Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:125–130
4:125–126Page 98
وَمَنۡ أَحۡسَنُ دِينٗا مِّمَّنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا ١٢٥
And who is better in religion than one who submits himself to Allāh while being a doer of good and follows the religion of Abraham, inclining toward truth? And Allāh took Abraham as an intimate friend.
وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٖ مُّحِيطٗا ١٢٦
And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And ever is Allāh, of all things, encompassing.
﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ .
الأظْهَرُ أنَّ الواوَ لِلْحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ [النساء: ١٢٤] الَّذِي ماصَدَقُهُ المُؤْمِنُونَ الصّالِحُونَ، فَلَمّا ذَكَرَ ثَوابَ المُؤْمِنِينَ أعْقَبَهُ بِتَفْضِيلِ دِينِهِمْ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ. وانْتَصَبَ دِينًا عَلى التَّمْيِيزِ.
وإسْلامُ الوَجْهِ كِنايَةٌ عَنْ تَمامِ الطّاعَةِ والِاعْتِرافِ بِالعُبُودِيَّةِ، وهو أحْسَنُ الكِناياتِ، لِأنَّ الوَجْهَ أشْرَفُ الأعْضاءِ، وفِيهِ ما كانَ بِهِ الإنْسانُ إنْسانًا، وفي القُرْآنِ ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [آل عمران: ٢٠] . والعَرَبُ تَذْكُرُ أشْياءَ مِن هَذا القَبِيلِ كَقَوْلِهِ ﴿لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ﴾ [العلق: ١٥]، ويَقُولُونَ: أخَذَ بِساقِهِ، أيْ تَمَكَّنَ مِنهُ، وكَأنَّهُ تَمْثِيلٌ لِإمْساكِ الرُّعاةِ الأنْعامَ.
وفِي الحَدِيثِ «الطَّلاقُ لِمَن أخَذَ بِالسّاقِ» . ويَقُولُونَ: ألْقى إلَيْهِ القِيادَ، وألْقى إلَيْهِ الزِّمامَ، وقالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ:
يَقُولُ أنْفِي لَكَ عانٍ راغِمُ
ويَقُولُونَ: يَدِي رَهْنٌ لِفُلانٍ. وأرادَ بِإسْلامِ الوَجْهِ الِاعْتِرافَ بِوُجُودِ اللَّهِ ووَحْدانِيَّتِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ما فِيهِ بَيانٌ لِهَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وقَوْلِهِ ﴿وأوْصى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ﴾ [البقرة: ١٣٢] .
صفحة ٢١١
وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ حالٌ قُصِدَ مِنها اتِّصافُهُ بِالإحْسانِ حِينَ إسْلامِهِ وجْهَهُ لِلَّهِ، أيْ خَلَعَ الشِّرْكَ قاصِدًا الإحْسانَ، أيْ راغِبًا في الإسْلامِ لِما رَأى فِيهِ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى الإحْسانِ. ومَعْنى ﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ أنَّهُ اتَّبَعَ شَرِيعَةَ الإسْلامِ الَّتِي هي عَلى أُسُسِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ. فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أوْصافٍ بِها يَكْمُلُ مَعْنى الدُّخُولِ في الإسْلامِ، ولَعَلَّها هي: الإيمانُ، والإحْسانُ، والإسْلامُ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ مَعْنى ﴿أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أنَّهُ دَخَلَ في الإسْلامِ، وأنَّ قَوْلَهُ ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ مُخْلِصٌ راغِبٌ في الخَيْرِ، وأنَّ اتِّباعَ مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَنى بِهِ التَّوْحِيدَ. وتَقَدَّمَ أنَّ حَنِيفًا مَعْناهُ مائِلًا عَنِ الشِّرْكِ أوْ مُتَعَبِّدًا. وإذا جَعَلْتَ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أيْ عامِلٌ الصّالِحاتِ كانَ قَوْلُهُ ﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ بِمَنزِلَةِ عَطْفِ المُرادِفِ وهو بَعِيدٌ.
وقَوْلُهُ ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ عَطَفَ ثَناءَ إبْراهِيمَ عَلى مَدْحِ مَنِ اتَّبَعَ دِينَهُ: زِيادَةَ تَنْوِيهٍ بِدِينِ إبْراهِيمَ، فَأخْبَرَ أنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ إبْراهِيمَ خَلِيلًا. والخَلِيلُ في كَلامِ العَرَبِ الصّاحِبُ المُلازِمُ الَّذِي لا يَخْفى عَنْهُ شَيْءٌ مِن أُمُورِ صاحِبِهِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الخِلالِ، وهو النَّواحِي المُتَخَلِّلَةُ لِلْمَكانِ ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ [النور: ٤٣] ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣] . هَذا أظْهَرُ الوُجُوهِ في اشْتِقاقِ الخَلِيلِ. ويُقالُ: خِلٌّ وخُلٌّ بِكَسْرِ الخاءِ وضَمِّها ومُؤَنَّثُهُ: خُلَّةٌ بِضَمِّ الخاءِ، ولا يُقالُ بِكَسْرِ الخاءِ، قالَ كَعْبٌ:
أكْرِمْ بِها خُلَّةً لَوْ أنَّها صَدَقَتْ
وجَمْعُها خَلائِلُ. وتُطْلَقُ الخُلَّةُ - بِضَمِّ الخاءِ - عَلى الصُّحْبَةِ الخالِصَةِ ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وجَمْعُها خِلالٌ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ [إبراهيم: ٣١] . ومَعْنى اتِّخاذِ اللَّهِ إبْراهِيمَ خَلِيلًا شِدَّةُ رِضا اللَّهِ عَنْهُ، إذْ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ الخُلَّةَ الحَقِيقِيَّةَ تَسْتَحِيلُ عَلى اللَّهِ فَأُرِيدَ لَوازِمُها وهي الرِّضا، واسْتِجابَةُ الدَّعْوَةِ، وذِكْرُهُ بِخَيْرٍ، ونَحْوُ ذَلِكَ.
وجُمْلَةُ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ إلَخْ تَذْيِيلٌ جُعِلَ كالِاحْتِراسِ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالخَلِيلِ لازِمُ مَعْنى الخُلَّةِ، ولَيْسَتْ هي كَخُلَّةِ النّاسِ مُقْتَضِيَةً المُساواةَ أوِ التَّفْضِيلَ. فالمُرادُ مِنها الكِنايَةُ عَنْ عُبُودِيَّةِ إبْراهِيمَ في جُمْلَةِ ﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ . والمُحِيطُ: العَلِيمُ.
4:127Page 98
وَيَسۡتَفۡتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِۖ قُلِ ٱللَّهُ يُفۡتِيكُمۡ فِيهِنَّ وَمَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لَا تُؤۡتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرۡغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلۡوِلۡدَٰنِ وَأَن تَقُومُواْ لِلۡيَتَٰمَىٰ بِٱلۡقِسۡطِۚ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِيمٗا ١٢٧
And they request from you, [O Muḥammad], a [legal] ruling concerning women. Say, "Allāh gives you a ruling about them and [about] what has been recited to you in the Book concerning the orphan girls to whom you do not give what is decreed for them1 - and [yet] you desire to marry them - and concerning the oppressed among children and that you maintain for orphans [their rights] in justice." And whatever you do of good - indeed, Allāh is ever Knowing of it.
صفحة ٢١٢
﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ اللّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ وأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ .
عُطِفَ تَشْرِيعٌ عَلى إيمانٍ وحِكْمَةٍ وعِظَةٍ. ولَعَلَّ هَذا الِاسْتِفْتاءُ حَدَثَ حِينَ نُزُولِ الآياتِ السّابِقَةِ، فَذَكَرَ حُكْمَهُ عَقِبَها مَعْطُوفًا، وهَذا الِاسْتِفْتاءُ حَصَلَ مِنَ المُسْلِمِينَ بَعْدَ أنْ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإنْ خِفْتُمْ أنْ لا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢] إلَخْ.
وأحْسَنُ ما ورَدَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ما رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ سَألَ عائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ [النساء: ٣] قالَتْ: يا ابْنَ أُخْتِي هَذِهِ اليَتِيمَةُ تَكُونُ في حَجْرِ ولِيِّها تَشْرَكُهُ في مالِهِ ويُعْجِبُهُ مالَها وجَمالَها فَيُرِيدُ أنْ يَتَزَوَّجَها بِغَيْرِ أنْ يُقْسِطَ في صَداقِها فَيُعْطِيَها مِثْلَ ما يُعْطِيها غَيْرُهُ، فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوهُنَّ إلّا أنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ ويَبْلُغُوا بِهِنَّ أعْلى سُنَّتِهِنَّ في الصَّداقِ، وأُمِرُوا أنْ يَنْكِحُوا ما طابَ لَهم مِنَ النِّساءِ سِواهُنَّ. وأنَّ النّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ﴾ . قالَتْ عائِشَةُ: وقَوْلُ اللَّهِ تَعالى ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رَغْبَةُ أحَدِكم عَنْ يَتِيمَتِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ المالِ والجَمالِ؛ قالَتْ: فَنُهُوا عَنْ أنْ يَنْكِحُوا مَن رَغِبُوا في مالِها وجَمالِها مِن يَتامى النِّساءِ إلّا بِالقِسْطِ مِن أجْلِ رَغْبَتِهِنَّ عَنْهُنَّ إذا كُنَّ قَلِيلاتِ المالِ والجَمالِ، وكانَ الوَلِيُّ يَرْغَبُ عَنْ أنْ يَنْكِحَها ويَكْرَهَ أنْ يُزَوِّجَها رَجُلًا فَيُشْرِكَهُ في مالِهِ بِما شَرِكَتْهُ فَيَعْضُلُها. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
فالمُرادُ: ويَسْتَفْتُونَكَ في أحْكامِ النِّساءِ إذْ قَدْ عُلِمَ أنَّ الِاسْتِفْتاءَ لا يَتَعَلَّقُ بِالذَّواتِ، فَهو مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] . وأخَصُّ الأحْكامِ بِالنِّساءِ: أحْكامُ وِلايَتِهِنَّ، وأحْكامُ مُعاشَرَتِهِنَّ. ولَيْسَ المَقْصُودُ هُنا مِيراثَ النِّساءِ إذْ لا خُطُورَ لَهُ بِالبالِ هُنا.
وقَوْلُهُ ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ﴾ وعْدٌ بِاسْتِيفاءِ الإجابَةِ عَنِ الِاسْتِفْتاءِ، وهو ضَرْبٌ مِن تَبْشِيرِ السّائِلِ المُتَحَيِّرِ بِأنَّهُ قَدْ وجَدَ طِلْبَتَهُ، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ.
صفحة ٢١٣
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨] . وتَقْدِيمُ اسْمِ الجَلالَةِ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ هَذِهِ الفُتْيا.
وقَوْلُهُ ﴿وما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ عُطِفَ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ، أيْ ويُفْتِيكم فِيهِنَّ ما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ، أيِ القُرْآنِ. وإسْنادُ الإفْتاءِ إلى ما يُتْلى إسْنادٌ مَجازِيٌّ، لِأنَّ ما يُتْلى دالٌّ عَلى إفْتاءِ اللَّهِ فَهو سَبَبٌ فِيهِ، فَآلَ المَعْنى إلى: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ بِما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ، والمُرادُ بِذَلِكَ ما تُلِيَ عَلَيْهِمْ مِن أوَّلِ السُّورَةِ، وما سَيُتْلى بَعْدَ ذَلِكَ، فَإنَّ التَّذْكِيرَ بِهِ وتَكْرِيرَهُ إفْتاءٌ بِهِ مَرَّةً ثانِيَةً، وما أتْبَعَ بِهِ مِنَ الأحْكامِ إفْتاءٌ أيْضًا. وقَدْ ألَمَّتِ الآيَةُ بِخُلاصَةِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] إلى قَوْلِهِ ﴿وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦] . وكَذَلِكَ أشارَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى فِقَرٍ مِمّا تَقَدَّمَ: بِقَوْلِهِ هُنا ﴿فِي يَتامى النِّساءِ اللّاتِي لا تُؤْتُوهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ﴾ فَأشارَ إلى قَوْلِهِ ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا﴾ [النساء: ٣] إلى قَوْلِهِ ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] .
ولِحَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ بَعْدَ تَرْغَبُونَ هُنا مَوْقِعٌ عَظِيمٌ مِنَ الإيجازِ وإكْثارِ المَعْنى، أيْ تَرْغَبُونَ عَنْ نِكاحِ بَعْضِهِنَّ، وفي نِكاحِ بَعْضٍ آخَرَ، فَإنَّ فِعْلَ رَغِبَ يَتَعَدّى بِحَرْفِ (عَنْ) لِلشَّيْءِ الَّذِي لا يُحَبُّ؛ وبِحَرْفِ (في) لِلشَّيْءِ المَحْبُوبِ. فَإذا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ احْتَمَلَ المَعْنَيَيْنِ إنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما تَنافٍ، وذَلِكَ قَدْ شَمَلَهُ قَوْلُهُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿وإنْ خِفْتُمْ أنْ لا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا﴾ [النساء: ٢] إلَخْ. وأشارَ بِقَوْلِهِ هُنا ﴿والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ﴾ إلى قَوْلِهِ هُنالِكَ ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] إلى كَبِيرًا وإلى قَوْلِهِ ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] إلى قَوْلِهِ مَعْرُوفًا.
وأشارَ بِقَوْلِهِ ﴿وأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ﴾ إلى قَوْلِهِ هُنالِكَ ﴿وابْتَلُوا اليَتامى﴾ [النساء: ٦] إلى حَسِيبًا.
ولا شَكَّ أنَّ ما يُتْلى في الكِتابِ هو مِن إفْتاءِ اللَّهِ، إلّا أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ عَلى وقْتِ الِاسْتِفْتاءِ كانَ مُغايِرًا لِلْمَقْصُودِ مِن قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ﴾، فَلِذَلِكَ صَحَّ عَطْفُهُ عَلَيْهِ عَطْفَ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ. والإفْتاءُ الأُنُفُ هو مِن قَوْلِهِ ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا﴾ [النساء: ١٢٨] إلى ﴿واسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٣٠] .
و”في“ مِن قَوْلِهِ ﴿فِي يَتامى النِّساءِ﴾ لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، أيْ في شَأْنِهِنَّ، أوْ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ لِأجْلِهِنَّ، ومَعْنى ﴿كُتِبَ لَهُنَّ﴾ فُرِضَ لَهُنَّ إمّا مِن أمْوالِ مَن يَرِثْنَهم، أوْ مِنَ
صفحة ٢١٤
المُهُورِ الَّتِي تَدْفَعُونَها لَهُنَّ، فَلا تُوَفُّوهُنَّ مُهُورَ أمْثالِهِنَّ، والكُلُّ يُعَدُّ مَكْتُوبًا لَهُنَّ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - وعَلى الوَجْهَيْنِ يَجِيءُ التَّقْدِيرُ في قَوْلِهِ ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الِاحْتِمالَيْنِ في قَوْلِهِ ﴿ما كُتِبَ لَهُنَّ﴾ وفي قَوْلِهِ ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ . مَقْصُودَيْنِ عَلى حَدِّ اسْتِعْمالِ المُشْتَرِكِ في مَعْنَيَيْهِ.
وقَوْلُهُ ”والمُسْتَضْعَفِينَ“ عَطْفٌ عَلى ﴿يَتامى النِّساءِ﴾، وهو تَكْمِيلٌ وإدْماجٌ، لِأنَّ الِاسْتِفْتاءَ كانَ في شَأْنِ النِّساءِ خاصَّةً، والمُرادُ المُسْتَضْعَفُونَ والمُسْتَضْعَفاتُ، ولَكِنَّ صِيغَةَ التَّذْكِيرِ تَغْلِيبٌ، وكَذَلِكَ الوِلْدانُ، وقَدْ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَ أمْوالَ مَن في حِجْرِهِمْ مِنَ الصِّغارِ.
وقَوْلُهُ ﴿وأنْ تَقُومُوا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿يَتامى النِّساءِ﴾، أيْ وما يُتْلى عَلَيْكم في القِيامِ لِلْيَتامى بِالعَدْلِ. ومَعْنى القِيامِ لَهُمُ التَّدْبِيرُ لِشُئُونِهِمْ، وذَلِكَ يَشْمَلُ يَتامى النِّساءِ.
4:128–130Page 99
وَإِنِ ٱمۡرَأَةٌ خَافَتۡ مِنۢ بَعۡلِهَا نُشُوزًا أَوۡ إِعۡرَاضٗا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يُصۡلِحَا بَيۡنَهُمَا صُلۡحٗاۚ وَٱلصُّلۡحُ خَيۡرٞۗ وَأُحۡضِرَتِ ٱلۡأَنفُسُ ٱلشُّحَّۚ وَإِن تُحۡسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ١٢٨
And if a woman fears from her husband contempt or evasion, there is no sin upon them if they make terms of settlement between them - and settlement is best. And present in [human] souls is stinginess.1 But if you do good and fear Allāh - then indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.
وَلَن تَسۡتَطِيعُوٓاْ أَن تَعۡدِلُواْ بَيۡنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡۖ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلۡمَيۡلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلۡمُعَلَّقَةِۚ وَإِن تُصۡلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٢٩
And you will never be able to be equal [in feeling] between wives, even if you should strive [to do so]. So do not incline completely [toward one] and leave another hanging.1 And if you amend [your affairs] and fear Allāh - then indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.
وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغۡنِ ٱللَّهُ كُلّٗا مِّن سَعَتِهِۦۚ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمٗا ١٣٠
But if they separate [by divorce], Allāh will enrich each [of them] from His abundance. And ever is Allāh Encompassing and Wise.
﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَصّالَحا بَيْنَهُما صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ وإنْ تُحْسِنُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ وإنْ تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ وكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ .
عَطْفٌ لِبَقِيَّةِ إفْتاءِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا حُكْمُ اخْتِلالِ المُعاشَرَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهُ في قَوْلِهِ ﴿واللّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] الآيَةَ، في هَذِهِ السُّورَةِ، فَذَلِكَ حُكْمُ فَصْلِ القَضاءِ بَيْنَهُما، وما هَنا حُكْمُ الِانْفِصالِ بِالصُّلْحِ بَيْنَهُما، وذَلِكَ ذُكِرَ فِيهِ نُشُوزُ المَرْأةِ،
صفحة ٢١٥
وهُنا ذُكِرَ نُشُوزُ البَعْلِ. والبَعْلُ زَوْجُ المَرْأةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ إطْلاقِ هَذا الِاسْمِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وصِيغَةُ ”فَلا جُناحَ“ مِن صِيَغِ الإباحَةِ ظاهِرًا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى الإذْنِ لِلزَّوْجَيْنِ في صُلْحٍ يَقَعُ بَيْنَهُما. وقَدْ عُلِمَ أنَّ الإباحَةَ لا تُذْكَرُ إلّا حَيْثُ يُظَنُّ المَنعُ، فالمَقْصُودُ الإذْنُ في صُلْحٍ يَكُونُ بِخُلْعٍ: أيْ عِوَضٍ مالِيٍّ تُعْطِيهِ المَرْأةُ، أوْ تَنازُلٍ عَنْ بَعْضِ حُقُوقِها.
فَيَكُونُ مَفادُ هَذِهِ الآيَةِ أعَمَّ مِن مَفادِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلّا أنْ يَخافا ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإنْ خِفْتُمْ ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فَسَمّاهُ هُناكَ افْتِداءً، وسَمّاهُ هُنا صُلْحًا. وقَدْ شاعَ في الِاسْتِعْمالِ إطْلاقُ الصُّلْحِ عَلى التَّراضِي بَيْنَ الخَصْمَيْنِ عَلى إسْقاطِ بَعْضِ الحَقِّ، وهو الأظْهَرُ هُنا.
واصْطَلَحَ الفُقَهاءُ مِنَ المالِكِيَّةِ: عَلى إطْلاقِ الِافْتِداءِ عَلى اخْتِلاعِ المَرْأةِ مِن زَوْجِها بِمالٍ تُعْطِيهِ، وإطْلاقِ الخُلْعِ عَلى الِاخْتِلاعِ بِإسْقاطِها عَنْهُ بَقِيَّةَ الصَّداقِ، أوِ النَّفَقَةَ لَها، أوْ لِأوْلادِها.
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ صِيغَةُ ”لا جُناحَ“ مُسْتَعْمَلَةً في التَّحْرِيضِ عَلى الصُّلْحِ. أيْ إصْلاحِ أمْرِهِما بِالصُّلْحِ وحُسْنِ المُعاشَرَةِ، فَنَفْيُ الجُناحِ مِنَ الِاسْتِعارَةِ التَّمْلِيحِيَّةِ؛ شَبَّهَ حالَ مَن تَرَكَ الصُّلْحَ واسْتَمَرَّ عَلى النُّشُوزِ والإعْراضِ بِحالِ مَن تَرَكَ الصُّلْحَ عَنْ عَمْدٍ لِظَنِّهِ أنَّ في الصُّلْحِ جُناحًا. فالمُرادُ الصُّلْحُ بِمَعْنى إصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، والأشْهَرُ فِيهِ أنْ يُقالَ الإصْلاحُ. والمَقْصُودُ الأمْرُ بِأسْبابِ الصُّلْحِ، وهي: الإغْضاءُ عَنِ الهَفَواتِ، ومُقابَلَةُ الغِلْظَةِ بِاللِّينِ، وهَذا أنْسَبُ وألْيَقُ بِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ .
ولِلنُّشُوزِ والإعْراضِ أحْوالٌ كَثِيرَةٌ: تَقْوى وتَضْعُفُ، وتَخْتَلِفُ عَواقِبُها، بِاخْتِلافِ أحْوالِ الأنْفُسِ، ويَجْمَعُها قَوْلُهُ ﴿خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا﴾ . ولِلصُّلْحِ أحْوالٌ كَثِيرَةٌ: مِنها المُخالَعَةُ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ ما ورَدَ مِنَ الآثارِ الدّالَّةِ عَلى حَوادِثَ مِن هَذا القَبِيلِ. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ، عَنْ عائِشَةَ، قالَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا﴾ قالَتْ: الرَّجُلُ يَكُونُ عِنْدَهُ المَرْأةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنها يُرِيدُ أنْ يُفارِقَها، فَتَقُولُ لَهُ أجْعَلُكَ مِن شَأْنِي في حِلٍّ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. ورَوى التِّرْمِذِيُّ، بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ سَوْدَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ وهَبَتْ يَوْمَها لِعائِشَةَ. وفي أسْبابِ النُّزُولِ لِلْواحِدِيِّ:
صفحة ٢١٦
أنَّ ابْنَةَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ كانَتْ عِنْدَ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فَكَرِهَ مِنها أمْرًا، أيْ كِبَرًا فَأرادَ طَلاقَها، فَقالَتْ لَهُ: أمْسِكْنِي واقْسِمْ لِي ما بَدا لَكَ. فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أنْ يَصّالَحا) بِتَشْدِيدِ الصّادِ وفَتْحِ اللّامِ وأصْلُهُ يَتَصالَحا، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الصّادِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: أنْ يُصْلِحا بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وتَخْفِيفِ الصّادِ وكَسْرِ اللّامِ أيْ يُصْلِحَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما شَأْنَهُما بِما يَبْدُو مِن وُجُوهِ المُصالَحَةِ.
والتَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ تَعْرِيفُ الجِنْسِ ولَيْسَ تَعْرِيفَ العَهْدِ، لِأنَّ المَقْصُودَ إثْباتُ أنَّ ماهِيَّةَ الصُّلْحِ خَيْرٌ لِلنّاسِ، فَهو تَذْيِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصُّلْحِ والتَّرْغِيبِ فِيهِ، ولَيْسَ المَقْصُودُ أنَّ الصُّلْحَ المَذْكُورَ آنِفًا، وهو الخُلْعُ، خَيْرٌ مِنَ النِّزاعِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، لِأنَّ هَذا، وإنْ صَحَّ مَعْناهُ، إلّا أنَّ فائِدَةَ الوَجْهِ الأوَّلِ أوْفَرُ، ولِأنَّ فِيهِ التَّفادِيَ عَنْ إشْكالِ تَفْضِيلِ الصُّلْحِ عَلى النِّزاعِ في الخَيْرِيَّةِ مَعَ أنَّ النِّزاعَ لا خَيْرَ فِيهِ أصْلًا.
ومَن جَعَلَ الصُّلْحَ الثّانِيَ عَيْنَ الأوَّلِ غَرَّتْهُ القاعِدَةُ المُتَداوَلَةُ عِنْدَ بَعْضِ النُّحاةِ، وهي: أنَّ لَفْظَ النَّكِرَةِ إذا أُعِيدَ مُعَرَّفًا بِاللّامِ فَهو عَيْنُ الأُولى.
وهَذِهِ القاعِدَةُ ذَكَرَها ابْنُ هِشامٍ الأنْصارِيُّ في مُغْنِي اللَّبِيبِ في البابِ السّادِسِ، فَقالَ: يَقُولُونَ: النَّكِرَةُ إذا أُعِيدَتْ نَكِرَةً كانَتْ غَيْرَ الأُولى، وإذا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً، أوْ أُعِيدَتِ المَعْرِفَةُ مَعْرِفَةً أوْ نَكِرَةً كانَتِ الثّانِيَةُ عَيْنَ الأُولى.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ في القُرْآنِ آياتٍ تَرُدُّ هَذِهِ الأحْكامَ الأرْبَعَةَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ [الروم: ٥٤] وقَوْلِهِ ﴿أنْ يَصّالَحا بَيْنَهُما صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ ﴿زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل: ٨٨] والشَّيْءُ لا يَكُونُ فَوْقَ نَفْسِهِ أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ [النساء: ١٥٣] .
وأنَّ في كَلامِ العَرَبِ ما يَرُدُّ ذَلِكَ أيْضًا. والحَقُّ أنَّهُ لا يُخْتَلَفُ في ذَلِكَ إذا قامَتْ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ الكَلامَ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ لا لِتَعْرِيفِ العَهْدِ، كَما هُنا. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في إعادَةِ المَعْرِفَةِ نَكِرَةً عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ويَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الأنعام: ٣٧] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وقَوْلُهُ ”خَيْرٌ“ لَيْسَ هو تَفْضِيلًا ولَكِنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، وزْنُهُ ”فَعْلٌ“، كَقَوْلِهِمْ: سَمْحٌ وسَهْلٌ، ويُجْمَعُ عَلى خُيُورٍ. أوْ هو مَصْدَرٌ مُقابِلُ الشَّرِّ، فَتَكُونُ إخْبارًا بِالمَصْدَرِ. وأمّا
صفحة ٢١٧
المُرادُ بِهِ التَّفْضِيلُ فَأصْلُ وزْنِهِ أفْعَلُ، فَخُفِّفَ بِطَرْحِ الهَمْزَةِ ثُمَّ قَلْبِ حَرَكَتِهِ وسُكُونِهِ. جَمْعُهُ أخْيارٌ، أيْ والصُّلْحُ في ذاتِهِ خَيْرٌ عَظِيمٌ. والحَمْلُ عَلى كَوْنِهِ تَفْضِيلًا يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ المُفَضَّلُ عَلَيْهِ هو النُّشُوزُ والإعْراضُ. ولَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ مَعْنًى.
وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى شِدَّةِ التَّرْغِيبِ في هَذا الصُّلْحِ بِمُؤَكِّداتٍ ثَلاثَةٍ: وهي المَصْدَرُ المُؤَكِّدُ في قَوْلِهِ صُلْحًا، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ في قَوْلِهِ ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، والإخْبارُ عَنْهُ بِالمَصْدَرِ أوْ بِالصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ فَإنَّها تَدُلُّ عَلى فِعْلِ سَجِيَّةٍ.
ومَعْنى ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ مُلازَمَةُ الشُّحِّ لِلنُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ حَتّى كَأنَّهُ حاضِرٌ لَدَيْها. ولِكَوْنِهِ مِن أفْعالِ الجِبِلَّةِ بُنِيَ فِعْلُهُ لِلْمَجْهُولِ عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في بِناءِ كُلِّ فِعْلٍ غَيْرِ مَعْلُومِ الفاعِلِ لِلْمَجْهُولِ، كَقَوْلِهِمْ: شُغِفَ بِفُلانَةٍ، واضْطُرَّ إلى كَذا. فَـ ”الشُّحَّ“ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ ”أُحْضِرَتْ“ لِأنَّهُ مِن بابِ أعْطى.
وأصْلُ الشُّحِّ في كَلامِ العَرَبِ البُخْلُ بِالمالِ، وفي الحَدِيثِ «أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشى الفَقْرَ وتَأْمُلُ الغِنى»، وقالَ تَعالى ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] ويُطْلَقُ عَلى حِرْصِ النَّفْسِ عَلى الحُقُوقِ وقِلَّةِ التَّسامُحِ فِيها، ومِنهُ المُشاحَّةُ، وعَكْسُهُ السَّماحَةُ في الأمْرَيْنِ.
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالصُّلْحِ في هَذِهِ الآيَةِ صُلْحَ المالِ، وهو الفِدْيَةُ. فالشُّحُّ هو شُحُّ المالِ، وتَعْقِيبُ قَوْلِهِ ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ بِقَوْلِهِ ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ﴾ عَلى هَذا الوَجْهِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ بَعْدَ الأمْرِ بِما فِيهِ مَصْلَحَةٌ في مَوْعِظَةٍ أوْ نَحْوِها: وما إخالُكَ تَفْعَلُ، لِقَصْدِ التَّحْرِيضِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الشُّحِّ ما جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ: مِنَ المُشاحَّةِ، وعَدَمِ التَّساهُلِ، وصُعُوبَةِ الشَّكائِمِ، فَيَكُونُ المُرادُ مِنَ الصُّلْحِ صُلْحَ المالِ وغَيْرِهِ، فالمَقْصُودُ مِن تَعْقِيبِهِ بِهِ تَحْذِيرُ النّاسِ مِن أنْ يَكُونُوا مُتَلَبِّسِينَ بِهَذِهِ المُشاحَّةِ الحائِلَةِ دُونَ المُصالَحَةِ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى البُخْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٨٠] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وقَدِ اشْتُهِرَ عِنْدَ العَرَبِ ذَمُّ الشُّحِّ بِالمالِ، وذَمُّ مَن لا سَماحَةَ فِيهِ، فَكانَ هَذا التَّعْقِيبُ تَنْفِيرًا مِنَ العَوارِضِ المانِعَةِ مِنَ السَّماحَةِ والصُّلْحِ، ولِذَلِكَ ذُيِّلَ بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ تُحْسِنُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ لِما فِيهِ مِنَ
صفحة ٢١٨
التَّرْغِيبِ في الإحْسانِ والتَّقْوى. ثُمَّ عَذَرَ النّاسَ في شَأْنِ النِّساءِ فَقالَ ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ أيْ تَمامَ العَدْلِ.
وجاءَ بِـ ”لَنْ“ لِلْمُبالَغَةِ في النَّفْيِ، لِأنَّ أمْرَ النِّساءِ يُغالِبُ النَّفْسَ، لِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ حُسْنَ المَرْأةِ وخُلُقَها مُؤَثِّرًا أشَدَّ التَّأْثِيرِ، فَرُبَّ امْرَأةٍ لَبِيبَةٍ خَفِيفَةِ الرُّوحِ، وأُخْرى ثَقِيلَةٌ حَمْقاءُ، فَتَفاوُتُهُنَّ في ذَلِكَ وخُلُوُّ بَعْضِهِنَّ مِنهُ يُؤَثِّرُ لا مَحالَةَ تَفاوُتًا في مَحَبَّةِ الزَّوْجِ بَعْضَ أزْواجِهِ، ولَوْ كانَ حَرِيصًا عَلى إظْهارِ العَدْلِ بَيْنَهُنَّ، فَلِذَلِكَ قالَ ﴿ولَوْ حَرَصْتُمْ﴾ .
وأقامَ اللَّهُ مِيزانَ العَدْلِ بِقَوْلِهِ ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾، أيْ لا يُفَرِّطُ أحَدُكم بِإظْهارِ المَيْلِ إلى إحْداهُنَّ أشَدَّ المَيْلِ حَتّى يَسُوءَ الأُخْرى بِحَيْثُ تَصِيرُ الأُخْرى كالمُعَلَّقَةِ. فَظَهَرَ أنَّ مُتَعَلِّقَ ”تَمِيلُوا“ مُقَدَّرٌ بِإحْداهُنَّ، وأنَّ ضَمِيرَ ”تَذْرُوها“ المَنصُوبَ عائِدٌ إلى غَيْرِ المُتَعَلِّقِ المَحْذُوفِ بِالقَرِينَةِ، وهو إيجازٌ بَدِيعٌ.
والمُعَلَّقَةُ: هي المَرْأةُ الَّتِي يَهْجُرُها زَوْجُها هَجْرًا طَوِيلًا، فَلا هي مُطَلَّقَةٌ ولا هي زَوْجَةٌ، وفي «حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ زَوْجِيَ العَشَنَّقُ إنْ أنْطِقْ أُطَلَّقْ وإنْ أسْكُتْ أُعَلَّقْ»، وقالَتِ ابْنَةُ الحُمارِسِ:
إنْ هي إلّا حِظَةٌ أوْ تَطْلِيقُ أوْ صَلَفٌ أوْ بَيْنَ ذاكَ تَعْلِيقُ
وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ عَلى أنَّ المَحَبَّةَ أمْرٌ قَهْرِيٌّ، وأنَّ لِلتَّعَلُّقِ بِالمَرْأةِ أسْبابًا تُوجِبُهُ قَدْ لا تَتَوَفَّرُ في بَعْضِ النِّساءِ، فَلا يُكَلَّفُ الزَّوْجُ بِما لَيْسَ في وُسْعِهِ مِنَ الحُبِّ والِاسْتِحْسانِ.
ولَكِنَّ مِنَ الحُبِّ حَظًّا هو اخْتِيارِيٌّ، وهو أنْ يُرَوِّضَ الزَّوْجُ نَفْسَهُ عَلى الإحْسانِ لِامْرَأتِهِ، وتَحَمُّلِ ما لا يُلائِمُهُ مِن خُلُقِها أوْ أخْلاقِها ما اسْتَطاعَ، وحُسْنِ المُعاشَرَةِ لَها، حَتّى يُحَصِّلَ مِنَ الإلْفِ بِها والحُنُوِّ عَلَيْها اخْتِيارًا بِطُولِ التَّكَرُّرِ والتَّعَوُّدِ، ما يَقُومُ مَقامَ المَيْلِ الطَّبِيعِيِّ. فَذَلِكَ مِنَ المَيْلِ إلَيْها المُوصى بِهِ في قَوْلِهِ ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾، أيْ إلى إحْداهُنَّ أوْ عَنْ إحْداهُنَّ.
صفحة ٢١٩
ثُمَّ وسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِما إنْ لَمْ تَنْجَحِ المُصالَحَةُ بَيْنَهُما فَأذِنَ لَهُما في الفِراقِ بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ .
وفِي قَوْلِهِ ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الفِراقَ قَدْ يَكُونُ خَيْرًا لَهُما لِأنَّ الفِراقَ خَيْرٌ مِن سُوءِ المُعاشَرَةِ. ومَعْنى إغْناءِ اللَّهِ كُلًّا: إغْناؤُهُ عَنِ الآخَرِ. وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ إغْناءَ اللَّهِ كُلًّا إنَّما يَكُونُ عَنِ الفِراقِ المَسْبُوقِ بِالسَّعْيِ في الصُّلْحِ.
وقَوْلُهُ ﴿وكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ تَذْيِيلٌ وتَنْهِيَةٌ لِلْكَلامِ في حُكْمِ النِّساءِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences