌ عَنْ عِلْمٍ مُخْتَصٍّ بِهِ المُخْبِرُ قالَ تَعالى ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ﴾ [يوسف: ٤٦] الآيَةَ، وقالَ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ [يوسف: ٤١]) في سُورَةِ يُوسُفَ.

وإمّا إخْبارٌ عَنْ رَأْيٍ يُطْلَبُ مِن ذِي رَأْيٍ مَوْثُوقٍ بِهِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في أمْرِي﴾ [النمل: ٣٢] في سُورَةِ النَّمْلِ.

والمَعْنى: فاسْألْهم عَنْ رَأْيِهِمْ فَلَمّا كانَ المَسْئُولُ عَنْهُ أمْرًا مُحْتاجًا إلى إعْمالِ نَظَرٍ أطُلِقَ عَلى الِاسْتِفْهامِ عَنْهُ فِعْلُ الِاسْتِفْتاءِ.

وهَمْزَةُ (﴿أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾) لِلِاسْتِفْهامِ المُسْتَعْمَلِ لِلتَّقْرِيرِ بِضَعْفِ خَلْقِ البَشَرِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَخْلُوقاتِ السَّماوِيَّةِ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ يَؤُولُ إلى الإقْرارِ حَيْثُ إنَّهُ يُلْجِئُ المُسْتَفْهِمَ إلى الإقْرارِ بِالمَقْصُودِ مِن طَرَفَيِ الِاسْتِفْهامِ، فالِاسْتِفْتاءُ في مَعْنى الِاسْتِفْهامِ فَهو يُسْتَعْمَلُ في كُلِّ ما يُسْتَعْمَلُ فِيهِ الِاسْتِفْهامُ.

وأشَدُّ بِمَعْنى: أصْعَبُ وأعْسَرُ.

صفحة ٩٥

و”خَلْقًا“ تَمْيِيزٌ، أيْ أخَلْقُهم أشَدُّ أمْ خَلْقٌ مَن خَلَقْنا الَّذِي سَمِعْتُمْ وصْفَهُ.

والمُرادُ بِـ (مَن خَلَقْنا) ما خَلَقَهُ اللَّهُ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما الشّامِلُ لِلْمَلائِكَةِ والشَّياطِينِ والكَواكِبِ المَذْكُورَةِ آنِفًا بِقَرِينَةِ إيرادِ فاءِ التَّعْقِيبِ بَعْدَ ذِكْرِ ذَلِكَ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ﴾ [النازعات: ٢٧] ونَحْوِهِ.

وجِيءَ بِاسْمِ العاقِلِ وهو ”مَن“ المَوْصُولَةُ تَغْلِيبًا لِلْعاقِلِينَ مِنَ المَخْلُوقاتِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِما يَتَوَلَّدُ مِن مَعْنى الِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ ﴿أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ مِنَ الإقْرارِ بِأنَّهم أضْعَفُ خَلْقًا مِن خَلْقِ السَّماواتِ وعَوالِمِها احْتِجاجًا عَلَيْهِمْ بِأنَّ تَأتِّيَ خَلْقِهِمْ بَعْدَ الفَناءِ أهْوَنُ مِن تَأتِّي المَخْلُوقاتِ العَظِيمَةِ المَذْكُورَةِ آنِفًا ولَمْ تَكُنْ مَخْلُوقَةً قَبْلُ، فَإنَّهم خُلِقُوا مِن طِينٍ لِأنَّ أصْلَهم وهو آدَمُ خُلِقَ مِن طِينٍ كَما هو مُقَرَّرٌ لَدى جَمِيعِ البَشَرِ فَكَيْفَ يُحِيلُونَ البَعْثَ بِمَقالاتِهِمُ الَّتِي مِنها قَوْلُهم (﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٢]) .

والطِّينُ: التُّرابُ المَخْلُوطُ بِالماءِ.

واللّازِبُ: اللّاصِقُ بِغَيْرِهِ ومِنهُ أُطْلِقَ عَلى الأمْرِ الواجِبِ ”لازِبٌ“ في قَوْلِ النّابِغَةِ:

ولا يَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لازِبِ

وقَدْ قِيلَ: إنَّ باءَ لازِبٍ بَدَلٌ مِن مِيمِ لازِمٍ، والمَعْنى: أنَّهُ طِينٌ عَتِيقٌ صارَ حَمْأةً.

وضَمِيرُ (إنّا خَلَقْناهم) عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ خَلَقْنا أصْلَهم وهو آدَمُ فَإنَّهُ الَّذِي خُلِقَ مِن طِينٍ لازِبٍ، فَإذا كانَ أصْلُهم قَدْ أُنْشِئَ مِن تُرابٍ فَكَيْفَ يُنْكِرُونَ إمْكانَ إعادَةِ كُلِّ آدَمِيٍّ مِن تُرابٍ.

37:12–14Page 446

بَلۡ عَجِبۡتَ وَيَسۡخَرُونَ ١٢

But you wonder, while they mock,

وَإِذَا ذُكِّرُواْ لَا يَذۡكُرُونَ ١٣

And when they are reminded, they remember not.

وَإِذَا رَأَوۡاْ ءَايَةٗ يَسۡتَسۡخِرُونَ ١٤

And when they see a sign, they ridicule.

﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ ﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ ”بَلْ“ لِلْإضْرابُ الِانْتِقالِيِّ مِنَ التَّقْرِيرِ التَّوْبِيخِيِّ إلى أنَّ حالَهم عَجَبٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾) بِفَتْحِ التّاءِ لِلْخِطابِ. والخِطِابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ

صفحة ٩٦

المُخاطَبِ بِقَوْلِهِ (﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ [الصافات: ١١])، وفِعْلُ المُضِيِّ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الأمْرِ وهو مِنِ اسْتِعْمالِ الخَبَرِ في مَعْنى الطَّلَبِ لِلْمُبالَغَةِ كَما يُسْتَعْمَلُ الخَبَرُ في إنْشاءِ صِيَغِ العُقُودِ نَحْوُ: بِعْتُ. والمَعْنى: اعْجَبْ لَهم.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَجَبُ قَدْ حَصَلَ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ لَمّا رَأى إعْراضَهم وقِلَّةَ إنْصافِهِمْ فَيَكُونُ الخَبَرُ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، أيْ بَلْ أعَجِبْتَ ؟ .

والمَعْنى عَلى الجَمِيعِ: أنَّ حالَهم حَرِيَّةٌ بِالتَّعَجُّبِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أإذا كُنّا تُرابًا إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد: ٥]) في سُورَةِ الرَّعْدِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ”﴿بَلْ عَجِبْتُ﴾“ بِضَمِّ التّاءِ لِلْمُتَكَلِّمِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: أنَّ اللَّهَ أسْنَدَ العَجَبَ إلى نَفْسِهِ. ويُعْرَفُ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ حَقِيقَةَ العَجَبِ المُسْتَلْزِمَةِ الرَّوْعَةَ والمُفاجَأةَ بِأمْرٍ غَيْرِ مُتَرَقَّبٍ بَلِ المُرادُ التَّعْجِيبُ أوِ الكِنايَةُ عَنْ لازِمِهِ، وهو اسْتِعْظامُ الأمْرِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ. ولَيْسَ لِهَذا الِاسْتِعْمالِ نَظِيرٌ في القُرْآنِ ولَكِنَّهُ تَكَرَّرَ في كَلامِ النُّبُوءَةِ مِنهُ قَوْلُهُ ﷺ «إنَّ اللَّهَ لَيَعْجَبُ مِن رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أحَدُهُما الآخَرَ يَدْخُلانِ الجَنَّةَ، يُقاتِلُ هَذا في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلى القاتِلِ فَيُسْتَشْهَدُ» رَواهُ النَّسائِيُّ بِهَذا اللَّفْظِ. يَعْنِي ثُمَّ يُسْلِمُ القاتِلُ الَّذِي كانَ كافِرًا فَيُقاتِلُ فَيُسْتَشْهَدُ في سَبِيلِ اللَّهِ.

وقَوْلُهُ في حَدِيثِ الأنْصارِيِّ وزَوْجِهِ إذْ أضافا رَجُلًا فَأطْعَماهُ عَشاءَهُما وتَرَكا صِبْيانَهُما «عَجِبَ اللَّهُ مِن فِعالِكُما» .

ونَزَلَ فِيهِ (﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر: ٩])، وقَوْلُهُ «عَجِبَ اللَّهُ مِن قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ في السَّلاسِلِ» إنَّما عَدَلَ عَنِ الصَّرِيحِ وهو الِاسْتِعْظامُ لِأنَّ الكِنايَةَ أبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ، والصّارِفُ عَنْ مَعْنى اللَّفْظِ الصَّرِيحِ في قَوْلِهِ (عَجِبْتُ) ما هو مَعْلُومٌ مِن مُخالَفَتِهِ تَعالى لِلْحَوادِثِ.

صفحة ٩٧

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ (عَجِبْتَ) عَلى مَعْنى المُجازاةِ عَلى عَجَبِهِمْ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾ [الصافات: ١١] دَلَّ عَلى أنَّهم عَجِبُوا مِن إعادَةِ الخَلْقِ فَتَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِعِقابٍ عَلى عَجَبِهِمْ. وأطْلَقَ عَلى ذَلِكَ العِقابِ فِعْلَ (عَجِبْتَ) كَما أطْلَقَ عَلى عِقابِ مَكْرِهِمُ المَكْرَ في قَوْلِهِ ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] .

والواوُ في (ويَسْخَرُونَ) واوُ الحالِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (عَجِبْتَ) أيْ كانَ أمْرُهم عَجَبًا في حالِ اسْتِسْخارِهِمْ بِكَ في اسْتِفْتائِهِمْ.

وجِيءَ بِالمُضارِعِ في يَسْخَرُونَ لِإفادَةِ تَجَدُّدِ السُّخْرِيَةِ، وأنَّهم لا يَرْعَوُونَ عَنْها.

والسُّخْرِيَةُ: الِاسْتِهْزاءُ، وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والتَّذْكِيرُ بِأنْ يَذْكُرُوا ما يَغْفُلُونَ عَنْهُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، ومِن تَنْظِيرِ حالِهِمْ بِحالِ الأُمَمِ الَّتِي اسْتَأْصَلَها اللَّهُ تَعالى فَلا يَتَّعِظُوا بِذَلِكَ عِنادًا فَأطْلَقَ (لا يَذْكُرُونَ) عَلى أثَرِ الفِعْلِ، أيْ لا يَحْصُلُ فِيهِمْ أثَرُ تَذَكُّرِ ما يُذَكَّرُونَ بِهِ وإنْ كانُوا قَدْ ذَكَرُوا ذَلِكَ.

ويَجُوزُ أنْ يُرادَ (لا يَذْكُرُونَ) ما ذُكِّرُوا بِهِ، أيْ لِشِدَّةِ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّأمُّلِ فِيما ذُكِّرُوا بِهِ لِاسْتِقْرارِ ما ذُكِّرُوا بِهِ في عُقُولِهِمْ فَلا يَذْكُرُونَ ما هم غافِلُونَ عَنْهُ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى (﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ﴾ [الفرقان: ٤٤]) .

(﴿وِإذا رَأوْا آيَةً﴾) أيْ خارِقَ عادَةٍ أظْهَرَهُ الرَّسُولُ ﷺ دالًّا عَلى صِدْقِهِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُغَيِّرُ نِظامَ خِلْقَتِهِ في العالَمِ إلّا إذا أرادَ تَصْدِيقَ الرَّسُولِ لِأنَّ خَرْقَ العادَةِ مِن خالِقِ العاداتِ وناظِمِ سُنَنِ الأكْوانِ قائِمٌ مَقامَ قَوْلِهِ: صَدَقَ هَذا الرَّسُولُ فِيما أخْبَرَ بِهِ عَنِّي. وقَدْ رَأوُا انْشِقاقَ القَمَرِ، فَقالُوا: هَذا سِحْرٌ، قالَ تَعالى ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القمر: ١] ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢] .

صفحة ٩٨

و(يَسْتَسْخِرُونَ) مُبالَغَةٌ في السُّخْرِيَةِ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِهِ (﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥]) وقَوْلِهِ (﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ [الزخرف: ٤٣]) .

فالسُّخْرِيَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ ويَسْخَرُونَ سُخْرِيَةٌ مِن مُحاجَّةِ النَّبِيءِ ﷺ إيّاهم بِالأدِلَّةِ.

والسُّخْرِيَةُ المَذْكُورَةُ هُنا سُخْرِيَةٌ مِن ظُهُورِ الآياتِ المُعْجِزاتِ، أيْ يَزِيدُونَ في السُّخْرِيَةِ بِمَن ظَنَّ مِنهم أنَّ ظُهُورَ المُعْجِزاتِ يَحُولُ بِهِمْ عَنْ كُفْرِهِمْ، ألا تَرى أنَّهم قالُوا (﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ [الفرقان: ٤٢]) .

37:15–19Page 446

وَقَالُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٌ ١٥

And say, "This is not but obvious magic.

أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ ١٦

When we have died and become dust and bones, are we indeed to be resurrected?

أَوَءَابَآؤُنَا ٱلۡأَوَّلُونَ ١٧

And our forefathers [as well]?"

قُلۡ نَعَمۡ وَأَنتُمۡ دَٰخِرُونَ ١٨

Say, "Yes, and you will be [rendered] contemptible."

فَإِنَّمَا هِيَ زَجۡرَةٞ وَٰحِدَةٞ فَإِذَا هُمۡ يَنظُرُونَ ١٩

It will be only one shout, and at once they will be observing.

”﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا إنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوْ آباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾“ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾ [الصافات: ١١] الآيَةَ. والإشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ إلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾ [الصافات: ١١] وهو إعادَةُ الخَلْقِ عِنْدَ البَعْثِ، ويُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ ”أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا إنّا لَمَبْعُوثُونَ“، أيْ وقالُوا في رَدِّ الدَّلِيلِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ [الصافات: ١١] أيْ أجابُوا بِأنَّ ادِّعاءَ إعادَةِ الحَياةِ بَعْدَ البِلى كَلامُ سِحْرٍ مُبِينٍ، أيْ: كَلامٌ لا يُفْهَمُ، قُصِدَ بِهِ سِحْرُ السّامِعِ. هَذا وجْهُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ تَفْسِيرًا يَلْتَئِمُ بِهِ نَظْمُها خِلافًا لِما دَرَجَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ.

وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ ”إنّا لَمَبْعُوثُونَ“ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ هي هَمْزَةُ ”إنَّ“ بِاعْتِبارِ أنَّهُ جَوابُ ”إذا“ الواقِعَةِ في حَيِّزِ الِاسْتِفْهامِ فَهو مِن حَيِّزِ الِاسْتِفْهامِ.

وقَرَأ غَيْرُ نافِعٍ أئِنّا بِهَمْزَتَيْنِ: إحْداهُما هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُؤَكِّدَةٌ لِلْهَمْزَةِ الدّاخِلَةِ عَلى (إذا) .

وقَوْلُهُ ”أوْ آباؤُنا“ قَرَأهُ قالُونُ عَنْ نافِعٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِسُكُونِ واوِ (أوْ) عَلى أنَّ الهَمْزَةَ مَعَ الواوِ حَرْفٌ واحِدٌ هو (أوْ) العاطِفَةُ المُفِيدَةُ لِلتَّقْسِيمِ هُنا،

صفحة ٩٩

ووَجْهُ العَطْفِ بِـ ”أوْ“ هو جَعْلُهُمُ الآباءَ الأوَّلِينَ قِسْمًا آخَرَ فَكانَ عَطْفُهُ ارْتِقاءً في إظْهارِ اسْتِحالَةِ إعادَةِ هَذا القِسْمِ لِأنَّ آباءَهَمْ طالَتْ عُصُورُ فَنائِهِمْ فَكانَتْ إعادَةُ حَياتِهِمْ أوْغَلَ في الِاسْتِحالَةِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الواوِ عَلى أنَّ الواوَ واوُ العَطْفِ والهَمْزَةَ هَمْزَةُ اسْتِفْهامٍ فَهُما حَرْفانِ. وقُدِّمَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ عَلى حَرْفِ العَطْفِ حَسَبِ الِاسْتِعْمالِ الكَثِيرِ. والتَّقْدِيرُ: وأآباؤُنا الأوَّلُونَ مِثْلُنا.

وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ فَرَفْعُهُ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ اسْمِ ”إنَّ“ الَّذِي كانَ مُبْتَدَأً قَبْلَ دُخُولِ ”إنَّ“، والغالِبُ في العَطْفِ عَلى اسْمِ ”إنَّ“ يَرْفَعُ المَعْطُوفَ اعْتِبارًا بِالمَحَلِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءُ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣] أوْ يُجْعَلُ مَعْطُوفًا عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في خَبَرِ ”إنَّ“ وهو هُنا مَرْفُوعٌ بِالنِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ الَّذِي هو ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ وبَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ، أوْ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ والمَعْطُوفِ بِالهَمْزَةِ المُفْضِي إلى إعْمالِ ما قَبْلَ الهَمْزَةِ فِيما بَعْدَها، وذَلِكَ يُنافِي صَدارَةَ الِاسْتِفْهامِ؛ لِأنَّ صَدارَةَ الِاسْتِفْهامِ بِالنِّسْبَةِ إلى جُمْلَتِهِ فَلا يُنافِيها عَمَلُ عامِلٍ مِن جُمْلَةٍ قَبْلَهُ؛ لِأنَّ الإعْمالَ اعْتِبارٌ يَعْتَبِرُهُ المُتَكَلِّمُ ويَفْهَمُهُ السّامِعُ فَلا يُنافِي التَّرْتِيبَ اللَّفْظِيَّ.

والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ”﴿أئِذا مِتْنا﴾“ إنْكارِيٌّ كَما تَقَدَّمَ فَلِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ تَعالى ”﴿قُلْ نَعَمْ﴾“ جَوابًا لِقَوْلِهِمْ ”﴿أئِذا مِتْنا﴾“ عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ بِصَرْفِ قَصْدِهِمْ مِنَ الِاسْتِفْهامِ إلى ظاهِرِ الِاسْتِفْهامِ فَجُعِلُوا كالسّائِلِينَ: أيُبْعَثُونَ ؟ فَقِيلَ لَهم: نَعَمْ، تَقْرِيرًا لِلْبَعْثِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ، أيْ نَعَمْ تُبْعَثُونَ. وجِيءَ بِـ ”قُلْ“ غَيْرَ مَعْطُوفٍ لِأنَّهُ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعْمالِ في حِكايَةِ المُحاوَراتِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وأنْتُمْ ”داخِرُونَ“ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ. والدّاخِرُ: الصّاغِرُ الذَّلِيلُ، أيْ تُبْعَثُونَ بَعْثَ إهانَةٍ مُؤْذِنَةٍ بِتَرَقُّبِ العِقابِ لا بَعْثَ كَرامَةٍ.

وفُرِّعَ عَلى إثْباتِ البَعْثِ الحاصِلِ بِقَوْلِهِ ”نَعَمْ“؛ أنَّ بَعْثَهم وشِيكُ الحُصُولِ لا يَقْتَضِي مُعالَجَةً ولا زَمَنًا إنْ هي إلّا إعادَةٌ تَنْتَظِرُ زَجْرَةً واحِدَةً.

صفحة ١٠٠

والزَّجْرَةُ: الصَّيْحَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا قَوْلُهُ تَعالى ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ [الصافات: ٢] .

و(واحِدَةٌ) تَأْكِيدٌ لِما تُفِيدُهُ صِيغَةُ الفَعْلَةِ مِن مَعْنى المَرَّةِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الصَّيْحَةِ الجِنْسَ دُونَ الوُجُودِ؛ لِأنَّ وزْنَ الفَعْلَةِ يَجِيءُ لِمَعْنى المَصْدَرِ دُونَ المَرَّةِ.

وضَمِيرُ ”هي“ ضَمِيرُ القِصَّةِ والشَّأْنِ، وهو لا مُعادَ لَهُ، إنَّما تُفَسِّرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَهُ.

وفُرِّعَ عَلَيْهِ ”﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾“ ودَلَّ فاءُ التَّفْرِيعِ عَلى تَعْقِيبِ المُفاجَأةِ، ودَلَّ حَرْفُ المُفاجَأةِ عَلى سُرْعَةِ حُصُولِ ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣] في سُورَةِ يس.

وكُنِيَ عَنِ الحَياةِ الكامِلَةِ الَّتِي لا دَهْشَ يُخالِطُها بِالنَّظَرِ في قَوْلِهِ ”يَنْظُرُونَ“ لِأنَّ النَّظَرَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ تَمامِ الحَياةِ.

وأُوثِرَ النَّظَرُ مِن بَيْنِ بَقِيَّةِ الحَواسِّ لِمَزِيدِ اخْتِصاصِهِ بِالمَقامِ؛ وهو التَّعْرِيضُ بِما اعْتَراهم مِنَ البَهْتِ لِمُشادَّةِ الحَشْرِ.

37:20Page 446

وَقَالُواْ يَٰوَيۡلَنَا هَٰذَا يَوۡمُ ٱلدِّينِ ٢٠

They will say, "O woe to us! This is the Day of Recompense."

﴿وقالُوا يا ويْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ، أيْ قائِلِينَ يا ويْلَنا؛ أيْ يَقُولُ جَمِيعُهم: يا ويْلَنا، يَقُولُهُ كُلُّ أحَدٍ عَنْهُ وعَنْ أصْحابِهِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ”يَنْظُرُونَ“، والمَعْنى: ونَظَرُوا وقالُوا.

والوَيْلُ: سُوءُ الحالِ. وحَرْفُ النِّداءِ لِلِاهْتِمامِ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ [يس: ٣٠] في سُورَةِ يس.

والإشارَةُ إلى اليَوْمِ المُشاهَدِ. والدِّينُ: الجَزاءُ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ.

37:21Page 446

هَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡفَصۡلِ ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ٢١

[They will be told], "This is the Day of Judgement which you used to deny."

﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا كَلامًا مُوَجَّهًا إلَيْهِمْ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ

صفحة ١٠١

﴿يا ويْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الصافات: ٢٠]، والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْرِيضِ بِالوَعِيدِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ قَوْلِهِمْ، أيْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ .

والفَصْلُ: تَمْيِيزُ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ، والمُرادُ بِهِ الحُكْمُ والقَضاءُ، أيْ هَذا يَوْمٌ يُفْضِي عَلَيْكم بِما اسْتَحْقَقْتُمُوهُ مِنَ العِقابِ.

37:22–26Page 446

۞ ٱحۡشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزۡوَٰجَهُمۡ وَمَا كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٢٢

[The angels will be ordered], "Gather those who committed wrong, their kinds,1 and what they used to worship

مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهۡدُوهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡجَحِيمِ ٢٣

Other than Allāh, and guide them to the path of Hellfire

وَقِفُوهُمۡۖ إِنَّهُم مَّسۡـُٔولُونَ ٢٤

And stop them; indeed, they are to be questioned."

مَا لَكُمۡ لَا تَنَاصَرُونَ ٢٥

[They will be asked], "What is [wrong] with you? Why do you not help each other?"

بَلۡ هُمُ ٱلۡيَوۡمَ مُسۡتَسۡلِمُونَ ٢٦

But they, that Day, are in surrender.

﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ تَخَلُّصٌ مِنَ الإنْذارِ بِحُصُولِ البَعْثِ إلى الإخْبارِ عَمّا يَحِلُّ بِهِمْ عَقِبَهُ إذا ثَبَتُوا عَلى شِرْكِهِمْ وإنْكارِهِمُ البَعْثَ والجَزاءَ.

و(احْشُرُوا) أمْرٌ، وهو يَقْتَضِي آمِرًا، أيْ ناطِقًا بِهِ، فَهَذا مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ لِظُهُورِ أنَّهُ لا يَصْلُحُ لِلتَّعَلُّقِ بِشَيْءٍ مِمّا سَبَقَهُ، وحَذْفُ القَوْلِ مِن حَدِيثِ البَحْرِ، وظاهِرٌ أنَّهُ أمْرٌ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِالنّاسِ يَوْمَ الحِسابِ.

والحَشْرُ: جَمْعُ المُتَفَرِّقِينَ إلى مَكانٍ واحِدٍ.

والَّذِينَ ظَلَمُوا: المُشْرِكُونَ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .

والأزْواجُ ظاهِرُهُ أنَّ المُرادَ بِهِ حَلائِلُهم وهو تَفْسِيرُ مُجاهِدٍ والحَسَنِ. ورُوِيَ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ يَرْوِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وتَأْوِيلُهُ: أنَّهُنَّ الأزْواجُ المُوافِقاتُ لَهم في الإشْراكِ، أمّا مَن آمَنَ فَهُنَّ ناجِياتٌ مِن تَبِعاتِ أزْواجِهِنَّ، وهَذا كَذِكْرِ أزْواجِ المُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ﴾ [يس: ٥٦] فَإنَّ المُرادَ أزْواجُهُمُ المُؤْمِناتُ فَأُطْلِقَ حَمْلًا عَلى المُقَيَّدِ في قَوْلِهِ ﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ [الرعد: ٢٣] .

وذِكْرُ الأزْواجِ إبْلاغٌ في الوَعِيدِ والإنْذارِ لِئَلّا يَحْسَبُوا أنَّ النِّساءَ المُشْرِكاتِ لا تَبِعَةَ عَلَيْهِنَّ.

وذَلِكَ مِثْلُ تَخْصِيصِهِنَّ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ [البقرة: ١٧٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ١٠٢

وقِيلَ: الأزْواجُ: الأصْنافُ، أيْ: أشْياعُهم في الشِّرْكِ وفُرُوعِهِ. قالَهُ قَتادَةُ وهو رِوايَةٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وابْنِ عَبّاسٍ.

وعَنِ الضَّحّاكِ: الأزْواجُ المُقارَنُونَ لَهم مِنَ الشَّياطِينِ.

وضَمِيرُ (يَعْبُدُونَ) عائِدٌ إلى (﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾)، وماصْدَقُ (ما) غَيْرُ العُقَلاءِ، فَأمّا العُقَلاءُ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] .

والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في (فاهْدُوهم) عائِدٌ إلى (﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾)، أيِ: الأصْنامُ.

وعَطْفُ (فاهْدُوهم) بِفاءِ التَّعْقِيبِ إشارَةٌ إلى سُرْعَةِ الأمْرِ بِهِمْ إلى النّارِ عَقِبَ ذَلِكَ الحَشْرِ فالأمْرُ بِالأصالَةِ في القُرْآنِ.

والهِدايَةُ والهَدْيُ: الدَّلالَةُ عَلى الطَّرِيقِ لِمَن لا يَعْرِفُهُ، فَهي إرْشادٌ إلى مَرْغُوبٍ، وقَدْ غَلَبَتْ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ كَوْنَ المَهْدِيِّ راغِبًا في مَعْرِفَةِ الطَّرِيقِ مِن لَوازِمِ فِعْلِ الهِدايَةِ، ولِذَلِكَ تُقابَلُ بِالضَّلالَةِ وهي الحَيْرَةُ في الطَّرِيقِ، فَذَكَرَ (اهْدُوهم) هُنا تَهَكُّمٌ بِالمُشْرِكِينَ، كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:

قَرَيْناكم فَعَجَّلْنا قِـراكُـمُ قُبَيْلَ الصُّبْحِ مِرادَّةَ طَحُونا

والصِّراطُ: الطَّرِيقُ، أيْ طَرِيقُ جَهَنَّمَ.

ومَعْنى (وقِفُوهم) أمْرٌ بِإيقافِهِمْ في ابْتِداءِ السَّيْرِ بِهِمْ، لِما أفادَهُ الأمْرُ مِنَ الفَوْرِ بِقَرِينَةِ فاءِ التَّعْقِيبِ الَّتِي عَطَفَتْهُ، أيِ احْبِسُوهم عَنِ السَّيْرِ قَلِيلًا لِيُسْألُوا سُؤالَ تَأْيِيسٍ وتَحْقِيرٍ وتَغْلِيظٍ، فَيُقالُ لَهم ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، أيْ ما لَكم لا يَنْصُرُ بَعْضُكم بَعْضًا، فَيَدْفَعُ عَنْهُ الشَّقاءَ الَّذِي هو فِيهِ، وأيْنَ تُناصُرُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تَتَناصَرُونَ في الدُّنْيا وتَتَألَّبُونَ عَلى الرَّسُولِ وعَلى المُؤْمِنِينَ.

فالِاسْتِفْهامُ في ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيزِ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى الخَطَأِ الَّذِي كانُوا فِيهِ في الحَياةِ الدُّنْيا.

وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِإبْهامِ (مَسْئُولُونَ) وهو اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ لِلتَّذْكِيرِ بِما يَسُوءُهم، فَظَهَرَ أنَّ السُّؤالَ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ

صفحة ١٠٣

وإنَّما أُرِيدَ بِهِ لازِمُهُ وهو التَّعْجِيبُ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ اخْتُصَّ بِكم، فَـ (ما) الِاسْتِفْهامِيَّةُ مُبْتَدَأٌ و”لَكم“ خَبَرٌ عَنْهُ.

وجُمْلَةُ ”لا تَناصَرُونَ“ حالٌ مِن ضَمِيرِ ”لَكم“ وهي مَناطُ الِاسْتِفْهامِ، أيْ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ تَسْتَوْجِبُ التَّعَجُّبَ مِن عَدَمِ تَناصُرِكم.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”لا تَناصَرُونَ“ بِتَخْفِيفِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّهُ مِن حَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ. وقَرَأهُ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِتَشْدِيدِ المُثَنّاةِ عَلى إدْغامِ إحْدى التّاءَيْنِ في الأُخْرى.

والإضْرابُ المُسْتَفادُ مِن (بَلْ) إضْرابٌ لِإبْطالِ إمْكانِيَّةِ التَّناصُرِ بَيْنَهم، ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا يَتَوَهَّمُهُ السَّمْعُ، فَلِذَلِكَ كانَ الإضْرابُ تَأْكِيدًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ مِنَ التَّعْجِيزِ.

والِاسْتِسْلامُ: الإسْلامُ القَوِيُّ، أيْ: إسْلامُ النَّفْسِ وتَرْكُ المُدافَعَةِ فَهو مُبالَغَةٌ في أسْلَمَ.

وذَكَرَ ”اليَوْمَ“ لِإظْهارِ النِّكايَةِ بِهِمْ، أيْ زالَ عَنْهم ما كانَ لَهم مِن تَناصُرٍ وتَطاوُلٍ عَلى المُسْلِمِينَ قَبْلَ اليَوْمِ، أيْ في الدُّنْيا إذْ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤]، وقَدْ قالَها أبُو جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ، أيْ نَحْنُ جَماعَةٌ لا تُغْلَبُ، فَكانَ لِذِكْرِ اليَوْمِ وقْعٌ بَدِيعٌ في هَذا المَقامِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском