Ibn 'AshurAs‑Saffat · 37:75–100

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

As-Saffat 37:75–100, continued

وسُمِّيَ ظَنًّا لِأنَّهُ غَيْرُ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ ولَمْ يُسَمِّهِ عِلْمًا لِأنَّ العِلْمَ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى

صفحة ١٤٠

الِاعْتِقادِ المُطابِقِ لِلْواقِعِ؛ ولِذَلِكَ عَرَّفُوهُ بِأنَّهُ: ”صِفَةٌ تُوجِبُ تَمْيِيزًا لا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ“ ولا يَنْتَفِي احْتِمالُ النَّقِيضِ إلّا مَتى كانَ مُوافِقًا لِلْواقِعِ.

وكَثُرَ إطْلاقُ الظَّنِّ عَلى التَّصْدِيقِ المُخْطِئِ والجَهْلِ المُرَكَّبِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦] في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَوْلِهِ ﴿وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] .

وقَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «إيّاكم والظَّنَّ فَإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ» .

والمَعْنى: أنَّ اعْتِقادَكم في جانِبِ رَبِّ العالَمِينَ جَهْلٌ مُنْكَرٌ.

وفِعْلُ الظَّنِّ إذا عُدِّيَ بِالباءِ أشْعَرَ غالِبًا بِظَنٍّ غَيْرِ صادِقٍ، قالَ تَعالى: ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ [الأحزاب: ١٠] وقالَ: ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكُمْ﴾ [فصلت: ٢٣] . ومِنهُ إطْلاقُ الظَّنِينِ عَلى المُتَّهَمِ فَإنَّ أصْلَهُ: ظَنِينٌ بِهِ، فَحُذِفَتِ الباءُ ووُصِلَ الوَصْفُ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا عُدِّيَ بِالباءِ فالأكْثَرُ حَذْفُ مَفْعُولِهِ وكانَتِ الباءُ لِلْإلْصاقِ المَجازِيِّ، أيْ ظَنَّ ظَنًّا مُلْصَقًا بِاللَّهِ، أيْ مُدَّعٍ تَعَلُّقَهُ بِاللَّهِ، وإنَّما يُناسِبُ ذَلِكَ ما لَيْسَ لائِقًا بِاللَّهِ.

وتَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ [الأحزاب: ١٠] في سُورَةِ الأحْزابِ.

والمَعْنى: فَما ظَنُّكُمُ السَّيِّئُ بِاللَّهِ، ولَمّا كانَ الظَّنُّ مِن أفْعالِ القَلْبِ فَتَعْدِيَتُهُ إلى اسْمِ الذّاتِ دُونَ إتْباعِ الِاسْمِ بِوَصْفٍ مُتَعَيِّنَةٌ لِتَقْدِيرِ وصْفٍ مُناسِبٍ. وقَدْ حُذِفَ المُتَعَلِّقُ هُنا لِقَصْدِ التَّوَسُّعِ في تَقْدِيرِ المَحْذُوفِ بِكُلِّ احْتِمالٍ مُناسِبٍ تَكْثِيرًا لِلْمَعانِي، فَيَجُوزُ أنْ تُعْتَبَرَ مِن ذاتِ رَبِّ العالَمِينَ أوْصافُهُ. ويَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ مِنها الكُنْهُ والحَقِيقَةُ، فاعْتِبارُ الوَصْفِ عَلى وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما المَعْنى المُشْتَقُّ مِنهُ الرَّبُّ وهو الرُّبُوبِيَّةُ وهي تَبْلِيغُ الشَّيْءِ إلى كَمالِهِ تَدْرِيجًا ورِفْقًا، فَإنَّ المَخْلُوقَ مُحْتاجٌ إلى البَقاءِ والإمْدادِ وذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَشْكُرَ المُمَدُّ فَلا يَصُدُّ عَنْ عِبادَةِ رَبِّهِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَما ظَنُّكم أنَّ لَهُ شُرَكاءَ وهو المُنْفَرِدُ بِاسْتِحْقاقِ الشُّكْرِ المُتَمَثِّلِ في العِبادَةِ لِأنَّهُ الَّذِي أمَدَّكم بِإنْعامِهِ.

وثانِيهِما: أنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ مَعْنى المالِكِيَّةِ وهي أحَدُ مَعْنَيَيِ الرَّبِّ وهو مُسْتَلْزِمٌ لِمَعْنى

صفحة ١٤١

القَهْرِ والقُدْرَةِ عَلى المَمْلُوكِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَما ظَنُّكم ماذا يَفْعَلُ بِكم مِن عِقابٍ عَلى كُفْرانِهِ وهو مالِكُكم ومالِكُ العالَمِينَ.

وأمّا جَوازُ اعْتِبارِ حَقِيقَةِ رَبِّ العالَمِينَ وكُنْهِهِ، فالتَّقْدِيرُ فِيهِ: فَما ظَنُّكم بِكُنْهِ الرُّبُوبِيَّةِ فَإنَّكم جاهِلُونَ الصِّفاتِ الَّتِي تَقْتَضِيها وفي مُقَدِّمَتِها الوَحْدانِيَّةُ.

37:88–96Page 449

فَنَظَرَ نَظۡرَةٗ فِي ٱلنُّجُومِ ٨٨

And he cast a look at the stars

فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٞ ٨٩

And said, "Indeed, I am [about to be] ill."

فَتَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ مُدۡبِرِينَ ٩٠

So they turned away from him, departing.

فَرَاغَ إِلَىٰٓ ءَالِهَتِهِمۡ فَقَالَ أَلَا تَأۡكُلُونَ ٩١

Then he turned to their gods and said, "Do you not eat?1

مَا لَكُمۡ لَا تَنطِقُونَ ٩٢

What is [wrong] with you that you do not speak?"

فَرَاغَ عَلَيۡهِمۡ ضَرۡبَۢا بِٱلۡيَمِينِ ٩٣

And he turned upon them a blow with [his] right hand.

فَأَقۡبَلُوٓاْ إِلَيۡهِ يَزِفُّونَ ٩٤

Then they [i.e., the people] came toward him, hastening.

قَالَ أَتَعۡبُدُونَ مَا تَنۡحِتُونَ ٩٥

He said, "Do you worship that which you [yourselves] carve,

وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ ٩٦

While Allāh created you and that which you do?"

﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ مُفَرَّعٌ عَلى جُمْلَةِ ”﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ﴾ [الصافات: ٨٥]“ تَفْرِيعُ قِصَصٍ بِعَطْفِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ.

والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الجُمَلِ المُتَعاطِفَةِ بِالفاءاتِ هو الإفْضاءُ إلى قَوْلِهِ ”﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ﴾“ وأمّا ما قَبْلَها فَتَمْهِيدٌ لَها وبَيانُ كَيْفِيَّةِ تَمَكُّنِهِ مِن أصْنامِهِمْ وكَسْرِها لِيَظْهَرَ لِعَبَدَتِها عَجْزُها.

وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: ”قالَ قَتادَةُ: والعَرَبُ تَقُولُ لِمَن تَفَكَّرَ: نَظَرَ في النُّجُومِ، يَعْنِي قَتادَةُ: أنَّهُ نَظَرَ إلى السَّماءِ مُتَفَكِّرًا فِيما يُلْهِيهِمْ بِهِ“ اهـ. وفي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ عَنِ الخَلِيلِ والمُبَرِّدِ يُقالُ: لِلرَّجُلِ إذا فَكَّرَ في شَيْءٍ يُدَبِّرُهُ: نَظَرَ في النُّجُومِ، أيْ أنَّهُ نَظَرَ في النُّجُومِ، مِمّا جَرى مَجْرى المَثَلِ في التَّعْبِيرِ عَنِ التَّفْكِيرِ لِأنَّ المُتَفَكِّرَ يَرْفَعُ بَصَرَهُ إلى السَّماءِ لِئَلّا يَشْتَغِلَ بِالمَرْئِيّاتِ فَيَخْلُوَ بِفِكْرِهِ لِلتَّدَبُّرِ فَلا يَكُونُ المُرادُ أنَّهُ نَظَرَ في النُّجُومِ وهي طالِعَةٌ لَيْلًا بَلِ المُرادُ أنَّهُ نَظَرَ لِلسَّماءِ الَّتِي هي قَرارُ النُّجُومِ، وذِكْرُ النُّجُومِ جَرى عَلى المَعْرُوفِ مِن كَلامِهِمْ.

وجَنَحَ الحَسَنُ إلى تَأْوِيلِ مَعْنى النُّجُومِ بِالمَصَدَرِ أنَّهُ نَظَرَ فِيما نَجَمَ لَهُ مِنَ الرَّأْيِ، يَعْنِي أنَّ النُّجُومَ مَصْدَرُ نَجَمَ بِمَعْنى ظَهَرَ.

وعَنْ ثَعْلَبٍ: نَظَرَ هُنا تَفَكَّرَ فِيما نَجَمَ مِن كَلامِهِمْ لَمّا سَألُوهُ أنْ يَخْرُجَ مَعَهم إلى عِيدِهِمْ لِيُدَبِّرَ حُجَّةً.

صفحة ١٤٢

والمَعْنى: فَفَكَّرَ في حِيلَةٍ يَخْلُو لَهُ بِها بُدُّ أصْنامِهِمْ فَقالَ: إنِّي سَقِيمٌ، لِيَلْزَمَ مَكانَهُ ويُفارِقُوهُ فَلا يُرِيهِمْ بَقاءَهُ حَوْلَ بُدِّهِمْ ثُمَّ يَتَمَكَّنُ مِن إبْطالِ مَعْبُوداتِهِمْ بِالفِعْلِ. والوَجْهُ: أنَّ التَّعْقِيبَ الَّذِي أفادَتْهُ الفاءُ مِن قَوْلِهِ ”فَنَظَرَ“ تَعْقِيبٌ عُرْفِيٌّ، أيْ لِكُلِّ شَيْءٍ نَحْسَبُهُ فَيُفِيدُ كَلامًا مَطْوِيًّا يُشِيرُ إلى قِصَّةِ إبْراهِيمَ الَّتِي قالَ فِيها: ”﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾“ والَّتِي تَفَرَّعَ عَلَيْها قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَراغَ إلى أهْلِهِ﴾ [الذاريات: ٢٦] إلَخْ.

وتَقْيِيدُ النَّظْرَةِ بِصِيغَةِ المَرَّةِ في قَوْلِهِ ”نَظْرَةً“ إيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ ألْهَمَهُ المَكِيدَةَ وأرْشَدَهُ إلى الحُجَّةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ [الأنبياء: ٥١] .

وقَوْلُهُ ”﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾“ عُذْرٌ انْتَحَلَهُ لِيَتْرُكُوهُ فَيَخْلُو بِبَيْتِ الأصْنامِ لِيَخْلُصَ إلَيْها عَنْ كَثَبٍ فَلا يَجِدُ مَن يَدْفَعُهُ عَنِ الإيقاعِ بِها. ولَيْسَ في القُرْآنِ ولا في السُّنَّةِ بَيانٌ لِهَذا لِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّهُ اعْتَذَرَ عَنْ خُرُوجِهِ مَعَ قَوْمِهِ مِنَ المَدِينَةِ في يَوْمِ عِيدٍ يَخْرُجُونَ فِيهِ، فَزَعَمَ أنَّهُ مَرِيضٌ لا يَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ، فافْتَرَضَ إبْراهِيمُ خُرُوجَهم لِيَخْلُوَ بِبُدِّ الأصْنامِ، وهو المُلائِمُ لِقَوْلِهِ ”﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾“ .

والسَّقِيمُ: صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ وهو المَرِيضُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ”﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤]“ . يُقالُ: سَقِمَ بِوَزْنِ مَرِضَ، ومَصْدَرُهُ السَّقَمُ بِالتَّحْرِيكِ، فَيُقالُ: سِقامٌ وسُقْمٌ بِوَزْنِ قُفْلٍ.

والتَّوَلِّي: الإعْراضُ والمُفارَقَةُ.

لَمْ يَنْطِقْ إبْراهِيمُ بِأنَّ النُّجُومَ دَلَّتْهُ عَلى أنَّهُ سَقِيمٌ ولَكِنَّهُ لَمّا جَعَلَ قَوْلَهُ ”﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾“ مُقارِنًا لِنَظَرِهِ في النُّجُومِ أوْهَمَ قَوْمَهَ أنَّهُ عَرَفَ ذَلِكَ مِن دَلالَةِ النُّجُومِ حَسَبَ أوْهامِهِمْ.

و”مُدْبِرِينَ“ حالٌ، أيْ ولَّوْهُ أدْبارَهم، أيْ ظُهُورَهم. والمَعْنى: ذَهَبُوا وخَلَّفُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ بِحَيْثُ لا يَنْظُرُونَهُ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ ”مُدْبِرِينَ“ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ وهو مِنَ التَّوْكِيدِ المُلازِمِ لِفِعْلِ التَّوَلِّي غالِبًا لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنَّهُ تَوَلِّي مُخالَفَةٍ وكَراهَةٍ دُونَ انْتِقالِ. وما وقَعَ في التَّفاسِيرِ في مَعْنى نَظَرِهِ في النُّجُومِ وفي تَعْيِينِ سُقْمِهِ المَزْعُومِ كَلامٌ لا يُمْتِعُ بَيْنَ مَوازِينِ المَفْهُومِ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ لِلنُّجُومِ دَلالَةً عَلى حُدُوثِ شَيْءٍ مِن حَوادِثِ الأُمَمِ ولا الأشْخاصِ، ومَن يَزْعُمْ ذَلِكَ فَقَدْ ضَلَّ

صفحة ١٤٣

دِينًا، واخْتَلَّ نَظَرًا وتَخْمِينًا. وقَدْ دَوَّنُوا كَذِبًا كَثِيرًا في ذَلِكَ وسَمَّوْهُ عِلْمَ أحْكامِ الفَلَكِ أوِ النُّجُومِ.

وقَدْ ظَهَرَ مِن نَظْمِ الآيَةِ أنَّ قَوْلَهُ ”﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾“ لَمْ يَكُنْ مَرَضًا؛ ولِذَلِكَ جاءَ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ «لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كَذِبابٍ اثْنَتَيْنِ مِنهُنَّ في ذاتِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - قَوْلُهُ ”﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾“، وقَوْلُهُ ”﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ [الأنبياء: ٦٣]“، وبَيْنا هو ذاتَ يَوْمٍ وسارَةُ إذْ أتى عَلى جَبّارٍ مِنَ الجَبابِرَةِ فَسَألَهُ عَنْ سارَةَ فَقالَ: هي أُخْتِي» الحَدِيثَ، فَوَرَدَ عَلَيْهِ إشْكالٌ مِن نِسْبَةِ الكَذِبِ إلى نَبِيٍّ.

ودَفْعُ الإشْكالِ: أنَّ تَسْمِيَةَ هَذا الكَلامِ كَذِبًا مَنظُورٌ فِيهِ إلى ما يُفْهِمُهُ أوْ يُعْطِيهِ ظاهِرُ الكَلامِ، وما هو بِالكَذِبِ الصُّراحِ بَلْ هو مِنَ المَعارِيضِ، أيْ أنِّي مِثْلُ السَّقِيمِ في التَّخَلُّفِ عَنِ الخُرُوجِ، أوْ في التَّألُّمِ مِن كُفْرِهِمْ، وأنَّ قَوْلَهُ ”هي أُخْتِي“ أرادَ أُخُوَّةَ الإيمانِ، وأنَّهُ أرادَ التَّهَكُّمَ في قَوْلِهِ ”﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ [الأنبياء: ٦٣]“ لِظُهُورِ قَرِينَةِ أنَّ مُرادَهُ التَّغْلِيطُ.

وهَذِهِ الأجْوِبَةُ لا تَدْفَعُ إشْكالًا يَتَوَجَّهُ عَلى تَسْمِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ هَذا الكَلامَ بِأنَّهُ كِذْباتٌ. وجَوابُهُ عِنْدِي: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في لُغَةِ قَوْمِ إبْراهِيمَ التَّشْبِيهُ البَلِيغُ، ولا المَجازُ، ولا التَّهَكُّمُ، فَكانَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْمِهِ كَذِبًا، وأنَّ اللَّهَ أذِنَ لَهُ فِعْلَ ذَلِكَ وأعْلَمَهُ بِتَأْوِيلِهِ، كَما أذِنَ لِأيُّوبَ أنْ يَأْخُذَ ضِغْثًا مِن عِصِيٍّ فَيَضْرِبَ بِهِ ضَرْبَةً واحِدَةً لِيُبِرَّ قَسَمَهُ، إذْ لَمْ تَكُنِ الكَفّارَةُ مَشْرُوعَةً في دِينِ أيُّوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

وفِعْلُ ”راغَ“ مَعْناهُ: حادَ عَنِ الشَّيْءِ، ومَصْدَرُهُ الرَّوْغُ والرَّوَغانُ، وقَدْ أُطْلِقَ هُنا عَلى الذَّهابِ إلى أصْنامِهِمْ مُخاتَلَةً لَهم ولِأجْلِ الإشارَةِ إلى تَضْمِينِهِ مَعْنى الذَّهابِ عُدِّيَ بِ (إلى) .

وإطْلاقُ الآلِهَةِ عَلى الأصْنامِ مُراعًى فِيهِ اعْتِقادُ عَبَدَتِها بِقَرِينَةِ إضافَتِها إلى ضَمِيرِهِمْ، أيْ إلى الآلِهَةِ المَزْعُومَةِ لَهم.

ومُخاطَبَةُ إبْراهِيمَ تِلْكَ الأصْنامَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا تَأْكُلُونَ ما لَكَمَ لا تَنْطِقُونَ﴾ وهو في حالِ خَلْوَةٍ بِها وعَلى غَيْرِ مَسْمَعٍ مِن عَبَدَتِها قُصِدَ بِهِ أنْ يُثِيرَ في نَفْسِهِ غَضَبًا

صفحة ١٤٤

عَلَيْها إذْ زَعَمُوا لَها الإلَهِيَّةَ لِيَزْدادَ قُوَّةَ عَزْمٍ عَلى كَسْرِها.

فَلَيْسَ خِطابُ إبْراهِيمَ لِلْأصْنامِ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ ولَكِنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِهُ، وهو تَذْكُرُ كَذِبِ الَّذِينَ ألَّهُوها والَّذِينَ سَدَنُوا لَها وزَعَمُوا أنَّها تَأْكُلُ الطَّعامَ الَّذِي يَضَعُونَهُ بَيْنَ يَدَيْها ويَزْعُمُونَ أنَّها تُكَلِّمُهم وتُخْبِرُهم.

ولِذَلِكَ عَقَّبَ هَذا الخِطابَ بِقَوْلِهِ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ . وقَدِ اسْتُعْمِلَ فِعْلُ (راغَ) هُنا مُضَمَّنًا مَعْنى (أقْبَلَ) مِن جِهَةٍ مائِلَةٍ عَنِ الأصْنامِ لِأنَّهُ كانَ مُسْتَقْبِلَها ثُمَّ أخَذَ يَضْرِبُها ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِّمالِ، نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] .

وانْتَصَبَ ”ضَرَبًا بِاليَمِينِ“ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ”فَراغَ“ أيْ: ضارِبًا. وتَقْيِيدُ الضَّرْبِ بِاليَمِينِ لِتَأْكِيدِ ”ضَرْبًا“ أيْ: ضَرْبًا قَوِيًّا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] وقَوْلُ الشَّمّاخِ:

إذا ما رايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ تَلَقّاها عَرابَةُ بِاليَمِينِ

فَلَمّا عَلِمُوا بِما فَعَلَ إبْراهِيمُ بِأصْنامِهِمْ أرْسَلُوا إلَيْهِ مَن يُحْضِرُهُ في مَلَئِهِمْ حَوْلَ أصْنامِهِمْ كَما هو مُفَصَّلٌ في سُورَةِ الأنْبِياءِ وأُجْمِلَ هُنا.

فالتَّعْقِيبُ في قَوْلِهِ ”﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ﴾“ تَعْقِيبٌ نِسْبِيٌّ، وجاءَهُ المُرْسَلُونَ إلَيْهِ مُسْرِعِينَ ”﴿يَزِفُّونَ﴾“ أيْ يَعْدُونَ، والزَّفُّ: الإسْراعُ في الجَرْيِ، ومِنهُ زَفِيفُ النَّعامَةِ وزَفُّها وهو عَدْوُها الأوَّلُ حِينَ تَنْطَلِقُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”يَزِفُّونَ“ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ، عَلى أنَّهُ مُضارِعُ زَفَّ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ وخَلَفٌ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ، عَلى أنَّهُ مُضارِعُ أزَفَّ، أيْ شَرَعُوا في الزَّفِيفِ، فالهَمْزَةُ لَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ بَلْ لِلدُّخُولِ في الفِعْلِ، مِثْلَ قَوْلِهِمْ أدْنَفَ، أيْ صارَ في حالِ الدَّنَفِ، وهو راجِعٌ إلى كَوْنِ الهَمْزَةِ لِلصَّيْرُورَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ إقْبالَ القَوْمِ إلى إبْراهِيمَ بِحالَةٍ تُنْذِرُ بِحِنْقِهِمْ وإرادَةِ البَطْشِ بِهِ، يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِ تَساؤُلًا عَنْ حالِ إبْراهِيمَ في تَلَقِّيهِ بِأُولَئِكَ وهو فاقِدٌ لِلنَّصِيرِ مُعَرَّضٌ لِلنَّكالِ فَيَكُونُ ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما

صفحة ١٤٥

تَنْحِتُونَ﴾ جَوابًا وبَيانًا لِما يَسْألُ عَنْهُ، وذَلِكَ مُنْبِئٌ عَنْ رِباطَةِ جَأْشِ إبْراهِيمَ إذْ لَمْ يَتَلَقَّ القَوْمَ بِالِاعْتِذارِ ولا بِالِاخْتِفاءِ، ولَكِنَّهُ لَقِيَهم بِالتَّهَكُّمِ بِهِمْ، إذْ قالَ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ [الأنبياء: ٦٣] كَما في سُورَةِ الأنْبِياءِ. ثُمَّ أنْحى عَلَيْهِمْ بِاللّائِمَةِ والتَّوْبِيخِ وتَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ، إذْ بَلَغُوا مِنَ السَّخافَةِ أنْ يَعْبُدُوا صُوَرًا نَحَتُوها بِأيْدِيهِمْ أوْ نَحَتَها أسْلافُهم، فَإسْنادُ النَّحْتِ إلى المُخاطَبِينَ مِن قَبِيلِ إسْنادِ الفِعْلِ إلى القَبِيلَةِ إذا فَعَلَهُ بَعْضُها، كَقَوْلِهِمْ: بَنُو أسَدٍ قَتَلُوا حُجْرَ بْنَ عَمْرٍو أبا امْرِئِ القَيْسِ.

والنَّحْتُ: بَرْيُ العُودِ لِيَصِيرَ في شَكْلٍ يُرادُ، فَإنْ كانَتِ الأصْنامُ مِنَ الخَشَبِ فَإطْلاقُ النَّحْتِ حَقِيقَةٌ، وإنْ كانَتْ مِن حِجارَةٍ كَما قِيلَ، فَإطْلاقُ النَّحْتِ عَلى نَقْشِها وتَصْوِيرِها مَجازٌ.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، والإتْيانُ بِالمَوْصُولِ والصِّلَةِ لِما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الصِّلَةُ مِن تَسَلُّطِ فِعْلِهِمْ عَلى مَعْبُوداتِهِمْ، أيْ أنَّ شَأْنَ المَعْبُودِ أنْ يَكُونَ فاعِلًا لا مُنْفَعِلًا، فَمِنَ المُنْكَرِ أنْ تَعْبُدُوا أصْنامًا أنْتُمْ نَحَتُّمُوها وكانَ الشَّأْنُ أنْ تَكُونَ أقَلَّ مِنكم.

والواوُ في ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ واوُ الحالِ، أيْ أتَيْتُمْ مُنْكَرًا إذْ عَبَدْتُمْ ما تَصْنَعُونَهُ بِأيْدِيكم، والحالُ أنَّ اللَّهَ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ عَنْ عِبادَتِهِ، أوْ وأنْتُمْ مُشْرِكُونَ مَعَهُ في العِبادَةِ مَخْلُوقاتٍ دُونَكم. والحالُ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّعْجِيبِ لِأنَّ في الكَلامِ حَذْفًا بَعْدَ واوِ الحالِ، إذِ التَّقْدِيرُ: ولا تَعْبُدُونَ اللَّهَ وهو خَلَقَكم وخَلَقَ ما نَحَتُّمُوهُ.

و(ما) مَوْصُولَةٌ و”تَعْمَلُونَ“ صِلَةُ المَوْصُولِ، والرّابِطُ مَحْذُوفٌ عَلى الطَّرِيقَةِ الكَثِيرَةِ، أيْ وما تَعْمَلُونَها. ومَعْنى ”تَعْمَلُونَ“ تَنْحِتُونَ. وإنَّما عَدَلَ عَنْ إعادَةِ فِعْلِ (تَنْحِتُونَ) لِكَراهِيَةِ تَكْرِيرِ الكَلِمَةِ، فَلَمّا تَقَدَّمَ لَفْظُ ”تَنْحِتُونَ“ عَلِمَ أنَّ المُرادَ بِ ”ما تَعْمَلُونَ“ ذَلِكَ المَعْمُولُ الخاصُّ وهو المَعْمُولُ لِلنَّحْتِ لِأنَّ العَمَلَ أعَمُّ. يُقالُ: عَمِلَتُ قَمِيصًا وعَمِلَتُ خاتَمًا. وفي حَدِيثِ صُنْعِ المِنبَرِ «أرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِامْرَأةٍ مِنَ الأنْصارِ أنْ مُرِي غُلامَكِ النَّجّارَ يَعْمَلُ لِي أعْوادًا أُكَلِّمُ عَلَيْها النّاسَ» .

وخَلْقُ اللَّهِ إيّاها ظاهِرٌ، وخُلْقُهُ ما يَعْمَلُونَها: هو خَلْقُ المادَّةِ الَّتِي تُصْنَعُ مِنها

صفحة ١٤٦

مِن حَجَرٍ أوْ خَشَبٍ، ولِذَلِكَ جَمَعَ بَيْنَ إسْنادِ الخَلْقِ إلى اللَّهِ بِواوِ العَطْفِ، وإسْنادِ العَمَلِ إلَيْهِمْ بِإسْنادِ فِعْلِ ”تَعْمَلُونَ“ .

وقَدِ احْتَجَّ الأشاعِرَةُ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً أوْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، عَلى أنَّ المُرادَ: ما تَعْمَلُونَهُ مِنَ الأعْمالِ. وهو تَمَسُّكٌ ضَعِيفٌ لِما في الآيَةِ مِنَ الِاحْتِمالَيْنِ، ولِأنَّ المَقامَ يُرَجِّحُ المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ، إذْ هو في مَقامِ المُحاجَّةِ بِأنَّ الأصْنامَ أنْفُسَها مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ، فالأوْلى المَصِيرُ إلى أدِلَّةٍ أُخْرى.

37:97–98Page 449

قَالُواْ ٱبۡنُواْ لَهُۥ بُنۡيَٰنٗا فَأَلۡقُوهُ فِي ٱلۡجَحِيمِ ٩٧

They said, "Construct for him a structure [i.e., furnace] and throw him into the burning fire."

فَأَرَادُواْ بِهِۦ كَيۡدٗا فَجَعَلۡنَٰهُمُ ٱلۡأَسۡفَلِينَ ٩٨

And they intended for him a plan [i.e., harm], but We made them the most debased.

﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ ﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ﴾ الأسْفَلِينَ الجَحِيمُ: النّارُ الشَّدِيدَةُ الوَقُودِ، وكُلُّ نارٍ عَلى نارٍ، وجَمْرٍ فَوْقَ جَمْرٍ فَهو جَحِيمٌ.

وتَقَدَّمَتْ هَذِهِ القِصَّةُ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ، وعَبَّرَ هُنا بِ ”الأسْفَلِينَ“ وهُنالِكَ بِ ”الأخْسَرِينَ“، والأسْفَلُ هو المَغْلُوبُ لِأنَّ الغالِبَ يُتَخَيَّلُ مُعْتَلِيًا عَلى المَغْلُوبِ فَهو اسْتِعارَةٌ لِلْمَغْلُوبِ، والأخْسَرُ هُنالِكَ اسْتِعارَةٌ لِمَن لا يَحْصُلُ مِن سَعْيِهِ عَلى بُغْيَتِهِ.

37:99–100Page 449

وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهۡدِينِ ٩٩

And [then] he said, "Indeed, I will go to [where I am ordered by] my Lord; He will guide me.

رَبِّ هَبۡ لِي مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٠٠

My Lord, grant me [a child] from among the righteous."

﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ لَمّا نَجا إبْراهِيمُ مِن نارِهِمْ صَمَّمَ عَلى الخُرُوجِ مِن بَلَدِهِ (أُورَ الكِلْدانِيِّينَ) .

وهَذِهِ أوَّلُ هِجْرَةٍ في سَبِيلِ اللَّهِ لِلْبُعْدِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. والتَّوْراةُ بَعْدَ أنْ طَوَتْ سَبَبَ أمْرِ اللَّهِ إيّاهُ بِالخُرُوجِ ذُكِرَ فِيها أنَّهُ خَرَجَ قاصِدًا بِلادَ حَرّانَ في أرْضِ كَنْعانَ (وهي بِلادُ الفِينِيقِيِّينَ) .

والظّاهِرُ: أنَّ هَذا القَوْلَ قالَهُ عَلَنًا في قَوْمِهِ لِيَكُفُّوا عَنْ أذاهُ، وكانَ الأُمَمُ الماضُونَ يَعُدُّونَ الجَلاءَ مِن مَقاطِعَ الحُقُوقِ، قالَ زُهَيْرٌ:

صفحة ١٤٧

وإنَّ الحَقَّ مَقْطَعُهُ ثَلاثٌ يَمِينٌ أوْ نِفارٌ أوْ جَلاءُ

ولِذَلِكَ لَمّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالهِجْرَةِ مِن مَكَّةَ لَمْ تَتَعَرَّضْ لَهُ قُرَيْشٌ في بادِئِ الأمْرِ، ثُمَّ خافُوا أنْ تَنْتَشِرَ دَعْوَتُهُ في الخارِجِ فَرامُوا اللَّحاقَ بِهِ فَحَبَسَهُمُ اللَّهُ عَنْهُ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قالَ ذَلِكَ في أهْلِهِ الَّذِينَ يُرِيدُ أنْ يَخْرُجَ بِهِمْ مَعَهُ، فَمَعْنى ﴿ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ مُهاجِرٌ إلى حَيْثُ أعْبُدُ رَبِّي وحْدَهُ ولا أعْبُدُ آلِهَةً غَيْرَهُ ولا أُفْتَنُ في عِبادَتِهِ كَما فُتِنْتُ في بَلَدِهِمْ.

ومُرادُ اللَّهِ أنْ يُفْضِيَ إلى بُلُوغِ مَكَّةَ لِيُقِيمَ هُنالِكَ أوَّلَ مَسْجِدٍ لِإعْلانِ تَوْحِيدِ اللَّهِ، فَسَلَكَ بِهِ المَسالِكَ الَّتِي سَلَكَها حَتّى بَلَغَ بِهِ مَكَّةَ وأوْدَعَ بِها أهْلًا ونَسْلًا، وأقامَ بِها قَبِيلَةً دِينُها التَّوْحِيدُ، وبَنى لِلَّهِ مَعْبَدًا، وجَعَلَ نَسْلَهُ حَفَظَةَ بَيْتِ اللَّهِ، ولَعَلَّ اللَّهَ أطْلَعَهُ عَلى تِلْكَ الغايَةِ بِالوَحْيِ أوْ سَتَرَها عَنْهُ حَتّى وجَدَ نَفْسَهُ عِنْدَها، فَلِذَلِكَ أنْطَقَهُ بِأنَّ ذَهابَهُ إلى اللَّهِ نُطْقًا عَنْ عِلْمٍ أوْ عَنْ تَوْفِيقٍ.

وجُمْلَةُ ”سَيَهْدِينِ“ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا وهو الأظْهَرُ؛ لِأنَّهُ أرادَ إعْلامَ قَوْمِهِ بِأنَّهُ واثِقٌ بِرَبِّهِ وأنَّهُ لا تَرَدُّدَ لَهُ في مُفارَقَتِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا، فَعَلى الأوَّلِ هي حالٌ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ، ولا يَمْنَعُ مِن جَعْلِ الجُمْلَةِ حالًا اقْتِرانُها بِحَرْفِ الِاسْتِقْبالِ، فَإنَّ حَرْفَ الِاسْتِقْبالِ يَدُلُّ عَلى أنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ، والتَّقْدِيرُ: إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي مُقَدِّرًا، كَما لَمْ يَمْتَنِعْ مَجِيءُ الحالِ مَعْمُولًا لِعامِلٍ مُسْتَقْبَلٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] وقَوْلِ سَعْدِ بْنِ ناشِبٍ:

سَأغْسِلُ عَنِّي العارَ بِالسَّيْفِ جالِبًا ∗∗∗ عَلِيَّ قَضاءُ اللَّهِ ما كانَ جالِبا

وامْتِناعُ اقْتِرانِ جُمْلَةِ الحالِ بِعَلامَةِ الِاسْتِقْبالِ في الإثْباتِ أوِ النَّفْيِ مَذْهَبٌ بَصْرِيٌّ، وهو ناظِرٌ إلى غالِبِ أحْوالِ اسْتِعْمالِ الحالِ، وجَوازُهُ مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ كَما ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ في الإنْصافِ، والحَقُّ في جانِبِ نُحاةِ الكُوفَةِ. وقَدْ تَلَقَّفَ المَذْهَبَ البَصْرِيَّ مُعْظَمُ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ وتَحَيَّرَ المُحَقِّقُونَ مِنهم في تَأْيِيدِهِ، فَلَجَأُوا إلى أنَّ عِلَّتَهُ اسْتِبْشاعُ الجَمْعِ بَيْنَ كَوْنِ الكَلِمَةِ حالًا وبَيْنَ اقْتِرانِها بِعَلامَةِ الِاسْتِقْبالِ. ونُبَيِّنُهُ بِأنَّ الحالَ ما سُمِّيَتْ حالًا إلّا لِأنَّ المُرادَ مِنها ثُبُوتُ وصْفٍ في الحالِ، وهَذا يُنافِي اقْتِرانَها

صفحة ١٤٨

بِعَلامَةِ الِاسْتِقْبالِ تَنافِيا في الجُمْلَةِ. هَذا بَيانُ ما وجَّهَ بِهِ الرَّضِيُّ مَذْهَبَ البَصْرِيِّينَ، وتَبِعَهُ التَّفْتَزانِيُّ في مَبْحَثِ الحالِ مِن شَرْحِهِ المُطَوَّلِ عَلى تَلْخِيصِ المِفْتاحِ. وفي مَبْحَثِ الِاسْتِفْهامِ بِ (هَلْ) مِنهُ. وقَدْ زَيَّفَ السَّيِّدُ الجُرْجانِيُّ في حاشِيَةِ المُطَوَّلِ ذَلِكَ التَّوْجِيهَ في مَبْحَثِ الحالِ تَزْيِيفًا رَشِيقًا.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ”سَيَهْدِينِ“ مُسْتَأْنَفَةً، وبِذَلِكَ أجابَ نُحاةُ البَصْرَةِ عَنْ تَمَسُّكِ نُحاةِ الكُوفَةِ بِالآيَةِ في جَوازِ اقْتِرانِ الحالِ بِعِلْمِ الِاسْتِقْبالِ، فالِاسْتِئْنافُ بَيانِيٌّ بَيانًا لِسَبَبِ هِجْرَتِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ بَقِيَّةُ قَوْلِهِ، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ أخْبَرَ أنَّهُ مُهاجِرٌ اسْتَشْعَرَ قِلَّةَ أهْلِهِ وعُقْمَ امْرَأتِهِ، وثارَ ذَلِكَ الخاطِرُ في نَفْسِهِ عِنْدَ إزْماعِ الرَّحِيلِ لِأنَّ الشُّعُورَ بِقِلَّةِ الأهْلِ عِنْدَ مُفارَقَةِ الأوْطانِ يَكُونُ أقْوى؛ لِأنَّ المَرْءَ إذا كانَ بَيْنَ قَوْمِهِ كانَ لَهُ بَعْضُ السُّلُوِّ بِوُجُودِ قَرابَتِهِ وأصْدِقائِهِ.

ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سَألَ النَّسْلَ ما جاءَ في سِفْرِ التَّكْوِينِ (الإصْحاحِ الخامِسِ عَشَرَ) ”وقالَ أبْرامُ: إنَّكَ لَمْ تُعْطِنِي نَسْلًا وهَذا ابْنُ بَيْتِي (بِمَعْنى مَوْلاهُ) وارِثٌ لِي (لِأنَّهم كانُوا إذا ماتَ عَنْ غَيْرِ نَسْلٍ ورِثَهُ مَوالِيهِ)“ . وكانَ عُمْرُ إبْراهِيمَ حِينَ خَرَجَ مِن بِلادِهِ نَحْوًا مِن سَبْعِينَ سَنَةً.

وقالَ في الكَشّافِ: لَفْظُ الهِبَةِ غَلَبَ في الوَلَدِ. لَعَلَّهُ يَعْنِي أنَّ هَذا اللَّفْظَ غَلَبَ في القُرْآنِ في الوَلَدِ، ولا أحْسَبُهُ غَلَبَ فِيهِ في كَلامِ العَرَبِ لِأنِّي لَمْ أقِفْ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ قَدْ جاءَ في الأخِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣] .

فَحَذَفَ مَفْعُولَ الفِعْلِ لِدَلالَةِ الفِعْلِ عَلَيْهِ.

ووَصَفَهُ بِأنَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ لِأنَّ نِعْمَةَ الوَلَدِ تَكُونُ أكْمَلَ إذا كانَ صالِحًا، فَإنَّ صَلاحَ الأبْناءِ قُرَّةُ عَيْنٍ لِلْآباءِ، ومِن صَلاحِهِمْ بِرُّهم بِوالِدَيْهِمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском