Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Sad 38:28–33
38:28Page 455
أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَٱلۡمُفۡسِدِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلۡمُتَّقِينَ كَٱلۡفُجَّارِ ٢٨
Or should We treat those who believe and do righteous deeds like corrupters in the land? Or should We treat those who fear Allāh like the wicked?
﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ (أمْ) مُنْقَطِعَةٌ أفادَتْ إضْرابًا انْتِقالِيًّا وهو ارْتِقاءٌ في الِاسْتِدْلالِ عَلى ثُبُوتِ البَعْثِ وبَيانٌ لِما هو مِن مُقْتَضى خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ بِالحَقِّ، بَعْدَ أنْ سِيقَ ذَلِكَ بِوَجْهِ الِاسْتِدْلالِ الجُمَلِيِّ، وقَدْ كانَ هَذا الِانْتِقالُ بِناءً عَلى ما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧] فَلِأجْلِ ذَلِكَ بُنِيَ عَلى اسْتِفْهامٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَ (أمْ) وهو مِن لَوازِمِ اسْتِعْمالِها، وهو اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ.
والمَعْنى: لَوِ انْتَفى البَعْثُ والجَزاءُ كَما تَزْعُمُونَ لاسْتَوَتْ عِنْدَ اللَّهِ أحْوالُ الصّالِحِينَ وأحْوالُ المُفْسِدِينَ.
والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ ”كالمُفْسِدِينَ“ لِلتَّسْوِيَةِ. والمَعْنى: إنْكارُ أنْ يَكُونُوا سَواءً في جَعْلِ اللَّهِ، أيْ إذا لَمْ يُجازِ كُلَّ فَرِيقٍ بِما يَسْتَحِقُّهُ عَلى عَمَلِهِ، فالمُشاهَدُ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا خِلافُ ذَلِكَ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الجَزاءُ في عالَمٍ آخَرَ وهو الَّذِي يُسْلَكُ لَهُ النّاسُ بَعْدَ البَعْثِ.
وقَدْ أُخِذَ في الِاسْتِدْلالِ جانِبُ المُساواةِ بَيْنَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وبَيْنَ المُفْسِدِينَ في الأرْضِ؛ لِأنَّهُ يُوجَدُ كَثِيرٌ مِنَ الفَرِيقَيْنِ مُتَساوِينَ في حالَةِ الحَياةِ الدُّنْيا في النِّعْمَةِ أوْ في التَّوَسُّطِ أوْ في البُؤْسِ والخَصاصَةِ، فَحالَةُ المُساواةِ كافِيَةٌ لِتَكُونَ مَناطَ الِاسْتِدْلالِ عَلى إبْطالِ ظَنِّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ حالَةٍ أُخْرى أوْلى
صفحة ٢٥٠
بِالدَّلالَةِ، وهي المُقابَلَةُ بَيْنَ فَرِيقِ المُفْسِدِينَ أُولِي النِّعْمَةِ وفَرِيقِ الصّالِحِينَ أُولِي البُؤْسِ، وعَنْ حالَةٍ دُونَ ذَلِكَ وهي فَرِيقُ المُفْسِدِينَ أصْحابِ البُؤْسِ والخَصاصَةِ وفَرِيقُ الصّالِحِينَ أُولِي النِّعْمَةِ لِأنَّها لا تَسْتَرْعِي خاطِرَ النّاظِرِ.
و(أمِ) الثّانِيَةُ مُنْقَطِعَةٌ أيْضًا ومَفادُها إضْرابُ انْتِقالٍ ثانٍ لِلِارْتِقاءِ في الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّ الحِكْمَةَ الرَّبّانِيَّةَ بِمُراعاةِ الحَقِّ وانْتِفاءِ الباطِلِ في الخَلْقِ تَقْتَضِي الجَزاءَ والبَعْثَ لِأجْلِهِ.
ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ (أمِ) الثّانِيَةُ: الإنْكارُ كالَّذِي اقْتَضَتْهُ (أمِ) الأُولى.
وهَذا الِارْتِقاءُ في الِاسْتِدْلالِ لِقَصْدِ زِيادَةِ التَّشْنِيعِ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ والجَزاءِ بِأنَّ ظَنَّهم ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ جَعَلَ اللَّهُ المُتَّقِينَ مُساوِينَ لِلْفُجّارِ في أحْوالِ وُجُودِ الفَرِيقَيْنِ، وتَقْرِيرُهِ مِثْلَ ما قَرَّرَ بِهِ الِاسْتِدْلالَ الأوَّلَ.
والمُتَّقُونَ: هُمُ الَّذِينَ كانَتِ التَّقْوى شِعارَهم. والتَّقْوى: مُلازَمَةُ اتِّباعِ المَأْمُوراتِ واجْتِنابِ المَنهِيّاتِ في الظّاهِرِ والباطِنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
والفُجّارُ: الَّذِينَ شِعارُهُمُ الفُجُورُ، وهو أشَدُّ المَعْصِيَةِ. والمُرادُ بِهِ: الكُفْرُ وأعْمالُهُ الَّتِي لا تُراقِبُ أصْحابُها التَّقْوى كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٤٢]، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلٌ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٍ ألِيمٍ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٤] ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً﴾ [يونس: ٥] إلى قَوْلِهِ ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ﴾ [يونس: ٥] .
والمَقْصُودُ مِن هَذا الإطْنابِ زِيادَةُ التَّهْوِيلِ والتَّفْظِيعِ عَلى الَّذِينَ ظَنُّوا ظَنًّا يُفْضِي إلى أنَّ اللَّهَ خَلَقَ شَيْئًا مِنَ السَّماءِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما باطِلًا، فَإنَّ في الِانْتِقالِ مِن دَلالَةِ الأضْعَفِ إلى دَلالَةِ الأقْوى وفي تَكْرِيرِ أداةِ الإنْكارِ شَأْنًا عَظِيمًا مِن فَضْحِ أمْرِ الضّالِّينَ.
38:29Page 455
كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ مُبَٰرَكٞ لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢٩
[This is] a blessed Book which We have revealed to you, [O Muḥammad], that they might reflect upon its verses and that those of understanding would be reminded.
صفحة ٢٥١
﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الألْبابِ﴾ عَقِبَ الإمْعانِ في تَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ وتَجْهِيلِهِمْ عَلى إعْراضِهِمْ عَنِ التَّدَبُّرِ بِحِكْمَةِ الجَزاءِ ويَوْمِ الحِسابِ عَلَيْهِ والِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ، أعْرَضَ اللَّهُ عَنْ خِطابِهِمْ ووَجَّهَ الخِطابَ إلى النَّبِيءِ ﷺ بِالثَّناءِ عَلى الكِتابِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ، وكانَ هَذا القُرْآنُ قَدْ بَيَّنَ لَهم ما فِيهِ لَهم مَقْنَعٌ، وحِجاجًا هو لِشُبُهاتِهِمْ مَقْلَعٌ، وأنَّهُ إنْ حَرَمَ المُشْرِكُونَ أنْفُسَهَمْ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ فَقَدِ انْتَفَعَ بِهِ أُولُو الألْبابِ وهُمُ المُؤْمِنُونَ. وفي ذَلِكَ إدْماجُ الِاعْتِزازِ بِهَذا الكِتابِ لِمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ ولِمَن تَمَسَّكَ بِهِ واهْتَدى بِهَدْيهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ. وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى عَقِبَ ذِكْرِ خَلْقِ الشَّمْسِ والقَمَرِ ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ﴾ [يونس: ٥] نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ.
والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُعْتَرِضٌ، وفي هَذا الِاسْتِئْنافِ نَظَرٌ إلى قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] إعادَةً لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ كَما سَيُعادُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ”هَذا ذِكْرٌ“ .
فَقَوْلُهُ ”كِتابٌ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: هَذا كِتابٌ، وجُمْلَةُ ”أنْزَلْناهُ“ صِفَةُ ”كِتابٌ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وجُمْلَةُ ”أنْزَلْناهُ“ صِفَةَ ”كِتابٌ“ و”مُبارَكٌ“ خَبَرًا عَنْ ”كِتابٌ“ .
وتَنْكِيرُ ”كِتابٌ“ لِلتَّعْظِيمِ، لِأنَّ الكِتابَ مَعْلُومٌ فَما كانَ تَنْكِيرُهُ إلّا لِتَعْظِيمِ شَأْنِهِ، وهو مُبْتَدَأٌ سَوَّغَ الِابْتِداءَ بِهِ وصْفُهُ بِجُمْلَةِ ”أنْزَلْناهُ“ و”مُبارَكٌ“ هو الخَبَرُ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ ما في التَّنْكِيرِ مِن مَعْنى التَّعْظِيمِ مُسَوِّغًا لِلِابْتِداءِ وتَجْعَلَ جُمْلَةَ ”أنْزَلْناهُ“ خَبَرًا أوَّلَ، و”مُبارَكٌ“ خَبَرًا ثانِيًا، و”لِيَدَّبَّرُوا“ مُتَعَلِّقًا بِ ”أنْزَلْناهُ“، ولَكِنْ لا يُجْعَلُ ”كِتابٌ“ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وتُقَدِّرُهُ: هَذا كِتابٌ، إذْ لَيْسَ هَذا بِمَحَزٍّ كَبِيرٍ مِنَ البَلاغَةِ.
والمُبارَكُ: المُنْبَثَّةُ فِيهِ البَرَكَةُ وهي الخَيْرُ الكَثِيرُ، وكُلُّ آياتِ القُرْآنِ مُبارَكٌ فِيها لِأنَّها: إمّا مُرْشِدَةٌ إلى خَيْرٍ، وإمّا صارِفَةٌ عَنْ شَرٍّ وفَسادٍ، وذَلِكَ سَبَبُ الخَيْرِ في العاجِلِ والآجِلِ ولا بَرَكَةَ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ.
صفحة ٢٥٢
والتَّدَبُّرُ: التَّفَكُّرُ والتَّأمُّلُ الَّذِي يَبْلُغُ بِهِ صاحِبُهُ مَعْرِفَةَ المُرادِ مِنَ المَعانِي، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ في كَلامٍ قَلِيلِ اللَّفْظِ كَثِيرِ المَعانِي الَّتِي أُودِعَتْ فِيهِ بِحَيْثُ كُلَّما ازْدادَ المُتَدَبِّرُ تَدَبُّرًا انْكَشَفَ لَهُ مَعانٍ لَمْ تَكُنْ بادِيَةً لَهُ بادِئَ النَّظَرِ. وأقْرَبُ مَثَلٍ لِلتَّدَبُّرِ هُنا هو ما مَرَّ آنِفًا مِن مَعانِي قَوْلِهِ تَعالى وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا إلى قَوْلِهِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢] في سُورَةِ النِّساءِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”﴿لِيَدَّبَّرُوا﴾“ بِياءِ الغَيْبَةِ وتَشْدِيدِ الدّالِّ.
وأصْلُ ”يَدَّبَّرُوا“ يَتَدَبَّرُوا، فَقُلِبَتِ التّاءُ دالًّا لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما لِيَتَأتّى الإدْغامُ لِتَخْفِيفِهِ وهو صِيغَةُ تُكَلُّفٍ مُشْتَقَّةٌ مِن فِعْلِ: دَبَرَ بِوَزْنِ ضَرَبَ، إذا تَبِعَ، فَتَدَبَّرَهُ بِمَنزِلَةِ تَتَبَّعَهُ، ومَعْناهُ: أنَّهُ يَتَعَقَّبُ ظَواهِرَ الألْفاظِ لِيَعْلَمَ ما يَدْبِرُ ظَواهِرُها مِنَ المَعانِي المَكْنُونَةِ والتَّأْوِيلاتِ اللّائِقَةِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ”لِتَدَبَّرُوا“ بِتاءِ الخِطابِ وتَخْفِيفِ الدّالِّ، وأصْلُها: لِتَتَدَبَّرُوا فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ اخْتِصارًا، والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ - ومَن مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ.
والتَّذَكُّرُ: اسْتِحْضارُ الذِّهْنِ ما كانَ يَعْلَمُهُ وهو صادِقٌ بِاسْتِحْضارِ ما هو مَنسِيٌّ وبِاسْتِحْضارِ ما الشَّأْنُ أنْ لا يُغْفَلَ عَنْهُ وهو ما يَهِمُّ العِلْمَ بِهِ، فَجَعَلَ القُرْآنَ لِلنّاسِ لِيَتَدَبَّرُوا مَعانِيَهُ ويَكْشِفُوا عَنْ غَوامِضِهِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ، فَإنَّهم عَلى تَعاقُبِ طَبَقاتِ العُلَماءِ بِهِ لا يَصِلُونَ إلى نِهايَةٍ مِن مَكْنُونِهِ ولِتَذَكُّرِهِمُ الآيَةَ بِنَظِيرِها وما يُقارِبُها، ولِيَتَذَكَّرُوا ما هو مَوْعِظَةٌ لَهم ومُوقِظٌ مِن غَفَلاتِهِمْ.
وضَمِيرُ ”يَدَّبَّرُوا“ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ عائِدٌ إلى ”أُولُو الألْبابِ“ عَلى طَرِيقَةِ الإضْمارِ لِلْفِعْلِ المُهْمَلِ عَنِ العَمَلِ في التَّنازُعِ، والتَّقْدِيرُ: لِيَدَّبَّرَ أُولُو الألْبابِ آياتِهِ ويَتَذَكَّرُوا، وأمّا عَلى قِراءَةِ أبِي جَعْفَرٍ فَإسْنادُ ”يَتَذَكَّرَ“ إلى أُولُو الألْبابِ اكْتِفاءٌ عَنْ وصْفِ المُتَدَبِّرِينَ بِأنَّهم أُولُو الألْبابِ لِأنَّ التَّدَبُّرَ مُفْضٍ إلى التَّذْكِيرِ. والتَّذَكُّرُ مِن آثارِ التَّدَبُّرِ، فَوَصْفُ فاعِلِ أحَدِ الفِعْلَيْنِ يُغْنِي عَنْ وصْفِ فاعِلِ الفِعْلِ الآخَرِ.
صفحة ٢٥٣
وأُولُو الألْبابِ: أهْلُ العُقُولِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ الَّذِينَ لَمْ يَتَذَكَّرُوا بِالقُرْآنِ لَيْسُوا مَن أهَّلِ العُقُولِ، وأنَّ التَّذَكُّرَ مِن شَأْنِ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ، فَهم مِمَّنْ تَدَبَّرُوا آياتِهِ فاسْتَنْبَطُوا مِنَ المَعانِي ما لَمْ يَعْلَمُوا، ومَن قَرَأهُ فَتَذَكَّرَ بِهِ ما كانَ عَلِمَهُ وتَذَكَّرَ بِهِ حَقًّا كانَ عَلَيْهِ أنْ يَرْعاهُ، والكافِرُونَ أعْرَضُوا عَنِ التَّدَبُّرِ فَلا جَرَمَ فاتَهُمُ التَّذَكُّرُ.
38:30Page 455
وَوَهَبۡنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيۡمَٰنَۚ نِعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ٣٠
And to David We gave Solomon. An excellent servant, indeed he was one repeatedly turning back [to Allāh].
﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ جُعِلَ التَّخَلُّصُ إلى مَناقِبِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن جِهَةِ أنَّهُ مِن مِنَنِ اللَّهِ عَلى داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَكانَتْ قِصَّةُ سُلَيْمانَ كالتَّكْمِلَةِ لِقِصَّةِ داوُدَ. ولَمْ يَكُنْ لِحالِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - شَبَهٌ بِحالِ مُحَمَّدٍ ﷺ -، فَلِذَلِكَ جَزَمْنا بِأنْ لَمْ يَكُنْ ذِكْرُ قِصَّتِهِ هُنا مِثالًا لِحالِ مُحَمَّدٍ ﷺ وبِأنَّها إتْمامٌ لِما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلى داوُدَ إذْ أعْطاهُ سُلَيْمانَ ابْنًا بَهْجَةً لَهُ في حَياتِهِ ووِرْثِ مُلْكِهِ بَعْدَ مَماتِهِ، كَما أنْبَأ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ﴾ الآيَةَ.
ولِهَذِهِ النُّكْتَةِ لَمْ تُفْتَتَحْ قِصَّةُ سُلَيْمانَ بِعِبارَةِ: واذْكُرْ، كَما افْتُتِحَتْ قِصَّةُ داوُدَ ثُمَّ قِصَّةُ أيْوبَ، والقَصَصُ بَعْدَها مُفَصَّلُها ومُجْمَلُها غَيْرَ أنَّها لَمْ تَخْلُ مِن مَواضِعِ أُسْوَةٍ وعِبْرَةٍ وتَحْذِيرٍ عَلى عادَةِ القُرْآنِ مِنِ افْتِراضِ الإرْشادِ.
ومِن حُسْنِ المُناسِبَةِ لِذِكْرِ مَوْهِبَةِ سُلَيْمانَ أنَّهُ وُلِدَ لِداوُدَ مِنَ المَرْأةِ الَّتِي عُوتِبَ داوُدُ لِأجْلِ اسْتِنْزالِ زَوْجِها أُورَيا عَنْها كَما تَقَدَّمَ، فَكانَتْ مَوْهِبَةُ سُلَيْمانَ لِداوُدَ مِنها مَكْرَمَةً عَظِيمَةً هي أثَرُ مَغْفِرَةِ اللَّهِ لِداوُدَ تِلْكَ المُخالَفَةَ الَّتِي يَقْتَضِي قَدَرُهُ تَجَنُّبَها وإنْ كانَتْ مُباحَةً، وتَحَقُّقُهُ لِتَعْقِيبِ الأخْبارِ عَنِ المَغْفِرَةِ لَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥] فَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَوَهَبَ لَهُ مِن تِلْكَ الزَّوْجَةِ نَبِيئًا ومَلِكًا عَظِيمًا.
فَجُمْلَةُ ﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ وما بَعْدَها مِنَ الجُمَلِ.
وجُمْلَةُ ”نِعْمَ العَبْدُ“ في مَوْضِعِ الحالِ مِن سُلَيْمانَ وهي ثَناءٌ عَلَيْهِ ومَدْحٌ لَهُ مِن جُمْلَةِ مَنِ اسْتَحَقُّوا عُنْوانَ العَبْدِ لِلَّهِ، وهو العُنْوانُ المَقْصُودُ مِنهُ التَّقْرِيبُ بِالقَرِينَةِ
صفحة ٢٥٤
كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠] ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١] في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ سُلَيْمانَ والتَّقْدِيرُ: نِعْمَ العَبْدُ سُلَيْمانُ.
وجُمْلَةُ ”إنَّهُ أوّابٌ“ تَعْلِيلٌ لِلثَّناءِ عَلَيْهِ بِ ”نِعْمَ العَبْدُ“، والأوّابُ: مُبالَغَةٌ في الآيِبِ أيْ كَثِيرِ الأوْبِ، أيِ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ بِقَرِينَةِ أنَّهُ مادِحُهُ. والمُرادُ مِنَ الأوْبِ إلى اللَّهِ: الأوْبُ إلى أمْرِهِ ونَهْيِهِ، أيْ إذا حَصَلَ لَهُ ما يُبْعِدُهُ عَنْ ذَلِكَ تَذَكَّرَ فَآبَ، أيْ فَتابَ، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ آنِفًا في ذِكْرِ داوُدَ.
38:31–33Page 455
إِذۡ عُرِضَ عَلَيۡهِ بِٱلۡعَشِيِّ ٱلصَّٰفِنَٰتُ ٱلۡجِيَادُ ٣١
[Mention] when there were exhibited before him in the afternoon the poised [standing] racehorses.
فَقَالَ إِنِّيٓ أَحۡبَبۡتُ حُبَّ ٱلۡخَيۡرِ عَن ذِكۡرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتۡ بِٱلۡحِجَابِ ٣٢
And he said, "Indeed, I gave preference to the love of good [things] over the remembrance of my Lord until it [i.e., the sun] disappeared into the curtain [of darkness]."
رُدُّوهَا عَلَيَّۖ فَطَفِقَ مَسۡحَۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلۡأَعۡنَاقِ ٣٣
[He said], "Return them to me," and set about striking1 [their] legs and necks.
﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصّافِناتُ الجِيادُ﴾ ﴿فَقالَ إنِّيَ أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ ﴿رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ يَتَعَلَّقُ ”إذْ عُرِضَ“ بِ ”أوّابٌ“ . وتَعْلِيقُ هَذا الظَّرْفِ بِ ”أوّابٌ“ تَعْلِيقُ تَعْلِيلٍ لِأنَّ الظُّرُوفَ يُرادُ مِنها التَّعْلِيلُ كَثِيرًا لِظُهُورِ أنْ لَيْسَ المُرادُ أنَّهُ أوّابٌ في هَذِهِ القِصَّةِ فَقَطْ لِأنَّ صِيغَةَ أوّابٍ تَقْتَضِي المُبالَغَةَ. والأصْلُ مِنها الكَثْرَةُ فَتَعَيَّنَ أنَّ ذِكْرَ قِصَّةٍ مِن حَوادِثِ أوْبَتِهِ كانَ لِأنَّها يَنْجَلِي فِيها عِظَمُ أوْبَتِهِ.
والعَرْضُ: الإمْرارُ والإحْضارُ أمامَ الرّائِي، أيْ عَرَضَ سُواسَ خَيْلِهِ إيّاها عَلَيْهِ.
والعَشِيُّ: مِنَ العَصْرِ إلى الغُرُوبِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ”بِالغَداةِ والعَشِيِّ“ في سُورَةِ الأنْعامِ. وذَلِكَ وقْتُ افْتِقادِ الخَيْلِ والماشِيَةِ بَعْدَ رَواحِها مِن مَراعِيها ومَراتِعِها. وذِكْرُ العَشِيِّ هُنا لَيْسَ لِمُجَرَّدِ التَّوْقِيتِ بَلْ لِيُبْنى عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾، فَلَيْسَ ذِكْرُ العَشِيِّ في وقْعِ هَذِهِ الآيَةِ كَوَقْعِهِ في قَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:
مُلُوكٌ مِن بَنِي جُشَمِ بْنِ بَكْرٍ يُساقُونَ العَشِيَّةَ يُقْتَلُونا
صفحة ٢٥٥
والصّافِناتُ: وصْفٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ اسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِهِ لِدَلالَةِ الصِّفَةِ عَلَيْهِ لِأنَّ الصّافِنَ لا يَكُونُ إلّا مِنَ الخَيْلِ والأفْراسِ وهو الَّذِي يَقِفُ عَلى ثَلاثِ قَوائِمَ وطَرْفِ حافِرِ القائِمَةِ الرّابِعَةِ لا يُمَكِّنُ القائِمَةَ الرّابِعَةَ مِنَ الأرْضِ، وتِلْكَ مِن عَلاماتِ خِفَّتِهِ الدّالَّةِ عَلى كَرَمِ أصْلِ الفَرَسِ وحُسْنِ خِلالَهِ، يُقالُ: صَفَنَ الفُرَسُ صُفُونًا، وأنْشَدَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ والزَّجّاجُ في صِفَةِ الفَرَسِ:
ألِفَ الصُّفُونَ فَلا يَزالُ كَأنَّهُ ∗∗∗ مِمّا يَقُومُ عَلى الثَّلاثِ كَسِيرًا
الجِيادُ: جَمْعُ جَوادٍ بِفَتْحِ الواوِ وهو الفَرَسُ ذُو الجَوْدَةِ، أيِ النَّفاسَةِ، وكانَ سُلَيْمانُ مُولَعًا بِالإكْثارِ مِنَ الخَيْلِ والفَرَسانِ، فَكانَتْ خَيْلُهُ تُعَدُّ بِالآلافِ.
وأصْلُ تَرْكِيبِ أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ أحْبَبْتُ الخَيْرَ حُبًّا، فَحَوَّلَ التَّرْكِيبَ إلى أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ فَصارَ ”حُبَّ الخَيْرِ“ تَمْيِيزًا لِإسْنادِ نِسْبَةِ المَحَبَّةِ إلى نَفْسِهِ لِغَرَضِ الإجْمالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ كَقَوْلِهِ تَعالى وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا وقَوْلِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
أكْرِمْ بِها خَلَّةً
وقَوْلِهِمْ: لِلَّهِ دَرُّهُ فارِسًا.
وضَمَّنَ ”أحْبَبْتُ“ مَعْنى عَوَّضْتُ، فَعُدِّيَ بِ (عَنْ) في قَوْلِهِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي فَصارَ المَعْنى: أحْبَبْتُ الخَيْرَ حُبًّا فَجاوَزْتُ ذِكْرَ رَبِّي.
والمُرادُ بِذِكْرِ الرَّبِّ الصَّلاةُ، فَلَعَلَّها صَلاةٌ كانَ رَتَّبَها لِنَفْسِهِ لِأنَّ وقْتَ العَشِيِّ لَيْسَتْ فِيهِ صَلاةٌ مَفْرُوضَةٌ في شَرِيعَةِ مُوسى إلّا المَغْرِبُ.
والخَيْرُ: المالُ النَّفِيسُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]، والخَيْلُ مِنَ المالِ النَّفِيسِ. وقالَ الفَرّاءُ: الخَيْرُ بِالرّاءِ مِن أسْماءِ الخَيْلِ. والعَرَبُ تَعاقَبَتْ بَيْنَ اللّامِ والرّاءِ كَما يَقُولُونَ: انْهَمَلَتِ العَيْنُ وانْهَمَرَتْ. وخَتَلَ وخَتَرَ إذا خَدَعَ.
صفحة ٢٥٦
وقُلْتُ: إنَّ العَرَبَ مِن عادَتِهِمُ التَّفاؤُلُ، ولَهم بِالخَيْلِ عِنايَةٌ عَظِيمَةٌ حَتّى وصَفُوا شِياتِها وزَعَمُوا دَلالَتَها عَلى بَخْتٍ أوْ نَحْسٍ، فَلَعَلَّهم سَمَّوْها الخَيْرَ تَفاؤُلًا لِتَتَمَحَّضَ لِلسَّعْدِ والبَخْتِ.
وضَمِيرُ ”تَوارَتْ“ لِلشَّمْسِ بِقَرِينَةِ ذِكْرِ العَشِيِّ وحَرْفِ الغايَةِ ولَفْظِ الحِجابِ، عَلى أنَّ الإضْمارَ لِلشَّمْسِ في ذِكْرِ الأوْقاتِ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ. كَما قالَ لَبِيدٌ:
حَتّى إذا ألْقَتْ يَدًا في كافِرٍ ∗∗∗ وأجَنَّ عَوْراتِ الثُّغُورِ ظَلامُها
أيْ ألْقَتِ الشَّمْسُ يَدَها في الظُّلْمَةِ، أيْ ألْقَتْ نَفْسَها فَهو مِنَ التَّعْبِيرِ عَنِ الذّاتِ بِبَعْضِ أعْضائِها.
والتَّوارِي: الِاخْتِفاءُ، والحِجابُ: السَّتْرُ في البَيْتِ الَّذِي تَحْتَجِبُ وراءَهُ المَرْأةُ وغَيْرُها، ومِنهُ قَوْلُ أنَسِ بْنِ مالِكٍ ”فَأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الحِجابِ“ .
والكَلامُ تَمْثِيلٌ لِحالَةِ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِتَوارِي المَرْأةِ وراءَ الحِجابِ، وكُلٌّ مِن أجْزاءِ هَذِهِ التَّمْثِيلِيَّةِ مُسْتَعارٌ؛ فَلِلشَّمْسِ اسْتُعِيرَتِ المَرْأةُ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ، ولِاخْتِفائِها عَنِ الأنْظارِ اسْتُعِيرَ التَّوارِي، ولِأُفُقِ غُرُوبِ الشَّمْسِ اسْتُعِيرَ الحِجابُ.
والمَعْنى: عُرِضَتْ عَلَيْهِ خَيْلُهُ الصّافِناتُ الجِيادُ فاشْتَغَلَ بِأحْوالِها حُبًّا فِيها حَتّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَفاتَتْهُ صَلاةٌ كانَ يُصَلِّيها في المَساءِ قَبْلَ الغُرُوبِ، فَقالَ عَقِبَ عَرْضِ الخَيْلِ وقَدِ انْصَرَفَتْ: إنِّي أحْبَبْتُ الخَيْلَ فَغَفَلْتُ عَنْ صَلاتِي لِلَّهِ.
وكَلامُهُ هَذا خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحَسُّرِ كَقَوْلِ أُمِّ مَرْيَمَ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى.
والخِطابُ في قَوْلِهِ ”رُدُّوها عَلَيَّ“ لِسَواسِ خَيْلِهِ. والضَّمِيرُ المَنصُوبُ عائِدٌ إلى الخَيْلِ بِالقَرِينَةِ، أيْ أرْجِعُوا الخَيْلَ إلَيَّ، وقِيلَ: هو عائِدٌ إلى الشَّمْسِ والخِطابُ لِلْمَلائِكَةِ، وهَذا في غايَةِ البُعْدِ، ولَوْلا كَثْرَةُ ذِكْرِهِ في كُتُبِ المُفَسِّرِينَ لَكانَ الأوْلى بِنا عَدَمَ التَّعَرُّضِ لَهُ. وأحْسَنُ مِنهُ عَلى هَذا الِاعْتِبارِ في مَعادِ ضَمِيرِ الغَيْبَةِ أنْ يَكُونَ الأمْرُ مُسْتَعْمَلًا في التَّعْجِيزِ، أيْ هَلْ تَسْتَطِيعُونَ أنْ تَرُدُّوا الشَّمْسَ بَعْدَ غُرُوبِها، كَقَوْلِ مُهَلْهَلٍ:
صفحة ٢٥٧
يا لِبَكْرٍ أنْشِرُوا لِي كُلَيْبًا
وقَوْلِ الحارِثِ الضَّبِّيِّ أحَدِ أصْحابِ الجَمَلِ:
رُدُّوا عَلَيْنا شَيْخَنا ثُمَّ بَجَّلَ
يُرِيدُ: عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَلا اسْتِبْعادَ في هَذا المَحْمَلِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ ”فَطَفِقَ“ تَعْقِيبِيَّةٌ، وطَفِقَ مِن أفْعالِ الشُّرُوعِ، أيْ فَشَرَعَ.
و”مَسْحًا“ مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الفِعْلِ، أيْ طَفِقَ يَمْسَحُ مَسْحًا. وحَرْفُ التَّعْرِيفِ في بِالسُّوقِ والأعْناقِ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ بِسُوقِها وأعْناقِها كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤١] .
والمَسْحُ حَقِيقَتُهُ: إمْرارُ اليَدِ عَلى الشَّيْءِ لِإزالَةِ ما عَلَيْهِ مِن غَبَشٍ أوْ ماءٍ أوْ غُبارٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُرادُ بَقاؤُهُ عَلى الشَّيْءِ ويَكُونُ بِاليَدِ وبِخِرْقَةٍ أوْ ثَوْبٍ، وقَدْ يُطْلَقُ المَسْحُ مَجازًا عَلى مَعانٍ مِنها: الضَّرْبُ بِالسَّيْفِ يُقالُ: مَسَحَهُ بِالسَّيْفِ. ويُقالُ: مَسَحَ السَّيْفَ بِهِ. ولَعَلَّ أصْلَهُ كِنايَةٌ عَنِ القَتْلِ بِالسَّيْفِ لِأنَّ السَّيْفَ يُمْسَحُ عَنْهُ الدَّمُ بَعْدَ الضَّرْبِ بِهِ.
والسُّوقُ: جَمْعُ ساقٍ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِواوٍ ساكِنَةٍ وبِوَزْنِ فُعْلٍ مِثْلَ: دارَ ودُورٍ، ووَزْنُ فُعْلٍ في جَمْعِ مِثْلِهِ قَلِيلٌ. وقَرَأهُ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ”السُّؤْقِ“ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ السِّينِ جَمْعُ: سَأْقٍ بِهَمْزَةٍ بَعْدَ السِّينِ وهي لُغَةٌ في ساقَ.
والأعْناقُ: جَمْعُ عُنُقٍ وهو الرَّقَبَةُ.
والباءُ في ”﴿بِالسُّوقِ﴾“ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ تَأْكِيدِ اتِّصالِ الفِعْلِ بِمَفْعُولِهِ كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وفي قَوْلِ النّابِغَةِ:
لَكَ الخَيْرُ إنْ وارَتْ بِكَ الأرْضُ واحِدًا ∗∗∗ وأصْبَحَ جَدُّ النّاسِ يَضْلَعُ عاثِرا
وقَدْ تَرَدَّدَ المُفَسِّرُونَ في المَعْنى الَّذِي عُنِيَ بِقَوْلِهِ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والزُّهْرِيِّ وابْنِ كَيْسانَ وقُطْرُبٍ: طَفِقَ يَمْسَحُ أعْرافَ الخَيْلِ وسُوقَها بِيَدِهِ حُبًّا لَها. وهَذا هو الجارِي عَلى المُناسِبِ لِمَقامِ نَبِيءٍ والأوْفَقِ بِحَقِيقَةِ
صفحة ٢٥٨
المَسْحِ، ولَكِنَّهُ يَقْتَضِي إجْراءَ تَرْتِيبِ الجُمَلِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ بِأنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصّافِناتُ﴾ أيْ بَعْدَ أنِ اسْتَعْرَضَها وانْصَرَفُوا بِها لِتَأْوِيَ إلى مَذاوِدِها قالَ: رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ إكْرامًا لَها ولِحُبِّها. ويُجْعَلُ قَوْلُهُ ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ مُعْتَرِضًا بَيْنَهُما، وإنَّما قُدِّمَ لِلتَّعْجِيلِ بِذِكْرِ نَدَمِهِ عَلى تَفْرِيطِهِ في ذِكْرِ اللَّهِ في بَعْضِ أوْقاتِ ذِكْرِهِ، أيْ أنَّهُ لَمْ يَسْتَغْرِقْ في الذُّهُولِ بَلْ بادَرَ الذِّكْرى بِمُجَرَّدِ فَواتِ وقْتِ الذِّكْرِ الَّذِي اعْتادَهُ، إذْ لا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ﴾ إلَخْ مِن آثارِ نَدَمِهِ وتَحَسُّرِهِ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ، وهَذا يُفِيدُ أنَّ فَواتَ وقْتِ ذِكْرِهِ نَشَأ عَنْ ذَلِكَ الرَّدِّ الَّذِي أمَرَ بِهِ بِقَوْلِهِ ”﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾“ فَإنَّهُمُ اعْتادُوا أنْ يَعْرِضُوها عَلَيْهِ ويَنْصَرِفُوا وقَدْ بَقِيَ ما يَكْفِي مِنَ الوَقْتِ لِلذِّكْرِ، فَلَمّا حَمَلَتْهُ بَهْجَتُهُ بِها عَلى أنْ أمَرَ بِإرْجاعِها واشْتَغَلَ بِمَسْحِ أعْناقِها وسُوقِها خَرَجَ وقْتُ ذِكْرِهِ فَتَنَدَّمَ وتَحَسَّرَ.
وعَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ ومالِكِ بْنِ أنَسٍ في رِوايَةِ ابْنِ وهْبٍ والفَرّاءِ وثَعْلَبٍ: أنَّ سُلَيْمانَ لَمّا نَدِمَ عَلى اشْتِغالِهِ بِالخَيْلِ حَتّى أضاعَ ذِكْرَ اللَّهِ في وقْتٍ كانَ يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهِ أمَرَ أنْ تُرَدَّ عَلَيْهِ الخَيْلُ الَّتِي شَغَلَتْهُ فَجَعَلَ يُعَرْقِبُ سُوقَها ويَقْطَعُ أعْناقَها لِحِرْمانِ نَفْسِهِ مِنها مَعَ مَحَبَّتِهِ إيّاها تَوْبَةً مِنهُ وتَرْبِيَةً لِنَفْسِهِ. واسْتَشْعَرُوا أنَّ هَذا فَسادٌ في الأرْضِ وإضاعَةٌ لِلْمالِ فَأجابُوا: بِأنَّهُ أرادَ ذَبْحَها لِيَأْكُلَ الفُقَراءُ لِأنَّ أكْلَ الخَيْلِ مُباحٌ عِنْدَهم وبِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ذَبْحُها فَسادًا في الأرْضِ.
وتَجَنَّبَ بَعْضُهم هَذا الوَجْهَ وجَعَلَ المَسْحَ مُسْتَعارًا لِلتَّوْسِيمِ بِسِمَةِ الخَيْلِ المَوْقُوفَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ بِكَيِّ نارٍ أوْ كَشْطِ جِلْدٍ لِأنَّ ذَلِكَ يُزِيلُ الجِلْدَةَ الرَّقِيقَةَ الَّتِي عَلى ظاهِرِ الجِلْدِ، فَشُبِّهَتْ تِلْكَ الإزالَةُ بِإزالَةِ المَسْحِ ما عَلى ظَهْرِ المَمْسُوحِ مِن مُلْتَصِقٍ بِهِ، وهَذا أسْلَمُ عَنِ الِاعْتِراضِ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ وهو مَعْزُوٌّ لِبَعْضِ المُفَسِّرِينَ في أحْكامِ القُرْآنِ لِابْنِ العَرَبِيِّ. وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: إنَّهُ وهَمَ. وهَذِهِ طَرِيقَةٌ جَلِيلَةٌ مِن طَرائِقِ تَرْبِيَةِ النَّفْسِ ومَظاهِرِ كَمالِ التَّوْبَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما كانَ سَبَبًا في الهَفْوَةِ.
وعَلى هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ يَكُونُ قَوْلُهُ ”فَطَفِقَ“ تَعْقِيبًا عَلى ”رُدُّوها عَلَيَّ“ وعَلى مَحْذُوفٍ بَعْدَهُ. والتَّقْدِيرُ: فَرَدُّوها عَلَيْهِ فَطَفِقَ، كَقَوْلِهِ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ
صفحة ٢٥٩
فانْفَلَقَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ”رُدُّوها عَلَيَّ“ مِن مَقُولِ ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ﴾ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences