Ibn 'AshurSad · 38:41–47

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Sad 38:41–47

38:41–42Page 455

وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَآ أَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بِنُصۡبٖ وَعَذَابٍ ٤١

And remember Our servant Job, when he called to his Lord, "Indeed, Satan has touched me with hardship and torment."

ٱرۡكُضۡ بِرِجۡلِكَۖ هَٰذَا مُغۡتَسَلُۢ بَارِدٞ وَشَرَابٞ ٤٢

[So he was told], "Strike [the ground] with your foot; this is a [spring for a] cool bath and drink."

﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ هَذا مَثَلٌ ثانٍ ذُكِّرَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ أُسْوَةً بِهِ في الصَّبْرِ عَلى أذى قَوْمِهِ والِالتِجاءِ إلى اللَّهِ في كَشْفِ الضُّرِّ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ ولِكَوْنِهِ مَقْصُودًا بِالمَثَلِ أُعِيدَ مَعَهُ فِعْلُ اذْكُرْ كَما نَبَّهْنا عَلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ [ص: ١٧] وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ صَدْرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.

وتَرْجَمَةُ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَقَدَّمَتْ في سُورَةِ الأنْعامِ.

وإذْ كانَتْ تَعْدِيَةُ فِعْلِ اذْكُرْ إلى اسْمِ أيُّوبَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ لِأنَّ المَقْصُودَ تَذَكُّرُ الحالَةِ الخاصَّةِ بِهِ كانَ قَوْلُهُ ”إذْ نادى رَبَّهُ“ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن أيُّوبَ لِأنَّ زَمَنَ نِدائِهِ رَبَّهُ مِمّا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ أحْوالُ أيُّوبَ. وخُصَّ هَذا الحالُ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ أحْوالِهِ لِأنَّهُ مَظْهَرُ تَوَكُّلِهِ عَلى اللَّهِ واسْتِجابَةِ اللَّهِ دُعاءَهُ بِكَشْفِ الضُّرِّ عَنْهُ.

والنِّداءُ: نِداءُ دُعاءٍ لِأنَّ الدُّعاءَ يُفْتَتَحُ بِـ: يا رَبِّ، ونَحْوِهِ.

و﴿أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ: نادى بِحَذْفِ الباءِ المَحْذُوفَةِ مَعَ أنَّ، أيْ: نادى: بِأنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ، وهو في الأصْلِ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ نادى رَبَّهُ ولَوْلا وُجُودِ أنَّ المَفْتُوحَةَ الَّتِي تُصَيِّرُ الجُمْلَةَ في مَوْقِعِ المُفْرَدِ لَكانَتْ جُمْلَةً مُبَيِّنَةً لِجُمْلَةِ نادى، ولَما احْتاجَتْ إلى تَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ لِيَتَعَدّى إلَيْها فِعْلُ نادى وخاصَّةً حَيْثُ خَلَتِ الجُمْلَةُ مِن حَرْفِ نِداءٍ. فَقَوْلُهم: إنَّها مَجْرُورَةٌ بِباءٍ مُقَدَّرَةٍ

صفحة ٢٦٩

جَرى عَلى اعْتِباراتِ الإعْرابِ تَفْرِقَةً بَيْنَ مَوْقِعِ أنَّ المَفْتُوحَةِ ومَوْقِعِ إنَّ المَكْسُورَةَ ولِهَذا الفَرْقُ بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ اطَّرَدَ وجْها فَتْحِ الهَمْزَةِ وكَسْرِها في نَحْوِ خَيْرُ القَوْلِ أنِّيَ أحْمَدُ.

وقَدْ ذَكَرْنا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] في سُورَةِ الأنْفالِ رَأيْنا في كَوْنِ أنَّ المَفْتُوحَةَ الهَمْزَةِ المُشَدَّدَةِ النُّونِ مُرَكَّبَةً مِن أنِ التَّفْسِيرِيَّةِ وأنَّ النّاسِخَةِ.

والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في الدُّعاءِ والشِّكايَةِ، كَقَوْلِهِ ﴿رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ [آل عمران: ٣٦] وقَدْ قالَ في آيَةِ سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣] .

والنُّصْبُ، بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ: المَشَقَّةُ والتَّعَبُ، وهي لُغَةٌ في نَصَبٍ بِفَتْحَتَيْنِ، وتَقَدَّمَ النَّصَبُ في سُورَةِ الكَهْفِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ”بِنُصُبٍ“ بِضَمِّ الصّادِ وهو ضَمُّ إتْباعٍ لِضَمِّ النُّونِ.

والعَذابُ: الألَمُ. والمُرادُ بِهِ المَرَضُ؛ يَعْنِي: أصابَنِيَ الشَّيْطانُ بِتَعَبٍ وألَمٍ. وذَلِكَ مِن ضُرٍّ حَلَّ بِجَسَدِهِ وحاجَةٍ أصابَتْهُ في مالِهِ كَما في الآيَةِ الأُخْرى أنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ.

وظاهِرُ إسْنادِ المَسِّ بِالنُّصْبِ والعَذابِ إلى الشَّيْطانِ أنَّ الشَّيْطانَ مَسَّ أيُّوبَ بِهِما، أيْ: أصابَهُ بِهِما حَقِيقَةً مَعَ أنَّ النُّصْبَ والعَذابَ هُما الماسّانِ أيُّوبَ، فَفي سُورَةِ الأنْبِياءِ أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ؛ فَأسْنَدَ المَسَّ إلى الضُّرِّ، والضُّرُّ هو النُّصْبُ والعَذابُ. وتَرَدَّدَتْ أفْهامُ المُفَسِّرِينَ في مَعْنى إسْنادِ المَسِّ بِالنُّصْبِ والعَذابِ إلى الشَّيْطانِ، فَإنَّ الشَّيْطانَ لا تَأْثِيرَ لَهُ في بَنِي آدَمَ بِغَيْرِ الوَسْوَسَةِ كَما هو مُقَرَّرٌ مِن مُكَرَّرِ آياتِ القُرْآنِ ولَيْسَ النُّصْبُ والعَذابُ مِنَ الوَسْوَسَةِ ولا مِن آثارِها.

وتَأوَّلُوا ذَلِكَ عَلى أقْوالٍ تَتَجاوَزُ العَشَرَةَ وفي أكْثَرِها سَماجَةٌ وكُلُّها مَبْنِيٌّ عَلى حَمْلِهِمُ الباءَ في قَوْلِهِ بِنُصْبٍ عَلى أنَّها باءُ التَّعْدِيَةِ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ مَسَّنِيَ، أوْ باءُ الآلَةِ مِثْلُ: ضَرَبَهُ بِالعَصا، أوْ يُئَوَّلُ النُّصْبُ والعَذابُ إلى مَعْنى المَفْعُولِ الثّانِي مِن بابِ أعْطى.

والوَجْهُ عِنْدِي: أنْ تُحْمَلَ الباءُ عَلى مَعْنى السَّبَبِيَّةِ بِجَعْلِ النُّصْبِ والعَذابِ مُسَبِّبَيْنِ

صفحة ٢٧٠

لِمَسِّ الشَّيْطانِ إيّاهُ، أيْ: مَسَّنِي بِوَسْواسٍ سَبَبُهُ نُصْبٌ وعَذابٌ، فَجَعَلَ الشَّيْطانُ يُوَسْوِسُ إلى أيُّوبَ بِتَعْظِيمِ النُّصْبِ والعَذابِ عِنْدَهُ ويُلْقِي إلَيْهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لِذَلِكَ العَذابِ لِيُلْقِيَ في نَفْسِ أيُّوبَ سُوءَ الظَّنِّ بِاللَّهِ أوِ السُّخْطَ مِن ذَلِكَ.

أوْ تُحْمَلُ الباءُ عَلى المُصاحَبَةِ، أيْ: مَسَّنِي بِوَسْوَسَةٍ مُصاحِبَةٍ لِضُرٍّ وعَذابٍ، فَفي قَوْلِ أيُّوبَ أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ كِنايَةٌ لَطِيفَةٌ عَنْ طَلَبِ لُطْفِ اللَّهِ بِهِ ورُفِعَ النُّصْبُ والعَذابُ عَنْهُ بِأنَّهُما صارا مَدْخَلًا لِلِشَّيْطانِ إلى نَفْسِهِ فَطَلَبُ العِصْمَةِ مِن ذَلِكَ عَلى نَحْوِ قَوْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣] .

وتَنْوِينُ نُصْبٍ وعَذابٍ لِلِتَّعْظِيمِ أوْ لِلِنَّوْعِيَّةِ، وعَدَلَ عَنْ تَعْرِيفِهِما لِأنَّهُما مَعلُومانِ لِلَّهِ.

وجُمْلَةُ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ إلَخْ؛ مَقُولَةٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: قُلْنا لَهُ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ، وذَلِكَ إيذانٌ بِأنَّ هَذا اسْتِجابَةٌ لِدُعائِهِ.

والرَّكْضُ: الضَّرْبُ في الأرْضِ بِالرَّجْلِ، فَقَوْلُهُ بِرِجْلِكَ زِيادَةٌ في بَيانِ مَعْنى الفِعْلِ مِثْلَ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ؛ وقَدْ سَمّى اللَّهُ ذَلِكَ اسْتِجابَةً في سُورَةِ الأنْبِياءِ إذْ قالَ ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِن ضُرٍّ﴾ [الأنبياء: ٨٤] .

وجُمْلَةُ هَذا مُغْتَسَلٌ مَقُولَةٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقُولُ الأوَّلُ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ دَلَّتْ عَلَيْهِ الإشارَةُ. فالتَّقْدِيرُ: فَرَكَضَ الأرْضَ فَنَبَعَ ماءٌ فَقُلْنا لَهُ: هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ. فالإشارَةُ إلى ماءٍ لِأنَّهُ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ ويُشْرَبُ.

ووَصَفُ الماءِ بِذَلِكَ في سِياقِ الثَّناءِ عَلَيْهِ مُشِيرٌ إلى أنَّ ذَلِكَ الماءَ فِيهِ شِفاؤُهُ إذا اغْتَسَلَ بِهِ وشَرِبَ مِنهُ لِيَتَناسَبَ قَولُ اللَّهِ لَهُ مَعَ نِدائِهِ رَبَّهُ لِظُهُورِ أنَّ القَوْلَ عَقِبَ النِّداءِ هو قَولُ اسْتِجابَةِ الدُّعاءِ مِنَ المَدْعُوِّ.

ومُغْتَسَلٌ اسْمُ مَفْعُولٍ مِن فِعْلِ اغْتَسَلَ، أيْ: مُغْتَسَلٌ بِهِ فَهو عَلى حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ وإيصالُ المُغْتَسَلِ القاصِرِ إلى المَفْعُولِ مِثْلَ قَوْلِهِ:

تَمُرُّونَ الدِّيارَ ولَمْ تَعُوجُوا

صفحة ٢٧١

ووَصْفُهُ بِـ ”بارِدٍ“ إيماءٌ إلى أنَّ بِهِ زَوالُ ما بِأيُّوبَ مِنَ الحُمّى مِنَ القُرُوحِ. قالَ النَّبِيءُ ﷺ «الحُمّى مِن فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأطْفِئُوها بِالماءِ»، أيْ: نافِعٌ شافٍ، وبِالتَّنْوِينِ اسْتُغْنِيَ عَنْ وصْفِ شَرابٍ إذْ مِنَ المَعلُومِ أنَّ الماءَ شَرابٌ فَلَوْلا إرادَةُ التَّعْظِيمِ بِالتَّنْوِينِ لَكانَ الإخْبارُ عَنِ الماءِ بِأنَّهُ شَرابٌ إخْبارًا بِأمْرٍ مَعْلُومٍ، ومُرْجِعُ تَعْظِيمِ شَرابٍ إلى كَوْنِهِ عَظِيمًا لِأيُّوبَ وهو شِفاءُ ما بِهِ مِن مَرَضٍ.

38:43Page 456

وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنَّا وَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٤٣

And We granted him his family and a like [number] with them as mercy from Us and a reminder for those of understanding.

﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِنّا وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ اقْتِصارُ أيُّوبَ في دُعائِهِ عَلى التَّعْرِيضِ بِإزالَةِ النُّصْبِ والعَذابِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ لَمْ يُصَبْ بِغَيْرِ الضُّرِّ في بَدَنِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَدْ أصابَهُ تَلَفُ المالِ وهَلاكُ العِيالِ كَما جاءَ في كِتابِ أيُّوبَ مِن كُتُبِ اليَهُودِ فَيَكُونُ اقْتِصارُهُ عَلى النُّصْبِ والعَذابِ في دُعائِهِ لِأنَّ في هَلاكِ الأهْلِ والمالِ نُصْبًا وعَذابًا لِلِنَّفْسِ.

ولَمْ يَتَقَدَّمْ في هَذِهِ الآيَةِ ولا في آيَةِ سُورَةِ الأنْبِياءِ أنَّ أيُّوبَ رُزِئَ أهلَهُ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهُمْ﴾ أنَّ اللَّهَ أبْقى لَهُ أهْلَهُ فَلَمْ يُصَبْ فِيهِمْ بِما يَكْرَهُ وزادَهُ بَنِينَ وحَفَدَةً.

ويَكُونُ فِعْلُ وهَبْنا مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ. ويُؤَيِّدُ هَذا المَحْمَلَ وُقُوعُ كَلِمَةِ مَعَهم عَقِبَ كَلِمَةِ ومِثْلَهم فَإنَّ مَعَ تُشْعِرُ بِأنَّ المَوْهُوبَ لاحِقٌ بِأهْلِهِ ومَزِيدٌ فِيهِمْ فَلَيْسَ في الآيَةِ تَقْدِيرُ مُضافٍ في قَوْلِهِ ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ.

ولَيْسَ في الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ ما يُخالِفُ هَذا إلّا أقْوالًا عَنِ المُفَسِّرِينَ ناشِئَةً عَنْ أفْهامٍ مُخْتَلِفَةٍ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِمّا أصابَهُ أنَّهُ هَلَكَ وأوْلادُهُ في مُدَّةِ ضُرِّهِ كَما جاءَ في كِتابِ أيُّوبَ مِن كُتُبِ اليَهُودِ وأقْوالِ بَعْضِ السَّلَفِ مِنَ المُفَسِّرِينَ فَيَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ مُضافٍ، أيْ: وهَبْنا لَهُ عِوَضَ أهْلِهِ.

وألْفاظُ الآيَةِ تَنْبُو عَنْ هَذا الوَجْهِ الثّانِي.

صفحة ٢٧٢

ومَعْنى ومِثْلَهم: مُماثِلُهم. والمُرادُ: مُماثِلُ عَدَدِهِمْ، أيْ: ضِعْفَ عَدَدِ أهْلِهِ مِن بَنِينَ وحَفَدَةٍ.

وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وآتَيْناهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٤] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وما بَيْنَ الآيَتَيْنِ مِن تَغْيِيرٍ يَسِيرٍ هو مُجَرَّدُ تَفَنُّنٍ في التَّعْبِيرِ لا يَقْتَضِي تَفاوُتًا في البَلاغَةِ. وأمّا ما بَيْنَهُما مِن مُخالَفَةٍ في قَوْلِهِ هُنا ﴿وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ وقَولُهُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿وذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٤] فَأمّا قَوْلُهُ هُنا ﴿وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ فَإنَّ الذِّكْرى التَّذْكِيرُ بِما خَفِيَ أوْ بِما يَخْفى وأُولُو الألْبابِ هم أهْلُ العُقُولِ، أيْ: تَذْكِرَةٌ لِأهْلِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ. فَإنَّ في قِصَّةِ أيُّوبَ مُجْمَلُها ومُفَصَّلُها ما إذا سَمِعَهُ العُقَلاءُ المُعْتَبَرُونَ بِالحَوادِثِ والقائِسُونَ عَلى النَّظائِرِ اسْتَدَلُّوا عَلى أنَّ صَبْرَهُ قُدْوَةٌ لِكُلِّ مَن هو في حَرَجٍ يَنْتَظِرُ الفَرَجَ، فَلَمّا كانَتْ قَصَصُ الأنْبِياءِ في هَذِهِ السُّورَةِ مَسُوقَةً لِلِاعْتِبارِ بِعَواقِبِ الصّابِرِينَ وكانَ النَّبِيءُ ﷺ والمُسْلِمُونَ مَأْمُورِينَ بِالِاعْتِبارِ بِها مِن قَوْلِهِ ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ [ص: ١٧] كَما تَقَدَّمَ حُقَّ أنْ يُشارَ إلَيْهِمْ بِأُولِي الألْبابِ.

وأمّا الَّذِي في سُورَةِ الأنْبِياءِ فَإنَّهُ جِيءَ بِهِ شاهِدًا عَلى أنَّ النُّبُوءَةَ لا تُنافِي البَشَرِيَّةَ وأنَّ الأنْبِياءَ تَعْتَرِيهِمْ مِنَ الأحْداثِ ما يَعْتَرِي البَشَرَ مِمّا لا يُنْقِصُ مِنهم في نَظَرِ العَقْلِ والحِكْمَةِ وأنَّهم إنَّما يَقُومُونَ بِأمْرِ اللَّهِ، ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء: ٧] وأنَّهم مُعَرَّضُونَ لِأذى النّاسِ مِمّا لا يُخِلُّ بِحُرْمَتِهِمُ الحَقِيقِيَّةِ وأقْصى ذَلِكَ المَوْتُ. مِن قَوْلِهِ ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] .

وإذْ كانَ المُشْرِكُونَ يَقُولُونَ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ وحاوَلُوا قَتْلَهُ غَيْرَ مَرَّةٍ فَعَصَمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ مِن قَوْلِهِ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنبياء: ٤١] ثُمَّ قالَ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وهم مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٨] وذَكَرَ مِنَ الأنْبِياءِ مَنِ ابْتُلِيَ مِن قَوْمِهِ فَصَبَرَ، وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَةُ صَبْرِهِمْ واحِدَةً مَعَ اخْتِلافِ الأسْبابِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ. فَكانَتْ في ذَلِكَ آياتٌ لِلْعابِدِينَ، أيِ المُمْتَثِلِينَ أمْرَ اللَّهِ المُجْتَنِبِينَ نَهْيَهُ، فَإنَّ مِمّا أمَرَ بِهِ اللَّهُ الصَّبْرَ عَلى ما

صفحة ٢٧٣

يَلْحَقُ المَرْءَ مِن ضُرٍّ لا يَسْتَطِيعُ دَفْعَهُ لِكَوْنِ دَفْعِهِ خارِجًا عَنْ طاقَتِهِ فَخُتِمَ بِخاتِمَةِ ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] .

38:44Page 456

وَخُذۡ بِيَدِكَ ضِغۡثٗا فَٱضۡرِب بِّهِۦ وَلَا تَحۡنَثۡۗ إِنَّا وَجَدۡنَٰهُ صَابِرٗاۚ نِّعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٞ ٤٤

[We said], "And take in your hand a bunch [of grass] and strike with it and do not break your oath."1 Indeed, We found him patient, an excellent servant. Indeed, he was one repeatedly turning back [to Allāh].

﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ﴾ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: وقُلْنا خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ، وهو قَوْلٌ غَيْرُ القَوْلِ المَحْذُوفِ في قَوْلِهِ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ اسْتِجابَةُ دَعْوَةٍ وهَذا إفْتاءٌ بِرُخْصَةٍ، وذَلِكَ لَهُ قِصَّةٌ، وهَذا لَهُ قِصَّةٌ أُخْرى أشارَتْ إلَيْها الآيَةُ إجْمالًا ولَمْ يَرِدْ في تَعْيِينِها أثَرٌ صَحِيحٌ ومُجْمَلُها أنَّ زَوْجَ أيُّوبَ حاوَلَتْ عَمَلًا فَفَسَدَ عَلَيْهِ صَبْرُهُ مِنَ استِعانَةٍ بِبَعْضِ النّاسِ عَلى مُواساتِهِ فَلَمّا عَلِمَ بِذَلِكَ غَضِبَ وأقْسَمَ لَيَضْرِبَنَّها عَدَدًا مِنَ الضَّرْبِ ثُمَّ نَدِمَ وكانَ مُحِبًّا لَها، وكانَتْ لائِذَةً بِهِ في مُدَّةِ مَرَضِهِ فَلَمّا سُرِّيَّ عَنْهُ أشْفَقَ عَلى امْرَأتِهِ مِن ذَلِكَ ولَمْ يَكُنْ في دِينِهِمْ كَفّارَةُ اليَمِينِ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنْ يَضْرِبَها بِحُزْمَةٍ فِيها عَدَدٌ مِنَ الأعْوادِ بِعَدَدِ الضَّرَباتِ الَّتِي أقْسَمَ عَلَيْها رِفْقًا بِزَوْجِهِ لِأجْلِهِ وحِفْظًا لِيَمِينِهِ مِن حِنْثِهِ إذْ لا يَلِيقُ الحِنْثُ بِمَقامِ النُّبُوءَةِ. ولَيْسَتْ هَذِهِ القَضِيَّةُ ذاتَ أثَرٍ في الغَرَضِ الَّذِي سِيقَتْ لِأجْلِهِ قِصَّةُ أيُّوبَ مِنَ الأُسْوَةِ وإنَّما ذُكِرَتْ هُنا تَكْمِلَةً لِمَظْهَرِ لُطْفِ اللَّهِ بِأيُّوبَ جَزاءً عَلى صَبْرِهِ.

ومَعانِي الآيَةِ ظاهِرَةٌ في أنَّ هَذا التَّرْخِيصَ رِفْقٌ بِأيُّوبَ، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ مَعْلُومًا في الدِّينِ الَّذِي يَدِينُ بِهِ أيُّوبَ إبْقاءً عَلى تَقْواهُ، وإكْرامًا لَهُ لِحُبِّهِ زَوْجَهُ، ورِفْقًا بِزَوْجِهِ لِبِرِّها بِهِ، فَهو رُخْصَةٌ لا مَحالَةَ في حُكْمِ الحِنْثِ في اليَمِينِ.

فَجاءَ عُلَماؤُنا ونَظَرُوا في الأصْلِ المُقَرَّرِ في المَسْألَةِ المَفْرُوضَةِ في أُصُولِ الفِقْهِ وهي: أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا هَلْ هو شَرْعٌ لَنا إذا حَكاهُ القُرْآنُ أوِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ، ولَمْ يَكُنْ في شَرْعِنا ما يَنْسَخُهُ مِن نَصٍّ أوْ أصْلٍ مِن أُصُولِ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ.

فَأمّا الَّذِينَ لَمْ يَرَوْا أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرَعٌ لَنا وهم أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ مِنَ المالِكِيَّةِ وجُمْهُورُ الشّافِعِيَّةِ وجَمِيعُ الظّاهِرِيَّةِ فَشَأْنُهم في هَذا ظاهَرٌ، وأمّا الَّذِينَ أثْبَتُوا أصْلَ الِاقْتِداءِ بِشَرْعِ مَن قَبْلِنا بِقُيُودِهِ المَذْكُورَةِ وهم مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ

صفحة ٢٧٤

فَتَخَطَّوْا لِلْبَحْثِ في أنَّ هَذا الحُكْمَ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ يُقَرَّرُ مِثْلُهُ في فِقْهِ الإسْلامِ في الإفْتاءِ في الأيْمانِ وهَلْ يُتَعَدّى بِهِ إلى جَعْلِهِ أصْلًا لِلْقِياسِ في كُلِّ ضَرْبٍ يَتَعَيَّنُ في الشَّرْعِ لَهُ عَدَدٌ إذا قامَ في المَضْرُوبِ عُذْرٌ يَقْتَضِي التَّرْخِيصَ بَعْدَ البِناءِ عَلى إثْباتِ القِياسِ عَلى الرُّخَصِ، وهَلْ يُتَعَدّى بِهِ إلى جَعْلِهِ أصْلًا لِلْقِياسِ أيْضًا لِإثْباتِ أصْلٍ مُماثِلٍ وهو التَّحَيُّلُ بِوَجْهٍ شَرْعِيٍّ لِلِتَّخَلُّصِ مِن واجِبِ تَكْلِيفٍ شَرْعِيٍّ، واقْتَحَمُوا ذَلِكَ عَلى ما في حِكايَةِ قِصَّةِ أيُّوبَ مِن إجْمالٍ لا يَتَبَصَّرُ بِهِ النّاظِرُ في صِفَةِ يَمِينِهِ ولا لَفْظِهِ ولا نِيَّتِهِ إذْ لَيْسَ مِن مَقْصِدِ القِصَّةِ.

فَأمّا في الأيْمانِ فَقَدْ كَفانا اللَّهُ التَّكَلُّفَ بِأنْ شَرَعَ لَنا كَفّاراتِ الأيْمانِ. وقالَ النَّبِيءُ ﷺ «إنِّي واللَّهِ لا أحْلِفُ عَلى يَمِينٍ فَأرى غَيْرَها خَيْرًا مِنها إلّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وفَعَلْتُ الَّذِي هو خَيْرٌ»، فَصارَ ما في شَرْعِنا ناسِخًا لِما شُرِعَ لِأيُّوبَ فَلا حاجَةَ إلى الخَوْضِ فِيها، ومَذْهَبُ الحَنَفِيَّةِ العَمَلُ بِذَلِكَ اسْتِنادًا لِكَوْنِهِ شَرْعًا لِمَن قَبْلَنا وهو قَولُ الشّافِعِيِّ.

وقالَ مالِكٌ: هَذِهِ خاصَّةٌ بِأيُّوبَ أفْتى اللَّهُ بِها نَبِيئًا. وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ خَصَّهُ بِما إذا حَلَفَ ولَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ كَأنَّهُ أخْرَجَهُ مَخْرَجَ أقَلِّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ لَفْظُ الضَّرْبِ والعَدَدِ.

وأمّا القِياسُ عَلى فَتْوى أيُّوبَ في كُلِّ ضَرْبٍ مُعَيَّنٍ بِعَدَدٍ في غَيْرِ اليَمِينِ، أيْ: في بابِ الحُدُودِ والتَّعْزِيراتِ فَهو تَطَوُّحٌ في القِياسِ لِاخْتِلافِ الجِنْسِ بَيْنَ الأصْلِ والفَرْعِ، ولِاخْتِلافِ مَقْصِدِ الشَّرِيعَةِ مِنَ الكَفّاراتِ ومَقْصِدِها مِنَ الحُدُودِ والتَّعْزِيراتِ، ولِتَرَتُّبِ المَفْسَدَةِ عَلى إهْمالِ الحُدُودِ والتَّعْزِيراتِ دُونَ الكَفّاراتِ. ولا شَكَّ أنَّ مِثْلَ هَذا التَّسامُحِ في الحُدُودِ يُفْضِي إلى إهْمالِها ومَصِيرِها عَبَثًا.

وما وقَعَ في سُنَنِ أبِي داوُدَ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ «عَنْ بَعْضِ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الأنْصارِ أنَّ رَجُلًا مِنهم كانَ مَرِيضًا مُضْنًى فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ جارِيَةٌ فَهَشَّ لَها فَوَقَعَ عَلَيْها فاسْتَفْتَوْا لَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقالُوا: لَوْ حَمَلْناهُ إلَيْكَ لَتَفَسَّخَتْ عِظامُهُ ما هو إلّا جِلْدٌ عَلى عَظْمٍ فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَأْخُذُوا لَهُ مِائَةَ شِمْراخٍ فَيَضْرِبُوهُ بِها ضَرْبَةً واحِدَةً» .

صفحة ٢٧٥

ورَواهُ غَيْرُ أبِي داوُدَ بِأسانِيدَ مُخْتَلِفَةٍ وعِباراتٍ مُخْتَلِفَةٍ. وما هي إلّا قِصَّةٌ واحِدَةٌ فَلا حُجَّةَ فِيهِ لِأنَّهُ تَطَرَّقَتْهُ احْتِمالاتٌ.

أوَّلُها: أنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ كانَ مَرِيضًا مُضْنًى ولا يُقامُ الحَدُّ عَلى مِثْلِهِ.

الثّانِي: لَعَلَّ المَرَضَ قَدْ أخَلَّ بِعَقْلِهِ إخْلالًا أقْدَمَهُ عَلى الزِّنى فَكانَ المَرَضُ شُبْهَةً تَدْرَأُ الحَدَّ عَنْهُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ خَبَرُ آحادٍ لا يُنْقَضُ بِهِ التَّواتُرُ المَعْنَوِيُّ الثّابِتُ في إقامَةِ الحُدُودِ.

الرّابِعُ: حَمْلُهُ عَلى الخُصُوصِيَّةِ. ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ أنَّهُ يُعْمَلُ بِذَلِكَ في الحَدِّ لِلِضَّرُورَةِ كالمَرَضِ وهو غَرِيبٌ لِأنَّ أحادِيثَ النَّبِيءِ ﷺ وأقْوالَ السَّلَفِ مُتَضافِرَةٌ عَلى أنَّ المَرِيضَ والحامِلَ يَنْتَظِرانِ في إقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِما حَتّى يَبْرَأ، ولَمْ يَأْمُرِ النَّبِيءُ ﷺ بِأنْ تُضْرَبَ الحامِلُ بِشَمارِيخَ، فَماذا يُفِيدُ هَذا الضَّرْبُ الَّذِي لا يَزْجُرُ مُجْرِمًا، ولا يَدْفَعُ مَأْثَمًا، وفي أحْكامِ الجَصّاصِ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ مِثْلُ ما لِلِشّافِعِيِّ. وحَكى الخَطّابِيُّ أنَّ أبا حَنِيفَةَ ومالِكًا اتَّفَقا عَلى أنَّهُ لا حَدَّ إلّا الحَدُّ المَعْرُوفُ. فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّقْلُ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ.

* * *

﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ عِلَّةٌ لِجُمْلَةِ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ، وجُمْلَةُ ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ، أيْ: أنْعَمْنا عَلَيْهِ بِجَبْرِ حالِهِ، لِأنّا وجَدْناهُ صابِرًا عَلى ما أصابَهُ فَهو قُدْوَةٌ لِلْمَأْمُورِ بِقَوْلِهِ ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [ص: ١٧] ﷺ فَكانَتْ إنَّ مُغْنِيَةً عَنْ فاءِ التَّفْرِيعِ.

ومَعْنى وجَدْناهُ أنَّهُ ظَهَرَ في صَبْرِهِ ما كانَ في عِلْمِ اللَّهِ مِنهُ.

وقَوْلُهُ ﴿نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ مِثْلَ قَوْلِهِ في سُلَيْمانَ ﴿نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ فَكانَ سُلَيْمانُ أوّابًا لِلَّهِ مِن فِتْنَةِ الغِنى والنَّعِيمِ، وأيُّوبُ أوّابًا لِلَّهِ مِن فِتْنَةِ الضُّرِّ والِاحْتِياجِ، وكانَ الثَّناءُ عَلَيْهِما مُتَماثِلًا لِاسْتِوائِهِما في الأوْبَةِ وإنِ اخْتَلَفَتِ الدَّواعِي. قالَ سُفْيانُ: أثْنى اللَّهُ عَلى عَبْدَيْنِ ابْتُلِيا: أحَدُهُما صابِرٌ، والآخِرُ شاكِرٌ، ثَناءً واحِدًا. فَقالَ لِأيُّوبَ ولِسُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ.

38:45–47Page 456

وَٱذۡكُرۡ عِبَٰدَنَآ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ أُوْلِي ٱلۡأَيۡدِي وَٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٥

And remember Our servants, Abraham, Isaac and Jacob - those of strength and [religious] vision.

إِنَّآ أَخۡلَصۡنَٰهُم بِخَالِصَةٖ ذِكۡرَى ٱلدَّارِ ٤٦

Indeed, We chose them for an exclusive quality: remembrance of the home [of the Hereafter].

وَإِنَّهُمۡ عِندَنَا لَمِنَ ٱلۡمُصۡطَفَيۡنَ ٱلۡأَخۡيَارِ ٤٧

And indeed they are, to Us, among the chosen and outstanding.

صفحة ٢٧٦

﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةِ ذِكْرى الدّارِ﴾ ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ القَولُ فِيهِ كالقَوْلِ في نَظائِرِهِ لُغَةً ومَعْنًى.

وذَكَرَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ ذِكْرُ اقْتِداءٍ وائْتِساءٍ بِهِمْ، فَأمّا إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فِيما عُرِفَ مِن صَبْرِهِ عَلى أذى قَوْمِهِ، وإلْقائِهِ في النّارِ، وابْتِلائِهِ بِتَكْلِيفِ ذَبْحِ ابْنِهِ، وأمّا ذِكْرُإسْحاقَ ويَعْقُوبَ فاسْتِطْرادٌ بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ إبْراهِيمَ ولِما اشْتَرَكا بِهِ مِنَ الفَضائِلِ مَعَ أبِيهِمُ الَّتِي يَجْمَعُها اشْتِراكُهم في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ لِيَقْتَدِيَ النَّبِيءُ ﷺ بِثَلاثَتِهِمْ في القُوَّةِ في إقامَةِ الدِّينِ والبَصِيرَةِ في حَقائِقِ الأُمُورِ.

وابْتُدِئَ بِإبْراهِيمَ لِتَفْضِيلِهِ بِمَقامِ الرِّسالَةِ والشَّرِيعَةِ، وعُطِفَ عَلَيْهِ ذِكْرُ ابْنِهِ، وعُطِفَ عَلى ابْنِهِ ابْنُهُ يَعْقُوبُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿واذْكُرْ عِبادَنا﴾ بِصِيغَةِ الجَمْعِ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ ومَن عُطِفَ عَلَيْهِ كُلُّهُ عَطْفُ بَيانٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرِ ”عَبْدَنا“ بِصِيغَةِ الإفْرادِ عَلى أنْ يَكُونَ ”إبْراهِيمَ“ عَطْفَ بَيانٍ مِن ”عَبْدَنا“ ومَآلُ القِراءَتَيْنِ مُتَّحِدٌ.

والأيْدِي: جَمْعُ يَدٍ بِمَعْنى القُوَّةِ في الدِّينِ. كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] في سُورَةِ الذّارِياتِ.

والأبْصارُ: جَمْعُ بَصَرٍ بِالمَعْنى المَجازِيِّ، وهو النَّظَرُ الفِكْرِيُّ المَعْرُوفُ بِالبَصِيرَةِ، أيْ: التَّبَصُّرُ في مُراعاةِ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وتَوَخِّي مَرْضاتِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنّا أخْلَصْناهُمْ﴾ عِلَّةٌ لِلْأمْرِ بِذِكْرِهِمْ لِأنَّ ذِكْرَهم يُكْسِبُ الذّاكِرَ الِاقْتِداءَ بِهِمْ في إخْلاصِهِمْ ورَجاءَ الفَوْزِ بِما فازُوا بِهِ مِنَ الِاصْطِفاءِ والأفْضَلِيَّةِ في الخَيْرِ.

وأخْلَصْناهم: جَعَلْناهم خالِصِينَ، فالهَمْزَةُ لِلِتَّعْدِيَةِ، أيْ: طَهَّرْناهم مِن دَرَنِ

صفحة ٢٧٧

النُّفُوسِ فَصارَتْ نُفُوسُهم نَقِيَّةً مِنَ العُيُوبِ العارِضَةِ لِلْبَشَرِ، وهَذا الإخْلاصُ هو مَعْنى العِصْمَةِ اللّازِمَةِ لِلِنُّبُوءَةِ.

والعِصْمَةُ: قُوَّةٌ يَجْعَلُها اللَّهُ في نَفْسِ النَّبِيءِ تَصْرِفُهُ عَنْ فِعْلِ ما هو في دِينِهِ مَعْصِيَةً لِلَّهِ تَعالى عَمْدًا أوْ سَهْوًا، وعَمّا هو مُوجِبٌ لِلِنُّفْرَةِ والِاسْتِصْغارِ عِنْدَ أهْلِ العُقُولِ الرّاجِحَةِ مِن أُمَّةِ عَصْرِهِ.

وأرْكانُ العِصْمَةِ أرْبَعَةٌ: الأوَّلُ: خاصِّيَّةٌ لِلِنَّفْسِ يَخْلُقُها اللَّهُ تَعالى تَقْتَضِي مَلَكَةً مانِعَةً مِنَ العِصْيانِ.

والثّانِي: حُصُولُ العِلْمِ بِمَثالِبِ المَعاصِي ومَناقِبِ الطّاعاتِ.

الثّالِثُ: تَأْكِيدُ ذَلِكَ العِلْمِ بِتَتابُعِ الوَحْيِ والبَيانِ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

الرّابِعُ: العِتابُ مِنَ اللَّهِ عَلى تَرْكِ الأوْلى وعَلى النِّسْيانِ.

وإسْنادُ الإخْلاصِ إلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ أمْرٌ لا يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ البَشَرِيَّةِ إلّا بِجَعْلٍ خاصٍّ مِنَ اللَّهِ تَعالى وعِنايَةٍ لَدُنِّيَّةٍ بِحَيْثُ تُنْزَعُ مِنَ النَّفْسِ غَلَبَةُ الهَوى في كُلِّ حالٍ وتُصْرَفُ النَّفْسُ إلى الخَيْرِ المَحْضِ فَلا تَبْقى في النَّفْسِ إلّا نَزَعاتٌ خَفِيفَةٌ تُقْلِعُ النَّفْسُ عَنْها سَرِيعًا بِمُجَرَّدِ خُطُورِها، قالَ النَّبِيءُ ﷺ «إنِّي لَيُغانُ عَلى قَلْبِي فَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» .

والباءُ في بِخالِصَةِ لِلِسَّبَبِيَّةِ تَنْبِيهًا عَلى سَبَبِ عِصْمَتِهِمْ. وعُبِّرَ عَنْ هَذا السَّبَبِ تَعْبِيرًا مُجْمَلًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أمْرٌ عَظِيمٌ دَقِيقٌ لا يُتَصَوَّرُ بِالكُنْهِ ولَكِنْ يُعْرَفُ بِالوَجْهِ، ولِذَلِكَ اسْتَحْضَرَ هَذا السَّبَبَ بِوَصْفٍ مُشْتَقٍّ مِن فِعْلِ أخْلَصْناهم عَلى نَحْوِ قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِمَن سَألَهُ عَنِ اقْتِناعِهِ مِن أكْلِ لَحْمِ الضَّبِّ «إنِّي تَحْضُرُنِي مِنَ اللَّهِ حاضِرَةٌ» أيْ حاضِرَةٌ لا تُوصَفُ، ثُمَّ بُيِّنَتْ هَذِهِ الخالِصَةُ بِأقْصى ما تُعَبِّرُ عَنْهُ اللُّغَةُ وهي أنَّها ﴿ذِكْرى الدّارِ﴾ .

والذِّكْرى: اسْمُ مَصْدَرٍ يَدُلُّ عَلى قُوَّةِ مَعْنى المَصْدَرِ مِثْلُ الرُّجْعى والبُقْيا لِأنَّ زِيادَةَ المَبْنى تَقْتَضِي زِيادَةَ المَعْنى. والدّارُ المَعْهُودَةُ لِأمْثالِهِمْ هي الدّارُ الآخِرَةِ، أيْ:

صفحة ٢٧٨

بِحَيْثُ لا يَنْسَوْنَ الآخِرَةَ ولا يُقْبِلُونَ عَلى الدُّنْيا، فالدّارُ الَّتِي هي مَحَلُّ عِنايَتِهِمْ هي الدّارُ الآخِرَةِ، قالَ النَّبِيءُ ﷺ «فَأقُولُ ما لِي ولِلدُّنْيا» .

وأشارَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿بِخالِصَةِ ذِكْرى الدّارِ﴾ إلى أنَّ مَبْدَأ العِصْمَةِ هو الوَحْيُ الإلَهِيُّ بِالتَّحْذِيرِ مِمّا لا يُرْضِي اللَّهَ وتَخْوِيفِ عَذابِ الآخِرَةِ وتَحْبِيبِ نَعِيمِها فَتُحْدِثُ في نَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ شِدَّةَ الحَذَرِ مِنَ المَعْصِيَةِ وحُبِّ الطّاعَةِ ثُمَّ لا يَزالُ الوَحْيُ يَتَعَهَّدُهُ ويُوقِظُهُ ويُجَنِّبُهُ الوُقُوعَ فِيما نُهِيَ عَنْهُ فَلا يَلْبَثُ أنْ تَصِيرَ العِصْمَةُ مَلَكَةٌ لِلِنَّبِيءِ يَكْرَهُ بِها المَعاصِيَ، فَأصْلُ العِصْمَةِ هي مُنْتَهى التَّقْوى الَّتِي هي ثَمَرَةُ التَّكْلِيفِ، وبِهَذا يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِ أصْحابِنا: العِصْمَةُ عَدَمُ خَلْقِ المَعْصِيَةِ مَعَ بَقاءِ القُدْرَةِ عَلى المَعْصِيَةِ، وقَوْلِ المُعْتَزِلَةِ: إنَّها مَلَكَةٌ تَمْنَعُ عَنْ إرادَةِ المَعاصِي، فالأوَّلُونَ نَظَرُوا إلى المَبْدَأِ والأخِيرُونَ نَظَرُوا إلى الغايَةِ، وبِهِ يَظْهَرُ أيْضًا أنَّ العِصْمَةَ لا تُنافِي التَّكْلِيفَ وتَرَتُّبَ المَدْحِ عَلى الطّاعاتِ.

وقَرَأ نافِعٌ وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ”خالِصَةِ“ بِدُونِ تَنْوِينٍ لِإضافَتِهِ إلى ﴿ذِكْرى الدّارِ﴾ والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ لِأنَّ ذِكْرى الدّارِ هي نَفْسُ الخالِصَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: بِذِكْرى الدّارِ، ولَيْسَتْ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ ولا مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ ولا إلى فاعِلِهِ، وإنَّما ذَكَرَ لَفْظَ ”خالِصَةِ“ لِيَقَعَ إجْمالًا ثُمَّ يُفَصَّلُ بِالإضافَةِ لِلِتَّنْبِيهِ عَلى دِقَّةِ هَذا الخُلُوصِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ. والتَّعْرِيفُ بِالإضافَةِ لِأنَّها أقْصى طَرِيقٍ لِلِتَّعْرِيفِ في هَذا المَقامِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ بِتَنْوِينِ خالِصَةٍ فَيَكُونُ ”ذِكْرى الدّارِ“ عَطْفَ بَيانٍ أوْ بَدَلًا مُطابِقًا. وغَرَضُ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ ظاهِرٌ.

وإضافَةُ ”خالِصَةِ“ إلى ذِكْرى الدّارِ في قِراءَةِ نافِعٍ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ وإبْدالِها مِنها في قِراءَةِ الجُمْهُورِ مِن إبْدالِ الصِّفَةِ مِنَ المَوْصُوفِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذِكْرى مُرادِفَ الذِّكْرِ بِكَسْرِ الذّالِ، أيْ: الذِّكْرُ الحَسَنُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٠] وتَكُونُ الدّارُ هي الدّارُ الدُّنْيا.

صفحة ٢٧٩

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادِفًا لِلِذُّكْرِ بِضَمِّ الذّالِ وهو التَّذَكُّرُ الفِكْرِيُّ ومُراعاةُ وصايا الدِّينِ. والدّارُ: الدّارُ الآخِرَةُ.

وعُطِفَ عَلَيْهِ ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ لِأنَّهُ مِمّا يَبْعَثُ عَلى ذِكْرِهِمْ بِأنَّهُمُ اصْطَفاهُمُ اللَّهُ مِن بَيْنِ خَلْقِهِ فَقَرَّبَهم إلَيْهِ وجَعَلَهم أخْيارًا.

والأخْيارُ: جَمْعُ خَيِّرٍ بِتَشْدِيدِ الياءِ، أوْ جَمْعُ خَيْرٍ بِتَخْفِيفِها مِثْلُ الأمْواتِ جَمْعًا لِمَيِّتٍ ومَيْتٍ، وكِلْتا الصِّيغَتَيْنِ تَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الوَصْفِ في المَوْصُوفِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском