Ibn 'AshurSad · 38:60–70

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Sad 38:60–70

38:60Page 456

قَالُواْ بَلۡ أَنتُمۡ لَا مَرۡحَبَۢا بِكُمۡۖ أَنتُمۡ قَدَّمۡتُمُوهُ لَنَاۖ فَبِئۡسَ ٱلۡقَرَارُ ٦٠

They will say, "Nor you! No welcome for you. You, [our leaders], brought this upon us, and wretched is the settlement."

﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ فَسَمِعَهُمُ الأتْباعُ، فَيَقُولُونَ ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ إضْرابًا عَنْ كَلامِهِمْ. وجِيءَ بِحِكايَةِ قَوْلِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ فَلِذَلِكَ جُرِّدَ مِن حَرْفِ العَطْفِ، أيْ: أنْتُمْ أوْلى بِالشَّتْمِ والكَراهِيَّةِ بِأنْ يُقالَ: لا مَرْحَبًا بِكم، لِأنَّكُمُ الَّذِينَ تَسَبَّبْتُمْ لِأنْفُسِكم ولَنا في هَذا العَذابِ بِإغْرائِكم إيّانا عَلى التَّكْذِيبِ والدَّوامِ عَلى الكُفْرِ.

وبَلْ: لِلْإضْرابِ الإبْطالِيِّ لِرَدِّ الشَّتْمِ عَلَيْهِمْ وأنَّهم أوْلى بِهِ مِنهم.

وذِكْرُ ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ في قَوْلِهِ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم لِلتَّنَصُّلِ مِن شَتْمِهِمْ، أيْ: أنْتُمُ المَشْتُومُونَ، أيْ: أوْلى بِالشَّتْمِ مِنّا، وقَدِ اسْتُفِيدَ هَذا المَعْنى مِن حَرْفِ الإبْطالِ لا مِنَ الضَّمِيرِ لِأنَّ الضَّمِيرَ لا مَفْهُومَ لَهُ، ولِأنَّ مَوْقِعَهُ هُنا لا يَقْتَضِي حَصْرًا ولا تَقَوِّيًا لِأنَّهُ مُخْبِرٌ عَنْهُ بِجُمْلَةٍ إنْشائِيَّةٍ، أيْ: أنْتُمْ يُقالُ لَكم: لا مَرْحَبًا بِكم.

وإذا قَدْ كانَ قَوْلُ: مَرْحَبًا، إنْشاءَ دُعاءٍ بِالخَبَرِ، وكانَ نَفْيُهُ إنْشاءَ دُعاءٍ

صفحة ٢٩٠

بِضِدِّهِ، كانَ قَوْلُهُ ”بِهِمْ“ بَيانًا لِمَن وُجِّهَ الدُّعاءُ لَهم، أيْ: إيضاحًا لِلسّامِعِ أنَّ الدُّعاءَ عَلى أصْحابِ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِالباءِ فَكانَتِ الباءُ فِيهِ لِلتَّبْيِينِ. قالَ في الكَشّافِ: وبِهِمْ؛ بَيانٌ لِمَدْعُوٍّ عَلَيْهِمْ. وقالَ الهَمَذانِيُّ في شَرْحِهِ لِلْكَشّافِ: يَعْنِي: البَيانَ المُصْطَلَحَ، كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ: بِمَن يَحْصُلُ هَذا الرَّحْبُ ؟ فَيَقُولُ: بِهِمْ. وهَذا كَما في ”هِيتَ لَكَ“ . يَعْنِي أنَّ الباءَ فِيهِ بِمَعْنى لامِ التَّبْيِينِ.

وهَذا المَعْنى أغْفَلَهُ ابْنُ هِشامٍ في مَعانِي الباءِ. وأشارَ الهَمَذانِيُّ إلى أنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِن مَعْنى السَّبَبِيَّةِ. والأحْسَنُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ مُتَوَلِّدًا مِن مَعْنى المُصاحَبَةِ بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ ثُمَّ غَلَبَ اسْتِعْمالُ الباءَ في مِثْلِهِ في كَلامِهِمْ فَصارَ كالحَقِيقَةِ لِأنَّهُ لَمّا صارَ إنْشاءَ دُعاءٍ ‌‌‌‌لَمْ تَبْقَ مَعَهُ مُلاحَظَةُ الإخْبارِ بِحُصُولِ الرَّحْبِ مَعَهم أوْ بِسَبَبِهِمْ كَما يَتَّجِهُ بِالتَّأمُّلِ.

وجُمْلَةُ أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا؛ عِلَّةٌ لِقَلْبِ سَبَبِ الشَّتْمِ إلَيْهِمْ، أيْ: لِأنَّكم قَدَّمْتُمُ العَذابَ لَنا، فَضَمِيرُ النَّصْبِ في قَدَّمْتُمُوهُ عائِدٌ إلى العَذابِ المُشاهَدِ، وهو حاضِرٌ في الذِّهْنِ غَيْرُ مَذْكُورٍ في اللَّفْظِ، مِثْلُ ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] .

ووُقُوعُ أنْتُمْ قَبْلَ قَدَّمْتُمُوهُ المُسْنَدُ الفِعْلِيُّ يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ: لَمْ يُضِلَّنا غَيْرُكم فَأنْتُمْ أحِقّاءُ بِالعَذابِ.

والتَّقْدِيمُ: جَعْلُ الشَّيءِ قُدّامَ غَيْرِهِ، قالَ تَعالى ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠] . فَتَقْدِيمُ العَذابُ لَهم جَعْلُهُ قُدّامَهم، أيْ: جَعْلُهُ حَيْثُ يَجِدُونَهُ عِنْدَ وُصُولِهِمْ. وإسْنادُ تَقْدِيمِ العَذابِ إلى المُخاطَبِينَ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّ الرُّؤَساءَ كانُوا سَبَبًا في تَقْدِيمِ العَذابِ لِأتْباعِهِمْ بِإغْوائِهِمْ وكانَ العَذابُ جَزاءً عَنِ الغَوايَةِ. وجُعِلَ العَذابُ مُقَدَّمًا وإنَّما المُقَدَّمُ العَمَلُ الَّذِي اسْتَحَقَّ العَذابَ، وهَذا مَجازٌ عَقْلِيٌّ في المَفْعُولِ فاجْتَمَعَ في قَوْلِهِ قَدَّمْتُمُوهُ مَجازانِ عَقْلِيّانِ.

وقَوْلُهُ فَبِئْسَ القَرارُ مَوْقِعُهُ كَمَوْقِعِ قَوْلِهِ آنِفًا فَبِئْسَ المِهادُ، وهو ذَمٌّ لِإقامَتِهِمْ في جَهَنَّمَ تَشْنِيعًا عَلَيْهِمْ فِيما تَسَبَّبُوا لِأنْفُسِهِمْ فِيهِ. والمَعْنى: فَبِئْسَ القَرارُ ما قَدَّمْتُمُوهُ لَنا، أيْ: العَذابُ. والقَرارُ: المُكْثُ.

38:61Page 456

قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَٰذَا فَزِدۡهُ عَذَابٗا ضِعۡفٗا فِي ٱلنَّارِ ٦١

They will say, "Our Lord, whoever brought this upon us - increase for him double punishment in the Fire."

صفحة ٢٩١

﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ قالُوا أيْ: الفَوْجُ المُقْتَحِمُ وهو فَوْجُ الأتْباعِ، فَهَذا مِن كَلامِ الَّذِينَ قالُوا ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ [ص: ٦٠] لِأنَّ قَوْلَهم مَن قَدَّمَ لَنا هَذا يُعَيِّنُ هَذا المَحْمَلَ. ولِذَلِكَ حُقَّ أنْ يَتَساءَلَ النّاظِرُ عَنْ وجْهِ إعادَةِ فِعْلِ قالُوا وعَنْ وجْهِ عَدَمِ عَطْفِهِ عَلى قَوْلِهِمُ الأوَّلِ.

فَأمّا إعادَةُ فِعْلِ القَوْلِ فَلِإفادَةِ أنَّ القائِلِينَ هُمُ الأتْباعُ فَأُعِيدَ فِعْلُ القَوْلِ تَأْكِيدًا لِلْفِعْلِ الأوَّلِ لِقَصْدِ تَأْكِيدِ فاعِلِ القَوْلِ تَبَعًا لِأنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِضَمِيرِ القائِلِينَ.

والمَقْصُودُ مِن حِكايَةِ قَوْلِهِمْ هَذا تَحْذِيرُ كُبَراءِ المُشْرِكِينَ مِن عَواقِبِ رِئاسَتِهِمْ وزَعامَتِهِمُ الَّتِي يَجُرُّونَ بِها الوَيْلاتِ عَلى أتْباعِهِمْ فَيُوقِعُونَهم في هاوِيَةِ السُّوءِ حَتّى لا يَجِدَ الأتْباعُ لَهم جَزاءً بَعْدَ الفَوْتِ إلّا طَلَبَ مُضاعَفَةِ العَذابِ لَهم.

وأمّا تَجْرِيدُ فِعْلِ قالُوا عَنِ العاطِفِ فَلِأنَّهُ قُصِدَ بِهِ التَّوْكِيدُ اللَّفْظِيُّ والتَّوْكِيدُ اللَّفْظِيُّ عَلى مِثالِ المُوَكَّدِ.

ولا تَلْتَبِسُ حِكايَةُ هَذا القَوْلِ عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ بِحِكايَةِ المُحاوَراتِ فَيُحْسَبُ أنَّهُ مِن كَلامِ الفَرِيقِ الآخَرِ لِأنَّ الدُّعاءَ بِعُنْوانِ ”مَن قَدَّمَ لَنا هَذا“ يُعَينُ أنَّ قائِلِيهِ هُمُ القائِلُونَ أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا، وأنَّ الَّذِينَ قَدَّمُوا لَهم هُمُ الطّاغُونَ. وفي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ آيَةُ سُورَةِ الأعْرافِ ﴿قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] .

ومَن في قَوْلِهِ ”مَن قَدَّمَ لَنا هَذا“ مَوْصُولَةٌ، وجُمْلَةُ ”فَزِدْهُ“ خَبَرٌ عَنْ مَن، واقْتِرانُ الخَبَرِ بِالفاءِ جَرى عَلى مُعامَلَةِ المَوْصُولِ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ في قَرْنِ خَبَرِهِ بِالفاءِ وهو كَثِيرٌ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] في سُورَةِ بَراءَةَ.

والضِّعْفُ، بِكَسْرِ الضّادِ: تُسْتَعْمَلُ اسْمَ مَصْدَرِ ضَعَّفَ وضاعَفَ، فَهُما اسْما التَّضْعِيفِ والمُضاعَفَةِ، أيْ: تَكْرِيرُ المِقْدارِ وتَكْرِيرُ القُوَّةِ، وهو مِنَ الألْفاظِ المُتَضايِفَةِ المَعانِي؛ كالنِّصْفِ والزَّوْجِ.

صفحة ٢٩٢

ويُسْتَعْمَلُ اسْمًا بِمَعْنى الشَّيْءِ المُضاعَفِ، وهَذا هو قِياسُ زِنَةِ فِعْلٍ بِكَسْرِ الفاءِ وسُكُونِ العَيْنِ، فَهو بِمَعْنى: الشَّيْءِ الَّذِي ضُوعِفَ لِأنَّ زِنَةَ فِعْلٍ تَدُلُّ عَلى ما سُلِّطَ عَلَيْهِ فَهو نَحْوَ ذِبْحٍ، أيْ: مَذْبُوحٍ.

38:62–63Page 457

وَقَالُواْ مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالٗا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ ٱلۡأَشۡرَارِ ٦٢

And they will say, "Why do we not see men whom we used to count among the worst?1

أَتَّخَذۡنَٰهُمۡ سِخۡرِيًّا أَمۡ زَاغَتۡ عَنۡهُمُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ ٦٣

Is it [because] we took them in ridicule, or has [our] vision turned away from them?"

﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ ﴿أتَّخَذْناهم سُخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ [ص: ٥٩] عَلى ما قُدِّرَ فِيهِ مِن فِعْلِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ كَما تَقَدَّمَ، فَهَذا مِن قَوْلِ الطّاغِينَ فَإنَّهم كانُوا يُحَقِّرُونَ المُسْلِمِينَ.

والِاسْتِفْهامُ في ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا﴾ اسْتِفْهامٌ يُلْقِيهِ بَعْضُهم لِبَعْضٍ تَلَهُّفًا عَلى عَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ مَن عَرَفُوهم مِنَ المُسْلِمِينَ مُكَنًّى بِهِ عَنْ مَلامِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عَلى تَحْقِيرِهِمُ المُسْلِمِينَ واعْتِرافِهِمْ بِالخَطَأِ في حُسْبانِهِمْ.

فَلَيْسَ الِاسْتِفْهامُ عَنْ عَدَمِ رُؤْيَتِهِمُ المُسْلِمِينَ في جَهَنَّمَ اسْتِفْهامًا حَقِيقِيًّا ناشِئًا عَنْ ظَنِّ أنَّهم يَجِدُونَ رِجالَ المُسْلِمِينَ مَعَهم إذْ لا يَخْطُرُ بِبالِ الطّاغِينَ أنْ يَكُونَ رِجالُ المُسْلِمِينَ مَعَهم، كَيْفَ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهم بِضِدِّ حالِهِمْ فَلا يَتَوَهَّمُونَهم مَعَهم في العَذابِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ حَقِيقِيًّا اسْتَفْهَمُوا عَنْ مَصِيرِ المُسْلِمِينَ لِأنَّهم لا يَرَوْنَهم يَوْمَئِذٍ، إذْ قَدْ عَلِمُوا أنَّ النّاسَ صارُوا إلى عالَمٍ آخَرَ وهو الَّذِي كانُوا يُنْذَرُونَ بِهِ، ويَكُونُ قَوْلُهم ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا﴾ إلَخْ؛ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِمْ ﴿أتَّخَذْناهم سُخْرِيًّا﴾ عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ الآتِي ذِكْرُهُما.

والأشْرارُ: جَمْعُ شَرٍّ الَّذِي هو بِمَعْنى الأشِرِّ، مِثْلُ الأخْيارِ جَمْعُ خَيْرٍ بِمَعْنى الأخْيَرِ، أوْ هو: جَمْعُ شِرِّيرٍ ضِدُّ الخَيْرِ، أيْ: المَوْصُوفُونَ بِشَرِّ الحالَةِ، أيْ: كُنّا نَحْسَبُهم أشْقِياءَ قَدْ خَسِرُوا لَذَّةَ الحَياةِ بِاتِّباعِهِمُ الإسْلامَ ورِضاهم بِشَظَفِ العَيْشِ، وهم يَعْنُونَ أمْثالَ بِلالٍ، وعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وصُهَيْبٍ، وخِبابٍ، وسَلْمانَ. ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم يَعُدُّونَهم أشْرارًا في الآخِرَةِ مُسْتَحِقِّينَ العَذابَ فَإنَّهم لَمْ يَكُونُوا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ”أتَّخَذْناهم“ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ هي هَمْزَةُ

صفحة ٢٩٣

الِاسْتِفْهامِ، وحُذِفَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ مِن فِعْلِ ”اتَّخَذْنا“ لِأنَّها لا تَثْبُتُ مَعَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الوَقْفِ عَلى هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَجُمْلَةُ ”أتَّخَذْناهم“ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ”ما لَنا لا نَرى رِجالًا“ .

و”أمْ“ حَرْفُ إضْرابٍ، والتَّقْدِيرُ: بَلْ زاغَتْ عَنْهم أبْصارُنا.

والزَّيْغُ: المَيلُ عَنِ الجِهَةِ، أيْ: مالَتْ أبْصارُنا عَنْ جِهَتِهِمْ فَلَمْ تَنْظُرْهم.

و”ال“ في ”الأبْصارِ“ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ: أبْصارُنا، فَيَكُونُ المَعْنى: أكانَ تَحْقِيرُنا إيّاهم في الدُّنْيا خَطَأٌ. وكُنِّيَ عَنْهُ بِاتِّخاذِهِمْ سُخْرِيًّا لِأنَّ في فِعْلِ ”أتَّخَذْناهم“ إيماءٌ إلى أنَّهم لَيْسُوا بِأهْلٍ لِلسُّخْرِيَةِ، وهَذا تَنَدُّمٌ مِنهم عَلى الِاسْتِسْخارِ بِهِمْ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ ”اتَّخَذْناهم“ بِهَمْزَةِ وصْلٍ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ صِفَةُ ”رِجالًا“ ثانِيَةٌ وعَلَيْهِ تَكَونُ ”أمْ“ مُنْقَطِعَةٌ لِلْإضْرابِ عَنْ قَوْلِهِمْ ”اتَّخَذْناهم سُخْرِيًّا“ أيْ بَلْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ.

والسُّخْرِيُّ: اسْمُ مَصْدَرِ؛ سَخِرَ مِنهُ: إذا اسْتَهْزَأ بِهِ، فالسُّخْرِيُّ: الِاسْتِهْزاءُ، وهو دالٌّ عَلى شَدَّةِ الِاسْتِهْزاءِ لِأنَّ ياءَهُ في الأصْلِ ياءُ نَسَبٍ وياءُ النَّسَبِ تَأْتِي لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ.

وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ بِضَمِّ السِّينِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِكَسْرِ السِّينِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ.

38:64Page 457

إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقّٞ تَخَاصُمُ أَهۡلِ ٱلنَّارِ ٦٤

Indeed, that is truth [i.e., reality] - the quarreling of the people of the Fire.

﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ تَذْيِيلٌ وتَنْهِيَةٌ لِوَصْفِ حالِ الطّاغِينَ وأتْباعِهِمْ، وعَذابِهِمْ، وجِدالِهِمْ.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ مَنظُورٌ فِيهِ لِما يَلْزَمُ الخَبَرَ مِنَ التَّعْرِيضِ بِوَعِيدِ المُشْرِكِينَ وإثْباتِ حَشْرِهِمْ وجَزائِهِمْ بِأنَّهُ حَقٌّ، أيْ: ثابِتٌ كَقَوْلِهِ ﴿وإنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ [الذاريات: ٦] .

صفحة ٢٩٤

والإشارَةُ إلى ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ المُقاوَلَةِ. وسُمِّيَتِ المُقاوَلَةُ تَخاصُمًا، أيْ: تَجادُلًا وإنْ لَمْ تَقَعْ بَيْنَهم مُجادَلَةٌ، فَإنَّ الطّاغِينَ لَمْ يُجِيبُوا الفَوْجَ عَلى قَوْلِهِ ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ [ص: ٦٠] ولَكِنْ لَمّا اشْتَمَلَتِ المُقاوَلَةُ عَلى ما هو أشَدُّ مِنَ الجِدالِ وهو قَولُ كُلِّ فَرِيقٍ لِلْآخَرِ ﴿لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ [ص: ٦٠] كانَ الذَّمُّ أشَدَّ مِنَ المُخاصَمَةِ فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ التَّخاصُمِ حَقِيقَةً. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِصامَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذانِ خَصْمانِ﴾ [الحج: ١٩] في سُورَةِ الحَجِّ.

وأُضِيفَ هَذا التَّخاصُمُ إلى أهْلِ النّارِ كُلِّهِمُ بِغالِبِ أهْلِها لِأنَّ غالِبَ أهْلِ النّارِ أهْلُ الضَّلالاتِ الِاعْتِقادِيَّةِ وهم لا يُعَدُّونَ أنَّ يَكُونُوا دُعاةً لِلضَّلالِ أوْ أتْباعًا لِلدُّعاةِ إلَيْهِ فَكُلُّهم يَجْرِي بَيْنَهم هَذا التَّخاصُمُ، أمّا مَن كانَ في النّارِ مِنَ العُصاةِ فَكَثِيرٌ مِنهم لَيْسَ عِصْيانُهم إلّا تَبَعًا لِهَواهُ مَعَ كَوْنِهِ عَلى عِلْمٍ بِأنَّ ما يَأْتِيهِ ضَلالَةٌ لَمْ يُسَوِّلْهُ لَهُ أحَدٌ.

وأهْلُ النّارِ هُمُ الخالدُونَ فِيها، كَقَوْلِهِمْ: أهَّلُ قَرْيَةِ كَذا، فَإنَّهُ لا يَشْمَلُ المُغْتَرِبَ بَيْنَهم، عَلى أنَّ وقْتَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ لَمْ يَكُنْ في مَكَّةِ غَيْرُ المُسْلِمِينَ الصّالِحِينَ وغَيْرُ المُشْرِكِينَ، فَوَصْفُ أهْلِ النّارِ يَوْمَئِذٍ لا يَتَحَقَّقُ إلّا في المُشْرِكِينَ دُونَ عُصاةَ المُسْلِمِينَ.

وقَوْلُهُ ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ إمّا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: وهو تُخاصُمُ أهْلِ النّارِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِزِيادَةِ بَيانِ مَدْلُولِ اسْمِ الإشارَةِ، أوْ هو مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ عَنْ إنَّ، أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مَن ”لَحَقٌ“ .

38:65–66Page 457

قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ مُنذِرٞۖ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ ٦٥

Say, [O Muḥammad], "I am only a warner, and there is not any deity except Allāh, the One, the Prevailing,1

رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفَّٰرُ ٦٦

Lord of the heavens and the earth and whatever is between them, the Exalted in Might,1 the Perpetual Forgiver."2

﴿قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ هَذا راجَعٌ إلى قَوْلِهِ ﴿وقاَلَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ [ص: ٤] إلى قَوْلِهِ ﴿أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ [ص: ٨] فَلَمّا ابْتَدَرَهُمُ الجَوابُ. عَنْ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ بِأنْ نَظَّرَ حالَهَمْ بِحالِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ مِن قَبْلِهِمْ ولِتَنْظِيرِ حالِ الرَّسُولِ ﷺ بِحالِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ صَبَرُوا، واسْتَوْعَبَ ذَلِكَ بِما فِيهِ مَقْنَعٌ عادَ الكَلامُ إلى تَحْقِيقِ مَقامِ الرَّسُولِ ﷺ مَن قَوْمِهِ فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَقُولَ إنَّما أنا مُنْذِرٌ مُقابِلَ قَوْلِهِمْ ﴿هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ [ص: ٤]

صفحة ٢٩٥

وأنْ يَقُولَ ما مِنَ إلَهٌ إلّا اللَّهُ مُقابِلَ إنْكارِهِمُ التَّوْحِيدَ كَقَوْلِهِمْ ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ [ص: ٥] فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ.

وذِكْرُ صِفَةِ الواحِدِ تَأْكِيدٌ لِمَدْلُولِ ”مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ إيماءً إلى رَدِّ إنْكارِهِمْ. وذِكْرُ صِفَةِ“ القَهّارِ ”تَعْرِيضٌ بِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى قَهْرِهِمْ، أيْ: غَلَبِهِمْ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى القَهْرِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] في سُورَةِ الأنْعامِ.

وإتْباعُ ذَلِكَ بِصِفَةِ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ تَصْرِيحٌ بِعُمُومِ رُبُوبِيَّتِهِ وأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ في شَيْءٍ مِنها.

ووَصْفُ“ العَزِيزُ " تَمْهِيدٌ لِلْوَصْفِ بِـ الغَفّارِ، أيْ: الغَفّارُ عَنْ عِزَّةٍ ومَقْدِرَةٍ لا عَنْ عَجْزٍ ومَلَقٍ أوْ مُراعاةِ جانِبٍ مُساوٍ.

والمَقْصُودُ مِن وصْفِ الغَفّارِ هُنا اسْتِدْعاءُ المُشْرِكِينَ إلى التَّوْحِيدِ بَعْدَ تَهْدِيدِهِمْ بِمُفادِ وصْفِ القَهّارِ لِكَيْ لا يَيْأسُوا مِن قَبُولِ التَّوْبَةِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ ما سِيقَ إلَيْهِمْ مِنَ الوَعِيدِ جَرْيًا عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ التَّرْهِيبِ بِالتَّرْغِيبِ والعَكْسِ.

38:67–70Page 457

قُلۡ هُوَ نَبَؤٌاْ عَظِيمٌ ٦٧

Say, "It is great news

أَنتُمۡ عَنۡهُ مُعۡرِضُونَ ٦٨

From which you turn away.

مَا كَانَ لِيَ مِنۡ عِلۡمِۭ بِٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَىٰٓ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ ٦٩

I had no knowledge of the exalted assembly [of angels] when they were disputing [the creation of Adam].

إِن يُوحَىٰٓ إِلَيَّ إِلَّآ أَنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٧٠

It has not been revealed to me except that I am a clear warner."

﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ إعادَةُ الأمْرِ بِالقَوْلِ هُنا مُسْتَأْنَفًا. والعُدُولُ عَنِ الإتْيانِ بِحَرْفٍ يَعْطِفُ المَقُولَ أعْنِي ﴿هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ عَلى المَقُولِ السّابِقِ؛ أعْنِي: أنا مُنْذِرٌ، عُدُولٌ يُشْعِرُ بِالِاهْتِمامِ بِمَقُولٍ هُنا كَيْ لا يُؤْتى بِهِ تابِعًا لِمَقُولٍ آخَرَ فَيَضْعُفُ تَصَدِّي السّامِعِينَ لِوَعْيِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْقِعِ الِاسْتِئْنافِ الِابْتِدائِيِّ انْتِقالًا مِن غَرَضِ وصْفِ أحْوالِ أهْلِ المَحْشَرِ إلى غَرَضِ قِصَّةِ

صفحة ٢٩٦

خَلْقِ آدَمَ وشَقاءِ الشَّيْطانِ، فَيَكُونُ ضَمِيرُ ”هو“ ضَمِيرَ شَأْنٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ وما يَبِينُ بِهِ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧١] جُعِلَ هَذا كالمُقَدِّمَةِ لِلْقِصَّةِ تَشْوِيقًا لِتَلَقِّيها فَيَكُونُ المُرادُ بِالنَّبَأِ نَبَأ خَلْقِ آدَمَ وما جَرى بَعْدَهُ، ويَكُونُ ضَمِيرُ ”يَخْتَصِمُونَ“ عائِدًا إلى المَلَأِ الأعْلى لِأنَّ المَلَأ جَماعَةٌ. ويُرادُ بِالِاخْتِصامِ: الِاخْتِلافُ الَّذِي جَرى بَيْنَ الشَّيْطانِ وبَيْنَ مَن بَلَغَ إلَيْهِ مِنَ المَلائِكَةِ أمْرُ اللَّهِ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، فالمَلائِكَةُ هُمُ المَلَأُ الأعْلى وكانَ الشَّيْطانُ بَيْنَهم فَعُدَّ مِنهم قَبْلَ أنْ يُطْرَدَ مِنَ السَّماءِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ إلَخْ؛ تَذْيِيلًا لِلَّذِي سَبَقَ مِن قَوْلِهِ ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٤٩] إلى هُنا، تَذْيِيلًا يُشْعِرُ بِالتَّنْوِيهِ بِهِ وبِطَلَبِ الإقْبالِ عَلى التَّدَبُّرِ فِيهِ والِاعْتِبارِ بِهِ.

وعَلَيْهِ يَكُونُ ضَمِيرُ ”هو“ ضَمِيرًا عائِدًا إلى الكَلامِ السّابِقِ عَلى تَأْوِيلِهِ بِالمَذْكُورِ فَلِذَلِكَ أُتِيَ لِتَعْرِيفِهِ بِضَمِيرِ المُفْرَدِ.

والمُرادُ بِالنَّبَأِ: خَبَرُ الحَشْرِ وما أُعِدَّ فِيهِ لِلْمُتَّقِينَ مِن حُسْنِ مَآبٍ، ولِلطّاغِينَ مِن شَرِّ مَآبٍ، ومِن سُوءِ صُحْبَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وتَراشُقِهِمْ بِالتَّأْنِيبِ والخِصامِ بَيْنَهم وهم في العَذابِ، وتَرَدُّدِهِمْ في سَبَبِ أنْ لَمْ يَجِدُوا مَعَهُمُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا يَعُدُّونَهم مِنَ الأشْرارِ.

ووَصْفُ النَّبَأِ بِـ عَظِيمٍ تَهْوِيلًا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ وعَظَمَةُ هَذا النَّبَأِ بَيْنَ الأنْباءِ مِن نَوْعِهِ مِن أنْباءِ الشَّرِّ مِثْلَ قَوْلِهِ: ”فَسادٌ كَبِيرٌ“ فَتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ”أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ“ .

فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِالمَلَأِ الأعْلى﴾ إلى قَوْلِهِ ”نَذِيرٌ مُبِينٌ“ اسْتِئْنافًا لِلِاسْتِدْلالِ عَلى صِدْقِ النَّبَأِ بِأنَّهُ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ ولَوْلا أنَّهُ وحْيٌ لَما كانَ لِلرَّسُولِ ﷺ قِبَلٌ بِمَعْرِفَةِ هَذِهِ الأحْوالِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤] ونَظائِرُ هَذا الِاسْتِدْلالِ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ.

صفحة ٢٩٧

وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا﴾ [ص: ٧١] إلى آخِرِهِ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا.

وعَلى هَذا فَضَمِيرُ يَخْتَصِمُونَ عائِدٌ إلى أهْلِ النّارِ مِن قَوْلِهِ ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ [ص: ٦٤] إذْ لا تَخاصُمَ بَيْنَ أهْلِ المَلَأِ الأعْلى.

والمَعْنى: ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِعالَمِ الغَيْبِ وما يَجْرِي فِيهِ مِنَ الإخْبارِ بِما سَيَكُونُ إذْ يَخْتَصِمُ أهْلُ النّارِ في النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ.

وعَلى كِلا التَّفْسِيرَيْنِ فَمَعْنى ”أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ“: أنَّهم غافِلُونَ عَنِ العِلْمِ بِهِ فَقَدْ أُعْلِمُوا بِالنَّبَأِ بِمَعْناهُ الأوَّلِ وسَيَعْلَمُونَ قَرِيبًا بِالنَّبَأِ بِمَعْناهُ الثّانِي.

وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ في قَوْلِهِ أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ لِإفادَةِ إثْباتِ إعْراضِهِمْ وتَمَكُّنُهُ مِنهم، فَأمّا إعْراضُهم عَنِ النَّبَأِ بِمَعْناهُ الأوَّلِ فَظاهِرٌ تَمَكُّنُهُ مِن نُفُوسِهِمْ لِأنَّهُ طالَما أنْذَرَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ ووَصَفَهُ فَلَمْ يَكْتَرِثُوا بِذَلِكَ ولا ارْعَوَوْا عَنْ كُفْرِهِمْ.

وأمّا إعْراضُهم عَنِ النَّبَأِ بِمَعْناهُ الثّانِي، فَتَأْوِيلُ تُمَكُّنِهِ مِن نُفُوسِهِمْ عَدَمُ اسْتِعْدادِهِمْ لِلِاعْتِبارِ بِمَغْزاهُ مِن تَحَقُّقَ أنَّ ما هم فِيهِ هو وسْوَسَةٌ مِنَ الشَّيْطانَ قَصْدًا لِلشَّرِّ بِهِمْ.

ولَعَلَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ هي أوَّلُ ما نَزَلَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ مِن ذِكْرِ قِصَّةِ خَلْقِ آدَمَ وسُجُودِ المَلائِكَةِ وإباءِ إبْلِيسَ مِنَ السُّجُودِ، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ سُوَرِ القُرْآنِ لا يُوجَدُ ذِكْرُ قِصَّةِ آدَمَ في سُورَةٍ نَزَلَتْ قَبْلَها.

فَذَلِكَ وجْهُ التَّوْطِئَةِ لِلْقِصَّةِ بِأسالِيبِ العِنايَةِ والِاهْتِمامِ مِمّا خَلا غَيْرُها عَنْ مِثْلِهِ وبِأنَّها نَبَأٌ كانُوا مُعْرِضِينَ عَنْهُ.

وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهُ أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ تَوْبِيخٌ لَهم وتَحْمِيقٌ.

وجُمْلَةُ ﴿ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِالمَلَأِ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ اعْتِراضُ إبْلاغٍ في التَّوْبِيخِ عَلى الإعْراضِ عَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ، وحُجَّةٌ عَلى تَحَقُّقِ النَّبَأِ بِسَبَبِ أنَّهُ مُوحًى بِهِ مِنَ اللَّهِ ولَيْسَ لِلرَّسُولِ ﷺ سَبِيلٌ إلى عِلْمِهِ لَوْلا وحْيُ اللَّهِ إلَيْهِ بِهِ. وذِكْرُ فِعْلِ كانَ دالٌّ عَلى أنَّ المَنفِيَّ عِلْمُهُ بِذَلِكَ فِيما مَضى مِنَ الزَّمَنِ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ بِذَلِكَ كَما

صفحة ٢٩٨

قالَ تَعالى ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤] وقَوْلِهِ ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ وما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [القصص: ٤٤] .

والباءُ في قَوْلِهِ ”بِالمَلَأِ الأعْلى“ عَلى كِلا المَعْنَيَيْنِ لِلنَّبَأِ، لِتَعْدِيَةِ عِلْمٍ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإحاطَةِ، وهو اسْتِعْمالٌ شائِعٌ في تَعْدِيَةِ العِلْمِ. ومِنهُ ما في حَدِيثِ سُؤالِ المَلَكَيْنِ في الصَّحِيحِ «فَيُقالُ لَهُ: ما عِلْمُكَ بِهَذا الرَّجُلِ» .

ويَجُوزُ عَلى المَعْنى الثّانِي في النَّبَأِ أنْ تَكُونَ الباءُ ظَرْفِيَّةً، أيْ: ما كانَ لِي عِلْمٌ كائِنٌ في المَلَأِ الأعْلى، أيْ: ما كُنْتَ حاضِرًا في المَلَأِ الأعْلى؛ فَهي كالباءِ في قَوْلِهِ ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ﴾ [القصص: ٤٤] .

والمَلَأُ: الجَماعَةُ ذاتُ الشَّأْنِ، ووَصْفُهُ بِـ الأعْلى لِأنَّ المُرادَ مَلَأُ السَّماواتِ وهُمُ المَلائِكَةُ ولَهم عُلُوٌّ حَقِيقِيٌّ وعُلُوٌّ مَجازِيٌّ بِمَعْنى الشَّرَفِ.

و”إذْ يَخْتَصِمُونَ“ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ أيْ حِينَ يَخْتَصِمُ أهْلُ المَلَأِ الأعْلى عَلى أحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ، أيْ: في حِينِ تَنازُعِ المَلائِكَةِ وإبْلِيسَ في السَّماءِ.

والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في مَوْضِعِ المُضِيِّ لِقَصْدِ اسْتِحْضارِ الحالَةِ، أوْ حِينَ يَخْتَصِمُ الطّاغُونَ وأتْباعُهم في النّارِ بَيْنَ يَدَيِ المَلَأِ الأعْلى، أيْ: مَلائِكَةِ النّارِ أوْ مَلائِكَةُ المَحْشَرِ، والمُضارِعُ عَلى أصْلِهِ مِنَ الِاسْتِقْبالِ.

والِاخْتِصامُ: افْتِعالٌ مِن خَصَمَهُ، إذا نازَعَهُ وخالَفَهُ؛ فَهو مُبالَغَةٌ في ”خَصَمَ“ .

وجُمْلَةُ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِالمَلَأِ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أيْ: ما عَلِمْتُ بِذَلِكَ النَّبَأِ إلّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ وإنَّما أوْحى اللَّهُ إلَيَّ ذَلِكَ لِأكُونَ نَذِيرًا مُبِينًا.

وقَدْ رُكِّبَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن طَرِيقَيْنِ لِلْقَصْرِ: أحَدُهُما طَرِيقُ النَّفْيِ والِاسْتِثْناءِ، والآخَرُ طَرِيقُ أنَما المَفْتُوحَةِ الهَمْزَةِ وهي أُخْتُ إنَّما المَكْسُورَةِ الهَمْزَةِ في مَعانِيها الَّتِي مِنها إفادَةُ الحَصْرِ، ولا التِفاتَ إلى قَوْلِ مَن نَفَوْا إفادَتَها الحَصْرَ فَإنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن

صفحة ٢٩٩

(أنَّ) المَفْتُوحَةِ الهَمْزَةِ وما الكافَّةِ ولَيْسَتْ (أنَّ) المَفْتُوحَةَ الهَمْزَةِ إلّا (إنَّ) المَكْسُورَةَ تُغَيَّرُ كَسْرَةُ هَمْزَتِها إلى فَتْحَةٍ لِتُفِيدَ مَعْنًى مَصْدَرِيًّا مُشْرَبًا بِـ (أنِ) المَصْدَرِيَّةِ إشْرابًا بَدِيعًا جُعِلَ شِعارُهُ فَتْحَ هَمْزَتِها لِتُشابِهَ (أنِ) المَصْدَرِيَّةَ في فَتْحِ الهَمْزَةِ وتُشابِهَ (إنَّ) في تَشْدِيدِ النُّونِ، وهَذا مِن دَقِيقِ الوَضْعِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ.

وتَكُونُ (أنَما) مَفْتُوحَةَ الهَمْزَةِ إذا جُعِلَتْ مَعْمُولَةً لِعامِلٍ في الكَلامِ. والَّذِي يَقْتَضِيهُ مَقامُ الكَلامِ هُنا أنَّ فَتْحَ هَمْزَةِ (أنَما) لِأجْلِ لامِ تَعْلِيلٍ مَقْدِرَةٍ مَجْرُورٍ بِها (أنَّما)، والتَّقْدِيرُ: إلّا لِأنَّما أنا نَذِيرٌ، أيْ: إلّا لِعِلَّةِ الإنْذارِ، أيْ: ما أُوحِيَ إلَيَّ نَبَأُ المَلَأِ الأعْلى إلّا لِأُنْذِرَكم بِهِ، أيْ: لَيْسَ لِمُجَرَّدِ القَصَصِ.

فالِاسْتِثْناءُ مِن عِلَلٍ، وقَدْ نُزِّلَ فِعْلُ (يُوحى) مَنزِلَةَ اللّازِمِ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ وحْيٌ فَلا يُقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ لِقِلَّةِ جَدْواهُ وإيثارِ جَدْوى تَعْلِيلِ الوَحْيِ.

وبِهَذا التَّقْدِيرِ تَكْمُلُ المُناسَبَةُ بَيْنَ مَوْقِعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ ومَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِالمَلَأِ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ المُبَيَّنَةِ بِها جُمْلَةُ ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ إذْ لا مُناسَبَةَ لَوْ جُعِلَ ”إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ“ مُسْتَثْنًى مِن نائِبِ فاعِلِ الوَحْيِ بِأنْ يُقَدَّرَ: إنْ يُوحى إلَيَّ شَيْءٌ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ شَيْءٌ إلّا كَوْنِي نَذِيرًا، وإنْ كانَ ذَلِكَ التَّقْدِيرُ قَدْ يَسْبِقُ إلى الوَهْمِ لَكِنَّهُ بِالتَّأمُّلِ يَتَّضِحُ رُجْحانُ تَقْدِيرِ العِلَّةِ عَلَيْهِ.

فَأفادَتْ جُمْلَةُ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ حَصْرَ حِكْمَةِ ما يَأْتِيهُ مِنَ الوَحْيِ في حُصُولِ الإنْذارِ وحَصْرَ صِفَةِ الرَّسُولِ ﷺ في صِفَةِ النِّذارَةِ، ويَسْتَلْزِمُ هَذانِ الحَصْرانِ حَصْرًا ثالثًا، وهو أنَّ إخْبارَ القُرْآنِ وحْيًا مِنَ اللَّهِ ولَيْسَتْ أساطِيرَ الأوَّلِينَ كَما زَعَمُوا.

فَحَصَلَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ ثَلاثَةُ حُصُورٍ: اثْنانِ مِنها بِصَرِيحِ اللَّفْظِ، والثّالثُ بِكِنايَةِ الكَلامِ، وإلى هَذا المَعْنى أشارَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ [القصص: ٤٦] وهَذِهِ الحُصُورُ: اثْنانِ مِنها إضافِيّانِ، وهُما قَصَرُ ما يُوحى إلَيْهِ عَلى عِلَّةِ النِّذارَةِ وقَصْرِ الرَّسُولِ ﷺ عَلى صِفَةِ النِّذارَةِ، وكِلاهُما قَلْبٌ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهم يَسْمَعُونَ القُرْآنَ لِيَتَّخِذُوهُ لَعِبًا

صفحة ٣٠٠

واعْتِقادِهِمْ أنَّ الرَسُولَ ﷺ ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ. وعُلِمَ مِن هَذا أنَّ ذِكْرَ نَبَأِ خَلْقِ آدَمَ قُصِدَ بِهِ الإنْذارُ مِن كَيْدِ الشَّيْطانِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ”إلّا إنَّما“ بِكَسْرِ هَمْزَةِ ”إنَّما“ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: ما يُوحى إلّا هَذا الكَلامُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском