Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Az-Zumar 39:24–29
39:24Page 461
أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجۡهِهِۦ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَقِيلَ لِلظَّٰلِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ ٢٤
Then is he who will shield with his face1 the worst of the punishment on the Day of Resurrection [like one secure from it]? And it will be said to the wrongdoers, "Taste what you used to earn."
﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ .
الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ الثَّناءِ عَلى القُرْآنِ فِيما مَضى وقَوْلِهِ الآتِي ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ.
وجَعَلَها المُفَسِّرُونَ تَفْرِيعًا عَلى جُمْلَةِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ بِدَلالَةِ مَجْمُوعِ الجُمْلَتَيْنِ عَلى فَرِيقَيْنِ: فَرِيقٍ مُهْتَدٍ، وفَرِيقٍ ضالٍّ، فَفُرِّعَ عَلى ذَلِكَ هَذا الِاسْتِفْهامُ المُسْتَعْمَلُ في مَعْنًى مَجازِيٍّ.
وجَعَلَ المُفَسِّرُونَ في الكَلامِ حَذْفًا، وتَقْدِيرُ المَحْذُوفِ: كَمَن أمِنَ العَذابَ؛ أوْ كَمَن هو في النَّعِيمِ. وجَعَلُوا الِاسْتِفْهامَ تَقْرِيرِيًّا أوْ إنْكارِيًّا، والمَقْصُودُ: عَدَمُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ مَن هو في العَذابِ، وهو الضّالُّ، ومَن هو في النَّعِيمِ، وهو الَّذِي هَداهُ اللَّهُ؛ وحُذِفَ حالُ الفَرِيقِ الآخَرِ لِظُهُورِهِ مِنَ المُقابَلَةِ الَّتِي اقْتَضاها الِاسْتِفْهامُ بِناءً عَلى أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ نَظِيرُ قَوْلِهِ أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ وقَوْلِهِ
صفحة ٣٩٣
﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الزمر: ٢٢] والقَوْلُ فِيهِ مِثْلُ القَوْلِ في سابِقِهِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ وحَذْفِ الخَبَرِ، وتَقْدِيرُهُ: أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ، لِأنَّ اللَّهَ أضَلَّهُ كَمَن أمِنَ مِنَ العَذابِ لِأنَّ اللَّهَ هَداهُ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ [محمد: ١٤] والمَعْنى: أنَّ الَّذِينَ اهْتَدَوْا لا يَنالَهُمُ العَذابُ.
ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ الكَلامُ تَفْرِيعًا عَلى جُمْلَةِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ تَفْرِيعًا لِتَعْيِينِ ما صَدَقَ (مَن) في قَوْلِهِ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] ويَكُونُ ”مَن يَتَّقِي“ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أفَهُوَ مَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ.
والِاتِّقاءُ: تُكَلُّفُ الوِقايَةِ وهي الصَّوْنُ والدَّفْعُ، وفِعْلُها يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، يُقالُ: وقى نَفْسَهُ ضَرْبَ السَّيْفِ، ويَتَعَدّى بِالباءِ إلى سَبَبِ الوِقايَةِ، يُقالُ: وقى بِتُرْسِهِ، وقالَ النّابِغَةُ: .
سَقَطَ النَّصِيفُ ولَمْ تُرِدْ إسْقاطَهُ فَتَناوَلَتْهُ واتَّقَتْنا بِاليَدِ
وإذا كانَ وجْهُ الإنْسانِ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُوقى بِهِ شَيْءٌ مِنَ الجَسَدِ، إذِ الوَجْهُ أعَزُّ ما في الجَسَدِ وهو يُوقى ولا يُتَّقى بِهِ، فَإنَّ مِن جِبِلَّةِ الإنْسانِ إذا تَوَقَّعَ ما يُصِيبُ جَسَدَهُ سَتَرَ وجْهَهُ خَوْفًا عَلَيْهِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الِاتِّقاءُ بِالوَجْهِ مُسْتَعْمَلًا كِنايَةً عَنْ عَدَمِ الوِقايَةِ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ أوِ التَّمْلِيحِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مَن يَطْلُبِ وِقايَةَ وجْهِهِ فَلا يَجِدُ ما يَقِيهِ بِهِ إلّا وجْهَهُ، وهَذا مِن إثْباتِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ نَفْيَهُ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] .
و”سُوءَ العَذابِ“ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلِ ”يَتَّقِي“، وأصْلُهُ مَفْعُولٌ ثانٍ إذْ أصْلُهُ: وقى نَفْسَهُ سُوءَ العَذابِ، فَلَمّا صِيغَ مِنهُ الِافْتِعالُ صارَ الفِعْلُ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ هو الَّذِي كانَ مَفْعُولًا ثانِيًا.
* * *
﴿وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ .
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”وقِيلَ“ عَطْفًا عَلى الصِّلَةِ. والتَّقْدِيرُ: أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ، وقِيلَ لَهم فَإنَّ ”مَن“ مُرادٌ بِها جَمْعٌ، والتَّعْبِيرُ بِـ ”الظّالِمِينَ“ إظْهارٌ في
صفحة ٣٩٤
مَقامِ الإضْمارِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ ما يُلاقُونَهُ مِنَ العَذابِ مُسَبَّبٌ عَلى ظُلْمِهِمْ، أيْ: شِرْكِهِمْ.
والمَعْنى: أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ فَلا يَجِدُ وِقايَةً تُنْجِيهِ مِن ذَوْقِ العَذابِ فَيُقالُ لَهم: ذُوقُوا العَذابَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ ”الظّالِمِينَ“ جَمِيعَ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِاللَّهِ مِنَ الأُمَمِ؛ غَيْرُ خاصٍّ بِالمُشْرِكِينَ المُتَحَدَّثِ عَنْهم، فَيَكُونُ ”الظّالِمِينَ“ إظْهارًا عَلى أصْلِهِ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ في مَعْنى التَّذْيِيلِ، أيْ: ويُقالُ لِهَؤُلاءِ وأشْباهِهِمْ، ويَظْهَرُ بِذَلِكَ وجْهُ تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ.
وجاءَ فِعْلُ ”وقِيلَ“ بِصِيغَةِ المُضِيِّ وهو واقِعٌ في المُسْتَقْبَلِ لِأنَّهُ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ نُزِّلَ مَنزِلَةَ فِعْلٍ مَضى.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ ”وقِيلَ لِلظّالِمِينَ“ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ ”قَدْ“ ولِذَلِكَ لا يُحْتاجُ إلى تَأْوِيلِ صِيغَةِ المُضِيِّ عَلى مَعْنى الأمْرِ المُحَقَّقِ وُقُوعُهُ.
والذَّوْقُ: مُسْتَعارٌ لِإحْساسِ ظاهِرِ الجَسَدِ لِأنَّ إحْساسَ الذَّوْقِ بِاللِّسانِ أشَدُّ مِن إحْساسِ ظاهِرِ الجِلْدِ؛ فَوَجْهُ الشَّبَهِ: قُوَّةُ الجِنْسِ.
والمَذُوقُ: هو العَذابُ فَهو جَزاءُ ما اكْتَسَبُوهُ في الدُّنْيا مِنَ الشِّرْكِ وشَرائِعِهِ، فَجُعِلَ المَذُوقُ نَفْسُ ما كانُوا يَكْسِبُونَ مُبالِغَةً مُشِيرَةً إلى أنَّ الجَزاءَ وفْقُ أعْمالِهِمْ وأنَّ اللَّهَ عادِلٌ في تَعْذِيبِهِمْ.
وأُوثِرَ ”تَكْسِبُونَ“ عَلى تَعْمَلُونَ لِأنَّ خِطابَهم كانَ في حالِ اتِّقائِهِمْ سُوءَ العَذابِ ولا يَخْلُو حالُ المُعَذَّبِ مِنَ التَّبَرُّمِ الَّذِي هو كالإنْكارِ عَلى مُعَذِّبِهِ. فَجِيءَ بِالصِّلَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ ما ذاقُوهُ جَزاءُ ما اكْتَسَبُوهُ قَطْعًا لِتَبَرُّمِهِمْ.
39:25–26Page 461
كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٥
Those before them denied, and punishment came upon them from where they did not perceive.
فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلۡخِزۡيَ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٢٦
So Allāh made them taste disgrace in worldly life. But the punishment of the Hereafter is greater, if they only knew.
صفحة ٣٩٥
﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ ما ذُكِرَ قَبْلَهُ مِن مَصِيرِ المُشْرِكِينَ إلى سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ ويَوْمَ يُقالُ لِلظّالِمِينَ هم وأمْثالِهِمْ: ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ، يُثِيرُ في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ سُؤالًا عَنْ تَمَتُّعِ المُشْرِكِينَ بِالنِّعْمَةِ في الدُّنْيا ويَتَمَنَّوْنَ أنْ يُعَجَّلَ لَهُمُ العَذابُ فَكانَ جَوابًا عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: هم مَظِنَّةُ أنْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ كَما أتى العَذابُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، إذْ أتاهُمُ العَذابُ في الدُّنْيا بِدُونِ إنْذارٍ؛ غَيْرَ مُتَرَقِّبِينَ مَجِيئَهُ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ [يونس: ١٠٢] فَكانَ عَذابُ الدُّنْيا خِزْيًا يَجْزِي بِهِ اللَّهُ مَن يَشاءُ مِنَ الظّالِمِينَ، وأمّا عَذابُ الآخِرَةِ فَجَزاءٌ يَجْزِي بِهِ اللَّهُ الظّالِمِينَ عَلى ظُلْمِهِمْ.
والفاءُ في قَوْلِهِ ”فَأتاهُمُ العَذابُ“ دالَّةٌ عَلى تَسَبُّبِ التَّكْذِيبِ في إتْيانِ العَذابِ إلَيْهِمْ فَلَمّا ساواهم مُشْرِكُو العَرَبِ في تَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ كانَ سَبَبُ حُلُولِ العَذابِ بِأُولَئِكَ مَوْجُودًا فِيهِمْ فَهو مُنْذِرٌ بِأنَّهم يَحِلُّ بِهِمْ مِثْلُ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ.
وضَمِيرُ ”مَن قَبْلَهم“ عائِدٌ عَلى مَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ بِاعْتِبارِ أنَّ مَعْنى ”مَن“ جَمْعٌ. وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِإنْذارِ المُشْرِكِينَ بِعَذابٍ يَحِلُّ بِهِمْ في الدُّنْيا وهو عَذابُ السَّيْفِ الَّذِي أخْزاهُمُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ بَدْرٍ. فالمُرادُ بِالعَذابِ الَّذِي أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ: هو عَذابُ الدُّنْيا، لِأنَّهُ الَّذِي يُوصَفُ بِالإتْيانِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ.
و”حَيْثُ“ ظَرْفُ مَكانٍ، أيْ: جاءَ العَذابُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن مَكانٍ لا يَشْعُرُونَ بِهِ، فَقَوْمٌ أتاهم مِن جِهَةِ السَّماءِ بِالصَّواعِقِ، وقَوْمٌ أتاهم مِنَ الجَوِّ مِثْلَ رِيحِ عادٍ، قالَ تَعالى فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ وقَوْمٌ أتاهم مِن تَحْتِهِمْ بِالزَّلازِلِ
صفحة ٣٩٦
والخَسْفِ مِثْلَ قَوْمِ لُوطٍ، وقَوْمٌ أتاهم مِن نَبْعِ الماءِ مِنَ الأرْضِ مَثَلَ قَوْمِ نُوحٍ، وقَوْمٌ عَمَّ عَلَيْهِمُ البَحْرُ مِثْلَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ.
وكانَ العَذابُ الَّذِي أصابَ كَفّارَ قُرَيْشٍ لَمْ يَخْطُرْ لَهم بِبالٍ، وهو قَطْعُ السُّيُوفِ رِقابَهم وهم في عِزَّةٍ مِن قَوْمِهِمْ وحُرْمَةٍ عِنْدَ قَبائِلِ العَرَبِ ما كانُوا يَحْسَبُونَ أيْدِيًا تَقْطَعُ رِقابَهم كَحالِ أبِي جَهْلٍ وهو في الغَرْغَرَةِ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ قالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: أنْتَ أبا جَهْلٍ ؟ فَقالَ ”وهَلْ أعْمَدُ مِن رَجُلٍ قَتَلَهُ قَوْمُهُ“ .
واسْتِعارَةُ الإذاقَةِ لِإهانَةِ الخِزْيِ تَخْيِيلِيَّةٌ وهي مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ.
وعُطِفَ عَلَيْهِ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لِلِاحْتِراسِ، أيْ: أنَّ عَذابَ الآخِرَةِ هو الجَزاءُ، وأمّا عَذابُ الدُّنْيا فَقَدْ يُصِيبُ اللَّهُ بِهِ بَعْضَ الظَّلَمَةِ زِيادَةَ خِزْيٍ لَهم.
وقَوْلُهُ ”﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾“ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ في آخِرِ الكَلامِ.
ومَفْعُولُ ”يَعْلَمُونَ“ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ المُتَقَدِّمُ، أيْ: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ أذاقَ الآخَرِينَ الخِزْيَ في الدُّنْيا بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ، وأنَّ اللَّهَ أعَدَّ لَهم عَذابًا في الآخِرَةِ هو أشَدُّ.
وضَمِيرُ ”يَعْلَمُونَ“ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ”قَبْلِهِمْ“ .
وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْرِيضُ بِالوَعِيدِ في قَوْلِهِ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ الآيَةَ، تَقْدِيرُهُ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ ما حَلَّ بِهِمْ سَبَبُهُ تَكْذِيبُهم رُسُلَهم كَما كَذَّبَ هَؤُلاءِ مُحَمَّدًا ﷺ .
ووَصْفُ عَذابِ الآخِرَةِ بِـ ”أكْبَرُ“ بِمَعْنى: أشَدِّ فَهو أشَدُّ كَيْفِيَّةً مِن عَذابِ الدُّنْيا وأشَدُّ كَمِّيَّةً لِأنَّهُ أبَدِيٌّ.
39:27–28Page 461
وَلَقَدۡ ضَرَبۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٢٧
And We have certainly presented for the people in this Qur’ān from every [kind of] example - that they might remember.
قُرۡءَانًا عَرَبِيًّا غَيۡرَ ذِي عِوَجٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ٢٨
[It is] an Arabic Qur’ān, without any deviance1 that they might become righteous.2
﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ إلى قَوْلِهِ فَما لَهُ مِن هادٍ تَتِمَّةٌ لِلتَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ وإرْشادِهِ، ولِلتَّعْرِيضِ بِتَسْفِيهِ أحْلامِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِهِ
صفحة ٣٩٧
وأعْرَضُوا عَنِ الِاهْتِداءِ بِهَدْيِهِ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ مَنظُورٌ فِيهِ إلى حالِ الفَرِيقِ الَّذِينَ لَمْ يَتَدَبَّرُوا القُرْآنَ وطَعَنُوا فِيهِ وأنْكَرُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
والتَّعْرِيفُ في النّاسِ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ: لِجَمِيعِ النّاسِ فَإنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ لِلنّاسِ كافَّةً.
وضَرْبُ المَثَلِ: ذِكْرُهُ ووَصْفُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وتَنْوِينُ ”مَثَلٍ“ لِلتَّعْظِيمِ والشَّرَفِ، أيْ: مِن كُلٍّ أشْرَفَ الأمْثالِ، فالمَعْنى: ذَكَرْنا لِلنّاسِ في القُرْآنِ أمْثالًا هي بَعْضٌ مِن كُلِّ أنْفَعِ الأمْثالِ وأشْرَفِها. والمُرادُ: شَرَفُ نَفْعِها.
وخُصَّتْ أمْثالُ القُرْآنِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ مَزايا القُرْآنِ لِأجْلِ لَفْتِ بَصائِرِهِمْ لِلتَّدَبُّرِ في ناحِيَةٍ عَظِيمَةٍ مِن نَواحِي إعْجازِهِ وهي بَلاغَةُ أمْثالِهِ، فَإنَّ بُلَغاءَهم كانُوا يَتَنافَسُونَ في جَوْدَةِ الأمْثالِ وإصابَتِها المَحَزِّ مِن تَشْبِيهِ الحالَةِ بِالحالَةِ.
وتَقَدَّمَ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩] في سُورَةِ الإسْراءِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم: ٥٨] في سُورَةِ الرُّومِ.
ومَعْنى الرَّجاءِ في ”﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾“ مُنْصَرِفٌ إلى أنَّ حالَهم عِنْدَ ضَرْبِ الأمْثالِ القُرْآنِيَّةِ كَحالِ مَن يَرْجُو النّاسَ مِنهُ أنْ يَتَذَكَّرَ، وهَذا مِثْلُ نَظائِرِ هَذا التَّرَجِّي الواقِعِ في القُرْآنِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ومَعْنى التَّذَكُّرِ: التَّأمُّلُ والتَّدَبُّرُ لِيَنْكَشِفَ لَهم ما هم غافِلُونَ عَنْهُ سَواءٌ ما سَبَقَ لَهم بِهِ عِلْمٌ فَنَسُوهُ وشُغِلُوا عَنْهُ بِسَفْسافِ الأُمُورِ، وما لَمْ يَسْبِقْ لَهم عِلْمٌ بِهِ مِمّا شَأْنُهُ أنْ يَسْتَبْصِرَهُ الرَّأْيُ الأصِيلُ حَتّى إذا انْكَشَفَ لَهُ كانَ كالشَّيْءِ الَّذِي سَبَقَ لَهُ عِلْمُهُ وذَهَلَ عَنْهُ، فَمَعْنى التَّذَكُّرِ مَعْنًى بَدِيعٌ شامِلٌ لِهَذِهِ الخَصائِصِ.
وهَذا وصْفُ القُرْآنِ في حَدِّ ذاتِهِ إنْ صادَفَ عَقْلًا صافِيًا ونَفْسًا مُجَرَّدَةً
صفحة ٣٩٨
عَنِ المُكابَرَةِ، فَتَذَكَّرَ بِهِ المُؤْمِنُونَ بِهِ مِن قَبْلُ، وتَذَكَّرَ بِهِ مَن كانَ التَّذَكُّرُ بِهِ سَبَبًا في إيمانِهِ بَعْدَ كُفْرِهِ بِسُرْعَةٍ أوْ بِبُطْءٍ، وأمّا الَّذِينَ لَمْ يَتَذَكَّرُوا بِهِ فَإنَّ عَدَمَ تَذَكُّرِهِمْ لِنَقْصٍ في فِطْرَتِهِمْ وتَغْشِيَةِ العِنادِ لِألْبابِهِمْ.
وكَذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ ”﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾“ .
وانْتَصَبَ ”قُرْآنًا“ عَلى الحالِ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ المُبَيَّنِ بِالقُرْآنِ، فالحالُ هُنا مُوَطِّئَةٌ لِأنَّها تَوْطِئَةٌ لِلنَّعْتِ في قَوْلِهِ تَعالى ”﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [فصلت: ٣]“ وإنْ كانَ بِظاهِرِ لَفْظِ ”قُرْآنًا“ حالًا مُؤَكَّدَةً ولَكِنَّ العِبْرَةَ بِما بَعْدَهُ، ولِذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ عَرَبِيًّا مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ: لِأنَّهُ نَعَتٌ لِلْحالِ.
والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الحالِ التَّوَرُّكُ عَلى المُشْرِكِينَ حَيْثُ تَلَقَّوُا القُرْآنَ تَلَقِّيَ مَن سَمِعَ كَلامًا لَمْ يَفْهَمْهُ كَأنَّهُ بِلُغَةٍ غَيْرِ لُغَتِهِ لا يُعِيرَهُ بالًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨] مَعَ التَّحَدِّي لَهم بِأنَّهم عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ وهو مِن لُغَتِهِمْ، وهو أيْضًا ثَناءٌ عَلى القُرْآنِ مِن حَيْثُ إنَّهُ كَلامٌ بِاسْتِقامَةِ ألْفاظِهِ لِأنَّ اللُّغَةَ العَرَبِيَّةَ أفْصَحُ لُغاتِ البَشَرِ.
والعِوَجُ، بِكَسْرِ العَيْنِ، أُرِيدَ بِهِ: اخْتِلالُ المَعانِي دُونَ الأعْيانِ، وأمّا العَوَجُ، بِفَتْحِ العَيْنِ، فَيَشْمَلُها، وهَذا مُخْتارُ أيِمَّةِ اللُّغَةِ مِثْلِ ابْنِ دُرَيْدٍ والزَّمَخْشَرِيِّ والزَّجّاجِ والفَيْرُوزَبادِيِّ، وصَحَّحَ المَرْزُوقِيُّ في شَرْحِ الفَصِيحِ أنَّهُما سَواءٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا في سُورَةِ الكَهْفِ، وقَوْلِهِ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] في سُورَةِ طه.
وهَذا ثَناءٌ عَلى القُرْآنِ بِكَمالِ مَعانِيهِ بَعْدَ أنْ أُثْنِيَ عَلَيْهِ بِاسْتِقامَةِ ألْفاظِهِ.
ووَجْهُ العُدُولِ عَنْ وصْفِهِ بِالِاسْتِقامَةِ إلى وصْفِهِ بِانْتِفاءِ العِوَجِ عَنْهُ التَّوَسُّلِ إلى إيقاعِ ”عِوَجٍ“ وهو نَكِرَةٌ في سِياقِ ما هو بِمَعْنى النَّفْيِ وهو كَلِمَةُ ”غَيْرَ“ فَيُفِيدُ انْتِفاءَ جِنْسِ العِوَجِ عَلى وجْهِ عُمُومِ النَّفْيِ، أيْ: لَيْسَ فِيهِ عِوَجٌ قَطُّ، ولِأنَّ لَفْظَ ”عِوَجٍ“ مُخْتَصٌّ بِاخْتِلالِ المَعانِي، فَيَكُونُ الكَلامُ نَصًّا في اسْتِقامَةِ مَعانِي القُرْآنِ لِأنَّ الدَّلالَةَ عَلى اسْتِقامَةِ ألْفاظِهِ ونَظْمِهِ قَدِ اسْتُفِيدَتْ مِن وصْفِهِ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا كَما عَلِمْتَهُ آنِفًا.
صفحة ٣٩٩
وقَوْلُهُ ”لَعَلَّهم يَتَّقُونَ“ مِثْلَ قَوْلِهِ ”﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾“، وذَكَرَ هُنا يَتَّقُونَ لِأنَّهم إذا تَذَكَّرُوا يُسِّرَتْ عَلَيْهِمُ التَّقْوى، ولِأنَّ التَّذَكُّرَ أنْسَبُ بِضَرْبِ الأمْثالِ لِأنَّ في الأمْثالِ عِبْرَةً بِأحْوالِ المُمَثَّلِ بِهِ فَهي مُفْضِيَةٌ إلى التَّذَكُّرِ، والِاتِّقاءِ أنْسَبُ بِانْتِفاءِ العِوَجِ لِأنَّهُ إذا اسْتَقامَتْ مَعانِيهِ واتَّضَحَتْ كانَ العَمَلُ بِما يَدْعُو إلَيْهِ أيْسَرَ وذَلِكَ هو التَّقْوى.
39:29Page 461
ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلٗا فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَٰكِسُونَ وَرَجُلٗا سَلَمٗا لِّرَجُلٍ هَلۡ يَسۡتَوِيَانِ مَثَلًاۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٢٩
Allāh presents an example: a man [i.e., slave] owned by quarreling partners and another belonging exclusively to one man - are they equal in comparison? Praise be to Allāh! But most of them do not know.
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ وهو مِن قَبِيلِ التَّعَرُّضِ إلى المَقْصُودِ بَعْدَ المُقَدِّمَةِ فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ﴾ [الزمر: ٢٧] مَثَلٍ تَوْطِئَةٌ لِهَذا المَثَلِ المَضْرُوبِ لِحالِ أهْلِ الشِّرْكِ وحالِ أهْلِ التَّوْحِيدِ، وفي هَذا الِانْتِقالِ تَخَلُّصٌ أُتْبِعَ تَذْكِيرُهم بِما ضُرِبَ لَهم في القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ عَلى وجْهِ إجْمالِ العُمُومِ اسْتِقْصاءً في التَّذْكِيرِ ومُعاوَدَةً لِلْإرْشادِ، وتَخَلُّصًا مَن وصْفِ القُرْآنِ بِأنَّ فِيهِ مِن كُلِّ مَثَلٍ، إلى تَمْثِيلِ حالِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِحالٍ خاصٍّ.
فَهَذا المَثَلُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الزمر: ٢٢] إلى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢] فَهو مَثَلٌ لِحالِ مَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهم لِلْإسْلامِ وحالِ مَن قَسَتْ قُلُوبُهم.
ومَجِيءُ فِعْلِ ”ضَرْبَ اللَّهُ“ بِصِيغَةِ الماضِي مَعَ أنَّ ضَرْبَ هَذا المَثَلِ ما حَصَلَ إلّا في زَمَنِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ لِتَقْرِيبِ زَمَنِ الحالِ مِن زَمَنِ الماضِي لِقَصْدِ التَّشْوِيقِ إلى عِلْمِ هَذا المَثَلِ فَيُجْعَلُ كالإخْبارِ عَنْ أمْرٍ حَصَلَ لِأنَّ النُّفُوسَ أرْغَبُ في عَمَلِهِ كَقَوْلِ المُثَوِّبِ: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ. وفِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ أمْرٌ مُحَقَّقُ الوُقُوعِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ [النحل: ١١٢] في سُورَةِ النَّحْلِ.
أمّا صاحِبُ الكَشّافِ فَجَعَلَ فِعْلَ ”ضَرَبَ“ مُسْتَعْمِلًا في مَعْنى الأمْرِ إذْ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: اضْرِبْ لَهم مَثَلًا وقُلْ لَهم ما تَقُولُونَ في رَجُلٍ مِنَ المَمالِيكِ قَدِ اشْتَرَكَ فِيهِ شُرَكاءُ، إلى آخَرِ كَلامِهِ، فَكانَ ظاهِرُ كَلامِهِ أنَّ الخَبَرَ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في الطَّلَبِ، فَقَرَّرَهُ شارِحُوهُ الطِّيبِيُّ والقَزْوِينِيُّ والتِّفْتَزانِيُّ بِما حاصِلُ مَجْمُوعِهِ: أنَّهُ أرادَ أنَّ النَّبِيءَ
صفحة ٤٠٠
ﷺ لَمّا سَمِعَ قَوْلَهُ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر: ٢٧] عَلِمَ أنَّهُ سَيَنْزِلُ عَلَيْهِ مَثَلٌ مِن أمْثالِ القُرْآنِ فَأنْبَأهُ اللَّهُ بِصِدْقِ ما عَلِمَهُ وجَعَلَهُ لِتَحَقُّقِهِ كَأنَّهُ ماضٍ.
ولِيُلائِمَ تَوْجِيهَ الِاسْتِفْهامِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾ (فَإنَّهُ سُؤالُ تَبْكِيتٍ) فَتَلْتَئِمُ أطْرافُ نَظْمِ الكَلامِ، فَعُدِلَ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ مِن إلْقاءِ ضَرْبِ المَثَلِ بِصِيغَةِ الأمْرِ إلى إلْقائِهِ بِصِيغَةِ المُضِيِّ لِإفادَةِ صِدْقِ عِلْمِ النَّبِيءِ ﷺ وكُلُّ هَذا أدَقُّ مَعْنًى وأنْسَبُ بِبَلاغَةِ القُرْآنِ مِن قَوْلِ مَن جَعَلَ المُضِيَّ في فِعْلِ ”ضَرَبَ“ عَلى حَقِيقَتِهِ وقالَ: إنَّ مَعْناهُ: ضَرْبُ المَثَلِ في عِلْمِهِ فَأخْبِرْ بِهِ قَوْمَكَ.
فالَّذِي دَعا الزَّمَخْشَرِيَّ إلى سُلُوكِ هَذا المَعْنى في خُصُوصِ هَذِهِ الآيَةِ هو رَعْيُ مُناسَباتٍ اخْتُصَّ بِها سِياقُ الكَلامِ الَّذِي وقَعَتْ فِيهِ، ولا داعِيَ إلَيْهِ في غَيْرِها مِن نَظائِرِ صِيغَتِها مِمّا لَمْ يُوجَدْ لِلَّهِ فِيهِ مُقْتَضٍ لِنَحْوِ هَذا المَحْمَلِ، ألا تَرى أنَّهُ لا يَتَأتّى في نَحْوِ قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً﴾ [إبراهيم: ٢٤] كَما في سُورَةِ إبْراهِيمَ، وقَدْ أشَرْنا إلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ [النحل: ١١٢] في سُورَةِ النَّحْلِ.
وقَدْ يُقالُ فِيهِ وفي نَظائِرِهِ: إنَّ العُدُولَ عَنْ أنْ يُصاغَ بِصِيغَةِ الطَّلَبِ كَما في قَوْلِهِ ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣] ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [الكهف: ٣٢] ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٤٥] إلى أنْ صِيَغَ بِصِيغَةِ الخَبَرِ هو التَّوَسُّلُ إلى إسْنادِهِ إلى اللَّهِ تَنْوِيهًا بِشَأْنِ المَثَلِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ في سُورَةِ النَّحْلِ.
وإسْنادُ ضَرْبِ المَثَلِ إلى اللَّهِ لِأنَّهُ كَوَّنَ نَظْمَهُ بِدُونِ واسِطَةٍ ثُمَّ أوْحى بِهِ إلى رَسُولِهِ ﷺ فالقُرْآنُ كُلُّهُ مِن جَعْلِ اللَّهِ سَواءٌ في ذَلِكَ أمْثالُهُ وغَيْرُها، وهو كُلُّهُ مَأْمُورٌ رَسُولُهُ ﷺ بِتَبْلِيغِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ لَهُ: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا فاضْرِبْهُ لِلنّاسِ وبَيِّنْهُ لَهم، إذِ المَقْصُودُ مِن ضَرْبِ هَذا المَثَلِ مُحاجَّةُ المُشْرِكِينَ وتَبْكِيتُهم بِهِ في كَشْفِ سُوءِ حالَتِهِمْ في الإشْراكِ، إذْ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَجْرِيَ الكَلامُ عَلى طَرِيقَةِ نَظائِرِهِ كَقَوْلِهِ ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣] وكَذَلِكَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ في نَحْوِ قَوْلِهِ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [الزمر: ١٠] ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ [الزمر: ١١] ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ﴾ [الزمر: ١٤] ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ﴾ [الزمر: ١٥] ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ [الزمر: ١٧] .
صفحة ٤٠١
وقَدْ يَتَطَلَّبُ وجْهُهُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ ما صِيغَ بِصِيغَةِ الخَبَرِ وما صِيغَ بِصِيغَةِ الطَّلَبِ فَنُفَرِّقُ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ بِأنَّ ما صِيغَ بِصِيغَةِ الخَبَرِ كانَ في مَقامٍ أهَمَّ لِأنَّهُ إمّا تَمْثِيلٌ لِإبْطالِ الإشْراكِ، وإمّا لِوَعِيدِ المُشْرِكِينَ، وإمّا لِنَحْوِ ذَلِكَ، خِلافًا لِما صِيغَ بِصِيغَةِ الخَبَرِ فَإنَّهُ كائِنٌ في مَقامِ العِبْرَةِ والمَوْعِظَةِ لِلْمُسْلِمِينَ أوْ أهْلِ الكِتابِ، وهَذا ما أشَرْنا إلَيْهِ إجْمالًا في سُورَةِ النَّحْلِ.
وقَوْلُهُ ﴿رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ﴾ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ البَيانِ لِـ ”مَثَلًا“ .
وجَعْلُ المُمَثَّلِ بِهِ حالَةَ رَجُلٍ لَيْسَ لِلِاحْتِرازِ عَنِ امْرَأةٍ أوْ طِفْلٍ ولَكِنْ لِأنَّ الرَّجُلَ هو الَّذِي يَسْبِقُ إلى أذْهانِ النّاسِ في المُخاطَباتِ والحِكاياتِ، ولِأنَّ ما يُرادُ مِنَ الرِّجالِ مِنَ الأعْمالِ أكْثَرُ مِمّا يُرادُ مِنَ المَرْأةِ والصَّبِيِّ، ولِأنَّ الرَّجُلَ أشَدُّ شُعُورًا بِما هو فِيهِ مِنَ الدَّعَةِ أوِ الكَدِّ، وأمّا المَرْأةُ والصَّبِيُّ فَقَدْ يَغْفُلانِ ويَلْهَيانِ.
وجُمْلَةُ ”فِيهِ شُرَكاءُ“ نَعْتٌ لِـ ”رَجُلًا“، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى ”شُرَكاءُ“ لِأنَّ خَبَرَ النَّكِرَةِ يَحْسُنُ تَقْدِيمُهُ عَلَيْها إذا وُصِفَتْ، فَإذا لَمْ تُوصَفْ وجَبَ تَقْدِيمُ الخَبَرِ لِكَراهَةِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ.
ومَعْنى ”فِيهِ شُرَكاءُ“: في مُلْكِهِ شُرَكاءُ.
والتَّشاكُسُ: شِدَّةُ الِاخْتِلافِ؛ وشِدَّةُ الِاخْتِلافِ في الرَّجُلِ: الِاخْتِلافُ في اسْتِخْدامِهِ وتَوْجِيهِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”سَلَمًا“ بِفَتْحِ السِّينِ وفَتْحِ اللّامِ بَعْدَها مِيمٌ؛ وهو اسْمُ مَصْدَرِ: سَلِمَ لَهُ، إذا خَلَصَ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ ”سالِمًا“ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ وهو مِن: سَلِمَ، إذا خَلَصَ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ ولا وجْهَ لَهُ، والحَقُّ أنَّهُما سَواءٌ كَما أيَّدَهُ النَّحاسُ وأبُو حاتِمٍ، والمَعْنى: أنَّهُ لا شَرِكَةَ فِيهِ لِلرَّجُلِ.
وهَذا تَمْثِيلٌ لِحالِ المُشْرِكِ في تَقَسُّمِ عَقْلِهِ بَيْنَ آلِهَةٍ كَثِيرِينَ فَهو في حَيْرَةٍ وشَكٍّ مِن رِضى بَعْضِهِمْ عَنْهُ وغَضَبِ بَعْضٍ، وفي تَرَدُّدِ عِبادَتِهِ إنْ أرْضى بِها أحَدَ آلِهَتِهِ، لَعَلَّهُ يُغْضِبُ بِها ضِدَّهُ، فَرَغَباتُهم مُخْتَلِفَةٌ وبَعْضُ القَبائِلِ أوْلى بِبَعْضِ الأصْنامِ مِن بَعْضٍ، قالَ تَعالى ﴿ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] ويَبْقى هو ضائِعًا لا يَدْرِي عَلى
صفحة ٤٠٢
أيِّهِمْ يَعْتَمِدُ، فَوَهْمُهُ شُعاعٌ، وقَلْبُهُ أوْزاعٌ، بِحالِ مَمْلُوكٍ اشْتَرَكَ فِيهِ مالِكُونَ لا يَخْلُونَ مِن أنْ يَكُونَ بَيْنَهُمُ اخْتِلافٌ وتَنازُعٌ، فَهم يَتَعاوَرُونَهُ في مِهَنٍ شَتّى ويَتَدافَعُونَهُ في حَوائِجِهِمْ، فَهو حَيْرانُ في إرْضائِهِمْ تَعْباْنُ في أداءِ حُقُوقِهِمْ لا يَسْتَقِلُّ لَحْظَةً ولا يَتَمَكَّنُ مِنِ اسْتِراحَةٍ.
ويُقابِلُهُ تَمْثِيلُ حالِ المُسْلِمِ المُوَحِّدِ يَقُومُ بِما كَلَّفَهُ رَبُّهُ عارِفًا بِمَرْضاتِهِ مُؤَمِّلًا رِضاهُ وجَزاءَهُ، مُسْتَقِرَّ البالِ، بِحالِ العَبْدِ المَمْلُوكِ الخالِصِ لِمالِكٍ واحِدٍ قَدْ عَرَفَ مُرادَ مَوْلاهُ وعَلِمَ ما أوْجَبَهُ عَلَيْهِ؛ فَفَهْمُهُ واحِدٌ وقَلْبُهُ مُجْتَمِعٌ.
وكَذَلِكَ الحالُ في كُلِّ مُتَّبِعِ حَقٍّ ومُتَّبِعِ باطِلٍ فَإنَّ الحَقَّ هو المُوافِقُ لِما في الوُجُودِ والواقِعِ، والباطِلُ مُخالِفٌ لِما في الواقِعِ، فَمُتَّبِعُ الحَقِّ لا يَعْتَرِضُهُ ما يُشَوِّشُ عَلَيْهِ بِاللَّهِ ولا ما يُثْقِلُ عَلَيْهِ أعْمالَهُ، ومُتَّبِعُ الباطِلِ يَتَعَثَّرُ بِهِ في مَزالِقِ الخُطى ويَتَخَبَّطُ في أعْمالِهِ بَيْنَ تَناقُضٍ وخَطَأٍ.
ثُمَّ قالَ ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾ أيْ: هَلْ يَكُونُ هَذانِ الرَّجُلانِ المُشَبَّهانِ مُسْتَوِيَيْنِ حالًا بَعْدَ ما عَلِمْتُمْ مِنِ اخْتِلافِ حالَيِ المُشَبَّهِينَ بِهِما.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَقْرِيرِيًّا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنْكارِيًّا، وجِيءَ فِيهِ بِـ ”هَلْ“ لِتَحْقِيقِ التَّقْرِيرِ أوِ الإنْكارِ.
وانْتُصِبَ ”مَثَلًا“ عَلى التَّمْيِيزِ لِنِسْبَةِ ”يَسْتَوِيانِ“ .
والمَثَلُ: الحالُ. والتَّقْدِيرُ: هَلْ يَسْتَوِي حالاهُما، والِاسْتِواءُ يَقْتَضِي شَيْئَيْنِ فَأكْثَرَ، وإنَّما أُفْرِدَ التَّمْيِيزُ المُرادُ بِهِ الجِنْسُ، وقَدْ عُرِفَ التَّعَدُّدُ مِن فاعِلِ ”يَسْتَوِيانِ“ ولَوْ أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى ما وقَعَ بِهِ التَّمْيِيزُ لَقِيلَ: هَلْ يَسْتَوِي مَثَلاهُما.
وجُمْلَةُ ”الحَمْدُ لِلَّهِ“ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جَوابًا لِلِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ بِناءً عَلى أنَّ أحَدَ الظَّرْفَيْنِ المُقَرَّرِ عَلَيْهِما مُحَقَّقُ الوُقُوعِ لا يَسَعُ المُقَرَّرُ عَلَيْهِ إلّا الإقْرارَ بِهِ فَيُقَدَّرُونَ: أنَّهم أقَرُّوا بِعَدَمِ اسْتِوائِهِما في الحالَةِ، أيْ: بِأنَّ أحَدَهُما أفْضَلُ مِنَ الآخَرِ، فَإنَّ مِثْلَ هَذا الِاسْتِفْهامِ لا يَنْتَظِرُ السّائِلُ جَوابًا عَنْهُ، فَلِذَلِكَ يَصِحُّ أنْ يَتَوَلّى الجَوابَ عَنْهُ قَبْلَ أنْ يُجِيبَ المَسْئُولُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١] ﴿عَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ﴾ [النبإ: ٢] وقَدْ يُبْنى عَلى أنَّ المَسْئُولَ اعْتَرَفَ فَيُؤْتى بِما يُناسِبُ اعْتِرافَهُ كَما هُنا،
صفحة ٤٠٣
فَكَأنَّهم قالُوا: لا يَسْتَوِيانِ، وذَلِكَ هو ما يَبْتَغِيهِ المُتَكَلِّمُ مِنِ اسْتِفْهامِهِ، فَلَمّا وافَقَ جَوابُهم بُغْيَةَ المُسْتَفْهِمِ حَمِدَ اللَّهَ عَلى نُهُوضِ حُجَّتِهِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا، فَمَوْقِعُها كَمَوْقِعِ النَّتِيجَةِ بَعْدَ الدَّلِيلِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ قَرِينَةً عَلى أنَّهم نُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن عَلِمَ فَأقَرَّ وأنَّهم لَيْسُوا كَذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً إذا جُعِلَ الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيًّا فَتَكُونُ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ الإنْكارِ وبَيْنَ الإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ في قَوْلِهِ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لا يَعْلَمُونَ عَدَمَ اسْتِواءِ الحالَتَيْنِ ولَوْ عَلِمُوا لاخْتارُوا لِأنْفُسِهِمُ الحُسْنى مِنهُما، ولَما أصَرُّوا عَلى الإشْراكِ.
وأفادَ هَذا أنَّ ما انْتَحَلُوهُ مِنَ الشِّرْكِ وتَكاذِيبِهِ لا يَمُتُّ إلى العِلْمِ بِصِلَةٍ فَهو جَهالَةٌ واخْتِلاقٌ. و”بَلْ“ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ. وأُسْنِدَ عَدَمُ العِلْمِ لِأكْثَرِهِمْ لِأنَّ أكْثَرَهم عامَّةٌ أتْباعٌ لِزُعَمائِهِمُ الَّذِينَ سَنُّوا لَهُمُ الإشْراكَ وشَرائِعَهُ انْتِفاعًا بِالجاهِ والثَّناءِ الكاذِبِ بِحَيْثُ غَشّى ذَلِكَ عَلى عَمَلِهِمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences