Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
As-Saffat 37:40–57
37:40–49Page 447
إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٤٠
But not the chosen servants of Allāh.
أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ رِزۡقٞ مَّعۡلُومٞ ٤١
Those will have a provision determined -
فَوَٰكِهُ وَهُم مُّكۡرَمُونَ ٤٢
Fruits;1 and they will be honored
فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٤٣
In gardens of pleasure
عَلَىٰ سُرُرٖ مُّتَقَٰبِلِينَ ٤٤
On thrones facing one another.
يُطَافُ عَلَيۡهِم بِكَأۡسٖ مِّن مَّعِينِۭ ٤٥
There will be circulated among them a cup [of wine] from a flowing spring,
بَيۡضَآءَ لَذَّةٖ لِّلشَّٰرِبِينَ ٤٦
White and delicious to the drinkers;
لَا فِيهَا غَوۡلٞ وَلَا هُمۡ عَنۡهَا يُنزَفُونَ ٤٧
No bad effect is there in it, nor from it will they be intoxicated.
وَعِندَهُمۡ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ عِينٞ ٤٨
And with them will be women limiting [their] glances,1 with large, [beautiful] eyes,
كَأَنَّهُنَّ بَيۡضٞ مَّكۡنُونٞ ٤٩
As if they were [delicate] eggs, well-protected.
صفحة ١١٠
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾
اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ في مَعْنى الِاسْتِدْراكِ، والِاسْتِدْراكُ تَعْقِيبُ الكَلامِ بِما يُضادُّهُ، وهَذا الِاسْتِدْراكُ تَعْقِيبٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] فَإنَّ حالَ عِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ تامُّ الضِّدَّيَّةِ لِحالِ الَّذِينَ ظَلَمُوا، ولَيْسَ يَلْزَمُ في الِاسْتِدْراكِ أنْ يَكُونَ رَفْعَ تَوَهُّمٍ، وإنَّما ذَلِكَ غالِبٌ، فَقَوْلُ بَعْضِ العُلَماءِ في تَعْرِيفِهِ هو: تَعْقِيبُ الكَلامِ بِرَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ ثُبُوتُهُ أوْ نَفْيُهُ، تَعْرِيفٌ أغْلَبِيٌّ، أوْ أُرِيدَ أدْنى التَّوَهُّمِ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ أعَمُّ مِن ذَلِكَ، فَقَدْ يَكُونُ إخْراجًا مِن حُكْمٍ لا مِن مَحْكُومٍ عَلَيْهِ ضَرُورَةً أنَّهم صَرَّحُوا بِأنَّ حَرْفَ الِاسْتِثْناءِ في المُنْقَطِعِ قائِمٌ مَقامَ لَكِنْ؛ ولِذَلِكَ يَقْتَصِرُونَ عَلى ذِكْرِ حَرْفِ الِاسْتِثْناءِ والمُسْتَثْنى بَلْ يُرْدِفُونَهُ بِجُمْلَةٍ تُبَيِّنُ مَحَلَّ الِاسْتِدْراكِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١] وقَوْلِهِ ”﴿إلّا إبْلِيسَ أبى﴾ [البقرة: ٣٤]“، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ هُنا ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ . ولَوْ كانَ المَعْنى عَلى الِاسْتِثْناءِ لَما أتْبَعَ المُسْتَثْنى بِإخْبارٍ عَنْهُ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يُثْبِتُ لَهُ نَقِيضَ حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِثْناءِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُفادُ (إلّا)، ونَظِيرُهُ مَعَ (لَكِنِ) قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠] الآيَةُ في سُورَةِ الزُّمَرِ.
وذِكْرُ المُؤْمِنِينَ بِوَصْفِ العُبُودِيَّةِ المُضافَةِ لِلَّهِ تَعالى تَنْوِيهٌ بِهِمْ وتَقْرِيبٌ، وذَلِكَ اصْطِلاحٌ غالِبٌ في القُرْآنِ في إطْلاقِ العَبْدِ والعِبادِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ تَعالى كَقَوْلِهِ ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ [ص: ١٧] . . ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [ص: ٤٥] . . ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨]، ورُبَّما أُطْلِقَ العَبْدُ غَيْرَ مُضافٍ مُرادًا بِهِ التَّقْرِيبَ أيْضًا كَقَوْلِهِ ﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ﴾ [ص: ٣٠]، أيِ العَبْدُ لِلَّهِ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا أُرِيدَ ذِكْرُ قَوْمٍ مِن عِبادِ اللَّهِ مِنَ المُشْرِكِينَ لَمْ يُؤْتَ بِلَفْظِ العِبادِ مُضافًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥] إلّا
صفحة ١١١
بِقَرِينَةِ مَقامِ التَّوْبِيخِ في قَوْلِهِ ﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧] لِأنَّ صِفَةَ الإضْلالِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ الإضافَةَ لَيْسَتْ لِلتَّقْرِيبِ، وقَوْلِهِ ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] فَقَرِينَةُ التَّغْلِيبِ هي مَناطُ اسْتِثْناءِ الغاوِينَ مِن قَوْلِهِ ”عِبادِي“ . ويُنْسَبُ إلى الشّافِعِيِّ:
ومِمّا زادَنِي شَرَفًا وفَخْرًا وكِدْتُ بِأخْمُصِي أطَأُ الثُّرَيّا
دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ (﴿يا عِبادِيَ﴾ [العنكبوت: ٥٦]) ∗∗∗ وأنْ أرْسَلْتَ أحْمَدَ لِي نَبِيّا
والمُرادُ بِهِمْ هُنا الَّذِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ فَإنَّهُمُ الَّذِينَ يَخْطُرُونَ بِالبالِ عِنْدَ ذِكْرِ أحْوالِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ وقالُوا فِيهِ ما هو مِنهُ بَرِيءٌ خُطُورَ الضِّدِّ بِذِكْرِ ضِدِّهِ.
و”المُخْلَصِينَ“ صِفَةُ عِبادِ اللَّهِ، وهو بِفَتْحِ اللّامِ إذا أُرِيدَ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ لِوِلايَتِهِ، وبِكَسْرِها أيِ الَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ. فَقَرَأهُ نافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ بِفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ اللّامِ.
و”أُولَئِكَ“ إشارَةٌ إلى ”عِبادَ اللَّهِ“ قَصَدَ مِنهُ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ لِأجْلِ مِمّا أُثْبِتَ لَهم مِن صِفَةِ الإخْلاصِ كَما ذَلِكَ مِن مُقْتَضَياتِ تَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالإشارَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] الآيَةُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والرِّزْقُ: الطَّعامُ، قالَ تَعالى ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧]، وقالَ ﴿لا يَأْتِيَكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] . والمَعْلُومُ: الَّذِي لا يَتَخَلَّفُ عَنْ مِيعادِهِ ولا يَنْتَظِرُهُ أهْلُهُ.
و”فَواكِهُ“ عَطْفُ بَيانٍ مِن ”رِزْقٌ“، والمَعْنى: أنَّ طَعامَهم كُلَّهُ مِنَ الأطْعِمَةِ الَّتِي يُتَفَكَّهُ بِها لا مِمّا يُؤْكَلُ لِأجْلِ الشِّبَعِ. والفَواكِهُ: الثِّمارُ والبُقُولُ اللَّذِيذَةُ.
و”هم مُكْرَمُونَ“ عَطْفٌ عَلى ﴿لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾، أيْ يُعامَلُونَ بِالحَفاوَةِ والبَهْجَةِ، فَإنَّهُ وسَّطَ في أثْناءِ وصْفِ ما أُعِدَّ لَهم مِنَ النَّعِيمِ الجِسْمانِيِّ أنَّ لَهم نَعِيمَ الكَرامَةِ وهو أهَمُّ لِأنَّ بِهِ انْتِعاشَ النَّفْسِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن خُلُوصِ النِّعْمَةِ مِمَّنْ يُكَدِّرُها
صفحة ١١٢
وذَلِكَ لِأنَّ الإحْسانَ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِمَدْحٍ وتَعْظِيمٍ ولا بِأذًى وهو الغالِبُ، وقَدْ يَكُونُ مُقْتَرِنًا بِأذًى وذَلِكَ يُكَدِّرُ مِن صَفْوِهُ، قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] فَإذا كانَ الإحْسانُ مَعَ عِباراتِ الكَرامَةِ وحُسْنِ التَّلَقِّي فَذَلِكَ الثَّوابُ.
وسُرُرٌ: جَمْعُ سَرِيرٍ وهو كَكُرْسِيٍّ واسِعٍ يُمْكِنُ الِاضْطِجاعُ عَلَيْهِ، وكانَ الجُلُوسُ عَلى السَّرِيرِ مِن شِعارِ المُلُوكِ وأضْرابِهِمْ، وذَلِكَ جُلُوسُ أهْلِ النَّعِيمِ لِأنَّ الجالِسَ عَلى السَّرِيرِ لا يَجِدُ مَلَلًا لِأنَّهُ يُغَيِّرُ جِلْسَتَهُ كَيْفَ تَتَيَسَّرُ لَهُ.
و”مُتَقابِلِينَ“ كُلُّ واحِدٍ قُبالَةَ الآخَرِ. وهَذا أتَمُّ لِلْأُنْسِ لِأنَّ فِيهِ أُنْسَ الِاجْتِماعِ وأُنْسَ نَظَرِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ، فَإنَّ رُؤْيَةَ الحَبِيبِ والصَّدِيقِ تُؤْنِسُ النَّفْسَ.
والظّاهِرُ: أنَّ مَعْنى كَوْنِهِمْ مُتَقابِلِينَ تَقابُلَ أفْرادٍ، كُلُّ جَماعَةٍ مَعَ أصْحابِهِمْ، وأنَّهم جَماعاتٌ عَلى حَسَبِ تَراتِيبِهِمْ في طَبَقاتِ الجَنَّةِ، وأنَّ أهْلَ كُلِّ طَبَقَةٍ يُقَسَّمُونَ جَماعاتٍ عَلى حَسَبِ قَرابَتِهِمْ في الجَنَّةِ، كَما قالَ تَعالى ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ﴾ [يس: ٥٦] وكَثْرَةُ كُلِّ جَماعَةٍ لا تُنافِي تَقابُلَهم عَلى السُّرُرِ والأرائِكِ وتَحادُثَهم لِأنَّ شُئُونَ ذَلِكَ العالَمِ غَيْرُ جارِيَةٍ عَلى المُتَعارَفِ في الدُّنْيا.
ومَعْنى ”يُطافُ“ يُدارُ عَلَيْهِمْ وهم في مَجالِسِهِمْ. والكَأْسُ (بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الكافِ): إناءُ الخَمْرِ، مُؤَنَّثٌ، وهي إناءٌ بِلا عُرْوَةٍ ولا أُنْبُوبٍ واسِعَةُ الفَمِ، أيْ مَحَلُّ الصَّبِّ مِنها، تَكُونُ مِن فِضَّةٍ ومِن ذَهَبٍ ومِن خَزَفٍ ومِن زُجاجٍ، وتُسَمّى قَدَحًا وهو مُذَكَّرٌ. وجَمْعُ كَأْسٍ: كاساتٌ وكُئُوسٌ وأكْؤُسٌ. وكانَتْ خاصَّةً بِسَقْيِ الخَمْرِ حَتّى كانَتِ الكَأْسُ مِن أسْماءِ الخَمْرِ تَسْمِيَةً بِاسْمِ المَحَلِّ، وجَعَلُوا مِنهُ قَوْلَ الأعْشى:
وكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ ∗∗∗ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها
وقَدْ قِيلَ لا يُسَمّى ذَلِكَ الإناءُ كَأْسًا إلّا إذا كانَتْ فِيهِ الخَمْرُ وإلّا فَهو قَدَحٌ.
والمَعْنِيُّ بِها في الآيَةِ الخَمْرُ لِأنَّهُ أفْرَدَ الكَأْسَ مَعَ أنَّ المَطُوفَ عَلَيْهِمْ كَثِيرُونَ، ولِأنَّها وُصِفَتْ بِأنَّها مِن مَعِينٍ. ورَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ إنَّما عُنِيَ بِها الخَمْرُ. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقالَ بِهِ الأخْفَشُ.
صفحة ١١٣
و”مَعِينٍ“ بِفَتْحِ المِيمِ، قِيلَ أصْلُهُ: مَعْيُونٍ. فَقِيلَ: مِيمُهُ أصْلِيَّةٌ، وهو مُشْتَقٌّ مِن مَعْنٍ يُقالُ: ماءُ مَعْنٍ، فَيَكُونُ ”مَعِينٍ“ بِوَزْنِ فَعِيلٍ مِثالُ مُبالَغَةٍ مِنَ المَعْنِ وهو الإبْعادُ في الفِعْلِ، شَبَّهَ جَرْيَهُ بِالإبْعادِ في المَشْيِ، وهَذا أظْهَرُ في الِاشْتِقاقِ. وقِيلَ: مِيمُهُ زائِدَةٌ، وهو مُشْتَقٌّ مِن عانَهُ، إذا أبْصَرَهُ لِأنَّهُ يَظْهَرُ عَلى وجْهِ الأرْضِ في سَيَلانِهِ فَوَزْنُهُ مَفْعُولٌ، وأصْلُهُ مَعْيُونٌ فَهو مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمٍ جامِدٍ وهو اسْمُ العَيْنِ، ولَيْسَ فِعْلُ عانَ مُسْتَعْمَلًا، اسْتَغْنَوْا عَنْهُ بِفِعْلِ عايَنَ.
و”بَيْضاءَ“ صِفَةٌ لِـ ”كَأْسٍ“ . وإذْ قَدْ أُرِيدَ بِالكَأْسِ الخَمْرُ الَّذِي فِيها كانَ وصْفُ ”بَيْضاءَ“ لِلْخَمْرِ. وإنَّما جَرى تَأْنِيثُ الوَصْفِ تَبَعًا لِلتَّعْبِيرِ عَنِ الخَمْرِ بِكَلِمَةِ كَأْسٍ، عَلى أنَّ اسْمَ الخَمْرِ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وتَأْنِيثُها أكْثَرُ. رَوى مالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: لَوْنُها مُشْرِقٌ حَسَنٌ فَهي لا كَخَمْرِ الدُّنْيا في مَنظَرِها الرَّدِيءِ مِن حُمْرَةٍ أوْ سَوادٍ.
واللَّذَّةُ: اسْمٌ مَعْناهُ إدْراكٌ مَلائِمٌ نَفْسَ المُدْرِكِ، يُقالُ: لَذَّهُ ولَذَّ بِهِ، والمَصْدَرُ: اللَّذَّةُ واللَّذاذَةُ. وفِعْلُهُ مِن بابِ فَرِحَ، تَقُولُ: لَذَّذْتُ بِالشَّيْءِ، ويُقالُ: شَيْءٌ لَذٌّ، أيْ لَذِيذٍ، فَهو وصْفٌ بِالمَصْدَرِ، فَإذا جاءَ بِهاءِ التَّأْنِيثِ كَما في الآيَةِ فَهو الِاسْمُ لا مَحالَةَ لِأنَّ المَصْدَرَ الوَصْفَ لا يُؤَنَّثُ بِتَأْنِيثِ مَوْصُوفِهِ، يُقالُ: امْرَأةٌ عَدْلٌ ولا يُقالُ: امْرَأةٌ عَدْلَةٌ. ووَصْفُ الكَأْسِ بِها كالوَصْفِ بِالمَصْدَرِ يُفِيدُ المُبالِغَةَ في تَمَكُّنِ الوَصْفِ، فَقَوْلُهُ تَعالى ”لَذَّةٍ“ هو أقْصى مِمّا يُؤَدِّي شِدَّةَ الِالتِذاذِ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ؛ لِأنَّهُ عَدَلَ بِهِ عَنِ الوَصْفِ الأصْلِيِّ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ، وعَدَلَ عَنِ المَصْدَرِ إلى الِاسْمِ لِما في المَصْدَرِ مِن مَعْنى الِاشْتِقاقِ.
وجُمْلَةُ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ صِفَةٌ رابِعَةٌ لِكَأْسٍ بِاعْتِبارِ إطْلاقِهِ عَلى الخَمْرِ.
والغَوْلُ، بِفَتْحِ الغَيْنِ: ما يَعْتَرِي شارِبَ الخَمْرِ مِنَ الصُّداعِ والألَمِ، اشْتُقَّ مِنَ الغَوْلِ مَصْدَرِ غالَهُ، إذا أهْلَكَهُ. وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ [الواقعة: ١٩] .
وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ لِإفادَةِ التَّخْصِيصِ، أيْ هو مُنْتَفٍ عَنْ خَمْرِ الجَنَّةِ فَقَطْ دُونَ ما يُعْرَفُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا، فَهو قَصْرُ قَلْبٍ. ووُقُوعُ ”غَوْلٌ“
صفحة ١١٤
وهُوَ نَكِرَةٌ بَعْدَ ”لا“ النّافِيَةِ أفادَ انْتِفاءَ هَذا الجِنْسِ مِن أصْلِهِ، ووَجَبَ رَفْعُهُ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ حَرْفِ النَّفْيِ بِالخَبَرِ.
وجُمْلَةُ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ .
وقَدَّمَ المُسْنَدَ عَلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ، والمُسْنَدُ فِعْلٌ، لِيُفِيدَ التَّقْدِيمُ تَخْصِيصَ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالخَبَرِ الفِعْلِيِّ، أيْ بِخِلافِ شارِبِي الخَمْرِ مِن أهْلِ الدُّنْيا.
و”يُنْزَفُونَ“ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، يُقالُ: نُزِفَ الشّارِبُ، بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ إذا كانَ مُجَرَّدًا (ولا يُبْنى لِلْمَعْلُومِ) فَهو مَنزُوفٌ ونَزِيفٌ، شَبَّهُوا عَقْلَ الشّارِبِ بِالدَّمِ، يُقالُ: نُزِفَ دَمُ الجَرِيحِ، أيْ أُفْرِغَ. وأصْلُهُ مِن: نَزَفَ الرَّجُلُ ماءَ البِئْرِ مُتَعَدِّيًا، إذا نَزَحَهُ ولَمْ يَبْقَ مِنهُ شَيْءٌ.
وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ”يُنْزِفُونَ“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ مِن أُنْزِفَ الشّارِبُ، إذا ذَهَبَ عَقْلُهُ، أيْ صارَ ذا نَزْفٍ، فالهَمْزَةُ لِلصَّيْرُورَةِ لا لِلتَّعْدِيَةِ.
و﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ أيْ حابِساتُ أنْظارِهِنَّ حَياءً وغُنْجًا. والطَّرَفُ: العَيْنُ، وهو مُفْرَدٌ لا جَمْعَ لَهُ مِن لَفْظِهِ لِأنَّ أصْلَ الطَّرَفِ مَصْدَرُ: طَرَفَ بِعَيْنِهِ مِن بابِ ضَرَبَ، إذا حَرَّكَ جَفْنَيْهِ، فَسُمِّيَتِ العَيْنُ طَرْفًا، فالطَّرْفُ هُنا الأعْيُنُ، أيْ قاصِراتُ الأعْيُنِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣] في سُورَةِ إبْراهِيمَ، وقَوْلِهِ ﴿قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠] في سُورَةِ النَّمْلِ.
وذُكِرَ (عِنْدَ) لِإفادَةِ أنَّهُنَّ مُلابِساتٌ لَهم في مَجالِسِهِمُ الَّتِي تُدارُ عَلَيْهِمْ فِيها كَأْسُ الجَنَّةِ، وكانَ حُضُورُ الجَوارِي مَجالِسَ الشَّرابِ مِن مُكَمِّلاتِ الأُنْسِ والطَّرَبِ عِنْدَ سادَةِ العَرَبِ، قالَ طَرْفَةُ:
نَدامايَ بِيضٌ كالنُّجُومِ وقَيْنَةٌ ∗∗∗ تَرُوحُ عَلَيْنا بَيْنَ بَرْدٍ ومِجْسَدِ
و”عِينٌ“ جَمْعُ عَيْناءَ، وهي المَرْأةُ الواسِعَةُ العَيْنِ النَّجْلاوَتُها.
والبَيْضُ المَكْنُونُ: هو بَيْضُ النَّعامِ، والنَّعامُ يُكِنُّ بَيْضَهُ في حُفَرٍ في الرَّمْلِ ويَفْرِشُ لَها مِن دَقِيقِ رِيشِهِ، وتُسَمّى تِلْكَ الحُفَرُ: الأُداحِيَّ، واحِدَتُها أُدْحِيَّةٌ بِوَزْنِ أُثْفِيَّةٍ. فَيَكُونُ البَيْضُ شَدِيدَ لَمَعانِ اللَّوْنِ وهو أبْيَضُ مَشُوبٌ بَياضُهُ بِصُفْرَةٍ
صفحة ١١٥
وذَلِكَ اللَّوْنُ أحْسَنُ ألْوانِ النِّساءِ، وقَدِيمًا شَبَّهُوا الحِسانَ بِبَيْضِ النَّعامِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
وبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها ∗∗∗ تَمَتَّعَتْ مِن لَهْوٍ بِها غَيْرَ مُعْجَلِ
37:50–57Page 447
فَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ ٥٠
And they will approach one another, inquiring of each other.
قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٞ ٥١
A speaker among them will say, "Indeed, I had a companion [on earth].
يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُصَدِّقِينَ ٥٢
Who would say, 'Are you indeed of those who believe
أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَدِينُونَ ٥٣
That when we have died and become dust and bones, we will indeed be recompensed?'"
قَالَ هَلۡ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ ٥٤
He will say,1 "Would you [care to] look?"
فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِي سَوَآءِ ٱلۡجَحِيمِ ٥٥
And he will look and see him1 in the midst of the Hellfire.
قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرۡدِينِ ٥٦
He will say, "By Allāh, you almost ruined me.
وَلَوۡلَا نِعۡمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ ٱلۡمُحۡضَرِينَ ٥٧
If not for the favor of my Lord, I would have been of those brought in [to Hell].
”﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا إنّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَءاهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾“ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ لِأنَّ شَأْنَ المُتَجالِسِينَ في مَسَرَّةٍ أنْ يَشْرَعُوا في الحَدِيثِ فَإنَّ في الحَدِيثِ مَعَ الأصْحابِ والمُنْتَدِمِينَ لَذَّةً كَما قالَ مُحَمَّدُ بْنُ فَيّاضٍ:
وما بَقِيَتْ مِنَ اللَّذّاتِ إلّا أحادِيثُ الكِرامِ عَلى الشَّرابِ
فَإذا اسْتَشْعَرُوا أنَّ ما صارُوا إلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ كانَ جَزاءً عَلى ما سَبَقَ مِن إيمانِهِمْ وإخْلاصِهِمْ، تَذَكَّرَ بَعْضُهم مَن كانَ يُجادِلُهُ في ثُبُوتِ البَعْثِ والجَزاءِ، فَحَمَدَ اللَّهَ عَلى أنْ هَداهُ لِعَدَمِ الإصْغاءِ إلى ذَلِكَ الصّادِّ، فَحَدَّثَ بِذَلِكَ جُلَساءَهُ وأراهم إيّاهُ في النّارِ، فَلِذَلِكَ حُكِيَ إقْبالُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ بِالمُساءَلَةِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النّاسَ في الآخِرَةِ تَعُودُ إلَيْهِمْ تَذَكُّراتُهُمُ الَّتِي كانَتْ لَهم في الدُّنْيا مُصَفّاةً مِنَ الخَواطِرِ السَّيِّئَةِ والأكْدارِ النَّفْسانِيَّةِ مُدْرِكَةً الحَقائِقَ عَلى ما هي عَلَيْهِ.
وجِيءَ في حِكايَةِ هَذِهِ الحالَةِ بِصِيَغِ الفِعْلِ الماضِي مَعَ أنَّها مُسْتَقْبَلَةٌ لِإفادَةِ تَحْقِيقِ وُقُوعِ ذَلِكَ حَتّى كَأنَّهُ قَدْ وقَعَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، والقَرِينَةُ هي التَّفْرِيعُ عَلى الأخْبارِ المُتَعَلِّقَةِ بِأحْوالِ الآخِرَةِ.
والتَّساؤُلُ: أنْ يَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا، وحُذِفَ المُتَساءَلُ عَنْهُ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وقَدْ بَيَّنَ نَحْوًا مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٤١] ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] .
صفحة ١١٦
وجُمْلَةُ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ”يَتَساءَلُونَ“، أيْ قالَ أحَدُهم في جَوابِ سُؤالِ بَعْضِهِمْ، فَإنَّ مَعْنى التَّساؤُلِ يَشْتَمِلُ عَلى مَعْنى الجَوابِ فَلِذَلِكَ جَعَلْناهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ لا بَدَلَ بَعْضٍ ولا عَطْفَ بَيانٍ، والقَرِينُ مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ، فَإنَّ هَذا القَوْلَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَقُولَهُ كَثِيرٌ مِن خُلَطاءِ المُشْرِكِينَ قَبْلَ أنْ يُسْلِمُوا.
والقَرِينُ: المُصاحِبُ المُلازِمُ، شُبِّهَتِ المُلازِمَةُ الغالِبَةُ بِالقَرْنِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ بِحَيْثُ لا يَنْفَصِلانِ، أيْ يَقُولُ لَهُ صاحِبُهُ لَمّا أسْلَمَ وبَقِيَ صاحِبُهُ عَلى الكُفْرِ يُجادِلُهُ في الإسْلامِ ويُحاوِلُ تَشْكِيكَهُ في صِحَّتِهِ رَجاءَ أنْ يَرْجِعَ بِهِ إلى الكُفْرِ كَما قالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ: ”لَقَدْ رَأيْتُنِي وأنَّ عُمَرَ لَمُوثِقِي عَلى الإسْلامِ“ أيْ: جاعِلُنِي في وثاقٍ لِأجْلِ أنِّي أسْلَمْتُ، وكانَ سَعِيدٌ صِهْرَ عُمَرَ زَوْجَ أُخْتِهِ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ، أيْ ما كانَ يَحِقُّ لَكَ أنْ تُصَدِّقَ بِهَذا، وسُلِّطَ الِاسْتِفْهامُ عَلى حَرْفِ التَّوْكِيدِ لِإفادَةِ أنَّهُ بَلَغَهُ تَأكُّدُ إسْلامِ قَرِينِهِ فَجاءَ يُنْكِرُ عَلَيْهِ ما تَحَقَّقَ عِنْدَهُ، أيْ أنَّ إنْكارَهُ إسْلامَهُ بَعْدَ تَحَقُّقِ خَبَرِهِ، ولَوْلا أنَّهُ تَحَقَّقَهُ لَما ظَنَّ بِهِ ذَلِكَ.
والمُصَدِّقُ هو: المُوقِنُ بِالخَبَرِ.
وجُمْلَةُ ”﴿أإذا مِتْنا﴾ [الصافات: ١٦]“ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ بَيَّنَتِ الإنْكارَ المُجْمَلَ بِإنْكارٍ مُفَصَّلٍ وهو إنْكارُ أنْ يُبْعَثَ النّاسُ بَعْدَ تَفَرُّقِ أجْزائِهِمْ وتَحَوُّلِها تُرابًا بَعْدَ المَوْتِ ثُمَّ يُجازُوا.
وجُمْلَةُ ”إنّا لَمَدِينُونَ“ جَوابُ (إذا) . وقُرِنَتْ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِلْوَجْهِ الَّذِي عَلِمْتَهُ في قَوْلِهِ ﴿أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ .
والمَدِينُ: المُجازى. يُقالُ: دانَهُ يُدِينُهُ، إذا جازاهُ، والأكْثَرُ اسْتِعْمالُهُ في الجَزاءِ عَلى السَّواءِ، والدَّيْنُ: الجَزاءُ كَما في سُورَةِ الفاتِحَةِ. وقِيلَ هُنا: ”إنّا لَمَدِينُونَ“، وفي أوَّلِ السُّورَةِ ”إنّا لَمَبْعُوثُونَ“ لِاخْتِلافِ القائِلِينَ.
وقَرَأ الجَمِيعُ ”أإنَّكَ“ بِهَمْزَتَيْنِ. وقَرَأ مَن عَدا ابْنَ عامِرٍ أإذا مِتْنا بِهَمْزَتَيْنِ، وابْنُ عامِرٍ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ وهي (إذا) اكْتِفاءً بِهَمْزَةِ ”أإنّا لَمَدِينُونَ“ في
صفحة ١١٧
قِراءَتِهِ. وقَرَأ نافِعٌ ”إنّا لَمَدِينُونَ“ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ اكْتِفاءً بِالِاسْتِفْهامِ الدّاخِلِ عَلى شَرْطِها. وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ المَحْكِيَّ بِها هو مِمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الأوَّلُ إذْ هو تَكْمِلَةٌ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ.
والِاسْتِفْهامُ بِقَوْلِهِ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في العَرْضِ، عَرَضَ عَلى رُفَقائِهِ أنْ يَتَطَلَّعُوا إلى رُؤْيَةِ قَرِينِهِ وما صارَ إلَيْهِ، وذَلِكَ: إمّا لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ قَرِينَهُ ماتَ عَلى الكُفْرِ بِأنْ يَكُونَ قَدْ سَبَقَهُ بِالمَوْتِ، وإمّا لِأنَّهُ أُلْقِيَ في رَوْعِهِ أنَّ قَرِينَهُ صارَ إلى النّارِ، وهو مُوقِنٌ بِأنَّ خازِنَ النّارِ يُطْلِعُهم عَلى هَذا القَرِينِ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ لِأهْلِ الجَنَّةِ ما يَتَساءَلُونَ، قالَ تَعالى ﴿ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] .
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ مُطَّلِعُونَ لِدَلالَةِ آخِرِ الكَلامِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿فِي سَواءِ الجَحِيمِ﴾ . فالتَّقْدِيرُ: هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ عَلى أهْلِ النّارِ لِنَنْظُرَهُ فِيهِمْ.
وفِي قَوْلِهِ ”فاطَّلَعَ“ اكْتِفاءٌ، أيْ فاطَّلَعَ فَرَآهُ ورَأوْهُ في سَواءِ الجَحِيمِ، إذْ هو إنَّما عَرَضَ عَلَيْهِمُ الِاطِّلاعَ لِيَعْلَمُوا تَحْقِيقَ ما حَدَّثَهم عَنْ قَرِينِهِ. واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ اطِّلاعِهِ هو دُونَ ذِكْرِ اطِّلاعِ رُفَقائِهِ لِأنَّهُ ابْتَدَأ بِالِاطِّلاعِ لِيُمَيِّزَ قَرِينَهُ فَيُرِيَهُ لِرُفَقائِهِ.
و”سَواءِ الجَحِيمِ“ وسَطُها، قالَ بَلْعاءُ بْنُ قَيْسٍ:
عَضْبًا أصابَ سَواءَ الرَّأْسِ فانْفَلَقا
وجُمْلَةُ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ وصْفَ هَذِهِ الحالَةِ يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِ أنْ يَسْألَ: فَماذا حَصَلَ حِينَ اطَّلَعَ ؟ فَيُجابُ بِأنَّهُ حِينَ رَأى قَرِينَهُ أخَذَ يُوَبِّخُهُ عَلى ما كانَ يُحاوِلُ مِنهُ حَتّى كادَ أنْ يُلْقِيَهُ في النّارِ مِثْلَهُ. وهَذا التَّوْبِيخُ يَتَضَمَّنُ تَنْدِيمَهُ عَلى مُحاوَلَةِ إرْجاعِهِ عَنِ الإسْلامِ.
والقَسَمُ بِالتّاءِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَقَعَ فِيما جَوابُ قَسَمِهِ غَرِيبٌ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾ [يوسف: ٧٣] في سُورَةِ يُوسُفَ، وقَوْلِهِ ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. ومَحَلُّ الغَرابَةِ هو خَلاصُهُ مِن شَبَكَةِ قَرِينِهِ واخْتِلافُ
صفحة ١١٨
حالِ عاقِبَتَيْهِما مَعَ ما كانا عَلَيْهِ مِن شِدَّةِ المُلازَمَةِ والصُّحْبَةِ، وما حَفَّهُ مِن نِعْمَةِ الهِدايَةِ، وما تَوَرَّطَ قَرِينُهُ في أوْحالِ الغَوايَةِ.
و(إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واتَّصَلَ بِها الفِعْلُ النّاسِخُ عَلى ما هو الغالِبُ في أحْوالِها إذا أُهْمِلَتْ.
واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى خَبَرِ كادَ هي الفارِقَةُ بَيْنَ (إنْ) المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ. و”تُرْدِينِ“ تُوقِعُنِي في الرَّدى وهو الهَلاكُ، وأصِلُ الرَّدى: المَوْتُ ثُمَّ شاعَتِ اسْتِعارَتُهُ لِسُوءِ الحالِ تَشْبِيهًا بِالمَوْتِ لِما شاعَ مِنَ اعْتِبارِ المَوْتِ أعْظَمَ ما يُصابُ بِهِ المَرْءُ.
والمَعْنى: أنَّكَ قارَبْتَ أنْ تُفْضِيَ بِي إلى حالِ الرَّدى بِإلْحاحِكَ في صَرْفِي عَنِ الإيمانِ بِالبَعْثِ لِفَرْطِ الصُّحْبَةِ. ولَوْلا نِعْمَةُ هِدايَةِ اللَّهِ وتَثْبِيتِهِ لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ مَعَكَ في العَذابِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ " لَتُرْدِينِ بِنُونٍ مَكْسُورَةٍ في آخِرِهِ دُونَ ياءِ المُتَكَلِّمِ عَلى التَّخْفِيفِ، وهو حَذْفٌ شائِعٌ في الِاسْتِعْمالِ الفَصِيحِ وهو لُغَةُ أهْلِ نَجْدٍ. وكُتِبَ في المَصاحِفِ بِدُونِ ياءٍ. وقَرَأهُ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ بِإثْباتِ الياءِ ولا يُنافِي رَسْمَ المُصْحَفِ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ الياءاتِ لَمْ تُكْتَبْ في المُصْحَفِ، وقَرَأ القُرّاءُ بِإثْباتِها فَإنَّ كُتّابَ المُصْحَفِ قَدْ حَذَفُوا مُدُودًا كَثِيرَةً مِن ألِفاتٍ وياءاتٍ.
والمُحْضَرُونَ أُرِيدَ بِهِمُ المُحْضَرُونَ في النّارِ، أيْ لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ مَعَكَ لِلْعَذابِ. وقَدْ كَثُرَ إطْلاقُ المُحْضَرِ ونَحْوِهِ عَلى الَّذِي يَحْضُرُ لِأجْلِ العِقابِ.
وقَدْ فَسَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ القَرِينَ هُنا بِالشَّيْطانِ الَّذِي يُلازِمُ الإنْسانَ لِإضْلالِهِ وإغْوائِهِ. وطَرِيقُ حِكايَةِ تَصَدِّي القائِلِ مِن أهْلِ الجَنَّةِ لِإخْبارِ أهْلِ مَجْلِسِهِ بِحالِهِ يُبْطِلُ هَذا التَّفْسِيرَ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ الشَّيْطانَ لَكانَ إخْبارُهُ بِهِ غَيْرَ مُفِيدٍ، فَما مِن أحَدٍ مِنهم إلّا كانَ لَهُ قَرِينٌ مِنَ الشَّياطِينِ، وما مِنهم إلّا عالِمٌ بِأنَّ مَصِيرَ الشَّياطِينِ إلى النّارِ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في شَرِيكَيْنِ هُما المُشارُ إلَيْهِما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ﴾ [الكهف: ٣٢] في سُورَةِ الكَهْفِ.
صفحة ١١٩
ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ: أنَّها نَزَلَتْ في أخَوَيْنِ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، كانا غَنِيَّيْنِ، وكانَ المُؤْمِنُ يُنْفِقُ مالَهُ في الصَّدَقاتِ وكانَ الكافِرُ يُنْفِقُ مالَهُ في اللَّذّاتِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ عِبْرَةٌ مِنَ الحَذَرِ مِن قُرَناءِ السُّوءِ ووُجُوبِ الِاحْتِراسِ مِمّا يَدْعُونَ إلَيْهِ ويُزَيِّنُونَهُ مِنَ المَهالِكِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences