Ibn 'AshurAz‑Zumar · 39:56–63

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Az-Zumar 39:56–63

39:56–58Page 464

أَن تَقُولَ نَفۡسٞ يَٰحَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّٰخِرِينَ ٥٦

Lest a soul should say,1 "Oh, [how great is] my regret over what I neglected in regard to Allāh and that I was among the mockers."

أَوۡ تَقُولَ لَوۡ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَىٰنِي لَكُنتُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٥٧

Or [lest] it say, "If only Allāh had guided me, I would have been among the righteous."

أَوۡ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلۡعَذَابَ لَوۡ أَنَّ لِي كَرَّةٗ فَأَكُونَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٨

Or [lest] it say when it sees the punishment, "If only I had another turn1 so I could be among the doers of good."

﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ .

(أنْ) تَكُونُ تَعْلِيلًا لِلْأوامِرِ في قَوْلِهِ ﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤] و﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ﴾ [الزمر: ٥٥] عَلى حَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ مَعَ (أنْ) وهو كَثِيرٌ.

صفحة ٤٥

وفِيهِ حَذْفُ (لا) النّافِيَةِ بَعْدَ (أنْ)، وهو شائِعٌ أيْضًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥] ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦] ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧]، وكَقَوْلِهِ ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء: ١٣٥]، وعادَةُ صاحِبِ الكَشّافِ تَقْدِيرُ: كَراهِيَةَ أنْ تَفْعَلُوا كَذا. وتَقْدِيرُ (لا) النّافِيَةِ أظْهَرُ لِكَثْرَةِ التَّصَرُّفِ فِيها في كَلامِ العَرَبِ بِالحَذْفِ والزِّيادَةِ.

والمَعْنى: لِئَلّا تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ. وظاهِرُ القَوْلِ أنَّهُ القَوْلُ جَهْرَةً وهو شَأْنُ الَّذِي ضاقَ صَبْرُهُ عَنْ إخْفاءِ نَدامَتِهِ في نَفْسِهِ فَيَصْرُخُ بِما حَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ فَتَكُونُ هَذِهِ النَّدامَةُ المُصَرَّحُ بِها زائِدَةً عَلى الَّتِي أسَرَّها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا باطِنًا في النَّفْسِ.

وتَنْكِيرُ (نَفْسٌ) لِلنَّوْعِيَّةِ، أيْ أنْ يَقُولَ صِنْفٌ مِنَ النُّفُوسِ وهي نُفُوسُ المُشْرِكِينَ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤]، وقَوْلُ لَبِيدٍ:

أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها

يُرِيدُ نَفْسَهُ. يُرِيدُ نَفْسَهُ.

وحَرْفُ (يا) في قَوْلِهِ (﴿يا حَسْرَتا﴾) اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ بِتَشْبِيهِ الحَسْرَةِ بِالعاقِلِ الَّذِي يُنادى لِيُقْبِلَ، أيْ هَذا وقْتُكِ فاحْضُرِي، والنِّداءُ مِن رَوادِفِ المُشَبَّهِ بِهِ المَحْذُوفِ، أيْ يا حَسْرَتِي احْضُرِي فَأنا مُحْتاجٌ إلَيْكِ، أيْ إلى التَّحَسُّرِ، وشاعَ ذَلِكَ في كَلامِهِمْ حَتّى صارَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ كالمَثَلِ لِشِدَّةِ التَّحَسُّرِ.

والحَسْرَةُ: النَّدامَةُ الشَّدِيدَةُ. والألِفُ عِوَضٌ عَنْ ياءِ المُتَكَلِّمِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وحْدَهُ ”يا حَسْرَتايَ“ بِالجَمْعِ بَيْنَ ياءِ المُتَكَلِّمِ والألِفِ الَّتِي جُعِلَتْ عِوَضًا عَنِ الياءِ في قَوْلِهِمْ (يا حَسْرَتا)، والأشْهَرُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ أنَّ الياءَ الَّتِي بَعْدَ الألْفِ مَفْتُوحَةٌ.

وتَعْدِيَةُ الحَسْرَةِ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ كَما هو غالِبُها لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ التَّحَسُّرِ مِن مَدْخُولِ (عَلى) .

صفحة ٤٦

و(ما) في (﴿ما فَرَّطْتُ﴾) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ عَلى تَفْرِيطِي في جَنْبِ اللَّهِ.

والتَّفْرِيطُ: التَّضْيِيعُ والتَّقْصِيرُ، يُقالُ: فَرَطَهُ. والأكْثَرُ أنْ يُقالَ: فَرَّطَ فِيهِ.

والجَنْبُ والجانِبُ مُتَرادِفانِ، وهو ناحِيَةُ الشَّيْءِ ومَكانُهُ ومِنهُ و(﴿والصّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦]) أيِ الصّاحِبُ المُجاوِرُ.

وحَرْفُ (في) هُنا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ (فَرَّطْتُ) فَلا يَكُونُ لِلْفِعْلِ مَفْعُولٌ ويَكُونُ المُفَرَّطُ فِيهِ هو جَنْبُ اللَّهِ، أيْ جِهَتُهُ ويَكُونُ الجَنْبُ مُسْتَعارًا لِلشَّأْنِ والحَقِّ، أيْ شَأْنِ اللَّهِ وصِفاتِهِ ووَصاياهُ تَشْبِيهًا لَها بِمَكانِ السَّيِّدِ وحِماهُ إذا أُهْمِلَ حَتّى اعْتُدِيَ عَلَيْهِ أوْ أقْفَرَ، كَما قالَ سابِقٌ البَرْبَرِيُّ:

أما تَتَّقِينَ اللَّهَ في جَنْبِ وامِقٍ ∗∗∗ لَهُ كَبِدٌ حَرّى عَلَيْكِ تَقَطَّعُ

أوْ يَكُونُ جُمْلَةَ (﴿فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾) تَمْثِيلًا لِحالِ النَّفْسِ الَّتِي أُوقِفَتْ لِلْحِسابِ والعِقابِ بِحالِ العَبْدِ الَّذِي عَهِدَ إلَيْهِ سَيِّدُهُ حِراسَةَ حِماهُ ورِعايَةَ ماشِيَتِهِ فَأهْمَلَها حَتّى رُعِيَ الحِمى وهَلَكَتِ المَواشِي وأُحْضِرَ لِلثِّقافِ فَيَقُولُ: يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ سَيِّدِي.

وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ إبْقاءُ الجَنْبِ عَلى حَقِيقَتِهِ لِأنَّ التَّمْثِيلَ يَعْتَمِدُ تَشْبِيهَ الهَيْئَةِ بِالهَيْئَةِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَوْصُولَةً وفِعْلُ (فَرَّطْتُ) مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ عَلى أحَدِ الِاسْتِعْمالَيْنِ، ويَكُونُ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا وهو الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ العائِدُ إلى المَوْصُولِ، وحَذْفُهُ في مِثْلِهِ كَثِيرٌ، ويَكُونُ المَجْرُورُ بِ (في) حالًا مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ، أيْ كائِنًا ما فَرَّطْتُهُ في جانِبِ اللَّهِ.

وجُمْلَةُ (﴿وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾) خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في إنْشاءِ النَّدامَةِ عَلى ما فاتَها مِن قَبُولِ ما جاءَها بِهِ الرَّسُولُ مِنَ الهُدى فَكانَتْ تَسْخَرُ مِنهُ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ فَرَّطْتُ، أيْ فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ تَفْرِيطَ السّاخِرِ لا تَفْرِيطَ الغافِلِ، وهَذا إقْرارٌ بِصُورَةِ التَّفْرِيطِ.

صفحة ٤٧

و(إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِن (إنَّ) المُشَدَّدَةِ، واللّامُ في (لَمِنَ السّاخِرِينَ) فارِقَةٌ بَيْنَ (إنْ) المُخَفَّفَةِ و(إنْ) النّافِيَةِ.

ومِنَ السّاخِرِينَ أشَدُّ مُبالَغَةً في الدَّلالَةِ عَلى اتِّصافِهِمْ بِالسُّخْرِيَةِ مِن أنْ يُقالَ: وإنْ كُنْتُ لَساخِرَةً، كَما تَقَدَّمَ غَيْرُ مَرَّةٍ مِنها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

ومَعْنى (﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾) أنَّهم يَقُولُونَهُ لِقَصْدِ الِاعْتِذارِ والتَّنَصُّلِ، تُعِيدُ أذْهانُهم ما اعْتادُوا الِاعْتِذارَ بِهِ لِلنَّبِيءِ ﷺ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] وهم كانُوا يَقُولُونَهُ لِقَصْدِ إفْحامِ النَّبِيءِ حِينَ يَدْعُوهم فَبَقِيَ ذَلِكَ التَّفْكِيرُ عالِقًا بِعُقُولِهِمْ حِينَ يَحْضُرُونَ لِلْحِسابِ.

والكَلامُ في (مِنَ المُتَّقِينَ) مِثْلُهُ في (مِنَ السّاخِرِينَ) .

وأمّا قَوْلُها ﴿حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً﴾ فَهو تَمَنٍّ مَحْضٌ. و(لَوْ) فِيهِ لِلتَّمَنِّي، وانْتَصَبَ (فَأكُونَ) عَلى جَوابِ التَّمَنِّي.

والكَرَّةُ: الرَّجْعَةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٢]) في سُورَةِ الشُّعَراءِ، أيْ كَرَّةً إلى الدُّنْيا فَأُحْسِنَ، وهَذا اعْتِرافٌ بِأنَّها عَلِمَتْ أنَّها كانَتْ مِنَ المُسِيئِينَ.

وقَدْ حُكِيَ كَلامُ النَّفْسِ في ذَلِكَ المَوْقِفِ عَلى تَرْتِيبِهِ الطَّبِيعِيِّ في جَوَلانِهِ في الخاطِرِ بِالِابْتِداءِ بِالتَّحَسُّرِ عَلى ما أوْقَعَتْ فِيهِ نَفْسَها، ثُمَّ الِاعْتِذارِ والتَّنَصُّلِ طَمَعًا أنْ يُنْجِيَها ذَلِكَ، ثُمَّ بِتَمَنِّي أنْ تَعُودَ إلى الدُّنْيا لِتَعْمَلَ الإحْسانَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] . فَهَذا التَّرْتِيبُ في النَّظْمِ هو أحْكَمُ تَرْتِيبٍ ولَوْ رُتِّبَ الكَلامُ عَلى خِلافِهِ لَفاتَتِ الإشارَةُ إلى تَوَلُّدِ هَذِهِ المَعانِي في الخاطِرِ حِينَما يَأْتِيهِمُ العَذابُ، وهَذا هو الأصْلُ في الإنْشاءِ ما لَمْ يُوجَدْ ما يَقْتَضِي العُدُولَ عَنْهُ كَما بَيَّنْتُهُ في كِتابِ أُصُولِ الإنْشاءِ والخَطابَةِ.

39:59Page 465

بَلَىٰ قَدۡ جَآءَتۡكَ ءَايَٰتِي فَكَذَّبۡتَ بِهَا وَٱسۡتَكۡبَرۡتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٩

But yes, there had come to you My verses, but you denied them and were arrogant, and you were among the disbelievers.

صفحة ٤٨

﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ .

(بَلى) حَرْفٌ لِإبْطالِ مَنفِيٍّ أوْ فِيهِ رائِحَةُ النَّفْيِ، لِقَصْدِ إثْباتِ ما نُفِيَ قَبْلَهُ، فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ هُنا جَوابًا لِقَوْلِ النَّفْسِ ﴿لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧]، لِما تَقْتَضِيهِ (لَوُ) الَّتِي اسْتُعْمِلَتْ لِلتَّمَنِّي مِنِ انْتِفاءِ ما تَمَنّاهُ وهو أنْ يَكُونَ اللَّهُ هَداهُ لِيَكُونَ مِنَ المُتَّقِينَ، أيْ لَمْ يَهْدِنِي اللَّهُ فَلَمْ أتَّقِ. وجُمْلَةُ ( قَدْ جاءَتْكَ آياتِي تَفْصِيلٌ لِلْإبْطالِ وبَيانٌ لَهُ، وهو مِثْلُ الجَوابِ بِالتَّسْلِيمِ بَعْدَ المَنعِ، أيْ هَداكَ اللَّهُ.

وقَدْ قُوبِلَ كَلامُ النَّفْسِ بِجَوابٍ يُقابِلُهُ عَلى عَدَدِ قَرائِنِهِ الثَّلاثِ، وذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها﴾ وهَذا مُقابِلُ ﴿لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي﴾ [الزمر: ٥٧] ثُمَّ بِقَوْلِهِ (واسْتَكْبَرْتَ) وهو مُقابِلُ قَوْلِها ﴿عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]، أيْ لَيْسَتْ نِهايَةُ أمْرِكِ التَّفْرِيطَ بَلْ أعْظَمَ مِنهُ وهو الِاسْتِكْبارُ، ثُمَّ بِقَوْلِهِ ﴿وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ وهَذا مُقابِلُ قَوْلِ النَّفْسِ ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧] فَهَذِهِ قَرائِنُ ثَلاثٌ.

والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ هَداكِ في الدُّنْيا بِالإرْشادِ بِآياتِ القُرْآنِ فَقابَلْتِ الإرْشادَ بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِكْبارِ والكُفْرِ بِها فَلا عُذْرَ لَكِ.

وكانَ الجَوابُ عَلى طَرِيقَةِ النَّشْرِ المُشَوَّشِ بَعْدَ اللَّفِّ رَعْيًا لِمُقْتَضى ذَلِكَ التَّشْوِيشِ وهو أنْ يَقَعَ ابْتِداءُ النَّشْرِ بِإبْطالِ الأهَمِّ مِمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ اللَّفُّ وهو ما ساقُوهُ عَلى مَعْنى التَّنَصُّلِ والِاعْتِذارِ مِن قَوْلِهِمْ (﴿لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي﴾ [الزمر: ٥٧]) لِقَصْدِ المُبادَرَةِ بِإعْلامِهِمْ بِما يَدْحَضُ مَعْذِرَتَهم، ثُمَّ عادَ إلى إبْطالِ قَوْلِهِمْ (﴿عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]) فَأُبْطِلَ بِقَوْلِهِ (﴿فَكَذَّبْتَ بِها﴾)، ثُمَّ أكْمَلَ بِإبْطالِ قَوْلِهِمْ (﴿لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٨]) بِقَوْلِهِ (﴿وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾) .

ولَمْ يُورَدْ جَوابٌ عَنْ قَوْلِ النَّفْسِ (﴿وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦]) لِأنَّهُ إقْرارٌ.

صفحة ٤٩

ولَوْ لَمْ يُسْلَكْ هَذا الأُسْلُوبُ في النَّشْرِ لِهَذا اللَّفِّ لَفاتَ التَّعْجِيلُ بِدَحْضِ المَعْذِرَةِ، ولَفاتَتْ مُقابَلَةُ القَرائِنِ الثَّلاثِ المُجابِ عَنْها بِقَرائِنِ أمْثالِها لِما عَلِمَتْ مِن أنَّ الإبْطالَ رُوعِيَ فِيهِ قَرائِنٌ ثَلاثٌ عَلى وزْنِ أقْوالِ النَّفْسِ، وأنَّ تَرْتِيبَ أقْوالِ النَّفْسِ كانَ جارِيًا عَلى التَّرْتِيبِ الطَّبِيعِيِّ، فَلَوْ لَمْ يُشَوَّشِ النَّشْرُ لَوَجَبَ أنْ يَقْتَصِرَ فِيهِ عَلى أقَلَّ مِن عَدَدِ قَرائِنِ اللَّفِّ فَتَفُوتُ نُكْتَةُ المُقابَلَةِ الَّتِي هي شَأْنُ الجِدالِ؛ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّوَرُّكِ.

وتَرْكِيبُ قَوْلِهِ ﴿وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ مِثْلُ ما تَقَدَّمَ آنِفًا في نَظائِرِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦] وما بَعْدَهُ مِمّا أُقْحِمَ فِيهِ فِعْلُ كُنْتُ.

واتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى فَتْحِ التّاءاتِ الثَّلاثِ في قَوْلِهِ (﴿فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾) وكَذَلِكَ فَتَحُ الكافِ مِن قَوْلِهِ (جاءَتْكَ) راجِعَةٌ إلى النَّفْسِ بِمَعْنى الذّاتِ المُغَلَّبَةِ في أنْ يُرادَ بِها الذُّكُورُ ويُعْلَمَ أنَّ النِّساءَ مِثْلُهم، مِثْلُ تَغْلِيبِ صِيغَةِ جَمْعِ المُذَكَّرِ في قَوْلِهِ (مِنَ السّاخِرِينَ) .

39:60Page 465

وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسۡوَدَّةٌۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡمُتَكَبِّرِينَ ٦٠

And on the Day of Resurrection you will see those who lied about Allāh [with] their faces blackened. Is there not in Hell a residence for the arrogant?

﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى إحْدى الجُمَلِ المُتَقَدِّمَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِعَذابِ المُشْرِكِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ [الزمر: ٥١]، أيْ في الدُّنْيا كَما أصابَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ويَوْمَ القِيامَةِ تَسْوَدُّ وُجُوهُهم.

فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْوِدادُ الوُجُوهِ حَقِيقَةً جَعَلَهُ اللَّهُ عَلامَةً لَهم وجَعَلَ بَقِيَّةَ النّاسِ بِخِلافِهِمْ.

وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ اسْوِدادَ الوُجُوهِ يَوْمَ القِيامَةِ عَلامَةً عَلى سُوءِ المَصِيرِ كَما جَعَلَ بَياضَها عَلامَةً عَلى حُسْنِ المَصِيرِ قالَ تَعالى ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦] ﴿وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

صفحة ٥٠

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابْيِضاضُ الوُجُوهِ مُسْتَعْمَلًا في النَّضْرَةِ والبَهْجَةِ قالَ تَعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢]، وقالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ:

بِيضُ الوُجُوهِ كَرِيمَةٌ أحْسابُهُمْ

ويَقُولُونَ في الَّذِي يَخْصُلُ خَصْلَةً يَفْتَخِرُ بِها قَوْمُهُ: بَيَّضْتَ وُجُوهَنا.

والخِطابُ في قَوْلِهِ (تَرى) لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ.

وجُمْلَةُ (﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، ومَوْقِعُ الجُمْلَةِ مَوْقِعُ الحالِ مِنَ (﴿الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ﴾)، لِأنَّ الرُّؤْيَةَ هُنا بَصَرِيَّةٌ لا يَنْصِبُ فِعْلُها مَفْعُولَيْنِ. ولا يَلْزَمُ اقْتِرانُ جُمْلَةِ الحالِ الِاسْمِيَّةِ بِالواوِ.

و(﴿الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ﴾): هُمُ الَّذِينَ نَسَبُوا إلَيْهِ ما هو مُنَزَّهٌ عَنْهُ مِنَ الشَّرِيكِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن تَكاذِيبِ الشِّرْكِ، فالَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ هُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا الَّذِينَ ذُكِرُوا في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ [الزمر: ٥١]، وُصِفُوا أوَّلًا بِالظُّلْمِ ثُمَّ وُصِفُوا بِالكَذِبِ عَلى اللَّهِ في حِكايَةٍ أُخْرى فَلَيْسَ قَوْلُهُ (﴿الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ﴾) إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ.

ويَدْخُلُ في الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ كُلُّ مَن نَسَبَ إلى اللَّهِ صِفَةً لا دَلِيلَ لَهُ فِيها، ومَن شَرَعَ شَيْئًا فَزَعَمَ أنَّ اللَّهَ شَرَعَهُ مُتَعَمِّدًا قاصِدًا تَرْوِيجَهُ لِلْقَبُولِ بِدُونِ دَلِيلٍ، فَيَدْخُلُ أهْلُ الضَّلالِ الَّذِينَ اخْتَلَقُوا صِفاتٍ لِلَّهِ أوْ نَسَبُوا إلَيْهِ تَشْرِيعًا، ولا يَدْخُلُ أهْلُ الِاجْتِهادِ المُخْطِئُونَ في الأدِلَّةِ سَواءٌ في الفُرُوعِ بِالِاتِّفاقِ وفي الأُصُولِ عَلى ما نَخْتارُهُ إذا اسْتَفْرَغُوا الجُهُودَ.

ونِسْبَةُ شَيْءٍ إلى اللَّهِ أمْرُها خَطِيرٌ، ولِذَلِكَ قالَ أيِمَّتُنا: إنَّ الحُكْمَ المَقِيسَ غَيْرَ المَنصُوصِ يَجُوزُ أنْ يُقالَ هو دِينُ اللَّهِ ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: قالَهُ اللَّهُ.

ولِذَلِكَ فَجُمْلَةُ ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ لِجُمْلَةِ ﴿تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ﴾ مُسَوَّدَةٌ عَلى كِلا المَعْنَيَيْنِ لِأنَّ

صفحة ٥١

السّامِعَ يَسْألُ عَنْ سَبَبِ اسْوِدادِ الوُجُوهِ فَيُجابُ بِأنَّ في جَهَنَّمَ مَثْواهم يَعْنِي لِأنَّ السَّوادَ يُناسِبُ ما سَيَلْفَحُ وُجُوهَهم مَن مَسِّ النّارِ فَأُجِيبَ بِطَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ بِتَنْزِيلِ السّائِلِ المُقَدَّرِ مَنزِلَةَ مَن يَعْلَمُ أنَّ مَثْواهم جَهَنَّمُ فَلا يَلِيقُ بِهِ أنْ يَغْفُلَ عَنْ مُناسَبَةِ سَوادِ وُجُوهِهِمْ، لِمَصِيرِهِمْ إلى النّارِ، فَإنَّ لِلدَّخائِلِ عَناوِينَها، وهَذا الِاسْتِفْهامُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]، وكَقَوْلِ أبِي مَسْعُودٍ الأنْصارِيِّ لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ حِينَ كانَ أمِيرَ الكُوفَةِ وقَدْ أخَّرَ الصَّلاةَ يَوْمًا: ما هَذا يا مُغِيرَةُ ألَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ فَصَلّى فَصَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ وكَقَوْلِ الحَجّاجِ في خُطْبَتِهِ في أهِلِ الكُوفَةِ ألَسْتُمْ أصْحابِي بِالأهْوازِ حِينَ رُمْتُمُ الغَدْرَ إلَخْ.

والتَّكَبُّرُ: شِدَّةُ الكِبْرِ، ومِن أوْصافِ اللَّهِ تَعالى المُتَكَبِّرُ، والكِبْرُ: إظْهارُ المَرْءِ التَّعاظُمَ عَلى غَيْرِهِ لِأنَّهُ يَعُدُّ نَفْسَهُ عَظِيمًا.

وتَعْرِيفُ المُتَكَبِّرِينَ هُنا لِلِاسْتِغْراقِ، وأصْحابُ التَّكَبُّرِ مَراتِبُ أقْواها الشِّرْكُ، قالَ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ مِن كِبْرٍ ولا يَدْخُلُ النّارَ مَن كانَ في قَلْبِهِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ مِن إيمانٍ» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ألا تَرى أنَّهُ قابَلَهُ بِالإيمانِ، ودُونَهُ مَراتِبُ كَثِيرَةٌ مُتَفاوِتَةٌ في قُوَّةِ حَقِيقَةِ ماهِيَّةِ التَّكَبُّرِ، وكُلُّها مَذْمُومَةٌ. وما يَدُورُ عَلى الألْسُنِ: أنَّ الكِبْرَ عَلى أهْلِ الكِبْرِ عِبادَةٌ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ.

وفِي وصْفِهِمْ بِالمُتَكَبِّرِينَ إيماءٌ إلى أنَّ عِقابَهم بِتَسْوِيدِ وُجُوهِهِمْ كانَ مُناسِبًا لِكِبْرِيائِهِمْ لِأنَّ المُتَكَبِّرَ إذا كانَ سَيِّئَ الوَجْهِ انْكَسَرَتْ كِبْرِياؤُهُ لِأنَّ الكِبْرِياءَ تَضْعُفُ بِمِقْدارِ شُعُورِ صاحِبِها بِمَعْرِفَةِ النّاسِ نَقائِصَهُ.

39:61Page 465

وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ بِمَفَازَتِهِمۡ لَا يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوٓءُ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦١

And Allāh will save those who feared Him by their attainment;1 no evil will touch them, nor will they grieve.

﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] إلى

صفحة ٥٢

آخِرِها، أيْ ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا مِن جَهَنَّمَ لِأنَّهم لَيْسُوا بِمُتَكَبِّرِينَ.

وهَذا إيذانٌ بِأنَّ التَّقْوى تُنافِي التَّكَبُّرَ لِأنَّ التَّقْوى كَمالُ الخُلُقِ الشَّرْعِيِّ وتَقْتَضِي اجْتِنابَ المَنهِيّاتِ وامْتِثالَ الأمْرِ في الظّاهِرِ والباطِنِ، والكِبْرُ مَرَضٌ قَلْبِيٌّ باطِنِيٌّ فَإذا كانَ الكِبْرُ مُلْقِيًا صاحِبَهُ في النّارِ بِحُكْمِ قَوْلِهِ ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠] فَضِدُّ أُولَئِكَ ناجُونَ مِنها وهُمُ المُتَّقُونَ إذِ التَّقْوى تَحُولُ دُونَ أسْبابِ العِقابِ الَّتِي مِنها الكِبْرُ، فالَّذِينَ اتَّقَوْا هم أهْلُ التَّقْوى وهي مَعْرُوفَةٌ، ولِذَلِكَ فَفِعْلُ (اتَّقَوْا) مَنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ لا يُقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ.

والمَفازَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا مِيمِيًّا لِلْفَوْزِ وهو الفَلاحُ، مِثْلَ المَتابِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا﴾ [النبإ: ٣١]، ولِحاقُ التّاءِ بِهِ مِن قَبِيلِ لِحاقِ هاءِ التَّأْنِيثِ بِالمَصْدَرِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ في اسْمِ سُورَةِ الفاتِحَةِ وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨] في آلِ عِمْرانَ، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ مُتَلَبِّسِينَ بِالفَوْزِ أوِ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ بِسَبَبِ ما حَصَلُوا عَلَيْهِ مِنَ الفَوْزِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَفازَةُ اسْمًا لِلْفَلاةِ، كَما في قَوْلِ لَبِيدٍ:

لِوِرْدٍ تَقْلِصُ الغِيطانُ عَنْهُ يَبُذُّ مَفازَةِ الخِمْسِ الكَمالِ

سُمِّيَتْ مَفازَةً بِاسْمِ مَكانِ الفَوْزِ، أيِ النَّجاةُ وتَأْنِيثُها بِتَأْوِيلِ البُقْعَةِ، وسَمَّوْها مَفازَةً بِاعْتِبارِ أنَّ مَن حَلَّ بِها سَلِمَ مِن أنْ يَلْحَقَهُ عَدُوُّهُ، كَما قالَ العُدَيْلُ:

ودُونَ يَدِ الحَجّاجِ مِن أنْ تَنالَنِي ∗∗∗ بِساطٌ لِأيْدِي النّاعِجاتِ عَرِيضُ

وقَوْلُ النّابِغَةِ:

تُدافِعُ النّاسَ عَنّا حِينَ نَرْكَبُها ∗∗∗ مِنَ المَظالِمِ تُدْعى أُمُّ صَبّارِ

وعَلى هَذا المَعْنى فالباءُ بِمَعْنى (في)، والمَفازَةُ: الجَنَّةُ. وإضافَةُ مَفازَةٍ إلى ضَمِيرِهِمْ كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ تَلَبُّسِهِمْ بِالفَوْزِ حَتّى عُرِفَ بِهِمْ كَما يُقالُ: فازَ فَوْزَ فُلانٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (بِمَفازَتِهِمْ) بِصِيغَةِ المُفْرَدِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٌ ”بِمَفازاتِهِمْ“ بِصِيغَةِ الجَمْعِ وهي تَجْرِي عَلى المَعْنَيَيْنِ في المَفازَةِ لِأنَّ

صفحة ٥٣

المَصْدَرَ قَدْ يُجْمَعُ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ الصّادِرِ مِنهُ، أوْ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ أنْواعِهِ، وكَذَلِكَ تَعَدُّدُ أمْكِنَةِ الفَوْزِ بِتَعَدُّدِ الطَّوائِفِ، وعَلى هَذا فَإضافَةُ المَفازَةِ إلى ضَمِيرِ (الَّذِينَ اتَّقَوْا) لِتَعْرِيفِها بِهِمْ، أيِ المَفازَةُ الَّتِي عَلِمْتُمْ أنَّها لَهم وهي الجَنَّةُ، وقَدْ عُلِمَ ذَلِكَ مِن آياتٍ وأخْبارٍ مِنها قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا﴾ [النبإ: ٣١] ﴿حَدائِقَ وأعْنابًا﴾ [النبإ: ٣٢] ﴿وكَواعِبَ أتْرابًا﴾ [النبإ: ٣٣] .

وجُمْلَةُ (﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾) مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ﴾ لِأنَّ نَفْيَ مَسِّ السُّوءِ هو إنْجاؤُهم، ونَفْيُ الحُزْنِ عَنْهم نَفْيٌ لِأثَرِ المَسِّ السُّوءَ.

وجِيءَ في جانِبِ نَفْيِ السُّوءِ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ لِأنَّ ذَلِكَ لِنَفْيِ حالَةِ أهْلِ النّارِ عَنْهم، وأهْلُ النّارِ في مَسٍّ مِنَ السُّوءِ مُتَجَدِّدٌ. وجِيءَ في نَفْيِ الحُزْنِ عَنْهم بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِأنَّ أهْلَ النّارِ أيْضًا في حَزْنٍ وغَمٍّ ثابِتٍ لازِمٍ لَهم.

ومِن لَطِيفِ التَّعْبِيرِ هَذا التَّفَنُّنُ، فَإنَّ شَأْنَ الأسْواءِ الجَسَدِيَّةِ تَجَدُّدُ آلامِها وشَأْنُ الأكْدارِ القَلْبِيَّةِ دَوامُ الإحْساسِ بِها.

39:62–63Page 465

ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ ٦٢

Allāh is the Creator of all things, and He is, over all things, Disposer of affairs.

لَّهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٦٣

To Him belong the keys of the heavens and the earth. And they who disbelieve in the verses of Allāh - it is those who are the losers.

﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهْوَ عَلى كُلِّ شَيْءِ وكِيلٌ﴾ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ .

هَذا اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤] في ذِكْرِ تَمَسُّكِ الرَّسُولِ ﷺ والرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ بِالتَّوْحِيدِ ونَبْذِ الشِّرْكِ والبَراءَةِ مِنهُ والتَّصَلُّبِ في مُقاوَمَتِهِ والتَّصْمِيمِ عَلى قَطْعِ دابِرِهِ، وجُعِلَتِ الجُمَلُ الثَّلاثُ مِن قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ إلى قَوْلِهِ (﴿السَّماواتِ والأرْضِ﴾) مُقْدِماتٍ تُؤَيِّدُ ما يَجِيءُ بَعْدَها مِن قَوْلِهِ ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤] .

وقَدِ اشْتَمَلَ هَذا الِاسْتِئْنافُ ومَعْطُوفاتُهُ عَلى ثَلاثِ جُمَلٍ وجُمْلَةٍ رابِعَةٍ:

صفحة ٥٤

فالجُمْلَةُ الأُولى (﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾) وهَذِهِ الجُمْلَةُ أدْخَلَتْ كُلَّ مَوْجُودٍ في أنَّهُ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى، فَهو ولِيُّ التَّصَرُّفِ فِيهِ لا يَخْرُجُ مِن ذَلِكَ إلّا ذاتُ اللَّهِ تَعالى وصِفاتُهُ فَهي مَخْصُوصَةٌ مِن هَذا العُمُومِ بِدَلِيلِ العَقْلِ وهو أنَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَلَوْ كانَ خالِقَ نَفْسِهِ أوْ صِفاتِهِ لَزِمَ تَوَقُّفُ الشَّيْءِ عَلى ما يَتَوَقَّفُ هو عَلَيْهِ وهَذا ما يُسَمّى بِالدَّوْرِ في الحِكْمَةِ، واسْتِحالَتُهُ عَقْلِيَّةٌ، فَخَصَّ هَذا العُمُومَ العَقْلُ. والمَقْصُودُ مِن هَذا إثْباتُ حَقِيقَةٍ، وإلْزامُ النّاسِ بِتَوْحِيدِهِ لِأنَّهُ خالِقُهم، ولَيْسَ في هَذا قَصْدُ ثَناءٍ ولا تَعاظُمٍ، والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ المُقَدِّمَةِ تَذْكِيرُ النّاسِ بِأنَّهم جَمِيعًا هم وما مَعَهم عَبِيدٌ لِلَّهِ وحْدَهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِ مِنَّةٌ عَلَيْهِمْ بِالإيجادِ.

الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ (﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾) وجِيءَ بِها مَعْطُوفَةً لِأنَّ مَدْلُولَها مُغايِرٌ لِمَدْلُولِ الَّتِي قَبْلَها. والوَكِيلُ المُتَصَرِّفُ في شَيْءٍ بِدُونِ تَعَقُّبٍ ولَمّا لَمْ يُعَلَّقْ بِذَلِكَ الوَصْفِ شَيْءٌ عُلِمَ أنَّهُ مَوْكُولٌ إلَيْهِ جِنْسُ التَّصَرُّفِ وحَقِيقَتُهُ الَّتِي تَعُمُّ جَمِيعَ أفْرادِ ما يُتَصَرَّفُ فِيهِ، فَعَمَّ تَصَرُّفُهُ أحْوالَ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ مِن تَقْدِيرِ الأعْمالِ والآجالِ والحَرَكاتِ، وهَذِهِ المُقَدِّمَةُ تَقْتَضِي الِاحْتِياجَ إلَيْهِ بِالإمْدادِ فَهم بَعْدَ أنْ أوَجَدَهم لَمْ يَسْتَغْنُوا عَنْهُ لَمْحَةً ما.

الجُمْلَةُ الثّالِثَةُ (﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾) وجِيءَ بِها مَفْصُولَةً لِأنَّها تُفِيدُ بَيانَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها فَإنَّ الوَكِيلَ عَلى شَيْءٍ يَكُونُ هو المُتَصَرِّفُ في العَطاءِ والمَنعِ.

والمَقالِيدُ: جَمَعَ إقْلِيدٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ القافِ وهَذا جَمْعٌ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وإقْلِيدٌ قِيلَ مُعَرَّبٌ عَنِ الفارِسِيَّةِ، وأصْلُهُ (كِلِيدٌ) قِيلَ مِنَ الرُّومِيَّةِ وأصْلُهُ (إقْلِيدِسُ) وقِيلَ كَلِمَةٌ يَمَنِيَّةٌ وهو مِمّا تَقارَبَتْ فِيهِ اللُّغاتُ. وهي كِنايَةٌ عَنْ حِفْظِ ذَخائِرِها، فَذَخائِرُ الأرْضِ عَناصِرُها ومَعادِنُها وكَيْفِيّاتُ أجْوائِها وبِحارِها، وذَخائِرُ السَّماواتِ سَيْرُ كَواكِبِها وتَصَرُّفاتُ أرْواحِها في عَوالِمِها وعَوالِمِنا. وما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى. ولَمّا كانَتْ تِلْكَ العَناصِرُ والقُوى شَدِيدَةُ النَّفْعِ لِلنّاسِ وكانَ النّاسُ في حاجَةٍ إلَيْها شُبِّهَتْ بِنَفائِسَ المَخْزُوناتِ فَصَحَّ أيْضًا أنْ تَكُونَ المَقالِيدُ اسْتِعارَةً مَكْنِيَّةً، وهي أيْضًا اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ لِلْأمْرِ الإلَهِيِّ التَّكْوِينِيِّ والتَّسْخِيرِيِّ الَّذِي يَفِيضُ بِهِ عَلى النّاسِ مِن تِلْكَ الذَّخائِرِ المُدَّخَرَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] .

صفحة ٥٥

وهَذِهِ المُقَدِّمَةُ تُشِيرُ إلى أنَّ اللَّهَ هو مُعْطِي ما يَشاءُ لِمَن يَشاءُ مِن خَلْقِهِ، ومِن أعْظَمِ ذَلِكَ النُّبُوءَةُ وهَدْيُ الشَّرِيعَةِ فَإنَّ جَهْلَ المُشْرِكِينَ بِذَلِكَ هو الَّذِي جَرَّأهم عَلى أنْ أنْكَرُوا اخْتِصاصَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالرِّسالَةِ دُونَهم، واخْتِصاصُ أتْباعِهِ بِالهُدى فَقالُوا (﴿أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ [الأنعام: ٥٣]) .

فَهَذِهِ الجُمَلُ اشْتَمَلَتْ عَلى مُقَدِّماتٍ ثَلاثٍ تَقْتَضِي كُلُّ واحِدَةٍ مِنها دِلالَةً عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ بِالخَلْقِ، ثُمَّ بِالتَّصَرُّفِ المُطْلَقِ في مَخْلُوقاتِهِ، ثُمَّ بِوَضْعِ النُّظُمِ والنَّوامِيسِ الفِطْرِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ والتَّهْذِيبِيَّةِ في نِظامِ العالَمِ وفي نِظامِ البَشَرِ. وكُلُّ ذَلِكَ مُوجِبٌ تَوْحِيدَهُ وتَصْدِيقَ رَسُولِهِ ﷺ والِاسْتِمْساكَ بِعُرْوَتِهِ كَما رَشَدَ بِذَلِكَ أهْلُ الإيمانِ.

فَأمّا الجُمْلَةُ الرّابِعَةُ وهي ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ فَتَحْتَمِلُ الِاعْتِراضَ ولَكِنَّ اقْتِرانَها بِالواوِ بَعْدَ نَظائِرِها يُرَجِّحُ أنْ تَكُونَ الواوُ فِيها عاطِفَةً وأنَّها مَقْصُودَةٌ بِالعَطْفِ عَلى ما قَبْلَها لِأنَّ فِيها زِيادَةً عَلى مَفادِ الجُمْلَةِ قَبْلَها، وتَكُونُ مُقَدَّمَةً رابِعَةً لِلْمَقْصُودِ تَجْهِيلًا لِلَّذِينِ هم ضِدُّ المَقْصُودِ مِنَ المُقَدِّماتِ فَإنَّ الِاسْتِدْلالَ عَلى الحَقِّ بِإبْطالِ ضِدِّهِ ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ الِاسْتِدْلالِ.

لِأنَّ الِاسْتِدْلالَ يَعُودُ إلى تَرْغِيبٍ وتَنْفِيرٍ فَإذا كانَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ خاسِرِينَ لا جَرَمَ كانَ الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِ اللَّهِ هُمُ الفائِزُونَ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ تُقابِلُ جُمْلَةَ ﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ﴾ [الزمر: ٦١] المُنْتَقَلَ مِنها إلى هَؤُلاءِ الآياتِ، وهي مَعَ ذَلِكَ مُفِيدَةٌ إنْذارَهم وتَأْفِينَ آرائِهِمْ، لِأنَّ مَوْقِعَها بَعْدَ دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ وهي آياتٌ دالَّةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ واحِدٌ يَقْتَضِي التَّنْدِيدَ عَلَيْهِمْ في عَدَمِ الِاهْتِداءِ بِها.

ووُصِفَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ بِأنَّهُمُ الخاسِرُونَ لِأنَّهم كَفَرُوا بِآياتِ مَن لَهُ مَقالِيدُ خَزائِنِ الخَيْرِ فَعَرَّضُوا أنْفُسَهم لِلْحِرْمانِ مِمّا في خَزائِنِهِ وأعْظَمُها خَزائِنُ خَيْرِ الآخِرَةِ.

وآياتُ اللَّهِ هي دَلائِلُ وُجُودِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ الَّتِي أشارَتْ إلَيْها الجُمَلُ الثَّلاثُ السّابِقَةُ.

صفحة ٥٦

والإخْبارُ عَنِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاسْمِ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ خَسِرُوا لِأجْلِ ما وُصِفُوا بِهِ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ وهو الكُفْرُ بِآياتِ اللَّهِ.

وتَوَسُّطُ ضَمِيرِ الفَصْلِ لِإفادَةِ حَصْرِ الخَسارَةِ فِيهِمْ وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ بِناءً عَلى عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِخَسارَةِ غَيْرِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلى خَسارَتِهِمْ فَخَسارَتُهم أعْظَمُ خَسارَةٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском