Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Az-Zumar 39:64–68
39:64Page 465
قُلۡ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَأۡمُرُوٓنِّيٓ أَعۡبُدُ أَيُّهَا ٱلۡجَٰهِلُونَ ٦٤
Say, [O Muḥammad], "Is it other than Allāh that you order me to worship, O ignorant ones?"
”﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِيَ أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾“ .
هَذا نَتِيجَةُ المُقَدِّماتِ وهو المَقْصُودُ بِالإثْباتِ، فالفاءُ في قَوْلِهِ (﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ﴾) لِتَفْرِيعِ الكَلامِ المَأْمُورِ الرَّسُولُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ عَلى الكَلامِ المُوحى بِهِ إلَيْهِ لِيَقْرَعَ بِهِ أسْماعَهم، فَإنَّ الحَقائِقَ المُتَقَدِّمَةَ مُوَجَّهَةٌ إلى المُشْرِكِينَ فَبَعْدَ تَقَرُّرِها عِنْدَهم وإنْذارِهِمْ عَلى مُخالَفَةِ حالِهِمْ لِما تَقْتَضِيهِ تِلْكَ الحَقائِقُ أمَرَ الرَّسُولَ ﷺ بِأنْ يُوَجِّهَ إلَيْهِمْ هَذا الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ مُنَوَّعًا عَلى ما قَبْلَهُ إذْ كانَتْ أنْفُسُهم قَدْ خَسِئَتْ بِما جَبَهَها مِنَ الكَلامِ السّابِقِ تَأْيِيسًا لَهم مِن مُحاوَلَةِ صَرْفِ الرَّسُولِ ﷺ عَنِ التَّوْحِيدِ إلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ.
وتَوَسُّطُ فِعْلِ (قُلْ) اعْتِراضٌ بَيْنَ التَّفْرِيعِ والمُفَرَّعِ عَنْهُ لِتَصْيِيرِ المَقامِ لِخِطابِ المُشْرِكِينَ خاصَّةً بَعْدَ أنْ كانَ مَقامُ الكَلامِ قَبْلَهُ مَقامَ البَيانِ لِكُلِّ سامِعٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِهِمْ، فَكانَ قَوْلُهُ (قُلْ) هو الواسِطَةُ في جَعْلِ التَّفْرِيعِ خاصًّا بِهِمْ، وهَذا مِن بَدِيعِ النَّظْمِ ووَفْرَةِ المَعانِي وهو حَقِيقٌ بِأنْ نُسَمِّيَهُ تَلْوِينَ البِساطِ.
و(غَيْرُ اللَّهِ) مَنصُوبٌ بِ (أعْبُدُ) الَّذِي هو مُتَعَلِّقٌ بِ (تَأْمُرُونِّي) عَلى حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ مَعَ ”أنْ“ وحَذْفُ حَرْفِ الجَرِّ مَعَ ”أنْ“ كَثِيرٌ فَقَوْلُهُ (أعْبُدُ) عَلى تَقْدِيرِ: أنْ أعْبُدَ فَلَمّا حُذِفَ الجارُّ المُتَعَلِّقُ بِ (تَأْمُرُونِّي) حُذِفَتْ ”أنْ“ الَّتِي كانَتْ مُتَّصِلَةً بِهِ، كَما حُذِفَتْ في قَوْلِ طَرَفَةَ:
ألا أيُهَذا الزّاجِرِي أحْضُرَ الوَغى وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي
وهَذا اسْتِعْمالٌ جائِزٌ عِنْدَ أبِي الحَسَنِ الأخْفَشِ وابْنِ مالِكٍ ونُحاةِ الأنْدَلُسِ.
والجُمْهُورُ يَمْنَعُونَهُ ويَجْعَلُونَ قَوْلَهُ (أعَبُدُ) هو المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ، وفِعْلَ
صفحة ٥٧
(تَأْمُرُونِّي) اعْتِراضًا أوْ حالًا، والتَّقْدِيرُ: أأعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ حالَ كَوْنِكم تَأْمُرُونَنِي بِذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهم في المَثَلِ: تَسْمَعُ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ، وفي الحَدِيثِ «وتُعِينُ الرَّجُلَ عَلى دابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْها أوْ تَحْمِلُ عَلَيْها مَتاعَهُ صَدَقَةٌ» .
وقَرَأ نافِعٌ ”تَأْمُرُونِي“ بِنُونٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ عَلى حَذْفِ واحِدَةٍ مِنَ النُّونَيْنِ اللَّتَيْنِ هَمّا نُونُ الرَّفْعِ ونُونُ الوِقايَةِ عَلى الخِلافِ في المَحْذُوفَةِ وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ (فَبِمَ تُبَشِّرُونِ)، وفَتَحَ نافِعٌ ياءَ المُتَكَلِّمِ لِلتَّخْفِيفِ والتَّفادِي مِنَ المَدِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَأْمُرُونِّي) بِتَشْدِيدِ النُّونِ إدْغامًا لِلنُّونَيْنِ مَعَ تَسْكِينِ الياءِ لِلتَّخْفِيفِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِتَشْدِيدِ النُّونِ وفَتْحِ الياءِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”تَأْمُرُونَنِي“ بِإظْهارِ النُّونَيْنِ وتَسْكِينِ الياءِ.
ونِداؤُهم بِوَصْفِ الجاهِلِينَ تَقْرِيعٌ لَهم بَعْدَ أنْ وُصِفُوا بِالخُسْرانِ لِيَجْمَعَ لَهم بَيْنَ نَقْصِ الآخِرَةِ ونَقْصِ الدُّنْيا.
والجَهْلُ هُنا ضِدُّ العِلْمِ لِأنَّهم جَهِلُوا دَلالَةَ الدَّلائِلِ المُتَقَدِّمَةِ فَلَمْ تُفِدْ مِنهم شَيْئًا فَعَمُوا عَنْ دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ الَّتِي هي بِمَرْأًى مِنهم ومَسْمَعٍ فَجَهِلُوا دَلالَتَها عَلى الصّانِعِ الواحِدِ ولَمْ يَكْفِهِمْ هَذا الحَظُّ مِنَ الجَهْلِ حَتّى تَدَلَّوْا إلى حَضِيضِ عِبادَةِ أجْسامٍ مِنَ الصَّخْرِ الأصَمِّ.
وإطْلاقُ الجَهْلِ عَلى ضِدِّ العِلْمِ إطْلاقٌ عَرَبِيٌّ قَدِيمٌ قالَ النّابِغَةُ:
يُخْبِرْكَ ذُو عِرْضِهِمْ عَنِّي وعالِمِهِمْ ∗∗∗ ولَيْسَ جاهِلُ شَيْءٍ مِثْلَ مَن عَلِما
وقالَ السَّمَوْءَلُ أوْ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الحارِثِيُّ:
سَلِي إنْ جَهِلْتِ النّاسَ عَنّا وعَنْهُمُ ∗∗∗ فَلَيْسَ سَواءٌ عالِمٌ وجَهُولُ
وحُذِفَ مَفْعُولُ (الجاهِلُونَ) لِتَنْزِيلِ الفِعْلِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ كَأنَّ الجَهْلَ صارَ لَهم سَجِيَّةً فَلا يَفْقَهُونَ شَيْئًا فَهم جاهِلُونَ بِما أفادَتْهُ الدَّلائِلُ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ الَّتِي لَوْ عَلِمُوها لَما أشْرَكُوا ولَما دَعَوُا النَّبِيءَ ﷺ إلى اتِّباعِ شِرْكِهِمْ، وهم جاهِلُونَ بِمَراتِبِ النُّفُوسِ الكامِلَةِ جَهْلًا أطْمَعَهم أنْ يَصْرِفُوا النَّبِيءَ ﷺ عَنِ التَّوْحِيدِ وأنْ يَسْتَزِلُّوهُ
صفحة ٥٨
بِخُزَعْبَلاتِهِمْ وإطْماعِهِمْ إيّاهُ أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ إنْ هو شارَكَهم في عِبادَةِ أصْنامِهِمْ يَحْسَبُونَ الدِّينَ مُساوَمَةً ومُغابَنَةً وتَطْفِيفًا.
39:65–66Page 465
وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٦٥
And it was already revealed to you and to those before you that if you should associate [anything] with Allāh, your work would surely become worthless, and you would surely be among the losers.
بَلِ ٱللَّهَ فَٱعۡبُدۡ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٦٦
Rather, worship [only] Allāh and be among the grateful.
﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ .
تَأْيِيدٌ لِأمْرِهِ بِأنْ يَقُولَ لِلْمُشْرِكِينَ تِلْكَ المَقالَةَ مَقالَةَ إنْكارِ أنْ يَطْمَعُوا مِنهُ في عِبادَةِ اللَّهِ، بِأنَّهُ قَوْلٌ اسْتَحَقُّوا أنْ يُرْمُوا بِغِلْظَتِهِ لِأنَّهم جاهِلُونَ بِالأدِلَّةِ وجاهِلُونَ بِنَفْسِ الرَّسُولِ وزَكائِها. وأعْقَبَ بِأنَّهم جاهِلُونَ بِأنَّ التَّوْحِيدَ هو سُنَّةُ الأنْبِياءِ وأنَّهم لا يَتَطَرَّقُ الإشْراكُ حَوالَيْ قُلُوبِهِمْ، فالمَقْصُودُ الأهَمُّ مِن هَذا الخَبَرِ التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ إذْ حاوَلُوا النَّبِيءَ ﷺ عَلى الِاعْتِرافِ بِإلَهِيَّةِ أصْنامِهِمْ.
والواوُ عاطِفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (قُلْ)، وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِلامِ القَسَمِ وبِحَرْفِ (قَدْ) تَأْكِيدًا لِما فِيهِ مِنَ التَّعْرِيضِ لِلْمُشْرِكِينَ.
والوَحْيُ: الإعْلامُ مِنَ اللَّهِ بِواسِطَةِ المَلَكِ. والَّذِينَ مِن قَبْلِهِ هُمُ الأنْبِياءُ والمُرْسَلُونَ فالمُرادُ القَبْلِيَّةُ في صِفَةِ النُّبُوءَةِ فَ (﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾) مُرادٌ بِهِ الأنْبِياءُ.
وجُمْلَةُ ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِمَعْنى أُوحِيَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ﴾ [طه: ١٢٠] .
والتّاءُ في (أشْرَكْتَ) تاءُ الخِطابِ لِكُلِّ مَن أُوحِيَ إلَيْهِ بِمَضْمُونِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الأنْبِياءِ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ بَيانًا لِما أُوحِيَ إلَيْهِ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ بَيانًا لِجُمْلَةِ (أُوحِيَ إلَيْكَ)، ويَكُونُ (﴿وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾) اعْتِراضًا لِأنَّ البَيانَ تابِعٌ لِلْمُبَيَّنِ عُمُومُهُ ونَحْوِهِ. وأيًّا ما كانَ فالمَقْصُودُ بِالخِطابِ تَعْرِيضٌ بِقَوْمِ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ لِأنَّ فَرْضَ إشْراكِ النَّبِيءِ ﷺ غَيْرُ مُتَوَقَّعٍ.
صفحة ٥٩
واللّامُ في (لَئِنْ أشْرَكْتَ) مُوطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ المَحْذُوفِ دالَّةٌ عَلَيْهِ، واللّامُ في (لَيَحْبَطَنَّ) لامُ جَوابِ القَسَمِ.
والحَبْطُ: البُطْلانُ والدَّحْضُ، حَبِطَ عَمَلُهُ: ذَهَبَ باطِلًا.
والمُرادُ بِالعَمَلِ هُنا: العَمَلُ الصّالِحُ الَّذِي يُرْجى مِنهُ الجَزاءُ الحَسَنُ الأبَدِيُّ.
ومَعْنى حَبْطِهِ: أنْ يَكُونَ لَغْوًا غَيْرَ مَجازِيٍّ عَلَيْهِ. وتَقَدَّمَ حُكْمُ الإشْراكِ بَعْدَ الإيمانِ، وحُكْمُ رُجُوعِ ثَوابِ العَمَلِ لِصاحِبِهِ إنْ عادَ إلى الإيمانِ بَعْدَ أنْ أبْطَلَ إيمانَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ أنَّ صاحِبَ الإشْراكِ مِنَ الخاسِرِينَ، شَبَّهَ حالَهُ حِينَئِذٍ بِحالِ التّاجِرِ الَّذِي أخْرَجَ مالًا لِيَرْبَحَ فِيهِ زِيادَةَ مالٍ فَعادَ وقَدْ ذَهَبَ مالُهُ الَّذِي كانَ بِيَدِهِ أوْ أكْثَرُهُ، فالكَلامُ تَمْثِيلٌ لِحالِ مَن أشْرَكَ بَعْدَ التَّوْحِيدِ فَإنَّ الإشْراكَ قَدْ طَلَبَ بِهِ مُبْتَكِرُوهُ زِيادَةَ القُرْبِ مِنَ اللَّهِ إذْ قالُوا (﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣]) وقالُوا ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] فَكانَ حالُهم كَحالِ التّاجِرِ الَّذِي طَلَبَ الزِّيادَةَ عَلى ما عِنْدَهُ مِنَ المالِ ولَكِنَّهُ طَلَبَ الرِّبْحَ مِن غَيْرِ بابِهِ، فَباءَ بِخُسْرانِهِ وتَبابِهِ. وفي تَقْدِيرِ فَرْضِ وُقُوعِ الإشْراكِ مِنَ الرَّسُولِ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِ مَعَ تَحَقُّقِ عِصْمَتِهِمْ التَّنْبِيهُ عَلى عِظَمِ أمْرِ التَّوْحِيدِ وخَطَرِ الإشْراكِ لِيَعْلَمَ النّاسُ أنَّ أعْلى الدَّرَجاتِ في الفَضْلِ لَوْ فُرِضَ أنْ يَأْتِيَ عَلَيْها الإشْراكُ لَما أبْقى مِنها أثَرًا ولَدَحَضَها دَحْضًا.
و(بَلْ) لِإبْطالِ مَضْمُونِ جُمْلَةِ (لَئِنْ أشْرَكْتَ) أيْ بَلْ لا تُشْرِكُ، أوْ لِإبْطالِ مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤] .
والفاءُ في قَوْلِهِ (فاعْبُدْ) يَظْهَرُ أنَّها تَفْرِيعٌ عَلى التَّحْذِيرِ مِن حَبْطِ العَمَلِ ومِنَ الخُسْرانِ فَحَصَلَ بِاجْتِماعِ (بَلْ) والفاءِ، في صَدْرِ الجُمْلَةِ، أنْ جَمَعَتْ غَرَضَيْنِ: غَرَضَ إبْطالِ كَلامِهِمْ، وغَرَضَ التَّحْذِيرِ مِن أحْوالِهِمْ، وهَذا وجْهٌ رَشِيقٌ.
ومُقْتَضى كَلامِ سِيبَوَيْهِ: أنَّ الفاءَ مُفَرَّعَةٌ عَلى فِعْلِ أمْرٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ بِحَسَبِ
صفحة ٦٠
المَقامِ، وتَقْدِيرُهُ: تَنَبَّهْ فاعْبُدِ اللَّهَ أيْ تَنَبَّهْ لِمَكْرِهِمْ ولا تَغْتَرِرْ بِما أمَرُوكَ أنْ تَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ فَحُذِفَ فِعْلُ الأمْرِ اخْتِصارًا فَلَمّا حُذِفَ اسْتُنْكِرَ الِابْتِداءُ بِالفاءِ فَقَدَّمُوا مَفْعُولَ الفِعْلِ المُوالِي لَها فَكانَتِ الفاءُ مُتَوَسِّطَةً كَما هو شَأْنُها في نَسْجِ الكَلامِ وحَصَلَ مَعَ ذَلِكَ التَّقْدِيمِ حَصْرٌ.
وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ والزَّجّاجُ الفاءَ جَزائِيَّةً دالَّةً عَلى شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أيْ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ، وتَقْدِيرُهُ: إنْ كُنْتَ عاقِلًا مُقابِلَ قَوْلِهِ أيُّها الجاهِلُونَ فاعْبُدِ اللَّهَ، فَلَمّا حُذِفَ الشَّرْطُ أيْ إيجازًا عَوَّضَ عَنْهُ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ وهو قَرِيبٌ مِن كَلامِ سِيبَوَيْهِ.
وعَنِ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ الفاءُ مُؤْذِنَةٌ بِفِعْلٍ قَبْلَها يَدُلُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ المُوالِي لَها، والتَّقْدِيرُ: اللَّهُ أعْبُدُ فاعْبُدْ، فَلَمّا حُذِفَ الفِعْلُ الأوَّلُ حُذِفَ مَفْعُولُ الفِعْلِ المَلْفُوظِ بِهِ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِمَفْعُولِ الفِعْلِ المَحْذُوفِ.
وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ عَلى (فاعْبُدْ) لِإفادَةِ القَصْرِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ﴾ [الزمر: ١٤] في هَذِهِ السُّورَةِ، أيْ أعْبُدُ اللَّهَ لا غَيْرَهُ، وهَذا في مَقامِ الرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ كَما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] .
والشُّكْرُ هُنا: العَمَلُ الصّالِحُ لِأنَّهُ عُطِفَ عَلى إفْرادِ اللَّهِ تَعالى بِالعِبادَةِ فَقَدْ تَمَّحَضَ مَعْنى الشُّكْرِ هُنا لِلْعَمَلِ الَّذِي يُرْضِي اللَّهَ تَعالى والقَوْلُ عُمُومُ الخِطابِ لِلنَّبِيءِ ﷺ ولِمَن قَبْلَهُ أوْ في خُصُوصِهِ بِالنَّبِيءِ ﷺ ويُقاسُ عَلَيْهِ الأنْبِياءُ كالقَوْلِ في (﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾) .
39:67Page 465
وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦ وَٱلۡأَرۡضُ جَمِيعٗا قَبۡضَتُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطۡوِيَّٰتُۢ بِيَمِينِهِۦۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٦٧
They have not appraised Allāh with true appraisal,1 while the earth entirely will be [within] His grip2 on the Day of Resurrection, and the heavens will be folded in His right hand.3 Exalted is He and high above what they associate with Him.
﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ .
لَمّا جَرى الكَلامُ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وأنَّ لَهُ مَقالِيدَ السَّماواتِ والأرْضِ وهو مَلِكُ عَوالِمِ الدُّنْيا، وذَيَّلَ ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِدَلِيلِ الوَحْدانِيَّةِ هُمُ
صفحة ٦١
الخاسِرُونَ، وانْتَقَلَ الكَلامُ هُنا إلى عَظَمَةِ مُلْكِ اللَّهِ تَعالى في العالَمِ الأُخْرَوِيِّ الأبَدِيِّ، وأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى مَلَكُوتِ الدُّنْيا قَدْ خَسِرُوا بِتَرْكِ النَّظَرِ، فَلَوِ اطَّلَعُوا عَلى عَظِيمِ مُلْكِ اللَّهِ في الآخِرَةِ لَقَدَّرُوهُ حَقَّ قَدْرِهِ فَتَكُونُ الواوُ عاطِفَةً جُمْلَةَ ﴿والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الزمر: ٦٣] ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ﴾ إلَخْ مُعْتَرِضًا بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ، اقْتَضاها التَّناسُبُ مَعَ جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [الزمر: ٦٣] .
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ وجُمْلَةُ ﴿والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ كِلْتاهُما مَعْطُوفَتَيْنِ عَلى جُمْلَةِ ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، والمَعْنى هو هو، إلّا أنَّ الحالَ أوْضَحُ إفْصاحًا عَنْهُ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ عَطْفَ غَرَضٍ عَلى غَرَضٍ انْتَقَلَ بِهِ إلى وصْفِ يَوْمِ القِيامَةِ وأحْوالِ الفَرِيقَيْنِ فِيهِ، وجُمْلَةُ ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ اعْتِراضًا، وهو تَمْثِيلٌ لِحالِ الجاهِلِ بِعَظَمَةِ شَيْءٍ بِحالِ مَن لَمْ يُحَقِّقْ مِقْدارَ صُبْرَةٍ فَنَقَصَها عَنْ مِقْدارِها، فَصارَ مَعْنى ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ﴾: ما عَرَفُوا عَظَمَتَهُ حَيْثُ لَمْ يُنَزِّهُوهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِجَلالِهِ مِنَ الشَّرِيكِ في إلَهِيَّتِهِ.
و(حَقَّ قَدْرِهِ) مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، أيْ ما قَدَرُوا اللَّهَ قَدْرَهُ الحَقَّ، فانْتَصَبَ (حَقَّ) عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُبَيِّنِ لِلنَّوْعِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ.
وجَمِيعٌ: أصْلُهُ اسْمُ مَفْعُولٍ مِثْلَ قَتِيلٍ، قالَ لَبِيدٌ:
عَرِيَتْ وكانَ بِها الجَمِيعُ فَأبْكَرُوا مِنها وغُودِرَ نُؤْيُها وثِمامُها
وبِذَلِكَ اسْتُعْمِلَ تَوْكِيدًا مِثْلَ (كُلٍّ) و(أجْمَعَ) قالَ تَعالى ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ [المجادلة: ٦] في سُورَةِ المُجادِلَةِ. وقَدْ وقَعَ (جَمِيعًا) هُنا حالًا مِنَ الأرْضِ واسْمُ الأرْضِ مُؤَنَّثٌ فَكانَ تَجْرِيدُ (جَمِيعٍ) مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ جَرْيا عَلى الوَجْهِ الغالِبِ في جَرَيانِ فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ عَلى مَوْصُوفِهِ، وقَدْ تَلْحَقُهُ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
صفحة ٦٢
فَلَوْ أنَّها نَفْسٌ تَمُوتُ جَمِيعَةٌ ∗∗∗ ولَكِنَّها نَفْسٌ تَساقَطُ أنْفُسا
وانْتَصَبَ (جَمِيعًا) هُنا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] .
والقَبْضَةُ بِفَتْحِ القافِ المَرَّةُ مِنَ القَبْضِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ﴾ [طه: ٩٦] في سُورَةِ طَهَ.
والإخْبارُ عَنِ الأرْضِ بِهَذا المَصْدَرِ الَّذِي هو بِمَعْنى المَفْعُولِ كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ لِلْمُبالَغَةِ في الِاتِّصافِ بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ، وإنَّما صِيغَ لَها وزْنُ المَرَّةِ تَحْقِيرًا لَها في جانِبِ عَظَمَةِ مُلْكِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما لَمْ يُجَأْ بِها مَضْمُومَةَ القافِ بِمَعْنى الشَّيْءِ المَقْبُوضِ لِئَلّا تَفُوتَ المُبالَغَةُ في الِاتِّصافِ، ولا الدَّلالَةُ عَلى التَّحْقِيرِ فالقَبْضَةُ مُسْتَعارَةٌ لِلتَّناوُلِ اسْتِعارَةً صَرِيحَةً، والقَبْضَةُ تَدُلُّ عَلى تَمامِ التَّمَكُّنِ مِنَ المَقْبُوضِ وأنَّ المَقْبُوضَ لا تَصَرُّفَ لَهُ ولا تَحَرُّكَ.
وهَذا إيماءٌ إلى تَعْطِيلِ حَرَكَةِ الأرْضِ وانْقِماعِ مَظاهِرِها إذْ تُصْبِحُ في عالَمِ الآخِرَةِ شَيْئًا مَوْجُودًا لا عَمَلَ لَهُ وذَلِكَ بِزَوالِ نِظامِ الجاذِبِيَّةِ وانْقِراضِ أسْبابِ الحَياةِ الَّتِي كانَتْ تَمُدُّ المَوْجُوداتِ الحَيَّةِ عَلى سَطْحِ الأرْضِ مِن حَيَوانٍ ونَباتٍ.
وطَيُّ السَّماواتِ: اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ لِتَشْوِيشِ تَنْسِيقِها واخْتِلالِ أبْعادِ أجْرامِها فَإنَّ الطَّيَّ رَدُّ ولَفُّ بَعْضِ شُقَقِ الثَّوْبِ أوْ الوَرَقِ عَلى بَعْضٍ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَبْسُوطَةً مُنْتَشِرَةً عَلى نَسَقٍ مُناسِبٍ لِلْمَقْصُودِ مِن نَشْرِهِ فَإذا انْتَهى المَقْصُودُ طُوِيَ المَنشُورُ، قالَ تَعالى ”يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتابِ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ“ .
وإثْباتُ الطَّيِّ تَخْيِيلٌ.
والباءُ في (بِيَمِينِهِ) لِلْآلَةِ والسَّبَبِيَّةِ.
واليَمِينُ: وصْفٌ لِلْيَدِ ولا يَدَ هُنا وإنَّما هي كِنايَةٌ عَنِ القُدْرَةِ لِأنَّ العَمَلَ يَكُونُ بِاليَدِ اليَمِينِ قالَ الشّاعِرُ أنْشَدَهُ الفَرّاءُ والمُبَرِّدُ، قالَ القُرْطُبِيُّ:
ولَمّا رَأيْتُ الشَّمْسَ أشْرَقَ نُورُها ∗∗∗ تَناوَلْتُ مِنها حاجَتِي بِيَمِينِ
صفحة ٦٣
أيْ بِقُدْرَةٍ. وضَمِيرُ (مِنها) يَعُودُ عَلى مَذْكُورٍ في أبْياتٍ قَبْلَهُ.
والمَقْصُودُ مِن هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ تَمْثِيلُ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى بِحالِ مَن أخَذَ الأرْضَ في قَبْضَتِهِ ومَن كانَتِ السَّماواتُ مَطْوِيَّةً أفْلاكُها وآفاقُها بِيَدِهِ تَشْبِيهَ المَعْقُولِ بِالمُتَخَيَّلِ، وهي تَمْثِيلِيَّةٌ تَنْحَلُّ أجْزاؤُها إلى اسْتِعارَتَيْنِ، وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ الأرْضَ والسَّماواتِ باقِيَةٌ غَيْرُ مُضْمَحِلَّةٍ ولَكِنَّ نِظامَها المَعْهُودَ اعْتَراهُ تَعْطِيلٌ، وفي الصَّحِيحِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ - يَقُولُ:
«يَقْبِضُ اللَّهُ الأرْضَ ويَطْوِي السَّماواتِ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ أنا المَلِكُ أيْنَ مُلُوكُ الأرْضِ»، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ:
«جاءَ حَبْرٌ مِنَ الأحْبارِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنّا نَجِدُ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ السَّماواتِ عَلى إصْبَعٍ، والأرَضِينَ عَلى إصْبَعٍ، والشَّجَرَ عَلى إصْبَعٍ، والماءَ والثَّرى عَلى إصْبَعٍ، وسائِرَ الخَلْقِ عَلى إصْبَعٍ. فَيَقُولُ أنا المَلِكُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الحَبْرِ ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ»﴾ . .
ومَعْنى قَوْلِهِ: ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، نَزَلَتْ قَبْلَ ذَلِكَ لِأنَّها مِمّا نَزَلَ بِمَكَّةَ. والحَبْرُ مِن أحْبارِ يَهُودِ المَدِينَةِ، وقَوْلُ الرّاوِي: تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الحَبْرِ، مُدْرَجٌ في الحَدِيثِ مِن فَهْمِ الرّاوِي كَما جَزَمَ أبُو العَبّاسِ القُرْطُبِيُّ في كِتابِهِ (المُفْهِمُ عَلى صَحِيحِ مُسْلِمٍ)، وقالَ الخَطّابِيُّ رَوى هَذا الحَدِيثَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مِن طَرِيقِ عُبَيْدَةَ فَلَمْ يَذْكُرُوا قَوْلَهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الحَبْرِ، ولَعَلَّهُ مِنَ الرّاوِي ظَنٌّ وحُسْبانٌ. اهـ، أيْ فَهو مِن إدْراجِ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ رِوايَةً عَنْ عُبَيْدَةَ. وإنَّما كانَ ضَحِكُ النَّبِيءِ ﷺ اسْتِهْزاءً بِالحَبْرِ في ظَنِّهِ أنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ذَلِكَ حَقِيقَةً وأنَّ لَهُ يَدًا وأصابِعَ حَسَبَ اعْتِقادِ اليَهُودِ التَّجْسِيمَ ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِقِراءَةِ ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ لِأنَّ افْتِتاحَها يَشْتَمِلُ عَلى إبْطالِ ما تَوَهَّمَهُ الحَبْرُ ونُظَراؤُهُ مِنَ الجِسْمِيَّةِ، وذَلِكَ مَعْرُوفٌ مِنِ اعْتِقادِهِمْ وقَدْ رَدَّهُ القُرْآنُ عَلَيْهِمْ غَيْرَ مَرَّةٍ مِمّا هو مَعْلُومٌ فَلَمْ يَحْتَجِ النَّبِيءُ ﷺ إلى التَّصْرِيحِ بِإبْطالِهِ واكْتَفى بِالإشارَةِ الَّتِي يَفْهَمُها المُؤْمِنُونَ، ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ ما تَوَهَّمَهُ اليَهُودِيُّ تَوْزِيعًا عَلى الأصابِعِ إنَّما هو مَجازٌ عَنِ الأخْذِ والتَّصَرُّفِ.
صفحة ٦٤
وفِي بَعْضِ رِواياتِ الحَدِيثِ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ وهو وهْمٌ مِن بَعْضِ رُواتِهِ وكَيْفَ وهَذِهِ مَكِّيَّةٌ وقِصَّةُ الحَبْرِ مَدَنِيَّةٌ ؟
وجُمْلَةُ ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ إنْشاءُ تَنْزِيهٍ لِلَّهِ تَعالى عَنْ إشْراكِ المُشْرِكِينَ لَهُ آلِهَةً وهو يُؤَكِّدُ جُمْلَةَ ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ .
39:68Page 466
وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخۡرَىٰ فَإِذَا هُمۡ قِيَامٞ يَنظُرُونَ ٦٨
And the Horn will be blown, and whoever is in the heavens and whoever is on the earth will fall dead except whom Allāh wills. Then it will be blown again, and at once they will be standing, looking on.
﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ .
انْتِقالٌ مِن إجْمالِ عَظَمَةِ القُدْرَةِ يَوْمَ القِيامَةِ إلى تَفْصِيلِها لِما فِيهِ مِن تَهْوِيلٍ وتَمْثِيلٍ لِمَجْمُوعِ الأحْوالِ يَوْمَئِذٍ مِمّا يُنْذِرُ الكافِرَ ويُبَشِّرُ المُؤْمِنَ. ويُذَكِّرُ بِإقامَةِ العَدْلِ والحَقِّ، ثُمَّ تَمْثِيلُ إزْجاءِ المُشْرِكِينَ إلى جَهَنَّمَ وسَوْقِ المُؤْمِنِينَ إلى الجَنَّةِ.
فالجُمْلَةُ مِن عَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، ومُناسَبَةُ العَطْفِ ظاهِرَةٌ، وعَبَّرَ بِالماضِي في قَوْلِهِ (ونُفِخَ) وقَوْلِهِ (فَصَعِقَ) مَجازًا لِأنَّهُ مُحَقَّقُ الوُقُوعِ مِثْلَ قَوْلِهِ أتى أمْرُ اللَّهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ بِتَقْدِيرِ (قَدْ) أيْ والحالُ قَدْ نُفِخَ في الصُّورِ، فَتَكُونُ صِيغَةُ الماضِي في فِعْلَيْ (نُفِخَ) و(صَعِقَ) مُسْتَعْمَلَةً في حَقِيقَتِها.
وابْتُدِئَتِ الجُمْلَةُ بِحَدِيثِ النَّفْخِ في الصُّوَرِ إذْ هو مِيقاتُ يَوْمِ القِيامَةِ وما يَتَقَدَّمُهُ مِن مَوْتِ كُلِّ حَيٍّ عَلى وجْهِ الأرْضِ. وتَكَرَّرَ ذِكْرُهُ في القُرْآنِ والسُّنَّةِ.
والصُّوَرُ: بُوقٌ يُنادى بِهِ البَعِيدُ المُتَفَرِّقُ مِثْلُ الجَيْشِ، ومِثْلُ النِّداءِ لِلصَّلاةِ فَقَدْ كانَ اليَهُودُ يُنادُونَ بِهِ لِلصَّلاةِ الجامِعَةِ، كَما جاءَ في حَدِيثِ بَدْءِ الأذانِ في الإسْلامِ. والمُرادُ بِهِ هُنا نِداءُ الخَلْقِ لِحُضُورِ الحَشْرِ أحْيائِهِمْ وأمْواتِهِمْ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ [الأنعام: ٧٣] في الأنْعامِ. وهو عَلامَةٌ لِأمْرِ التَّكْوِينِ، فالأحْياءُ يُصْعَقُونَ فَيَمُوتُونَ ”كَما يَمُوتُ المَفْزُوعُ“ بِالنَّفْخَةِ الأُولى، والأمْواتُ يُصْعَقُونَ اضْطِرابًا تَدِبُّ بِسَبَبِهِ فِيهِمُ الحَياةُ فَيَكُونُونَ مُسْتَعِدِّينَ لِقَبُولِ الحَياةِ، فَإذا نُفِخَتِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ حَلَّتِ الأرْواحُ في الأجْسادِ المَخْلُوقَةِ لَهم عَلى مِثالِ ما بَلِيَ مِن
صفحة ٦٥
أجْسادِهِمُ الَّتِي بَلِيَتْ، أوْ حَلَّتِ الأرْواحُ في الأجْسادِ الَّتِي لَمْ تَزَلْ باقِيَةً غَيْرَ بالِيَةٍ كَأجْسادِ الَّذِينَ صُعِقُوا عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ زَمَنٌ تَبْلى فِيهِ الأجْسادُ.
والِاسْتِثْناءُ مِنِ اسْمِ المَوْصُولِ الأوَّلِ، أيْ إلّا مَن أرادَ اللَّهُ عَدَمَ صَعْقِهِ وهُمُ المَلائِكَةُ والأرْواحُ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّمْلِ ﴿يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ [النمل: ٨٧] .
و(ثُمَّ) تُؤْذِنُ بِتَراخِي الرُّتْبَةِ لِأنَّها عاطِفَةُ جُمْلَةٍ، ويَجُوزُ أنْ تُفِيدَ مَعَ ذَلِكَ المُهْلَةَ المُناسِبَةَ لِما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ. و(أُخْرى) صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، أيْ نَفْخَةٌ أُخْرى، وهي نَفْخَةُ مُخالِفٍ تَأْثِيرُها لِتَأْثِيرِ النَّفْخَةِ الأُولى، لِأنَّ الأُولى نَفْخَةُ إهْلاكٍ وصَعْقٍ، والثّانِيَةُ نَفْخَةُ إحْياءٍ وذَلِكَ بِاخْتِلافِ الصَّوْتَيْنِ أوْ بِاخْتِلافِ أمْرَيِ التَّكْوِينِ.
وإنَّما ذُكِرَتِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ في هَذِهِ الآيَةِ ولَمْ تُذْكَرْ في قَوْلِهِ في سُورَةِ النَّمْلِ ﴿يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] لِأنَّ تِلْكَ في غَرَضِ المَوْعِظَةِ بِفَناءِ الدُّنْيا وهَذِهِ الآيَةُ في غَرَضِ عَظَمَةِ شَأْنِ اللَّهِ في يَوْمِ القِيامَةِ، وكَذَلِكَ وصْفُ النَّفْخَةِ بِالوَحْدَةِ في سُورَةِ الحاقَّةِ ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣] ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤] ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٥] وذُكِرَتْ هُنا نَفْخَتانِ.
وضَمِيرُ (هم) عائِدٌ عَلى ﴿مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ فِيما بَقِيَ مِن مَفْهُومِهِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ بِ (﴿إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾) وهُمُ الَّذِينَ صُعِقُوا صَعْقَ مَماتٍ وصَعْقَ اضْطِرابٍ يُهَيَّأُ لِقَبُولِ الحَياةِ عِنْدَ النَّفْخَةِ.
و(إذا) لِلْمُفاجَأةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى سُرْعَةِ حُلُولِ الحَياةِ فِيهِمْ وقِيامِهِمْ إثْرَهُ. و(قِيامٌ) جَمْعُ قائِمٍ.
وجُمْلَةُ (يَنْظُرُونَ) حالٌ.
والنَّظَرُ: الإبْصارُ، وفائِدَةُ هَذِهِ الحالِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّهم حَيُوا حَياةً كامِلَةً لا غِشاوَةَ مَعَها عَلى أبْصارِهِمْ، أيْ لا دَهَشَ فِيها كَما في قَوْلِهِ تَعالى
صفحة ٦٦
﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ [الصافات: ١٩] في سُورَةِ الصّافّاتِ، أوْ أُرِيدَ أنَّهم يَنْظُرُونَ نَظَرَ المُقَلِّبِ بَصَرَهُ الباحِثَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ النَّظْرَةِ، أوِ الِانْتِظارِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences