Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:105–114
4:105–109Page 95
إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا ١٠٥
Indeed, We have revealed to you, [O Muḥammad], the Book in truth so you may judge between the people by that which Allāh has shown you. And do not be for the deceitful an advocate.
وَٱسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٠٦
And seek forgiveness of Allāh. Indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.
وَلَا تُجَٰدِلۡ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخۡتَانُونَ أَنفُسَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمٗا ١٠٧
And do not argue on behalf of those who deceive themselves. Indeed, Allāh loves not one who is a habitually sinful deceiver.
يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمۡ إِذۡ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرۡضَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطًا ١٠٨
They conceal [their evil intentions and deeds] from the people, but they cannot conceal [them] from Allāh, and He is with them [in His knowledge] when they spend the night in such as He does not accept of speech. And ever is Allāh, of what they do, encompassing.
هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ جَٰدَلۡتُمۡ عَنۡهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَمَن يُجَٰدِلُ ٱللَّهَ عَنۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ وَكِيلٗا ١٠٩
Here you are - those who argue on their behalf in [this] worldly life - but who will argue with Allāh for them on the Day of Resurrection, or who will [then] be their representative?
﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ ﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وهْوَ مَعَهم إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ وكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ .
صفحة ١٩١
اتِّصالُ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها يَرْجِعُ إلى ما مَضى مِن وصْفِ أحْوالِ المُنافِقِينَ ومُناصِرِيهِمْ، وانْتَقَلَ مِن ذَلِكَ إلى الِاسْتِعْدادِ لِقِتالِ المُناوِينَ لِلْإسْلامِ مِن قَوْلِهِ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا الآيَةَ، وتَخَلَّلَ فِيهِ مِن أحْوالِ المُنافِقِينَ في تَرَبُّصِهِمْ بِالمُسْلِمِينَ الدَّوائِرَ ومُخْتَلِفِ أحْوالِ القَبائِلِ في عَلائِقِهِمْ مَعَ المُسْلِمِينَ، واسْتَطْرَدَ لِذِكْرِ قَتْلِ الخَطَأِ والعَمْدِ، وانْتَقَلَ إلى ذِكْرِ الهِجْرَةِ، وعَقَّبَ بِذِكْرِ صَلاةِ السَّفَرِ وصَلاةِ الخَوْفِ، عادَ الكَلامُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى أحْوالِ أهْلِ النِّفاقِ.
والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا.
وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هاتِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ حادِثَةٍ رَواها التِّرْمِذِيُّ حاصِلُها: «أنَّ إخْوَةً ثَلاثَةً يُقالُ لَهم: بِشْرٌ وبَشِيرٌ ومُبَشِّرٌ، أبْناءُ أُبَيْرِقٍ، وقِيلَ: أبْناءُ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، وقِيلَ: إنَّما كانَ بَشِيرٌ أحَدُهم يُكَنّى أبا طُعْمَةَ، وهم مِن بَنِي ظَفَرٍ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، وكانَ بَشِيرٌ شَرَّهم، وكانَ مُنافِقًا يَهْجُو المُسْلِمِينَ بِشِعْرٍ يُشِيعُهُ ويَنْسُبُهُ إلى غَيْرِهِ، وكانَ هَؤُلاءِ الإخْوَةُ في فاقَةٍ، وكانُوا جِيرَةً لِرِفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ، وكانَتْ عِيرٌ قَدْ أقْبَلَتْ مِنَ الشّامِ بِدَرْمَكٍ - وهو دَقِيقُ الحُوّارى أيِ السَّمِيذُ - فابْتاعَ مِنها رَفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِن دَرْمَكٍ لِطَعامِهِ، وكانَ أهْلُ المَدِينَةِ يَأْكُلُونَ دَقِيقَ الشَّعِيرِ، فَإذا جاءَ الدَّرْمَكُ ابْتاعَ مِنهُ سَيِّدُ المَنزِلِ شَيْئًا لِطَعامِهِ فَجَعَلَ الدَّرْمَكَ في مَشْرَبَةٍ لَهُ وفِيها سِلاحٌ، فَعَدى بَنُو أُبَيْرِقٍ عَلَيْهِ فَنَقَبُوا مَشْرَبَتَهُ وسَرَقُوا الدَّقِيقَ والسِّلاحَ، فَلَمّا أصْبَحَ رِفاعَةُ ووَجَدَ مَشْرَبَتَهُ قَدْ سُرِقَتْ أخْبَرَ ابْنَ أخِيهِ قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانِ بِذَلِكَ، فَجَعَلَ يَتَحَسَّسُ، فَأُنْبِئَ بِأنَّ بَنِي أُبَيْرِقٍ اسْتَوْقَدُوا في تِلْكَ اللَّيْلَةِ نارًا، ولَعَلَّهُ عَلى بَعْضِ طَعامِ رِفاعَةَ، فَلَمّا افْتَضَحَ بَنُو أُبَيْرِقٍ طَرَحُوا المَسْرُوقَ في دارِ أبِي مُلَيْلٍ الأنْصارِيِّ. وقِيلَ: في دارِ يَهُودِيٍّ اسْمُهُ زَيْدُ بْنُ السَّمِينِ، وقِيلَ: لَبِيَدُ بْنُ سَهْلٍ، وجاءَ بَعْضُ بَنِي ظَفَرٍ إلى النَّبِيءِ ﷺ، فاشْتَكَوْا إلَيْهِ أنَّ رِفاعَةَ وابْنَ أخِيهِ اتَّهَما بِالسَّرِقَةِ أهْلَ بَيْتِ إيمانٍ وصَلاحٍ، قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ لِي عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتِ إسْلامٍ وصَلاحٍ فَرَمَيْتَهم بِالسَّرِقَةِ عَلى غَيْرِ بَيِّنَةٍ. وأشاعُوا في النّاسِ أنَّ المَسْرُوقَ في دارِ أبِي مُلَيْلٍ أوْ دارِ اليَهُودِيِّ. فَما لَبِثَ أنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلى جَلِيَّةِ الأمْرِ، مُعْجِزَةً لَهُ، حَتّى لا يَطْمَعَ أحَدٌ في أنْ يُرَوِّجَ عَلى الرَّسُولِ باطِلًا» . هَذا هو الصَّحِيحُ في سَوْقِ هَذا الخَبَرِ. ووَقَعَ في كِتابِ أسْبابِ النُّزُولِ
صفحة ١٩٢
لِلْواحِدِيِّ، وفي بَعْضِ رِواياتِ الطَّبَرَيِّ سَوْقُ القِصَّةِ بِبَعْضِ مُخالَفَةٍ لِما ذَكَرْتُهُ: وأنَّ بَنِي ظَفَرٍ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُجادِلَ عَنْ أصْحابِهِمْ كَيْ لا يَفْتَضِحُوا ويَبْرَأ اليَهُودِيُّ، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ هَمَّ بِذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لامَ اليَهُودِيَّ وبَرَّأ المُتَّهَمَ، وهَذِهِ الرِّوايَةُ واهِيَةٌ، وهَذِهِ الزِّيادَةُ خَطَأٌ بَيِّنٌ مِن أهْلِ القَصَصِ دُونَ عِلْمٍ ولا تَبَصُّرٍ بِمَعانِي القُرْآنِ. والظّاهِرُ أنَّ صَدْرَ الآيَةِ تَمْهِيدٌ لِلتَّلْوِيحِ إلى القِصَّةِ، فَهو غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِها، إذْ لَيْسَ في ذَلِكَ الكَلامِ ما يُلَوِّحُ إلَيْها، ولَكِنَّ مَبْدَأ التَّلْوِيحِ إلى القِصَّةِ مِن قَوْلِهِ ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ .
وقَوْلُهُ ﴿بِما أراكَ اللَّهُ﴾ الباءُ لِلْآلَةِ جَعَلَ ما أراهُ اللَّهُ إيّاهُ بِمَنزِلَةِ آلَةٍ لِلْحُكْمِ لِأنَّهُ وسِيلَةٌ إلى مُصادَفَةِ العَدْلِ والحَقِّ ونَفْيِ الجَوْرِ، إذْ لا يَحْتَمِلُ عِلْمُ اللَّهِ الخَطَأ. والرُّؤْيَةُ في قَوْلِهِ أراكَ اللَّهُ عِرْفانِيَّةٌ، وحَقِيقَتُها الرُّؤْيَةُ البَصَرِيَّةُ، فَأُطْلِقَتْ عَلى ما يُدْرَكُ بِوَجْهِ اليَقِينِ لِمُشابَهَتِهِ الشَّيْءَ المُشاهَدَ. والرُّؤْيَةُ البَصَرِيَّةُ تَنْصِبُ مَفْعُولًا واحِدًا فَإذْ أُدْخِلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ التَّعْدِيَةِ نَصَبَتْ مَفْعُولَيْنِ كَما هُنا، وقَدْ حُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي لِأنَّهُ ضَمِيرُ المَوْصُولِ، فَأغْنى عَنْهُ المَوْصُولُ، وهو حَذْفٌ كَثِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: بِما أراكَهُ اللَّهُ.
فَكُلُّ ما جَعَلَهُ اللَّهُ حَقًّا في كِتابِهِ فَقَدْ أمَرَ بِالحُكْمِ بِهِ بَيْنَ النّاسِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ يُعْلِمُهُ الحَقَّ في جانِبِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ بِأنْ يَقُولَ لَهُ: إنَّ فُلانًا عَلى الحَقِّ، لِأنَّ هَذا لا يَلْزَمُ اطِّرادُهُ، ولِأنَّهُ لا يُلْفى مَدْلُولًا لِجَمِيعِ آياتِ القُرْآنِ وإنَّ صَلُحَ الحَمْلُ عَلَيْهِ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ لِيَحْكُمَ بِالطُّرُقِ والقَضايا الدّالَّةِ عَلى وصْفِ الأحْوالِ الَّتِي يَتَحَقَّقُ بِها العَدْلُ فَيَحْكُمُ بَيْنَ النّاسِ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ، بِأنْ تَنْدَرِجَ جُزْئِيّاتُ أحْوالِهِمْ عِنْدَ التَّقاضِي تَحْتَ الأوْصافِ الكُلِّيَّةِ المُبَيَّنَةِ في الكِتابِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، فَقَدْ أبْطَلَ حُكْمَ التَّبَنِّي الَّذِي كانَ في الجاهِلِيَّةِ، فَأعْلَمَنا أنَّ قَوْلَ الرَّجُلِ لِمَن لَيْسَ ولَدَهُ: هَذا ولَدِي، لا يَجْعَلُ لِلْمَنسُوبِ حَقًّا في مِيراثِهِ.
ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يُخْطِئُ في إدْراجِ الجُزْئِيّاتِ تَحْتَ كُلِّيّاتِها، وقَدْ يَعْرِضُ الخَطَأُ لِغَيْرِهِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصادِفُ الحَقَّ مِن غَيْرِ وُجُوهِهِ الجارِيَةِ بَيْنَ النّاسِ، ولِذَلِكَ قالَ «إنَّما أنا بَشَرٌ وإنَّكم تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ ولَعَلَّ بَعْضَكم أنْ يَكُونَ
صفحة ١٩٣
ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ فَأقْضِي لَهُ عَلى نَحْوِ ما أسْمَعُ فَمَن قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أخِيهِ فَلا يَأْخُذُهُ فَإنَّما أقْتَطِعُ لَهُ قِطْعَةً مِن نارٍ» .
وغَيْرُ الرَّسُولِ يُخْطِئُ في الِانْدِراجِ، ولِذَلِكَ وجَبَ بَذْلُ الجُهْدِ واسْتِقْصاءُ الدَّلِيلِ، ومِن ثَمَّ اسْتَدَلَّ عُلَماؤُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ الِاجْتِهادِ في فَهْمِ الشَّرِيعَةِ.
وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ لا يَقُولَنَّ أحَدٌ قَضَيْتُ بِما أرانِيَ اللَّهُ تَعالى فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ إلّا لِنَبِيئِهِ وأمّا الواحِدُ مِنّا فَرَأْيُهُ يَكُونُ ظَنًّا ولا يَكُونُ عِلْمًا، ومَعْناهُ هو ما قَدَّمْناهُ مِن عُرُوضِ الخَطَأِ في الفَهْمِ لِغَيْرِ الرَّسُولِ دُونَ الرَّسُولِ ﷺ .
واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ لامُ العِلَّةِ ولَيْسَتْ لامُ التَّقْوِيَةِ. ومَفْعُولُ خَصِيمًا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ذِكْرُ مُقابِلِهِ وهو لِلْخائِنِينَ، أيْ لا تَكُنْ تُخاصِمُ مَن يُخاصِمُ الخائِنِينَ، أيْ لا تُخاصِمْ عَنْهم. فالخَصِيمُ هُنا بِمَعْنى المُنْتَصِرُ المُدافِعُ كَقَوْلِهِ كُنْتُ أنا خَصْمُهُ يَوْمَ القِيامَةِ. والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمُرادُ الأُمَّةُ، لِأنَّ الخِصامَ عَنِ الخائِنِينَ لا يُتَوَقَّعُ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ، وإنَّما المُرادُ تَحْذِيرُ الَّذِينَ دَفَعَتْهُمُ الحَمِيَّةُ إلى الِانْتِصارِ لِأبْناءِ أُبَيْرِقٍ.
والأمْرُ بِاسْتِغْفارِ اللَّهِ جَرى عَلى أُسْلُوبِ تَوْجِيهِ الخِطابِ إلى الرَّسُولِ، فالمُرادُ بِالأمْرِ غَيْرُهُ، أرْشَدَهم إلى ما هو أنْفَعُ لَهم وهو اسْتِغْفارُ اللَّهِ مِمّا اقْتَرَفُوهُ، أوْ أرادَ: واسْتَغْفِرِ اللَّهَ لِلْخائِنِينَ لِيُلْهِمَهم إلى التَّوْبَةِ بِبَرَكَةِ اسْتِغْفارِكَ لَهم فَذَلِكَ أجْدَرُ مِن دِفاعِ المُدافِعِينَ عَنْهم.
وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ٦٤] ولَيْسَ المُرادُ بِالأمْرِ اسْتِغْفارَ النَّبِيءِ لِنَفْسِهِ، كَما أخْطَأ فِيهِ مَن تَوَهَّمَ ذَلِكَ، فَرَكَّبَ عَلَيْهِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ خَطَرَ بِبالِهِ ما أوْجَبَ أمْرَهُ بِالِاسْتِغْفارِ، وهو هَمُّهُ أنْ يُجادِلَ عَنْ بَنِي أُبَيْرِقٍ، مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهم سَرَقُوا، خَشْيَةَ أنْ يَفْتَضِحُوا، وهَذا مِن أفْهامِ الضُّعَفاءِ وسُوءِ وضْعِهِمُ الأخْبارَ لِتَأْيِيدِ سَقِيمِ أفْهامِهِمْ.
والخِطابُ في قَوْلِهِ ولا تُجادِلْ لِلرَّسُولِ، والمُرادُ نَهْيُ الأُمَّةِ عَنْ ذَلِكَ، لِأنَّ مِثْلَهُ لا يُتَرَقَّبُ صُدُورُهُ مِنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ .
صفحة ١٩٤
ويَخْتانُونَ بِمَعْنى يَخُونُونَ، وهو افْتِعالٌ دالٌّ عَلى التَّكَلُّفِ والمُحاوَلَةِ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ في الخِيانَةِ. ومَعْنى خِيانَتِهِمْ أنْفُسَهم أنَّهم بِارْتِكابِهِمْ ما يَضُرُّ بِهِمْ كانُوا بِمَنزِلَةِ مَن يَخُونُ غَيْرَهُ كَقَوْلِهِ عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكم. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ أنْفُسَهم هُنا بِمَعْنى بَنِي أنْفُسِهِمْ، أيْ بَنِي قَوْمِهِمْ، كَقَوْلِهِ ﴿تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، وقَوْلِهِ ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، أيِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ ناسًا مِن أهْلِهِمْ وقَوْمِهِمْ. والعَرَبُ تَقُولُ: هو تَمِيمِيٌّ مِن أنْفُسِهِمْ، أيْ لَيْسَ بِمَوْلًى ولا لَصِيقٍ.
والمُجادَلَةُ مُفاعَلَةٌ مِنَ الجَدَلِ، وهو القُدْرَةُ عَلى الخِصامِ والحُجَّةِ فِيهِ، وهي مُنازَعَةٌ بِالقَوْلِ لِإقْناعِ الغَيْرِ بِرَأْيِكَ، ومِنهُ سُمِّيَ عِلْمُ قَواعِدِ المُناظَرَةِ والِاحْتِجاجِ في الفِقْهِ عِلْمَ الجَدَلِ، وكانَ يَخْتَلِطُ بِعِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ وعِلْمِ آدابِ البَحْثِ وعِلْمِ المَنطِقِ.
ولَمْ يُسْمَعْ لِلْجَدَلِ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ أصْلِيٌّ، والمَسْمُوعُ مِنهُ جادَلَ لِأنَّ الخِصامَ يَسْتَدْعِي خَصْمَيْنِ. وأمّا قَوْلُهم: جَدَلَهُ فَهو بِمَعْنى غَلَبَهُ في المُجادَلَةِ، فَلَيْسَ فِعْلًا أصْلِيًّا في الِاشْتِقاقِ. ومَصْدَرُ المُجادَلَةِ: الجِدالُ، قالَ تَعالى ولا جِدالَ في الحَجِّ.
وأمّا الجَدَلُ بِفَتْحَتَيْنِ فَهو اسْمُ المَصْدَرِ، وأصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الجَدَلِ، وهو الصَّرْعُ عَلى الأرْضِ، لِأنَّ الأرْضَ تُسَمّى الجَدالَةَ بِفَتْحِ الجِيمِ يُقالُ: جَدَلَهُ فَهو مَجْدُولٌ.
وجُمْلَةُ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ بَيانٌ لِـ يَخْتانُونَ. وجُمْلَةُ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ حالٌ، وذَلِكَ هو مَحَلُّ الِاسْتِغْرابِ مِن حالِهِمْ وكَوْنِهِمْ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم. والِاسْتِخْفاءُ مِنَ اللَّهِ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في الحَياءِ، إذْ لا يَعْتَقِدُ أحَدٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ أنَّهُ يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْتَخْفِيَ مِنَ اللَّهِ.
وجُمْلَةُ وهو مَعَهم حالٌ مِنَ اسْمِ الجَلالَةِ، والمَعِيَّةُ هُنا مَعِيَّةُ العِلْمِ والِاطِّلاعِ. وإذْ يُبَيِّتُونَ ظَرْفٌ، والتَّبْيِيتُ جَعْلُ الشَّيْءِ في البَياتِ، أيِ اللَّيْلِ، مِثْلُ التَّصْبِيحِ، يُقالُ: بَيَّتَهُمُ العَدُوُّ وصَبَّحَهُمُ العَدُوُّ وفي القُرْآنِ: لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ أيْ لَنَأْتِيَنَّهم لَيْلًا فَنَقْتُلُهم. والمُبَيَّتُ هُنا هو ما لا يُرْضِي مِنَ القَوْلِ، أيْ دَبَّرُوهُ وزَوَّرُوهُ لَيْلًا لِقَصْدِ الإخْفاءِ، كَقَوْلِ العَرَبِ: هَذا أمْرٌ قُضِيَ بِلَيْلٍ، أوْ تُشُوِّرَ فِيهِ بِلَيْلٍ، والمُرادُ هُنا تَدْبِيرُ مَكِيدَتِهِمْ لِرَمْيِ البُرَآءِ بِتُهْمَةِ السَّرِقَةِ.
صفحة ١٩٥
وقَوْلُهُ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ أثارَهُ قَوْلُهُ ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾، والمُخاطَبُ كُلُّ مَن يَصْلُحُ لِلْمُخاطَبَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ. والكَلامُ جارٍ مَجْرى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، أوْ مَجْرى التَّعْرِيضِ بِبَعْضِ بَنِي ظَفَرٍ الَّذِينَ جادَلُوا عَنْ بَنِي أُبَيْرِقٍ.
والقَوْلُ في تَرْكِيبِ ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في آلِ عِمْرانَ ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩] .
وأمْ في قَوْلِهِ أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلًا مُنْقَطِعَةٌ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ. ومَنِ اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ.
والوَكِيلُ مَضى الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
4:110–113Page 96
وَمَن يَعۡمَلۡ سُوٓءًا أَوۡ يَظۡلِمۡ نَفۡسَهُۥ ثُمَّ يَسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١١٠
And whoever does a wrong or wrongs himself but then seeks forgiveness of Allāh will find Allāh Forgiving and Merciful.
وَمَن يَكۡسِبۡ إِثۡمٗا فَإِنَّمَا يَكۡسِبُهُۥ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١١١
And whoever earns [i.e., commits] a sin only earns it against himself. And Allāh is ever Knowing and Wise.
وَمَن يَكۡسِبۡ خَطِيٓـَٔةً أَوۡ إِثۡمٗا ثُمَّ يَرۡمِ بِهِۦ بَرِيٓـٔٗا فَقَدِ ٱحۡتَمَلَ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا ١١٢
But whoever earns an offense or a sin and then blames it on an innocent [person] has taken upon himself a slander and manifest sin.
وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ وَرَحۡمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيۡءٖۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ عَظِيمٗا ١١٣
And if it was not for the favor of Allāh upon you, [O Muḥammad], and His mercy, a group of them would have determined to mislead you. But they do not mislead except themselves, and they will not harm you at all. And Allāh has revealed to you the Book and wisdom and has taught you that which you did not know. And ever has the favor of Allāh upon you been great.
﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ .
اعْتِراضٌ بِتَذْيِيلٍ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ١٠٩] وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ .
وعَمَلُ السُّوءِ هو العِصْيانُ ومُخالَفَةُ ما أمَرَ بِهِ الشَّرْعُ ونَهى عَنْهُ. وظُلْمُ النَّفْسِ شاعَ إطْلاقُهُ في القُرْآنِ عَلى الشِّرْكِ والكُفْرِ، وأُطْلِقَ أيْضًا عَلى ارْتِكابِ المَعاصِي. وأحْسَنُ
صفحة ١٩٦
ما قِيلَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ عَمَلَ السُّوءِ أُرِيدَ بِهِ عَمَلُ السُّوءِ مَعَ النّاسِ، وهو الِاعْتِداءُ عَلى حُقُوقِهِمْ، وأنَّ ظُلْمَ النَّفْسِ هو المَعاصِي الرّاجِعَةِ إلى مُخالَفَةِ المَرْءِ في أحْوالِهِ الخاصَّةِ ما أُمِرَ بِهِ أوْ نُهِيَ عَنْهُ.
والمُرادُ بِالِاسْتِغْفارِ التَّوْبَةُ وطَلَبُ العَفْوِ مِنَ اللَّهِ عَمّا مَضى مِنَ الذُّنُوبِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، ومَعْنى ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ، فاسْتُعِيرَ فِعْلُ يَجِدْ لِلتَّحَقُّقِ لِأنَّ فِعْلَ وجَدَ حَقِيقَتُهُ الظَّفَرُ بِالشَّيْءِ ومُشاهَدَتُهُ، فَأُطْلِقَ عَلى تَحْقِيقِ العَفْوِ والمَغْفِرَةِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ. ومَعْنى غَفُورًا رَحِيمًا شَدِيدَ الغُفْرانِ وشَدِيدَ الرَّحْمَةِ وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ العُمُومِ والتَّعْجِيلِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: يَجِدِ اللَّهَ غافِرًا لَهُ راحِمًا لَهُ، لِأنَّهُ عامُّ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ فَلا يَخْرُجُ مِنها أحَدٌ اسْتَغْفَرَهُ وتابَ إلَيْهِ، ولا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ شُمُولُ مَغْفِرَتِهِ ورَحْمَتِهِ زَمَنًا، فَكانَتْ صِيغَةُ غَفُورًا رَحِيمًا مَعَ يَجِدْ دالَّةً عَلى القَبُولِ مِن كُلِّ تائِبٍ بِفَضْلِ اللَّهِ.
وذِكْرُ الخَطِيئَةِ والإثْمِ هُنا يَدُلُّ عَلى أنَّهُما مُتَغايِرانِ، فالمُرادُ بِالخَطِيئَةِ المَعْصِيَةُ الصَّغِيرَةُ، والمُرادُ بِالإثْمِ الكَبِيرَةُ.
والرَّمْيُ حَقِيقَتُهُ قَذْفُ شَيْءٍ مِنَ اليَدِ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى نِسْبَةِ خَبَرٍ أوْ وصْفٍ لِصاحِبِهِ بِالحَقِّ أوِ الباطِلِ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في نِسْبَةِ غَيْرِ الواقِعِ، ومِن أمْثالِهِمْ رَمَتْنِي بِدائِها وانْسَلَّتْ وقالَ تَعالى والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ وكَذَلِكَ هو هُنا، ومِثْلُهُ في ذَلِكَ القَذْفُ حَقِيقَةً ومَجازًا.
ومَعْنى يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا يَنْسُبُهُ إلَيْهِ ويَحْتالُ لِتَرْوِيجِ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ يَنْزِعُ ذَلِكَ الإثْمَ عَنْ نَفْسِهِ ويَرْمِي بِهِ البَرِيءَ. والبُهْتانُ: الكَذِبُ الفاحِشُ. وجُعِلَ الرَّمْيُ بِالخَطِيئَةِ وبِالإثْمِ مَرْتَبَةً واحِدَةً في كَوْنِ ذَلِكَ إثْمًا مُبِينًا: لِأنَّ رَمْيَ البَرِيءِ بِالجَرِيمَةِ في ذاتِهِ كَبِيرَةٌ لِما فِيهِ مِنَ الِاعْتِداءِ عَلى حَقِّ الغَيْرِ. ودَلَّ عَلى عِظَمِ هَذا البُهْتانِ بِقَوْلِهِ احْتَمَلَ تَمْثِيلًا لِحالِ فاعِلِهِ بِحالِ عَناءِ الحامِلِ ثِقْلًا. والمُبِينُ الَّذِي يَدُلُّ كُلُّ أحَدٍ عَلى أنَّهُ إثْمٌ، أيْ إثْمًا ظاهِرًا لا شُبْهَةَ في كَوْنِهِ إثْمًا.
وقَوْلُهُ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ عُطِفَ عَلى ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا.
صفحة ١٩٧
والمُرادُ بِالفَضْلِ والرَّحْمَةِ هُنا نِعْمَةُ إنْزالِ الكِتابِ تَفْصِيلًا لِوُجُوهِ الحَقِّ في الحُكْمِ وعِصْمَتِهِ مِنَ الوُقُوعِ في الخَطَأِ فِيهِ. وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ هَمَّ طائِفَةٍ مِنَ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم بِأنْ يُضِلُّوا الرَّسُولَ غَيْرُ واقِعٍ مِن أصْلِهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يُضِلُّوهُ بِالفِعْلِ.
ومَعْنى ذَلِكَ أنَّ عِلْمَهم بِأمانَتِهِ يَزَعُهم عَنْ مُحاوَلَةِ تَرْوِيجِ الباطِلِ عَلَيْهِ إذْ قَدِ اشْتُهِرَ بَيْنَ النّاسِ، مُؤْمِنِهِمْ وكافِرِهِمْ، أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أمِينٌ فَلا يَسَعُهم إلّا حِكايَةُ الصِّدْقِ عِنْدَهُ، وأنَّ بَنِي ظَفَرٍ لَمّا اشْتَكَوْا إلَيْهِ مِن صَنِيعِ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ وعَمِّهِ كانُوا يَظُنُّونَ أنَّ أصْحابَهم بَنِي أُبَيْرِقٍ عَلى الحَقِّ، أوْ أنَّ بَنِي أُبَيْرِقٍ لَمّا شَكَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ بِما صَنَعَهُ قَتادَةُ كانُوا مُوجِسِينَ خِيفَةً أنْ يَطَّلِعَ اللَّهُ ورَسُولُهُ عَلى جَلِيَّةِ الأمْرِ، فَكانَ ما حاوَلُوهُ مِن تَضْلِيلِ الرَّسُولِ طَمَعًا لا هَمًّا، لِأنَّ الهَمَّ هو العَزْمُ عَلى الفِعْلِ والثِّقَةُ بِهِ، وإنَّما كانَ انْتِفاءُ هَمِّهِمْ تَضْلِيلَهُ فَضْلًا ورَحْمَةً، لِدَلالَتِهِ عَلى وقارِهِ في نُفُوسِ النّاسِ، وذَلِكَ فَضْلٌ عَظِيمٌ.
وقِيلَ في تَفْسِيرِ هَذا الِانْتِفاءِ: إنَّ المُرادَ انْتِفاءُ أثَرِهِ، أيْ لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ لَضَلَلْتَ بِهَمِّهِمْ أنْ يُضِلُّوكَ، ولَكِنَّ اللَّهَ عَصَمَكَ عَنِ الضَّلالِ، فَيَكُونُ كِنايَةً. وفي هَذا التَّفْسِيرِ بُعْدٌ مِن جانِبِ نَظْمِ الكَلامِ ومِن جانِبِ المَعْنى.
ومَعْنى وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهم أنَّهم لَوْ هَمُّوا بِذَلِكَ لَكانَ الضَّلالُ لاحِقًا بِهِمْ دُونَكَ، أيْ يَكُونُونَ قَدْ حاوَلُوا تَرْوِيجَ الباطِلِ واسْتِغْفالَ الرَّسُولِ، فَحَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالُ بِذَلِكَ، ثُمَّ لا يَجِدُونَكَ مُصْغِيًا لِضَلالِهِمْ. ومِن زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ. وشَيْءٍ أصْلُهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِقَوْلِهِ يَضُرُّونَكَ أيْ شَيْئًا مِنَ الضُّرِّ، وجُرَّ لِأجْلِ حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ.
وجُمْلَةُ وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ عَطْفٌ عَلى وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ. ومَوْقِعُها لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ مَعْنى قَوْلِهِ ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ ولِذَلِكَ خَتَمَها بِقَوْلِهِ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا، فَهو مِثْلُ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. والكِتابَ: القُرْآنَ. والحِكْمَةَ: النُّبُوءَةَ. وتَعْلِيمُهُ ما لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ هو ما زادَ عَلى ما في الكِتابِ مِنَ العِلْمِ الوارِدِ في السُّنَّةِ والإنْباءِ بِالمُغَيَّباتِ.
4:114Page 97
۞ لَّا خَيۡرَ فِي كَثِيرٖ مِّن نَّجۡوَىٰهُمۡ إِلَّا مَنۡ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوۡ مَعۡرُوفٍ أَوۡ إِصۡلَٰحِۭ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا ١١٤
No good is there in much of their private conversation, except for those who enjoin charity or that which is right or conciliation between people. And whoever does that seeking means to the approval of Allāh - then We are going to give him a great reward.
صفحة ١٩٨
﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم إلّا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ .
لَمْ تَخْلُ الحَوادِثُ الَّتِي أشارَتْ إلَيْها الآيُ السّابِقَةُ، ولا الأحْوالُ الَّتِي حَذَّرَتْ مِنها، مِن تَناجٍ وتَحاوُرٍ، سِرًّا وجَهْرًا، لِتَدْبِيرِ الخِياناتِ وإخْفائِها وتَبْيِيتِها، لِذَلِكَ كانَ المَقامُ حَقِيقًا بِتَعْقِيبِ جَمِيعِ ذَلِكَ بِذِكْرِ النَّجْوى وما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ، لِأنَّ في ذَلِكَ تَعْلِيمًا وتَرْبِيَةً وتَشْرِيعًا، إذِ النَّجْوى مِن أشْهَرِ الأحْوالِ العارِضَةِ لِلنّاسِ في مُجْتَمَعاتِهِمْ، لا سِيَّما في وقْتِ ظُهُورِ المُسْلِمِينَ بِالمَدِينَةِ، فَقَدْ كانَ فِيها المُنافِقُونَ واليَهُودُ وضُعَفاءُ المُؤْمِنِينَ، وكانَ التَّناجِي فاشِيًا لِمَقاصِدَ مُخْتَلِفَةٍ، فَرُبَّما كانَ يُثِيرُ في نُفُوسِ الرّائِينَ لِتِلْكَ المُناجاةِ شَكًّا، أيْ خَوْفًا، إذْ كانَ المُؤْمِنُونَ في حالِ مُناواةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ، فَلِذَلِكَ تَكَرَّرَ النَّهْيُ عَنِ النَّجْوى في القُرْآنِ نَحْوَ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى﴾ [المجادلة: ٨] الآياتِ، وقَوْلُهُ ﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى﴾ [الإسراء: ٤٧] وقَوْلُهُ ﴿وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤]، فَلِذَلِكَ ذَمَّ اللَّهُ النَّجْوى هُنا أيْضًا، فَقالَ ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ . فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِإفادَةِ حُكْمِ النَّجْوى، والمُناسَبَةُ قَدْ تَبَيَّنَتْ.
والنَّجْوى مَصْدَرٌ، هي المُسارَّةُ في الحَدِيثِ، وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ النَّجْوِ، وهو المَكانُ المُسْتَتِرُ الَّذِي المُفْضِي إلَيْهِ يَنْجُو مِن طالِبِهِ، ويُطْلَقُ النَّجْوى عَلى المُناجِينَ، وفي القُرْآنِ ﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى﴾ [الإسراء: ٤٧]، وهو وصْفٌ بِالمَصْدَرِ والآيَةُ تَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ. والضَّمِيرُ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ نَجْوى ضَمِيرُ جَماعَةِ النّاسِ كُلِّهِمْ، نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ﴾ [هود: ٥] إلى قَوْلِهِ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ [هود: ٥] في سُورَةِ هُودٍ، ولَيْسَ عائِدًا إلى ما عادَتْ إلَيْهِ الضَّمائِرُ الَّتِي قَبْلَهُ في قَوْلِهِ ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ﴾ [النساء: ١٠٨] إلى هُنا؛ لِأنَّ المَقامَ مانِعٌ مِن عَوْدِهِ إلى تِلْكَ الجَماعَةِ إذْ لَمْ تَكُنْ نَجْواهم إلّا فِيما يَخْتَصُّ بِقَضِيَّتِهِمْ، فَلا عُمُومَ لَها يَسْتَقِيمُ مَعَهُ الِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ ﴿إلّا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ . وعَلى هَذا فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ تَرْبِيَةٌ اجْتِماعِيَّةٌ دَعَتْ إلَيْها المُناسَبَةُ، فَإنَّ شَأْنَ المُحادَثاتِ
صفحة ١٩٩
والمُحاوَراتِ أنْ تَكُونَ جَهْرَةً، لِأنَّ الصَّراحَةَ مِن أفْضَلِ الأخْلاقِ لِدَلالَتِها عَلى ثِقَةِ المُتَكَلِّمِ بِرَأْيِهِ، وعَلى شَجاعَتِهِ في إظْهارِ ما يُرِيدُ إظْهارَهُ مِن تَفْكِيرِهِ، فَلا يَصِيرُ إلى المُناجاةِ إلّا في أحْوالٍ شاذَّةٍ يُناسِبُها إخْفاءُ الحَدِيثِ. فَمَن يُناجِي في غَيْرِ تِلْكَ الأحْوالِ رُمِيَ بِأنَّ شَأْنَهُ ذَمِيمٌ، وحَدِيثَهُ فِيما يَسْتَحْيِي مِن إظْهارِهِ، كَما قالَ صالِحُ بْنُ عَبْدِ القُدُّوسِ:
السِّتْرُ دُونَ الفاحِشاتِ ولا يَغْشاكَ دُونَ الخَيْرِ مِن سِتْرِ
وقَدْ نَهى اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَنِ النَّجْوى غَيْرَ مَرَّةٍ، لِأنَّ التَّناجِيَ كانَ مِن شَأْنِ المُنافِقِينَ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: ٨] وقالَ ﴿إنَّما النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة: ١٠] .
وقَدْ ظَهَرَ مِن «نَهْيِ النَّبِيءِ ﷺ أنْ يَتَناجى اثْنانِ دُونَ ثالِثٍ» أنَّ النَّجْوى تَبْعَثُ الرِّيبَةَ في مَقاصِدِ المُتَناجِينَ، فَعَلِمْنا مِن ذَلِكَ أنَّها لا تَغْلِبُ إلّا عَلى أهْلِ الرِّيَبِ والشُّبُهاتِ، بِحَيْثُ لا تَصِيرُ دَأْبًا إلّا لِأُولَئِكَ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ نَفى اللَّهُ الخَيْرَ عَنْ أكْثَرِ النَّجْوى.
ومَعْنى لا خَيْرَ أنَّهُ شَرٌّ، بِناءً عَلى المُتَعارَفِ في نَفْيِ الشَّيْءِ أنْ يُرادَ بِهِ إثْباتُ نَقِيضِهِ، لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالواسِطَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢]، ولِأنَّ مَقامَ التَّشْرِيعِ إنَّما هو بَيانُ الخَيْرِ والشَّرِّ.
وقَدْ نَفى الخَيْرَ عَنْ كَثِيرٍ مِن نَجْواهم أوْ مُتَناجِيهِمْ، فَعُلِمَ مِن مَفْهُومِ الصِّفَةِ أنَّ قَلِيلًا مِن نَجْواهم فِيهِ خَيْرٌ، إذْ لا يَخْلُو حَدِيثُ النّاسِ مِن تَناجٍ فِيما فِيهِ نَفْعٌ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ ﴿إلّا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: إلّا نَجْوى مَن أمَرَ، أوْ بِدُونِ تَقْدِيرٍ إنْ كانَتِ النَّجْوى بِمَعْنى المُتَناجِينَ، وهو مُسْتَثْنًى مِن ”كَثِيرٍ“، فَحَصَلَ مِن مَفْهُومِ الصِّفَةِ ومَفْهُومِ الِاسْتِثْناءِ قِسْمانِ مِنَ النَّجْوى يَثْبُتُ لَهُما الخَيْرُ، ومَعَ ذَلِكَ فَهُما قَلِيلٌ مِن نَجْواهم. أمّا القِسْمُ الَّذِي أخْرَجَتْهُ الصِّفَةُ، فَهو مُجْمَلٌ يَصْدُقُ في الخارِجِ عَلى كُلِّ نَجْوى تَصْدُرُ مِنهم فِيها نَفْعٌ، ولَيْسَ فِيها ضَرَرٌ، كالتَّناجِي في تَشاوُرٍ فِيمَن يَصْلُحُ لِمُخالَطَةٍ، أوْ نِكاحٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
صفحة ٢٠٠
وأمّا القِسْمُ الَّذِي أخْرَجَهُ الِاسْتِثْناءُ فَهو مُبَيَّنٌ في ثَلاثَةِ أُمُورٍ: الصَّدَقَةُ، والمَعْرُوفُ، والإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ. وهَذِهِ الثَّلاثَةُ لَوْ لَمْ تُذْكَرْ لَدَخَلَتْ في القَلِيلِ مِن نَجْواهُمُ الثّابِتِ لَهُ الخَيْرُ، فَلَمّا ذُكِرَتْ بِطَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ عَلِمْنا أنَّ نَظْمَ الكَلامِ جَرى عَلى أُسْلُوبٍ بَدِيعٍ فَأخْرَجَ ما فِيهِ الخَيْرُ مِن نَجْواهُمُ ابْتِداءً بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ، ثُمَّ أُرِيدُ الِاهْتِمامُ بِبَعْضِ هَذا القَلِيلِ مِن نَجْواهم، فَأُخْرِجَ مِن كَثِيرِ نَجْواهم بِطَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ، فَبَقِيَ ما عَدا ذَلِكَ مِن نَجْواهم، وهو الكَثِيرُ، مَوْصُوفًا بِأنْ لا خَيْرَ فِيهِ وبِذَلِكَ يَتَّضِحُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ، وأنْ لا داعِيَ إلى جَعْلِهِ مُنْقَطِعًا. والمَقْصِدُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ الِاهْتِمامُ والتَّنْوِيهُ بِشَأْنِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، ولَوْ تَناجى فِيها مَن غالِبُ أمْرِهِ قَصْدُ الشَّرِّ.
وقَوْلُهُ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ إلَخْ وعْدٌ بِالثَّوابِ عَلى فِعْلِ المَذْكُوراتِ إذا كانَ لِابْتِغاءِ مَرْضاةِ اللَّهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ كَوْنَها خَيْرًا وصْفٌ ثابِتٌ لَها لِما فِيها مِنَ المَنافِعِ، ولِأنَّها مَأْمُورٌ بِها في الشَّرْعِ، إلّا أنَّ الثَّوابَ لا يَحْصُلُ إلّا عَنْ فِعْلِها ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ كَما في حَدِيثِ «إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ» .
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”نُؤْتِيهِ“ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ إلى التَّكَلُّمِ.
وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وخَلَفٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى ظاهِرِ قَوْلِهِ ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences