Ibn 'AshurAz‑Zumar · 39:69–75

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Az-Zumar 39:69–75

39:69–70Page 466

وَأَشۡرَقَتِ ٱلۡأَرۡضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ وَجِاْيٓءَ بِٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٦٩

And the earth will shine with the light of its Lord, and the record [of deeds] will be placed, and the prophets and the witnesses will be brought, and it will be judged between them in truth, and they will not be wronged.

وَوُفِّيَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِمَا يَفۡعَلُونَ ٧٠

And every soul will be fully compensated [for] what it did; and He is most knowing1 of what they do.

”﴿وأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها ووُضِعَ الكِتابُ وجِيءَ بِالنَّبِيئِينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهْوَ أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾“ .

صَوَّرَتْ هَذِهِ الآياتُ جَلالَ ذَلِكَ المَوْقِفِ وجَمالَهُ أبْدَعَ تَصْوِيرٍ والتَّعْرِيفُ في الأرْضِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّكْرِيِّ الضِّمْنِيِّ فَقَدْ تَضَمَّنَ قَوْلُهُ ﴿فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] أنَّهم قِيامٌ عَلى قَرارٍ فَإنَّ القِيامَ يَسْتَدْعِي مَكانًا تَقُومُ فِيهِ تِلْكَ الخَلائِقُ وهو أرْضُ الحَشْرِ وهي السّاهِرَةُ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ النّازِعاتِ ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ [النازعات: ١٣] ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤] وفُسِّرَتْ بِأنَّها الأرْضُ البَيْضاءُ النَّقِيَّةُ ولَيْسَ المُرادُ الأرْضَ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الدُّنْيا فَإنَّها قَدِ اضْمَحَلَّتْ قالَ تَعالى ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] .

وإشْراقُ الأرْضِ انْتِشارُ الضَّوْءِ عَلَيْها، يُقالُ: أشْرَقَتِ الأرْضُ، ولا يُقالُ: أشْرَقَتِ الشَّمْسُ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ [ص: ١٨]) في سُورَةِ (ص) .

وإضافَةُ النُّورِ إلى الرَّبِّ إضافَةُ تَعْظِيمٍ لِأنَّهُ مُنْبَعِثٌ مِن جانِبِ القُدْسِ وهو الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ﴾ [النور: ٣٥] الآيَةَ مِن سُورَةِ النُّورِ. فَإضافَةُ نُورِ الرَّبِّ إضافَةُ تَشْرِيفٍ لِلْمُضافِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣] كَما أنَّ إضافَةَ ”رَبِّ“ إلى ضَمِيِرِ الأرْضِ لِتَشْرِيفِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ بِنُورٍ خاصٍّ خَلَقَهُ اللَّهُ فِيها لا بِسُطُوعِ مِصْباحٍ ولا بِنُورِ كَوْكَبِ شَمْسٍ أوْ غَيْرِها، وإذْ قَدْ كانَ النُّورُ نُورًا ذاتِيًّا لِتِلْكَ الأرْضِ كانَ إشارَةً إلى خُلُوصِها مِن ظُلُماتِ الأعْمالِ فَدَلَّ عَلى أنَّ ما يَجْرِي عَلى تِلْكَ الأرْضِ مِنَ الأعْمالِ والأحْداثِ حَقٌّ وكَمالٌ في بابِهِ لِأنَّ عالَمَ الأنْوارِ لا يَشُوبُهُ شَيْءٌ مِن ظُلُماتِ الأعْمالِ، ألا تَرى أنَّ العالَمَ الأرْضِيَّ لَمّا لَمْ يَكُنْ نَيِّرًا بِذاتِهِ بَلْ كانَ نُورُهُ مُقْتَبَسًا مِن شُرُوقِ الشَّمْسِ والكَواكِبِ لَيْلًا كانَ ما عَلى وجْهِ الأرْضِ مِنَ الأعْمالِ والمَخْلُوقاتِ

صفحة ٦٧

خَلِيطًا مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وهَذا يُغْنِي عَنْ جَعْلِ النُّورِ مُسْتَعارًا لِلْعَدْلِ فَإنَّ ذَلِكَ المَعْنى حاصِلٌ بِدَلالَةِ الِالتِزامِ كِنايَةً، ولَوْ حُمِلَ النُّورُ عَلى مَعْنى العَدْلِ لَكانَ أقَلَّ شُمُولًا لِأحْوالِ الحَقِّ والكَمالِ وهو يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ . هَذا هو الوَجْهُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ وقَدْ ذَهَبَ فِيها المُفَسِّرُونَ مِنَ السَّلَفِ والخَلْفِ طَرائِقَ شَتّى.

والكِتابُ تَعْرِيفُهُ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيْ وُضِعَتِ الكُتُبُ وهي صَحائِفُ أعْمالِ العِبادِ أُحْضِرَتْ لِلْحِسابِ بِما فِيها مِن صالِحٍ وسَيِّئٍ.

والوَضْعُ: الحَطُّ، والمُرادُ بِهِ هُنا الإحْضارُ.

ومَجِيءُ النَّبِيِّينَ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] في سُورَةِ النِّساءِ.

والشُّهَداءُ: جَمْعُ شَهِيدٍ وهو الشّاهِدُ، قالَ تَعالى ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] في سُورَةِ (ق) . والمُرادُ الشُّهَداءُ مِنَ المَلائِكَةِ الحَفَظَةِ المُوَكَّلِينَ بِإحْصاءِ أعْمالِ العِبادِ.

وضَمِيرُ (بَيْنَهم) عائِدٌ إلى ﴿مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨] أيْ قُضِيَ بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالكِتابِ كُتُبَ الشَّرائِعِ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ لِلْعِبادِ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ ويَكُونُ إحْضارُها شاهِدَةً عَلى الأُمَمِ بِتَفاصِيلِ ما بَلَّغَهُ الرُّسُلُ إلَيْهِمْ لِئَلّا يَزْعُمُوا أنَّهم لَمْ تَبْلُغْهُمُ الأحْكامُ.

وقَدْ صَوَّرَتِ الآيَةُ صُورَةَ المَحْكَمَةِ الكامِلَةِ الَّتِي أشْرَقَتْ بِنُورِ العَدْلِ، وصَدْرَ الحُكْمُ عَلى ما يَسْتَحِقُّهُ المَحْكُومُ فِيهِمْ مِن كَرامَةٍ ونَذالَةٍ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ﴾ أيْ صَدَرَ القَضاءُ فِيهِمْ بِما يَسْتَحِقُّونَ وهو مُسَمّى الحَقِّ، فَمِنَ القَضاءِ ما هو فَصْلٌ بَيْنَ النّاسِ في مُعامَلاتِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ مِن كُلِّ ظالِمٍ ومَظْلُومٍ ومُعْتَدٍ ومُعْتَدى عَلَيْهِ في اخْتِلافِ المُعْتَقَداتِ واخْتِلافِ المُعامَلاتِ قالَ تَعالى ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: ٩٣] .

صفحة ٦٨

ومِنَ القَضاءِ القَضاءُ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما هي بِهِ حَقِيقَةٌ مِن مَرْتَبَةِ الثَّوابِ أوِ العِقابِ وهو قَوْلُهُ ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾ .

فَقَضاءُ اللَّهِ هو القَضاءُ العامُّ الَّذِي لا يَقْتَصِرُ عَلى أنْصافِ المُتَداعِينَ كَقَضاءِ القاضِي، ولا عَلى سُلُوكِ الدّاعِرِينَ كَقَضاءِ والِي الشُّرْطَةِ، ولا عَلى مُراقَبَةِ المُغِيرِينَ كَقَضاءِ والِي الحِسْبَةِ، ولَكِنَّهُ قَضاءٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما اعْتَدَتْ وفِيما سَلَكَتْ وفِيما بَدَّلَتْ، ويَزِيدُ عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ قَضاءٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما اخْتَلَتْ بِهِ مِن عَمَلٍ وبِما أضْمَرَتْهُ مِن ضَمائِرَ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. وإلى ذَلِكَ تُشِيرُ المَراتِبُ الثَّلاثُ في الآيَةِ: مَرْتَبَةُ ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾، ومَرْتَبَةُ ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾، ومَرْتَبَةُ ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ .

والتَّوْفِيَةُ: إعْطاءُ الشَّيْءِ وافِيًا لا نَقْصَ فِيهِ عَنِ الحَقِّ في إعْطائِهِ ولا عَنْ عَطاءِ أمْثالِهِ.

وفِي قَوْلِهِ (ما عَمِلَتْ) مُضافٌ مَحْذُوفٌ، أيْ جَزاءُ ما عَمِلَهُ المَرْءُ لا يُوَفّاهُ بَعْدَ أنْ عَمِلَهُ وإنَّما يُوَفّى جَزاءَهُ.

والقَوْلُ في الأفْعالِ الماضَوِيَّةِ في قَوْلِهِ ”وأشْرَقَتْ، ووُضِعَ، وجِيءَ، ووُفِّيَتْ“ كالقَوْلِ في قَوْلِهِ ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ [الزمر: ٦٨] .

39:71–72Page 466

وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتۡ أَبۡوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَآ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَتۡلُونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِ رَبِّكُمۡ وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنۡ حَقَّتۡ كَلِمَةُ ٱلۡعَذَابِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧١

And those who disbelieved will be driven to Hell in groups until, when they reach it, its gates are opened and its keepers will say, "Did there not come to you messengers from yourselves, reciting to you the verses of your Lord and warning you of the meeting of this Day of yours?" They will say, "Yes, but the word [i.e., decree] of punishment has come into effect upon the disbelievers."

قِيلَ ٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ ٧٢

[To them] it will be said, "Enter the gates of Hell to abide eternally therein, and wretched is the residence of the arrogant."

”﴿وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها فُتِّحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾“ .

هَذا تَنْفِيذُ القَضاءِ الَّذِي جاءَ في قَوْلِهِ ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ﴾ [الزمر: ٦٩] وقَوْلِهِ ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾ [الزمر: ٧٠]، فَإنَّ عاقِبَةَ ذَلِكَ ونَتِيجَتَهُ إيداعُ المُجْرِمِينَ في العِقابِ

صفحة ٦٩

وإيداعُ الصّالِحِينَ في دارِ الثَّوابِ.

وابْتُدِئَ في الخَبَرِ بِذِكْرِ مُسْتَحِقِّي العِقابِ لِأنَّهُ الأهَمُّ في هَذا المَقامِ إذْ هو مَقامُ إعادَةِ المَوْعِظَةِ والتَّرْهِيبِ لِلَّذِينِ لَمْ يَتَّعِظُوا بِما تَكَرَّرَ في القُرْآنِ مِنَ العِظاتِ مِثْلَ هَذِهِ فَأمّا أهْلُ الثَّوابِ فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ مِنهم فَما يُذْكَرُ عَنْهم فَإنَّما هو تَكْرِيرُ بِشارَةٍ وثَناءٍ.

والسَّوْقُ: أنْ يَجْعَلَ الماشِي ماشِيًا آخَرَ يَسِيرُ أمامَهُ ويُلازِمُهُ، وضِدُّهُ القَوْدُ، والسَّوْقُ مُشْعِرٌ بِالإزْعاجِ والإهانَةِ، قالَ تَعالى ﴿كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ﴾ [الأنفال: ٦] .

والزُّمَرُ: جَمْعُ زُمْرَةٍ، وهي الفَوْجُ مِنَ النّاسِ المَتْبُوعِ بِفَوْجٍ آخَرَ، فَلا يُقالُ: مَرَّتْ زُمْرَةٌ مِنَ النّاسِ، إلّا إذا كانَتْ مَتْبُوعَةً بِأُخْرى، وهَذا مِنَ الألْفاظِ الَّتِي مَدْلُولُها شَيْءٌ مُقَيَّدٌ.

وإنَّما جُعِلُوا زُمَرًا لِاخْتِلافِ دَرَجاتِ كُفْرِهِمْ، فَإنْ كانَ المُرادُ بِالَّذِينِ كَفَرُوا مُشْرِكِي قُرَيْشٍ المَقْصُودِينَ بِهَذا الوَعِيدِ كانَ اخْتِلافُهم عَلى حَسَبِ شِدَّةِ تَصَلُّبِهِمْ في الكُفْرِ وما يُخالِطُهُ مِن حَدَبٍ عَلى المُسْلِمِينَ أوْ فَظاظَةٍ، ومِن مُحايِدَةٍ لِلنَّبِيءِ ﷺ أوْ أذًى، وإنْ كانَ المُرادُ بِهِمْ جَمِيعَ أهْلِ الشِّرْكِ كَما تَقْتَضِيهِ حِكايَةُ المَوْقِفِ مَعَ قَوْلِهِ (ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ) كانَ تَعَدُّدُ زُمَرِهِمْ عَلى حَسَبِ أنْواعِ إشْراكِهِمْ.

و(حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ و(إذا) ظَرْفٌ لِزَمانِ المُسْتَقْبَلِ يُضَمَّنُ مَعْنى الشَّرْطِ غالِبًا، أيْ: سِيقُوا سَوْقًا مُلازِمًا لَهم بِشِدَّتِهِ مُتَّصِلًا بِزَمَنِ مَجِيئِهِمْ إلى النّارِ.

وجُمْلَةُ (فُتِحَتْ) جَوابُ إذا لِأنَّها ضُمِّنَتْ مَعْنى الشَّرْطِ وأغْنى ذِكْرُ (إذا) عَنِ الإتْيانِ بِ ”لَمّا“ التَّوْقِيتِيَّةِ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها، أيْ وكانَتْ مُغْلَقَةً لِتُفْتَحَ في وُجُوهِهِمْ حِينَ مَجِيئِهِمْ فَجْأةً تَهْوِيلًا ورُعْبًا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”فُتِّحَتْ“ بِتَشْدِيدِ التّاءِ لِلْمُبالَغَةِ في الفَتْحِ. وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِتَخْفِيفِ التّاءِ عَلى أصْلِ الفِعْلِ.

والخَزَنَةُ: جَمْعُ خازِنٍ وهو الوَكِيلُ والبَوّابُ غَلَبَ عَلَيْهِ اسْمُ الخازِنِ لِأنَّهُ يُقْصَدُ لِخَزْنِ المالِ.

صفحة ٧٠

والِاسْتِفْهامُ المُوَجَّهُ إلى أهْلِ النّارِ اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرِيٌّ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوْبِيخِ والزَّجْرِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم بَعْدَهُ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ .

و(مِنكم) صِفَةٌ لِ (رُسُلٌ)، والمَقْصُودُ مِنَ الوَصْفِ التَّوَرُّكُ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ ﴿أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ [القمر: ٢٤]، والتِّلاوَةُ: قِراءَةُ الرِّسالَةِ والكِتابِ لِأنَّ القارِئَ يَتْلُو بَعْضَ الكَلامِ بِبَعْضٍ، وأصْلُ الآياتِ: العَلاماتُ مِثْلُ آياتِ الطَّرِيقِ. وأُطْلِقَتْ عَلى الأقْوالِ الدّالَّةِ عَلى الحَقِّ، والمُرادُ بِها هُنا الأقْوالُ المُوحى بِها إلى الرُّسُلِ مِثْلُ صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى والقُرْآنِ، وأخَصُّها بِاسْمِ الآياتِ هي آياتُ القُرْآنِ لِأنَّها اسْتَكْمَلَتْ كُنْهَ الآياتِ بِاشْتِمالِها عَلى عِظَمِ الدَّلالَةِ عَلى الحَقِّ وإذْ هي مُعْجِزاتٌ بِنَظْمِها ولَفْظِها، وما عَداهُ يُسَمّى آياتٌ عَلى وجْهِ المُشاكَلَةِ كَما في حَدِيثِ الرَّجْمِ «أنَّ اليَهُودِيَّ الَّذِي أحْضَرَ التَّوْراةَ وضَعَ يَدَهُ عَلى آيَةِ الرَّجْمِ»، ولِأنَّ في مَعانِي كَثِيرٍ مِنَ القُرْآنِ والكُتُبِ السَّماوِيَّةِ ما فِيهِ دَلائِلُ نَظَرِيَّةٌ عَلى الوَحْدانِيَّةِ والبَعْثِ ونَحْوِها مِنَ الِاسْتِدْلالِ.

وأُسْنِدَتِ التِّلاوَةُ إلى جَمِيعِ الرُّسُلِ وإنْ كانَ فِيهِمْ مَن لَيْسَ لَهُ كِتابٌ، عَلى طَرِيقَةِ التَّغْلِيبِ.

وإضافَةُ (يَوْمِ) إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِمْ فِيهِ كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ في خُطْبَةِ حَجَّةِ الوَداعِ «كَحُرْمَةِ يَوْمِكم هَذا في شَهْرِكم هَذا في بَلَدِكم هَذا» فالإضافَةُ قائِمَةٌ مَقامَ التَّعْرِيفِ بِ ”ألْ“ العَهْدِيَّةِ.

وجَوابُهم بِحَرْفِ (بَلى) إقْرارٌ بِإبْطالِ المَنفِيِّ وهو إتْيانُ الرُّسُلِ وتَبْلِيغُهم فَمَعْناهُ إثْباتُ إتْيانِ الرُّسُلِ وتَبْلِيغِهِمْ.

و(كَلِمَةُ العَذابِ) هي الوَعِيدُ بِهِ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ كَما في قَوْلِ بَعْضِهِمْ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] أيْ تَحَقَّقَتْ فِينا، فالتَّعْرِيفُ في (كَلِمَةُ العَذابِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ لِإضافَتِها إلى مَعْرِفَةٍ بِلامِ الجِنْسِ، أيْ كَلِماتُ.

صفحة ٧١

ومَحَلُّ الِاسْتِدْراكِ هو ما طُوِيَ في الكَلامِ مِمّا اقْتَضى أنْ تَحِقَّ عَلَيْهِمْ كَلِماتُ الوَعِيدِ، وذَلِكَ بِإعْراضِهِمْ عَنِ الإصْغاءِ لِأمْرِ الرُّسُلِ، فالتَّقْدِيرُ: ولَكِنَّ تَكَبَّرْنا وعانَدْنا فَحَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ، وهَذا الجَوابُ مِن قَبِيلِ جَوابِ المُتَنَدِّمِ المَكْرُوبِ فَإنَّهُ يُوجِزُ جَوابَهُ ويَقُولُ لِسائِلِهِ أوْ لائِمِهِ ”الأمْرُ كَما تَرى“ .

ولَمْ يُعْطَفْ فِعْلُ (قالُوا) عَلى ما قَبْلَهُ لِأنَّهُ جاءَ في مَعْرِضِ المُقاوَلَةِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرُ مَرَّةٍ انْظُرْ قَوْلَهُ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] إلى قَوْلِهِ ﴿قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] .

وفِعْلُ (قِيلَ) مَبْنِيٌّ لِلنّائِبِ لِلْعِلْمِ بِالفاعِلِ إذِ القائِلُ: ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ، هم خَزَنَتُها.

ودُخُولُ البابِ: وُلُوجُهُ لِوُصُولِ ما وراءَهُ قالَ تَعالى ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ [المائدة: ٢٣] أيْ لَجُّوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ، وهي أرِيحا.

والمَثْوى: مَحَلُّ الثَّواءِ وهو الإقامَةُ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ والتَّقْدِيرُ: بِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ جَهَنَّمُ ووُصِفُوا بِ (المُتَكَبِّرِينَ) لِأنَّهم أعْرَضُوا عَنْ قَبُولِ الإسْلامِ تَكَبُّرًا عَنْ أنْ يَتْبَعُوا واحِدًا مِنهم.

39:73Page 466

وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ زُمَرًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتۡ أَبۡوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَا سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ طِبۡتُمۡ فَٱدۡخُلُوهَا خَٰلِدِينَ ٧٣

But those who feared their Lord will be driven to Paradise in groups until, when they reach it while its gates have been opened and its keepers say, "Peace be upon you; you have become pure; so enter it to abide eternally therein," [they will enter].1

﴿وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها وفُتِّحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ .

أُطْلِقَ عَلى تَقْدِمَةِ المُتَّقِينَ إلى الجَنَّةِ فِعْلُ السُّوقِ عَلى طَرِيقَةِ المُشاكَلَةِ لِ (سِيقَ) الأوَّلِ، والمُشاكَلَةُ مِنَ المُحَسِّناتِ، وهي عِنْدَ التَّحْقِيقِ مِن قَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ الَّتِي لا عَلاقَةَ لَها إلّا المُشابَهَةُ الجُمْلِيَّةُ الَّتِي تَحْمِلُ عَلَيْها مُجانَسَةُ اللَّفْظِ.

وجَعْلُهم زُمَرًا بِحَسَبَ مَراتِبِ التَّقْوى.

والواوُ في جُمْلَةِ ﴿وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ واوُ الحالِ، أيْ حِينَ جاءُوها وقَدْ فُتِّحَتْ

صفحة ٧٢

أبْوابُها فَوَجَدُوا الأبْوابَ مَفْتُوحَةً عَلى ما هو الشَّأْنُ في اقْتِبالِ أهْلِ الكَرامَةِ.

وقَدْ وهِمَ في هَذِهِ الواوِ بَعْضُ النُّحاةِ مِثْلُ ابْنِ خالَوَيْهِ والحَرِيرِيِّ وتَبِعَهُما الثَّعْلَبِيُّ في تَفْسِيرِهِ فَزَعَمُوا أنَّها واوٌ تَدْخُلُ عَلى ما هو ثامِنٌ إمّا لِأنَّ فِيهِ مادَّةَ ثَمانِيَةٍ كَقَوْلِهِ ﴿ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، فَقالُوا في ﴿وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ جِيءَ بِالواوِ لِأنَّ أبْوابَ الجَنَّةِ ثَمانِيَةٌ، وإمّا لِأنَّهُ ثامِنٌ في التَّعْدادِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] إلى قَوْلِهِ ﴿والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [التوبة: ١١٢] فَإنَّهُ الوَصْفُ الثّامِنُ في التَّعْدادِ ووُقُوعُ هَذِهِ الواواتِ مُصادَفَةٌ غَرِيبَةٌ، وتَنَبُّهُ أُولَئِكَ إلى المُصادَفَةِ تَنَبُّهٌ لِطَيْفٌ ولَكِنَّهُ لا طائِلَ تَحْتَهُ في مَعانِي القُرْآنِ بَلْهَ بَلاغَتِهِ، وقَدْ زَيَّنَهُ ابْنُ هِشامٍ في مُغَنِي اللَّبِيبِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ”﴿التّايِبُونَ العابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]“ في سُورَةِ التَّوْبَةِ وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] في سُورَةِ الكَهْفِ.

و(إذا) هُنا لِمُجَرَّدِ الزَّمانِ غَيْرُ مُضَمَّنَةٍ مَعْنى الشَّرْطِ، فالتَّقْدِيرُ: حَتّى زَمَنِ مَجِيئِهِمْ إلى أبْوابِ الجَنَّةِ، أيْ خَلَّتْهُمُ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِإحْفافِهِمْ عِنْدَ أبْوابِ الجَنَّةِ، كَحالَةِ مَن يَهْدِي العَرُوسَ إلى بَيْتِها فَإذا أبْلَغَها بابَهُ خَلّى بَيْنَها وبَيْنَ بَيْتِها، كَأنَّهم يَقُولُونَ: هَذا مَنزِلُكم فَدُونَكُمُوهُ، فَتَلَقَّتْهم خَزَنَةُ الجَنَّةِ بِالسَّلامِ.

و(طِبْتُمْ) دُعاءٌ بِالطِّيبِ لَهم، أيِ التَّزْكِيَةِ، وطِيبِ الحالَةِ، والجُمْلَةُ إنْشاءُ تَكْرِيمٍ ودُعاءٍ.

والخِلافُ بَيْنَ القُرّاءِ في (فُتِّحَتْ) هُنا كالخِلافِ في نَظِيرِهِ المَذْكُورِ آنِفًا.

39:74Page 466

وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعۡدَهُۥ وَأَوۡرَثَنَا ٱلۡأَرۡضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلۡجَنَّةِ حَيۡثُ نَشَآءُۖ فَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ٧٤

And they will say, "Praise to Allāh, who has fulfilled for us His promise and made us inherit the earth [so] we may settle in Paradise wherever we will. And excellent is the reward of [righteous] workers."

﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ .

عَطْفُ هَذا الكَلامِ يُؤْذِنُ بِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ غَيْرُ جَوابٍ لِقَوْلِ المَلائِكَةِ بَلْ حَمِدُوا اللَّهَ عَلى ما مَنَحَهم مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي وعَدَهم بِهِ، وإنَّما وعَدَهم بِهِ بِعُنْوانِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ فَلَمّا كانُوا أصْحابَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ جَعَلُوا وعْدَ العامِلِينَ لِلصّالِحاتِ وعْدًا لَهم لِتَحَقُّقِ المُعَلَّقِ عَلَيْهِ الوَعْدُ فِيهِمْ.

ومَعْنى (صَدَقَنا) حَقَّقَ لَنا وعْدَهُ.

صفحة ٧٣

وقَوْلُهُ ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ﴾ كَلامٌ جَرى مَجْرى المَثَلِ لِمَن ورِثَ المُلْكَ قالَ تَعالى ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] فَعَبَّرَ القُرْآنُ عَنْ مُرادِ أهْلِ الجَنَّةِ المُخْتَلِفِي اللُّغاتِ بِهَذا التَّرْكِيبِ العَرَبِيِّ الدّالِّ عَلى مَعانِي ما نَطَقُوا بِهِ مِن لُغاتِهِمُ المُخْتَلِفَةِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أهْلُ الجَنَّةِ نَطَقُوا بِكَلامٍ عَرَبِيٍّ ألْهَمَهم اللَّهُ إيّاهُ فَقَدْ جاءَ في الآثارِ أنَّ كَلامَ أهْلِ الجَنَّةِ بِالعَرَبِيَّةِ الفُصْحى. ولَفْظُ الأرْضِ جارٍ عَلى مُراعاةِ التَّرْكِيبِ التَّمْثِيلِيِّ لِأنَّ الأرْضَ قَدْ اضْمَحَلَّتْ أوْ بُدِّلَتْ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ الأرْضِ مُسْتَعارًا لِلْجَنَّةِ لِأنَّها قَرارُهم كَما أنَّ الأرْضَ قَرارُ النّاسِ في الحَياةِ الأُولى.

وإطْلاقُ الإيراثِ اسْتِعارَةٌ تَشْبِيهًا لِلْإعْطاءِ بِالتَّوْرِيثِ في سَلامَتِهِ مِن تَعَبِ الِاكْتِسابِ.

والتَّبَؤُّ: السُّكْنى والحُلُولُ، والمَعْنى: أنَّهم يَتَنَقَّلُونَ في الغُرَفِ والبَساتِينِ تَفَنُّنًا في النَّعِيمِ.

وأرادُوا بِ (العامِلِينَ) أنْفُسَهم، أيْ عامِلِي الخَيْرِ، وهَذا مِنَ التَّصْرِيحِ بِالحَقائِقِ فَلَيْسَ فِيهِ عَيْبُ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ، لِأنَّ ذَلِكَ العالَمَ عالَمُ الحَقائِقِ الكامِلَةِ المُجَرَّدَةِ عَنْ شَوْبِ النَّقائِصِ.

واعْلَمْ أنَّ الآياتِ وصَفَتْ مَصِيرَ أهْلِ الكُفْرِ ومَصِيرَ المُتَّقِينَ يَوْمَ الحَشْرِ وسَكَتَتْ عَنْ مَصِيرِ أهْلِ المَعاصِي الَّذِينَ لَمْ يَلْتَحِقُوا بِالمُتَّقِينَ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الكَبائِرِ وغُفْرانِ الصَّغائِرِ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ، وهَذِهِ عادَةُ القُرْآنِ في الإعْراضِ عَنْ وصْفِ رِجالٍ مِنَ الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ بِمَعْصِيَةِ رَبِّهِمْ إلّا عِنْدَ الِاقْتِضاءِ لِبَيانِ الأحْكامِ، فَإنَّ الكَبائِرَ مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ فَما كانَ لِأهْلِ الإسْلامِ أنْ يَقَعُوا فِيها فَإذا وقَعُوا فِيها فَعَلَيْهِمْ بِالتَّوْبَةِ فَإذا ماتُوا غَيْرَ تائِبِينَ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُحْصِي لَهم حَسَناتِ أعْمالِهِمْ وطَيِّباتِ نَواياهم فَيُقاصُّهم بِها إنْ شاءَ، ثُمَّ هم فِيما دُونَ ذَلِكَ يَقْتَرِبُونَ مِنَ العِقابِ بِمِقْدارِ اقْتِرابِهِمْ مِن حالِ أهْلِ الكُفْرِ في وفْرَةِ المَعاصِي فَيُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ، أوْ إلى الجَنَّةِ، ومِنهم أهْلُ الأعْرافِ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ نُبْذَةٌ مِن هَذا الشَّأْنِ في سُورَةِ الأعْرافِ.

39:75Page 467

وَتَرَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ حَآفِّينَ مِنۡ حَوۡلِ ٱلۡعَرۡشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡۚ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّۚ وَقِيلَ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٥

And you will see the angels surrounding the Throne, exalting [Allāh] with praise of their Lord. And it will be judged between them in truth, and it will be said, "[All] praise to Allāh, Lord of the worlds."

صفحة ٧٤

﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ .

عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِن ذِكْرِ أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ الَّتِي عُطِفَ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨] إنَّ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ الأحْوالِ حَفُّ المَلائِكَةِ حَوْلَ العَرْشِ.

والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ فَيَكُونُ إيذانًا بِأنَّها رُؤْيَةُ دُنُوٍّ مِنَ العَرْشِ ومَلائِكَتِهِ وذَلِكَ تَكْرِيمٌ لَهُ بِأنْ يَكُونَ قَدْ حَواهُ مَوْكِبُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ حَوْلَ العَرْشِ.

والحَفُّ: الإحْداقُ بِالشَّيْءِ والكَوْنُ بِجَوانِبِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ حالٌ، أيْ يَقُولُونَ أقْوالًا تَدُلُّ عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى وتَعْظِيمِهِ مُلابَسَةً لِحَمْدِهِمْ إيّاهُ. فالباءُ في (بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) لِلْمُلابَسَةِ تَتَعَلَّقُ بِ (يُسَبِّحُونَ) .

وفِي اسْتِحْضارِ اللَّهِ تَعالى بِوَصْفِ رَبِّهِمْ إيماءٌ إلى أنَّ قُرْبَهم مِنَ العَرْشِ تَرْفِيعٌ في مَقامِ العُبُودِيَّةِ المُلازِمَةِ لِلْخَلائِقِ.

* * *

﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ﴾ .

تَأْكِيدٌ لِجُمْلَةِ ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٦٩] المُتَقَدِّمَةِ.

* * *

﴿وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَوْكِيدًا لِجُمْلَةِ ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حِكايَةَ قَوْلٍ آخَرَ لِقائِلِينَ مِنَ المَلائِكَةِ والرُّسُلِ وأهْلِ الجَنَّةِ، فَهو أعَمُّ مِنَ القَوْلِ المُتَقَدِّمِ الَّذِي هو قَوْلُ المَسُوقِينَ إلى الجَنَّةِ مِنَ المُتَّقِينَ، فَهَذا قَوْلُهم يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلى عَدْلِ قَضائِهِ وجَمِيعِ صِفاتِ كَمالِهِ.

* * *

صفحة ٧٥

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ المُؤْمِنِ ورَدَتْ تَسْمِيَةُ هَذِهِ السُّورَةِ في السُّنَّةِ (حم المُؤْمِنِ) رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَن قَرَأ (حم المُؤْمِنِ) إلى (إلَيْهِ المَصِيرُ)، وآيَةَ الكُرْسِيِّ حِينَ يُصْبِحُ حُفِظَ بِهِما» الحَدِيثَ. وبِذَلِكَ اشْتُهِرَتْ في مَصاحِفِ المَشْرِقِ، وبِذَلِكَ تَرْجَمَها البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ والتِّرْمِذِيُّ في الجامِعِ. ووَجْهُ التَّسْمِيَةِ أنَّها ذُكِرَتْ فِيها قِصَّةُ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ ولَمْ تُذْكَرْ في سُورَةٍ أُخْرى بِوَجْهٍ صَرِيحٍ.

والوَجْهُ في إعْرابِ هَذا الِاسْمِ حِكايَةُ كَلِمَةِ (حم) ساكِنَةَ المِيمِ بِلَفْظِها الَّذِي يُقْرَأُ. وبِإضافَتِهِ إلى لَفْظِ (المُؤْمِنِ) بِتَقْدِيرِ: سُورَةُ حم ذِكْرِ المُؤْمِنِ أوْ لَفْظِ المُؤْمِنِ وتُسَمّى أيْضًا (سُورَةُ الطَّوْلِ) لِقَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِها (ذِي الطَّوْلِ) وقَدْ تُنُوسِيَ هَذا الِاسْمُ. وتُسَمّى سُورَةُ غافِرٍ لِذِكْرِ وصْفِهِ تَعالى (غافِرِ الذَّنْبِ) في أوَّلِها. وبِهَذا الِاسْمِ اشْتُهِرَتْ في مَصاحِفِ المَغْرِبِ.

وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ وعَنِ الحَسَنِ اسْتِثْناءُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ [غافر: ٥٥]، لِأنَّهُ كانَ يَرى أنَّها نَزَلَتْ في فَرْضِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ وأوْقاتِها. ويَرى أنَّ فَرْضَ صَلَواتٍ خَمْسٍ وأوْقاتِها ما وقَعَ إلّا في المَدِينَةِ وإنَّما كانَ المَفْرُوضُ بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ كُلَّ يَوْمٍ مِن غَيْرِ تَوْقِيتٍ، وهو مِن بِناءِ ضَعِيفٍ عَلى ضَعِيفٍ فَإنَّ الجُمْهُورَ عَلى أنَّ الصَّلَواتِ الخَمْسَ فُرِضَتْ بِمَكَّةَ في أوْقاتِها عَلى أنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ في تِلْكَ الآيَةِ الصَّلَواتِ بَلْ يُحْمَلُ عَلى ظاهِرِ لَفْظِهِ مِن كُلِّ قَوْلٍ يُنَزَّهُ بِهِ اللَّهُ تَعالى.

وأشَذُّ مِنهُ ما رُوِيَ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى

صفحة ٧٦

﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦] نَزَلَتْ في يَهُودٍ مِنَ المَدِينَةِ جادَلُوا النَّبِيءَ ﷺ في أمْرِ الدَّجّالِ وزَعَمُوا أنَّهُ مِنهم. وقَدْ جاءَ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤]، والمُرادُ بِهِمُ: المُشْرِكُونَ.

وهَذِهِ السُّورَةُ جُعِلَتِ السِّتِّينَ في عِدادِ تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الزُّمَرِ وقَبْلَ سُورَةِ فُصِّلَتْ وهي أوَّلُ سُوَرِ آلِ حم نُزُولًا.

وقَدْ كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مَقْرُوءَةً عَقِبَ وفاةِ أبِي طالِبٍ، أيْ سَنَةَ ثَلاثٍ قَبْلَ الهِجْرَةِ لِما سَيَأْتِي أنَّ أبا بَكْرٍ قَرَأ آيَةَ ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨] حِينَ آذى نَفَرٌ مِن قُرَيْشٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَوْلَ الكَعْبَةِ، وإنَّما اشْتَدَّ أذى قُرَيْشٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ وفاةِ أبِي طالِبٍ.

والسُّوَرُ المُفْتَتَحَةُ بِكَلِمَةِ (حم) سَبْعُ سُوَرٍ مُرَتَّبَةٌ في المَصاحِفِ عَلى تَرْتِيبِها في النُّزُولِ ويُدْعى مَجْمُوعُها (آلَ حم) جَعَلُوا لَها اسْمَ (آلِ) لِتَآخِيها في فَواتِحِها. فَكَأنَّها أُسْرَةٌ واحِدَةٌ وكَلِمَةٌ آلِ تُضافُ إلى ذِي شَرَفٍ ويُقالُ لِغَيْرِ المَقْصُودِ تَشْرِيفُهُ أهْلُ فُلانٍ قالَ الكُمَيْتُ:

قَرَأْنا لَكم في آلِ حامِيمَ آيَةً تَأوَّلَها مِنّا فَقِيهٌ ومُعْرِبُ

يُرِيدُ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى في سُورَةِ ﴿حم﴾ [الشورى: ١] ﴿عسق﴾ [الشورى: ٢]، ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] عَلى تَأْوِيلِ غَيْرِ ابْنِ عَبّاسٍ فَلِذَلِكَ عَزَّزَهُ بِقَوْلِهِ: تَأوَّلَها مِنّا فَقِيهٌ ومُعْرِبُ.

ورُبَّما جُمِعَتِ السُّوَرُ المُفْتَتَحَةُ بِكَلِمَةِ (حم) فَقِيلَ (الحَوامِيمَ) جَمْعَ تَكْسِيرٍ عَلى زِنَةِ فَعالِيلَ لِأنَّ مُفْرَدَهُ عَلى وزْنِ فاعِيلٍ وزْنًا عَرَضَ لَهُ مِن تَرْكِيبِ اسْمَيِ الحَرْفَيْنِ: حا، مِيمٍ؛ فَصارَ كالأوْزانِ العَجَمِيَّةِ مِثْلَ قابِيلَ وراحِيلَ وما هو بِعَجَمِيٍّ لِأنَّهُ وزْنٌ عارِضٌ لا يُعْتَدُّ بِهِ. وجَمْعُ التَّكْسِيرِ عَلى فَعالِيلٍ يَطَّرِدُ في مِثْلِهِ.

وقَدْ ثَبَتَ أنَّهم جَمَعُوا (حم) عَلى حَوامِيمَ في أخْبارٍ كَثِيرَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وسَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، ونُسِبَ في بَعْضِ الأخْبارِ إلى النَّبِيءِ ﷺ ولَمْ

صفحة ٧٧

يَثْبُتْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ. ومِثْلُهُ السُّوَرُ المُفْتَتَحَةُ بِكَلِمَةِ (طس) أوْ (طسم) جَمَعُوها عَلى طَواسِينَ بِالنُّونِ تَغْلِيبًا. وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ أبْياتًا لَمْ يُسَمِّ قائِلَها:

حَلَفَتُ بِالسَّبْعِ الأُلى قَدْ طَوَّلَتْ ∗∗∗ وبِمِئِينَ بَعْدَها قَدْ أُمِّئَتْ

وبِثَمانٍ ثُنِّيَتْ وكُرِّرَتْ ∗∗∗ وبِالطَّواسِينِ اللَّواتِي ثُلِّثَتْ

وبِالحَوامِيمِ اللَّواتِي سُبِّعَتْ ∗∗∗ وبِالمُفَصَّلِ الَّتِي قَدْ فُصِّلَتْ

وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ والفَرّاءِ: أنَّ قَوْلَ العامَّةِ الحَوامِيمَ لَيْسَ مِن كَلامِ العَرَبِ وتَبِعَهُما أبُو مَنصُورٍ الجَوالِيقِيُّ.

وقَدْ عُدَّتْ آيُها أرْبَعًا وثَمانِينَ في عَدِّ أهْلِ المَدِينَةِ وأهْلِ مَكَّةَ، وخَمْسًا وثَمانِينَ في عَدِّ أهْلِ الشّامِ والكُوفَةِ، واثْنَتَيْنِ وثَمانِينَ في عَدِّ أهْلِ البَصْرَةِ.

* * *

أغْراضُ هَذِهِ السُّورَةِ

تَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّورَةُ أغْراضًا مِن أُصُولِ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ، فابْتُدِئَتْ بِما يَقْتَضِي تَحَدِّي المُعانِدِينَ في صِدْقِ القُرْآنِ كَما اقْتَضاهُ الحَرْفانِ المُقَطَّعانِ في فاتِحَتِهِما كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

وأُجْرِيَ عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى مِن صِفاتِهِ ما فِيهِ تَعْرِيضٌ بِدَعْوَتِهِمْ إلى الإقْلاعِ عَمّا هم فِيهِ، فَكانَتْ فاتِحَةُ السُّوَرِ مِثْلَ دِيباجَةِ الخُطْبَةِ مُشِيرَةً إلى الغَرَضِ مِن تَنْزِيلِ هَذِهِ السُّورَةِ.

وعَقَّبَ ذَلِكَ بِأنَّ دَلائِلَ تَنْزِيلِ هَذا الكِتابِ مِنَ اللَّهِ بَيِّنَةٌ لا يَجْحَدُها إلّا الكافِرُونَ مِنَ الِاعْتِرافِ بِها حَسَدًا، وأنَّ جِدالَهم تَشْغِيبٌ وقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ المُجادِلِينَ في آياتِ اللَّهِ خَمْسَ مَرّاتٍ في هَذِهِ السُّورَةِ، وتَمْثِيلُ حالِهِمْ بِحالِ الأُمَمِ الَّتِي كَذَّبَتْ رُسُلَ اللَّهِ بِذِكْرِهِمْ إجْمالًا، ثُمَّ التَّنْبِيهُ عَلى آثارِ اسْتِئْصالِهِمْ وضَرْبُ المَثَلِ بِقَوْمِ فِرْعَوْنَ.

ومَوْعِظَةُ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ قَوْمَهُ بِمَواعِظَ تُشْبِهُ دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ قَوْمَهُ.

صفحة ٧٨

والتَّنْبِيهُ عَلى دَلائِلِ تَفَرُّدِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ إجْمالًا.

وإبْطالُ عِبادَةِ ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ.

والتَّذْكِيرُ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلى النّاسِ لِيَشْكُرَهُ الَّذِينَ أعْرَضُوا عَنْ شُكْرِهِ.

والِاسْتِدْلالُ عَلى إمْكانِ البَعْثِ.

وإنْذارُهم بِما يَلْقَوْنَ مِن هَوْلِهِ وما يَتَرَقَّبُهم مِنَ العَذابِ، وتَوَعُّدُهم بِأنْ لا نَصِيرَ لَهم يَوْمَئِذٍ وبِأنَّ كُبَراءَهم يَتَبَرَّءُونَ مِنهم.

وتَثْبِيتُ اللَّهِ رَسُولَهُ ﷺ بِتَحْقِيقِ نَصْرِ هَذا الدِّينِ في حَياتِهِ وبَعْدَ وفاتِهِ.

وتَخَلَّلَ ذَلِكَ الثَّناءُ عَلى المُؤْمِنِينَ ووَصْفُ كَرامَتِهِمْ وثَناءُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ.

ووَرَدَ في فَضْلِ هَذِهِ السُّورَةِ الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ «مَن قَرَأ حم المُؤْمِنِ إلى (إلَيْهِ المَصِيرُ) وآيَةَ الكُرْسِيِّ حِينَ يُصْبِحُ حُفِظَ بِهِما حَتّى يُمْسِيَ ومَن قَرَأهُما حِينَ يُمْسِي حُفِظَ بِهِما حَتّى يُصْبِحَ» .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском