Ibn 'AshurSad · 38:9–16

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Sad 38:9–16

38:9Page 453

أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَحۡمَةِ رَبِّكَ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡوَهَّابِ ٩

Or do they have the depositories of the mercy of your Lord, the Exalted in Might, the Bestower?1

﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾ (أمْ) مُنْقَطِعَةٌ وهي لِلْإضْرابِ أيْضًا وهو إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ، فَإنَّ (أمْ) مُشْعِرَةٌ بِاسْتِفْهامٍ بَعْدَها هو لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ إنْكارًا لِقَوْلِهِمْ ﴿أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ [ص: ٨] أيْ لَيْسَتْ خَزائِنُ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَهم فَيَتَصَدَّوْا لِحِرْمانِ مَن يَشاءُونَ حِرْمانَهُ مِن مَواهِبِ الخَيْرِ، فَإنَّ المَواهِبَ مِنَ اللَّهِ يُصِيبُ بِها مَن يَشاءُ، فَهو يَخْتارُ لِلنُّبُوءَةِ مَن

صفحة ٢١٦

يَصْطَفِيهِ ولَيْسَ الِاخْتِيارُ لَهم فَيَجْعَلُوا مَن لَمْ يُقَدِّمُوهُ عَلَيْهِمْ في دِينِهِمْ غَيْرَ أهْلٍ لِأنْ يَخْتارَهُ اللَّهُ.

وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلِاهْتِمامِ لِأنَّهُ مَناطُ الإنْكارِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢] .

والخَزائِنُ: جَمْعُ خِزانَةٍ بِكَسْرِ الخاءِ. وهي البَيْتُ الَّذِي يُخَزَّنُ فِيهِ المالُ أوِ الطَّعامُ، ويُطْلَقُ أيْضًا عَلى صُنْدُوقٍ مِن خَشَبٍ أوْ حَدِيدٍ يُخَزَّنُ فِيهِ المالُ.

والخَزْنُ: الحِفْظُ والحِرْزُ. والرَّحْمَةُ: ما بِهِ رِفْقٌ بِالغَيْرِ وإحْسانٌ إلَيْهِ، شُبِّهَتْ رَحْمَةُ اللَّهِ بِالشَّيْءِ النَّفِيسِ المَخْزُونِ الَّذِي تَطْمَحُ إلَيْهِ النُّفُوسُ في أنَّهُ لا يُعْطى إلّا بِمَشِيئَةِ خازِنِهِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ. وإثْباتُ الخَزائِنِ: تَخْيِيلٌ مِثْلَ إثْباتِ الأظْفارِ لِلْمُنْيَةِ، والإضافَةُ عَلى مَعْنى لامِ الِاخْتِصاصِ.

والعُدُولُ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ إلى وصْفٍ لِأنَّ لَهُ مَزِيدَ مُناسَبَةٍ لِلْغَرَضِ الَّذِي الكَلامُ فِيهِ إيماءً إلى أنَّ تَشْرِيفَهُ إيّاهُ بِالنُّبُوءَةِ مِن آثارِ صِفَةِ رُبُوبِيَّتِهِ لَهُ؛ لِأنَّ وصْفَ الرَّبِّ مُؤْذِنٌ بِالعِنايَةِ والإبْلاغِ إلى الكَمالِ. وأُجْرِيَ عَلى الرَّبِّ صِفَةُ ”العَزِيزِ“ لِإبْطالِ تَدَخُّلِهِمْ في تَصَرُّفاتِهِ، وصِفَةُ ”الوَهّابِ“ لِإبْطالِ جَعْلِهِمُ الحِرْمانَ مِنَ الخَيْرِ تابِعًا لِرَغَباتِهِمْ دُونَ مَوادَّةِ اللَّهِ تَعالى.

والعَزِيزُ: الَّذِي لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، والوَهّابُ: الكَثِيرُ المَواهِبِ فَإنَّ النُّبُوءَةَ رَحْمَةٌ عَظِيمَةٌ فَلا يُخَوَّلُ إعْطاؤُها إلّا لِشَدِيدِ العِزَّةِ وافِرِ المَوْهِبَةِ.

38:10Page 453

أَمۡ لَهُم مُّلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ فَلۡيَرۡتَقُواْ فِي ٱلۡأَسۡبَٰبِ ١٠

Or is theirs the dominion of the heavens and the earth and what is between them? Then let them ascend through [any] ways of access.1

﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ إلى رَدٍّ يَأْتِي عَلى جَمِيعِ مَزاعِمِهِمْ ويَشْمَلُ بِإجْمالِهِ جَمِيعَ النُّقُوضِ التَّفْصِيلِيَّةِ لِمَزاعِمِهِمْ بِكَلِمَةٍ جامِعَةٍ كالحَوْصَلَةِ، فَيُشْبِهُ التَّذْيِيلَ لِما يَتَضَمَّنُهُ مِن عُمُومِ المُلْكِ وعُمُومِ الأماكِنِ المُقْتَضِي عُمُومَ العِلْمِ وعُمُومَ التَّصَرُّفِ، يُنْعى عَلَيْهِمْ قَوْلُهم في المُغَيَّباتِ بِلا عِلْمٍ، وتَحَكُّمُهم في مَراتِبِ المَوْجُوداتِ بِدُونِ قُدْرَةٍ ولا غِنًى.

صفحة ٢١٧

والِاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ بَعْدَ (أمِ) المُنْقَطِعَةِ تَهَكُّمِيٌّ ولَيْسَ إنْكارِيًا لِأنَّ تَفْرِيعَ أمْرِ التَّعْجِيزِ عَلَيْهِ يُعَيِّنُ أنَّهُ تَهَكُّمِيٌّ.

فالمَعْنى: إنْ كانَ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فَكانَ لَهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَلْيَصَّعَّدُوا إنِ اسْتَطاعُوا في أسْبابِ السَّماواتِ لِيُخْبَرُوا حَقائِقَ الأشْياءِ فَيَتَكَلَّمُوا عَنْ عِلْمٍ في كُنْهِ الإلَهِ وصِفاتِهِ، وفي إمْكانِ البَعْثِ وعَدَمِهِ، وفي صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ أوْ ضِدِّهِ، ولِيَفْتَحُوا خَزائِنَ الرَّحْمَةِ فَيُفِيضُوا مِنها عَلى مَن يُعْجِبُهم ويَحْرِمُوا مَن لا يَرْمُقُونَهُ بِعَيْنِ اسْتِحْسانٍ.

والأمْرُ في ”فَلْيَرْتَقُوا“ لِلتَّعْجِيزِ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ [الحج: ١٥] .

والتَّعْرِيفُ في الأسْبابِ لِعَهْدِ الجِنْسِ لِأنَّ المَعْرُوفَ أنَّ لِكُلِّ مَحَلٍّ مُرْتَفِعٍ أسْبابًا يُصْعَدُ بِها إلَيْهِ كَقَوْلِ زُهَيْرٍ:

ومَن هابَ أسْبابَ المَنايا يَنَلْنَهُ وإنْ يَرْقَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ

وقَوْلِ الأعْشى:

فَلَوْ كُنْتَ في حِبِّ ثَمانِينَ قامَةً ∗∗∗ ورُقِّيتَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ

والسَّبَبُ: الحَبْلُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الصّاعِدُ إلى النَّخْلَةِ لِلْجِذاذِ، فَإنْ جُعِلَ مِن حَبْلَيْنِ ووُصِلَ بَيْنَ الحَبْلَيْنِ بِحِبالٍ مُعْتَرِضَةٍ مَشْدُودَةٍ أوْ بِأعْوادٍ بَيْنَ الحَبْلَيْنِ مَضْفُورٍ عَلَيْها جَنْبَتا الحَبْلَيْنِ فَهو السُّلَّمُ.

وحَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ الأسْبابِ حَتّى كَأنَّها ظُرُوفٌ مُحِيطَةٌ بِالمُرْتَقِينَ.

38:11Page 453

جُندٞ مَّا هُنَالِكَ مَهۡزُومٞ مِّنَ ٱلۡأَحۡزَابِ ١١

[They are but] soldiers [who will be] defeated there among the companies [of disbelievers].

﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا يَتَّصِلُ بِقَوْلِهِ ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ [ص: ٣] الآيَةَ، أُرِيدَ بِهِ وصْلُ الكَلامِ السّابِقِ فَإنَّهُ تَقَدَّمَ قَوْلَهُ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ [ص: ٢] وتَلاهُ قَوْلُهُ ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ [ص: ٣] الآيَةَ. فَلَمّا تَقَضّى الكَلامُ عَلى تَفْصِيلِ ما لِلَّذِينِ كَفَرُوا مِن عِزَّةٍ وشِقاقٍ وما لِذَلِكَ مِنَ الآثارِ ثُنِيَ العِنانُ إلى

صفحة ٢١٨

تَفْصِيلِ ما أُهْلِكَ مِنَ القُرُونِ أمْثالِهِمْ مِن قَبْلِهِمْ في الكُفْرِ لِيُفْضِيَ بِهِ إلى قَوْلِهِ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ [ص: ١٢] إلى قَوْلِهِ ”﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾ [ص: ١٤]“ .

فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ [ص: ١٢] بَدَلًا مِن جُمْلَةِ ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا مُسْتَقِلًّا خارِجًا مَخْرَجَ البِشارَةِ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ هَؤُلاءِ جُنْدٌ مِنَ الأحْزابِ مَهْزُومٌ، أيْ مُقَدَّرٌ انْهِزامُهُ في القَرِيبِ، وهَذِهِ البِشارَةُ مُعْجِزَةٌ مِنَ الإخْبارِ بِالغَيْبِ خَتَمَ بِها وصْفَ أحْوالِهِمْ. قالَ قَتادَةُ: وعَدَ اللَّهُ أنَّهُ سَيَهْزِمُهم وهم بِمَكَّةَ فَجاءَ تَأْوِيلُها يَوْمَ بَدْرٍ. وقالَ الفَخْرُ: إشارَةٌ إلى فَتْحِ مَكَّةَ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إشارَةٌ إلى نَصْرِ يَوْمِ الخَنْدَقِ.

وعادَةُ الأخْبارِ الجارِيَةِ مَجْرى البِشارَةِ أوِ النِّذارَةِ بِأمْرٍ مَغِيبٍ أنْ تَكُونَ مَرْمُوزَةً، والرَّمْزُ في هَذِهِ البِشارَةِ هو اسْمُ الإشارَةِ مِن قَوْلِهِ ”هُنالِكَ“ فَإنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَصْلُحُ لِأنْ يُشارَ إلَيْهِ بِدُونِ تَأوُّلٍ فَلْنَجْعَلْهُ إشارَةً إلى مَكانٍ أطْلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ نَبِيئَهُ ﷺ وهو مَكانُ بَدْرٍ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ الأحْزابِ في هَذِهِ الآيَةِ إشارَةً خَفِيَّةً إلى انْهِزامِ الأحْزابِ أيْامَ الخَنْدَقِ فَإنَّها عُرِفَتْ بِغَزْوَةِ الأحْزابِ. وسَمّاهُمُ اللَّهُ الأحْزابَ في السُّورَةِ الَّتِي نَزَلَتْ فِيهِمْ، فَتَكُونُ تِلْكَ التَّسْمِيَةُ إلْهامًا كَما ألْهَمَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ فَسَمَّوْا حَجَّةَ النَّبِيءِ ﷺ حَجَّةَ الوَداعِ وهو يَوْمَئِذٍ بَيْنَهم سَلِيمُ المِزاجِ، وهَذا في عِدادِ المُعْجِزاتِ الخَفِيَّةِ الَّتِي جَمَعْنا طائِفَةً مِنها في كِتابٍ خاصٍّ. ولَعَلَّ اخْتِيارَ اسْمِ الإشارَةِ البَعِيدِ رَمْزٌ إلى أنَّ هَذا الِانْهِزامَ سَيَكُونُ في مَكانٍ بَعِيدٍ غَيْرِ مَكَّةَ فَلا تَكُونُ الآيَةُ مُشِيرَةً إلى فَتْحِ مَكَّةَ لِأنَّ ذَلِكَ الفَتْحَ لَمْ يَقَعْ فِيهِ عَذابٌ لِلْمُكَذِّبِينَ بَلْ عَفا اللَّهُ عَنْهم وكانُوا الطُّلَقاءَ.

وهَذِهِ الإشارَةُ قَدْ عَلِمَها النَّبِيءُ ﷺ وهي مِنَ الأسْرارِ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ حَتّى كانَ المُسْتَقْبِلَ تَأْوِيلَها كَما عَلِمَ يَعْقُوبُ سِرَّ رُؤْيا ابْنِهِ يُوسُفَ، فَقالَ لَهُ ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ﴾ [يوسف: ٥]، ولَمْ يَعْلَمْ يُوسُفُ تَأْوِيلَها إلّا يَوْمَ قالَ ﴿يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠] يُشِيرُ إلى سُجُودِ أبَوَيْهِ لَهُ.

صفحة ٢١٩

وأمّا ظاهِرُ الآيَةِ الَّذِي تَلَقّاهُ النّاسُ يَوْمَ نُزُولِها فَهو أنَّ الجُنْدَ هم كُفّارُ أهْلِ مَكَّةَ وأنَّ التَّنْوِينَ فِيهِ لِلنَّوْعِيَّةِ، أيْ ما هم إلّا جُنْدٌ مِنَ الجُنُودِ الَّذِينَ كَذَّبُوا فَأُهْلِكُوا، وأنَّ الإشارَةَ بِ ”هُنالِكَ“ إلى مَكانٍ اعْتِبارِيٍّ وهو ما هم فِيهِ مِنَ الرِّفْعَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ العُرْفِيَّةِ وأنَّ الِانْهِزامَ مُسْتَعارٌ لِإضْعافِ شَوْكَتِهِمْ، وعَلى التَّفْسِيرَيْنِ الظّاهِرِ والمُئَوَّلِ لا تَعْدُو الآيَةُ أنْ تَكُونَ تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ ﷺ وتَثْبِيتًا لَهُ وبِشارَةً بِأنَّ دِينَهُ سَيَظْهَرُ عَلَيْهِمْ.

والجُنْدُ: الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ، قالَ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ [البروج: ١٧] ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ [البروج: ١٨] .

و(ما) حَرْفٌ زائِدٌ يُؤَكِّدُ مَعْنى ما قَبْلَهُ فَهي تَوْكِيدٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ ”جُنْدٌ“ بِمَعْناهُ، وتَنْكِيرُهُ لِلتَّعْظِيمِ، أيْ جُنْدٌ عَظِيمٌ؛ لِأنَّ التَّنْوِينَ وإنْ دَلَّ عَلى التَّعْظِيمِ فَلَيْسَ نَصًّا فَصارَ بِالتَّوْكِيدِ نَصًّا. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَإنْ كانَتِ الآيَةُ مُشِيرَةً إلى يَوْمِ بَدْرٍ فَتَعْظِيمُ ”جُنْدٌ“ لِأنَّ رِجالَهُ عُظَماءُ قُرَيْشٍ مِثْلَ أبِي جَهْلٍ وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وإنْ كانَتْ مُشِيرَةً إلى يَوْمِ الأحْزابِ فَتَعْظِيمُ ”جُنْدٌ“ لِكَثْرَةِ رِجالِهِ مِن قَبائِلِ العَرَبِ.

ووَصْفُ ”جُنْدٌ“ بِ ”مَهْزُومٌ“ عَلى مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، أيْ سَيُهْزَمُ، واسْمُ المَفْعُولِ كاسْمِ الفاعِلِ مَجازٌ في الِاسْتِقْبالِ، والقَرِينَةُ حالِيَّةٌ وهو مِن بابِ اسْتِعْمالِ ما هو لِلْحالِ في مَعْنى المُسْتَقْبَلِ تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، فَكَأنَّهُ مِنَ القُرْبِ بِحَيْثُ هو كالواقِعِ في الحالِ.

والأحْزابُ: الَّذِينَ عَلى رَأْيٍ واحِدٍ يَتَحَزَّبُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأحْزابِ.

و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ. والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الجُنْدَ مِن جُمْلَةِ الأُمَمِ وهو تَعْرِيضٌ لَهم بِالوَعِيدِ بِأنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِالأُمَمِ، قالَ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ [غافر: ٣٠] .

38:12–14Page 453

كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَعَادٞ وَفِرۡعَوۡنُ ذُو ٱلۡأَوۡتَادِ ١٢

The people of Noah denied before them, and [the tribe of] ʿAad and Pharaoh, the owner of stakes,1

وَثَمُودُ وَقَوۡمُ لُوطٖ وَأَصۡحَٰبُ لۡـَٔيۡكَةِۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡأَحۡزَابُ ١٣

And [the tribe of] Thamūd and the people of Lot and the companions of the thicket [i.e., people of Madyan]. Those are the companies.1

إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ١٤

Each of them denied the messengers, so My penalty was justified.

صفحة ٢٢٠

”﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ ﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ لَيْكَةَ أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾“ لَمّا كانَ قَوْلُهُ ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ [ص: ١١] تَسْلِيَةً لِلنَّبِيءِ ﷺ ووَعْدًا لَهُ بِالنَّصْرِ وتَعْرِيضًا بِوَعِيدِ مُكَذِّبِيهِ بِأنَّهم صائِرُونَ إلى ما صارَتْ إلَيْهِ الأحْزابُ الَّذِينَ هَؤُلاءِ مِنهم كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، جِيءَ بِما هو كالبَيانِ لِهَذا التَّعْرِيضِ. والدَّلِيلُ عَلى المَصِيرِ المَقْصُودِ عَلى طَرِيقَةِ قِياسِ المُساواةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ: إمّا بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ”جُنْدٌ ما هُنالِكَ“ إلَخْ، وإمّا اسْتِئْنافٌ ولِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنِ الَّتِي قَبْلَها.

وحُذِفَ مَفْعُولُ ”كَذَّبَتْ“ لِأنَّهُ سَيَرِدُ ما يُبَيِّنُهُ في قَوْلِهِ ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ كَما سَيَأْتِي. وخَصَّ فِرْعَوْنَ بِإسْنادِ التَّكْذِيبِ إلَيْهِ دُونَ قَوْمِهِ لِأنَّ اللَّهَ أرْسَلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى فِرْعَوْنَ لِيُطْلِقَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَكَذَّبَ مُوسى، فَأمَرَ اللَّهُ مُوسى بِمُجادِلَةِ فِرْعَوْنَ لِإبْطالِ كُفْرِهِ، فَتَسَلْسَلَ الجِدالُ في العَقِيدَةِ ووَجَبَ إشْهارُ أنَّ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ في ضَلالٍ لِئَلّا يَغْتَرَّ بَنُو إسْرائِيلَ بِشُبُهاتِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ كانَ فِرْعَوْنُ عَقِبَ ذَلِكَ مُضْمِرًا أذى مُوسى ومُعْلِنًا بِتَكْذِيبِهِ.

ووُصِفَ فِرْعَوْنُ بِأنَّهُ بِ ”﴿ذُو الأوْتادِ﴾“ لِعَظَمَةِ مُلْكِهِ وقُوَّتِهِ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِيَحُولَ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَذابِ اللَّهِ. وأصْلُ الأوْتادِ أنَّهُ: جَمْعُ وتِدٍ بِكَسْرِ التّاءِ: عُودٌ غَلِيظٌ لَهُ رَأْسٌ مُفَلْطَحٌ يُدَقُّ في الأرْضِ لِيُشَدَّ بِهِ الطُّنُبُ، وهو الحَبْلُ العَظِيمُ الَّذِي تُشَدُّ بِهِ شَقَّةُ البَيْتِ والخَيْمَةِ فَيُشَدُّ إلى الوَتِدِ وتُرْفَعُ الشَّقَّةُ عَلى عِمادِ البَيْتِ، قالَ الأفْوَهُ الأوْدَيُّ:

والبَيْتُ لا يُبْتَنى إلّا عَلى عَمَدٍ ولا عِمادَ إذا لَمْ تُرْسَ أوْتادِ

و”الأوْتادُ“ في الآيَةِ مُسْتَعارٌ لِثَباتِ المُلْكِ والعِزِّ، كَما قالَ الأسْوَدُ بْنُ يَعْفُرَ:

ولَقَدْ غَنَوْا فِيها بِأنْعَمِ عِيشَةٍ ∗∗∗ في ظِلِّ مُلْكٍ ثابِتِ الأوْتادِ

وقِيلَ: الأوْتادُ: البِناءاتُ الشّاهِقَةُ. وهو عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضِّحاكِ، سُمِّيَتِ الأبْنِيَةُ أوْتادًا لِرُسُوخِ أُسُسِها في الأرْضِ.

صفحة ٢٢١

وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي يَتَأيَّدُ بِمُطابَقَةِ التّارِيخِ فَإنَّ فِرْعَوْنَ المَعْنِيَّ في هَذِهِ الآيَةِ هو (مِنفِتاحُ الثّانِي) الَّذِي خَرَجَ بَنُو إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ في زَمَنِهِ، وهو مِن مُلُوكِ العائِلَةِ التّاسِعَةَ عَشْرَةَ في تَرْتِيبِ الأُسَرِ الَّتِي تَداوَلَتْ مُلْكَ مِصْرَ، وكانَتْ هَذِهِ العائِلَةُ مُشْتَهِرَةً بِوَفْرَةِ المَبانِي الَّتِي بَناها مُلُوكُها مِن مَعابِدَ ومَقابِرَ، وكانَتْ مُدَّةُ حُكْمِهِمْ مِائَةً وأرْبَعًا وسَبْعِينَ سَنَةً مِن سَنَةِ ١٤٦٢ قَبْلَ المَسِيحِ إلى سَنَةِ ١٢٨٨ ق. م.

وقالَ الأُسْتاذُ مُحَمَّدٌ عَبْدُهْ في تَفْسِيرِهِ لِلْجُزْءِ الثَلاثِينَ مِنَ القُرْآنِ في سُورَةِ الفَجْرِ: ”وما أجْمَلَ التَّعْبِيرَ عَمّا تَرَكَ المِصْرِيُّونَ مِنَ الأبْنِيَةِ الباقِيَةِ بِالأوْتادِ، فَإنَّها هي الأهْرامُ ومَنظَرُها في عَيْنِ الرّائِي مَنظَرُ الوَتَدِ الضَّخْمِ المَغْرُوزِ في الأرْضِ“ اهـ. وأكْثَرُ الأهْرامِ بُنِيَتْ قَبْلَ زَمَنِ فِرْعَوْنَ مُوسى مِنفِتاحَ الثّانِي، فَكانَ مِنفِتاحُ هَذا مالِكَ تِلْكَ الأهْرامِ فَإنَّهُ يَفْتَخِرُ بِعَظَمَتِها، ولَيْسَ يُفِيدُ قَوْلُهُ ﴿ذُو الأوْتادِ﴾ أكْثَرَ مِن هَذا المَعْنى إذْ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ هو البانِيَ تِلْكَ الأهْرامِ. وذَلِكَ كَما يُقالُ: ذُو النِّيلِ، وقالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ ﴿وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١] .

وأمّا ثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ فَتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِمْ غَيْرَ مَرَّةٍ.

وأصْحابُ لَيْكَةَ: هم أهْلُ مَدْيَنَ، وقَدْ تَقَدَّمَ خَبَرُهم وتَحْقِيقُ أنَّهم مِن قَوْمِ شُعَيْبٍ وأنَّهم مُخْتَلِطُونَ مَعَ مَدْيَنَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ.

وتَقْدِيمُ ذِكْرِ فِرْعَوْنَ عَلى ثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وأصْحابِ لَيْكَةَ مَعَ أنَّ قِصَّتَهُ حَدَثَتْ بَعْدَ قَصَصِهِمْ لِأنَّ حالَهُ مَعَ مُوسى أشْبَهُ بِحالِ زُعَماءِ أهْلِ الشِّرْكِ بِمَكَّةَ مِن أحْوالِ الأُمَمِ الأُخْرى، فَإنَّهُ قاوَمَ مُوسى بِجَيْشٍ كَما قاوَمَ المُشْرِكُونَ المُسْلِمِينَ بِجُيُوشٍ.

وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ”كَذَّبَتْ قَبْلَهم“ وجُمْلَةِ ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ .

واسْمُ الإشارَةِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْظِيمِ، أيْ تَعْظِيمِ القُوَّةِ.

والتَّعْرِيفُ في ”الأحْزابِ“ اسْتِغْراقٌ ادِّعائِيٌّ وهو المُسَمّى بِالدَّلالَةِ عَلى مَعْنى الكَمالِ مِثْلَ: هُمُ القَوْمُ وأنْتَ الرَّجُلُ.

والحَصْرُ المُسْتَفادُ مِن تَعْرِيفِ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ حَصْرٌ ادِّعائِيٌّ، قُصِرَتْ صِفَةُ

صفحة ٢٢٢

الأحْزابِ عَلى المُشارِ إلَيْهِمْ بِ ”أُولَئِكَ“ بِادِّعاءِ الأُمَمِ، وأنَّ غَيْرَهم لَمّا يَبْلُغُوا مَبْلَغَ أنْ يُعَدُّوا مِنَ الأحْزابِ، فَظاهِرُ القِصَرِ ولامُ الكَمالِ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الكَمالِ كَقَوْلِ الأشْهَبِ بْنِ رُمَيْلَةَ:

وإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلْجٍ دِماؤُهم ∗∗∗ هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أُمَّ خالِدِ

والمَعْنى: أُولَئِكَ المَذْكُورُونَ هُمُ الأُمَمُ لا تُضاهِيهِمْ أُمَمٌ في القُوَّةِ والشِّدَّةِ. وهَذا تَعْرِيضٌ بِتَخْوِيفِ مُشْرِكِي العَرَبِ مِن أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ ما نَزَلْ بِأُولَئِكَ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مَن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ [غافر: ٢١] ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [غافر: ٢٢] في سُورَةِ غافِرٍ.

وجُمْلَةُ ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ”وأصْحابُ لَيْكَةَ، أخْبَرَ أوَّلًا عَنْهم بِأنَّهم كَذَّبُوا وأكَّدَ ذَلِكَ بِالإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم لَيْسُوا إلّا مُكَذِّبِينَ عَلى وجْهِ الحَصْرِ، كَأنَّهم لا صِفَةَ لَهم إلّا تَكْذِيبُ الرُّسُلِ لِتَوَغُّلِهِمْ فِيها وكَوْنِها هِجِّيراهم.

و(إنْ) نافِيَةٌ، وتَنْوِينُ (كُلٌّ) تَنْوِينُ عِوَضٍ، والتَّقْدِيرُ: إنْ كُلُّهم.

وجِيءَ بِالمُسْنَدِ فِعْلًا في قَوْلِهِ“ ﴿كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ ”لِيُفِيدَ تَقْدِيمَ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلَيْهِ تَخْصِيصَ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالمُسْنَدِ الفِعْلِيِّ فَحَصَلَ بِهَذا النَّظْمِ أكِيدُ الحَصْرِ.

وتَعْدِيَةُ“ كَذَّبَ ”إلى الرُّسُلِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ مَعَ أنَّ كُلَّ أُمَّةٍ إنَّما كَذَّبَتْ رَسُولَها، مَقْصُودٌ مِنهُ تَفْظِيعُ التَّكْذِيبِ لِأنَّ الأُمَّةَ إنَّما كَذَّبَتْ رَسُولَها مُسْتَنِدَةً لِحُجَّةٍ سُفُسْطائِيَّةٍ هي اسْتِحالَةُ أنْ يَكُونَ واحِدٌ مِنَ البَشَرِ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ، فَهَذِهِ السَّفْسَطَةُ تَقْتَضِي أنَّهم يُكَذِّبُونَ جَمِيعَ الرُّسُلِ.

وقَدْ حَصَلَ تَسْجِيلُ التَّكْذِيبِ عَلَيْهِمْ بِفُنُونٍ مِن تَقْوِيَةِ ذَلِكَ التَّسْجِيلِ وهي إبْهامُ مَفْعُولِ“ كَذَّبَتْ ”في قَوْلِهِ“ كَذَّبَتْ قَبْلَهم ”ثُمَّ تَفْصِيلُهُ بِقَوْلِهِ“ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ ”وما في قَوْلِهِ ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ مِنَ الحَصْرِ، وما في تَأْكِيدِهِ بِالمُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ“ إلّا كَذَّبَ ”، وما في جَعْلِ المُكَذَّبِ بِهِ جَمِيعَ الرُّسُلِ،

صفحة ٢٢٣

فَأنْتَجَ ذَلِكَ التَّسْجِيلُ اسْتِحْقاقَهم عَذابَ اللَّهِ في قَوْلِهِ“ ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾ "، أيْ عِقابِي، فَحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ وأُبْقِيَتِ الكَسْرَةُ في حالَةِ الوَصْلِ.

وحَقَّ: تَحَقَّقَ، أيْ كانَ حَقًّا، لِأنَّهُ اقْتَضاهُ عَظِيمُ جُرْمِهِمْ. والعِقابُ: هو ما حَلَّ بِكُلِّ أُمَّةٍ مِنهم مِنَ العَذابِ وهو الغَرَقُ والتَّمْزِيقُ بِالرِّيحِ، والغَرَقُ أيْضًا، والصَّيْحَةُ، والخَسْفُ، وعَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ.

وفِي هَذا تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ بِعَذابٍ مِثْلِ عَذابِ أُولَئِكَ لِاتِّحادِهِمْ في مُوجِبِهِ.

38:15Page 453

وَمَا يَنظُرُ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ مَّا لَهَا مِن فَوَاقٖ ١٥

And these [disbelievers] await not but one blast [of the Horn]; for it there will be no delay.1

﴿وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِن فَواقٍ﴾ لَمّا أشْعَرَ قَوْلُهُ ”﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾ [ص: ١٤]“ بِتَهْدِيدِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ بِعَذابٍ يَنْتَظِرُهم جَرْيًا عَلى سُنَّةِ اللَّهِ في جَزاءِ المُكَذِّبِينَ رُسُلَهُ، عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ الإخْبارِ عَنْ حُلُولِ العَذابِ بِالأحْزابِ السّابِقِينَ جُمْلَةُ تَوَعُّدٍ بِعَذابِ الَّذِينَ ماثَلُوهم في التَّكْذِيبِ.

و”هَؤُلاءِ“ إشارَةٌ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ لِأنَّ تَجَدُّدَ دَعْوَتِهِمْ ووَعِيدِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ يَوْمًا فَيَوْمًا جَعَلَهم كالحاضِرِينَ، فَكانَتِ الإشارَةُ مَفْهُومًا مِنها أنَّها إلَيْهِمْ، وقَدْ تَتَبَّعْتُ اصْطِلاحَ القُرْآنِ فَوَجَدْتُهُ إذا اسْتَعْمَلَ ”هَؤُلاءِ“ ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ مُشارٌ إلَيْهِ مَذْكُورٌ: أنَّهُ يُرِيدُ بِهِ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ كَما نَبَّهْتُ عَلَيْهِ فِيما مَضى غَيْرَ مَرَّةٍ.

و”يَنْظُرُ“ مُشْتَقٌّ مِنَ النَّظَرِ بِمَعْنى الِانْتِظارِ قالَ تَعالى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، أيْ ما يَنْتَظِرُ المُشْرِكُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيْامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ [يونس: ١٠٢] .

والمُتَبادَرُ مِنَ الآيَةِ أنَّها تَهْدِيدٌ بِصَيْحَةٍ صاعِقَةٍ ونَحْوِها كَصَيْحَةِ ثَمُودَ أوْ صَيْحَةِ النَّفْخِ في الصُّورِ الَّتِي يَقَعُ عِنْدَها البَعْثُ لِلْجَزاءِ، ولَكِنْ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ آنِفًا مِن أنَّ قَوْلَهَ تَعالى ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ [ص: ١١] إيماءٌ إلى بِشارَةٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأنَّ مُعانَدِيهِ سَيُهْزَمُونَ ويَعْمَلُ فِيهِمُ السَّيْفُ يَوْمَ بَدْرٍ، يَقْتَضِي أنَّ الصَّيْحَةَ

صفحة ٢٢٤

صَيْحَةُ القِتالِ وهي أنْ يَصِيحَ النَّذِيرُ: يا صَباحاهُ، كَما صاحَ الصّارِخُ بِمَكَّةَ حِينَ تَعَرَّضَ المُسْلِمُونَ لِعِيرِ قُرَيْشٍ بِبَدْرٍ.

ووَصْفُها بِ ”واحِدَةً“ إشارَةٌ إلى أنَّ الصّاعِقَةَ عَظِيمَةٌ مُهْلِكَةٌ، أوْ أنَّ النَّفْخَةَ واحِدَةٌ وهي نَفْخَةُ الصَّعْقِ، وفي خَفِيِّ المَعْنى؛ إيماءً إلى أنَّ القَوْمَ يَبْتَدِرُونَ إلى السِّلاحِ ويَخْرُجُونَ مُسْرِعِينَ لِإنْقاذِ غَيْرِهِمْ فَكانَتِ الوَقْعَةُ العَظِيمَةُ وقْعَةَ يَوْمِ بَدْرٍ أوْ صَيْحَةَ المُبارِزِينَ لِلْقِتالِ يَوْمَئِذٍ.

وأُسْنِدَ الِانْتِظارُ إلَيْهِمْ في حِينِ أنَّهم غافِلُونَ عَنْ ذَلِكَ ومُكَذِّبُونَ بِظاهِرِهِ إسْنادًا مَجازِيًّا عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ فَإنَّهم يَنْتَظِرُ بِهِمْ ذَلِكَ المُسْلِمُونَ المَوْعُودُونَ بِالنَّصْرِ، أوْ يَنْتَظِرُ بِهِمُ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِحَشْرِهِمْ عِنْدَ النَّفْخَةِ، فَلَمّا كانُوا مُتَعَلَّقَ الِانْتِظارِ أُسْنِدَ فِعْلُ ”يَنْظُرُ“ إلَيْهِمْ لِمُلابَسَةِ المَفْعُولِيَّةِ عَلى نَحْوِ ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] .

والفَواقُ، بِفَتْحِ الفاءِ وضَمِّها: اسْمٌ لِما بَيْنَ حَلْبَتَيْ حالِبِ النّاقَةِ ورَضْعَتَيْ فَصِيلِها، فَإنَّ الحالِبَ يَحْلِبُ النّاقَةَ ثُمَّ يَتْرُكُها ساعَةً لِيَرْضَعَها فَصِيلُها لِيَدِرَّ اللَّبَنُ في الضَّرْعِ ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَحْلِبُونَها، فالمُدَّةُ الَّتِي بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ تُسَمّى فَواقًا. وهي ساعَةٌ قَلِيلَةٌ، وهم قَبْلَ ابْتِداءِ الحَلْبِ يَتْرُكُونَ الفَصِيلَ يَرْضَعُها لِتَدِرَّ بِاللَّبَنِ. وجُمْهُورُ أهْلِ اللُّغَةِ عَلى أنَّ الفَتْحَ والضَّمَّ فِيهِ سَواءٌ، وذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ إلى أنَّ بَيْنَ المَفْتُوحِ والمَضْمُومِ فَرْقًا فَقالا: المَفْتُوحُ بِمَعْنى الرّاحَةِ مِثْلَ الجَوابِ مِنَ الإجابَةِ، والمَضْمُومُ اسْمٌ لِلْمُدَّةِ.

واللَّبَنُ المُجْتَمِعُ في تِلْكَ الحِصَّةِ يُسَمّى الفَيْقَةَ بِكَسْرِ الفاءِ، وجَمْعُها أفاوِيقُ.

ومَعْنى ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ لَيْسَ بَعْدَها إمْهالٌ بِقَدْرِ الفَواقِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ما يَنْظُرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهم وهم يَخِصِّمُونَ فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ [يس: ٤٩] .

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”فَواقٍ“ بِفَتْحِ الفاءِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّ الفاءِ.

38:16Page 453

وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبۡلَ يَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ ١٦

And they say, "Our Lord, hasten for us our share [of the punishment] before the Day of Account."

﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ حِكايَةُ حالَةِ اسْتِخْفافِهِمْ بِالبَعْثِ والجَزاءِ وتَكْذِيبِهِمْ ذَلِكَ، وتَكْذِيبِهِمْ بِوَعِيدِ

صفحة ٢٢٥

القُرْآنِ إيّاهم فَلَمّا هَدَّدَهُمُ القُرْآنُ بِعَذابِ اللَّهِ قالُوا: رَبَّنا عَجِّلْ لَنا نَصِيبَنا مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ، إظْهارًا لِعَدَمِ اكْتِراثِهِمْ بِالوَعِيدِ وتَكْذِيبِهِ، لِئَلّا يَظُنَّ المُسْلِمُونَ أنَّ اسْتِخْفافَهم بِالوَعِيدِ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ فَأبانُوا لَهم أنَّهم لا يُصَدِّقُونَ النَّبِيءَ ﷺ في كُلِّ وعِيدٍ حَتّى الوَعِيدِ بِعَذابِ الدُّنْيا الَّذِي يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ في تَصَرُّفِ اللَّهِ.

فالقَوْلُ هَذا قالُوهُ عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ وحُكِيَ عَنْهم هُنا إظْهارًا لِرِقاعَتِهِمْ وتَصَلُّبِهِمْ في الكُفْرِ.

وهَذا الأصْلُ الثّالِثُ مِن أُصُولِ كُفْرِهِمُ المُتَقَدَّمِ ذِكْرُها وهو إنْكارُ البَعْثِ والجَزاءِ فَهو عَطْفٌ عَلى ﴿وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ [ص: ٤] فَذَكَرَ قَوْلَهم ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ [ص: ٥]، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَهم ﴿أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ [ص: ٨] وما عَقَبَهُ مِن عَواقِبِ مِثْلِ ذَلِكَ القَوْلِ، أفْضى القَوْلُ إلى أصْلِهِمُ الثّالِثِ. قِيلَ: قائِلُ ذَلِكَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، وقِيلَ: أبُو جَهْلٍ والقَوْمُ حاضِرُونَ راضُونَ فَأُسْنِدَ القَوْلُ إلى الجَمِيعِ.

والقِطُّ: هو القِسْطُ مِنَ الشَّيْءِ، ويُطْلَقُ عَلى قِطْعَةٍ مِنَ الوَرَقِ أوِ الرَّقِّ أوِ الثَّوْبِ الَّتِي يُكْتَبُ فِيها العَطاءُ لِأحَدٍ ولِذَلِكَ يُفَسَّرُ بِالصَّكِّ، وقَدْ قالَ المُتَلَمِّسُ في صَحِيفَةِ عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ الَّتِي أعْطاهُ إيّاها إلى عامِلِهِ بِالبَحْرَيْنِ يُوهِمُهُ أنَّهُ أمْرٌ بِالعَطاءِ وإنَّما هي أمْرٌ بِقَتْلِهِ، وعَرَفَ المُتَلَمِّسُ ما تَحْتَوِي عَلَيْهِ فَألْقاها في النَّهْرِ وقالَ في صَحِيفَتِهِ المَضْرُوبِ بِها المَثَلُ:

وألْقَيْتُها بِالثِّنْيِ مِن جَنْبِ كافِرٍ كَذَلِكَ يَلْقى كُلُّ قِطٍّ مُضَلَّلِ

فالقِطُّ يُطْلَقُ عَلى ما يُكْتَبُ فِيهِ عَطاءٌ أوْ عِقابٌ، والأكْثَرُ أنَّهُ ورَقَةُ العَطاءِ، قالَ الأعْشى:

ولا المَلِكُ النُّعْمانُ يَوْمًا لَقِيتُهُ ∗∗∗ بِأُمَّتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ ويَأْفِقُ

ولِهَذا قالَ الحَسَنُ: إنَّما عَنَوْا عَجِّلْ لَنا النَّعِيمَ الَّذِي وعَدْتَنا بِهِ عَلى الإيمانِ حَتّى نَراهُ الآنَ فَنُوقِنَ.

وعَلى تَسْلِيمِ اخْتِصاصِ القِطِّ بِصَكِّ العَطاءِ لا يَكُونُ ذَلِكَ مانِعًا مِن قَصْدِهِمْ

صفحة ٢٢٦

تَعْجِيلَ العِقابِ بِأنْ يَكُونُوا سَمَّوُا الحَظَّ مِنَ العِقابِ قِطًّا عَلى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ، كَما قالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ إذْ جَعَلَ القِتالَ قِرًى:

قَرَيْناكم فَعَجَّلْنا قِراكم ∗∗∗ قُبَيْلَ الصُّبْحِ مِرْداةً طَحُونا

فَيَكُونُونَ قَدْ أدْمَجُوا تَهَكُّمًا في تَهَكُّمٍ إغْراقًا في التَّهَكُّمِ.

وتَسْمِيَتُهم ”يَوْمَ الحِسابِ“ أيْضًا مِنَ التَّهَكُّمِ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالحِسابِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском