Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:136–141
4:136Page 100
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِن قَبۡلُۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا ١٣٦
O you who have believed, believe1 in Allāh and His Messenger and the Book that He sent down upon His Messenger and the Scripture which He sent down before. And whoever disbelieves in Allāh, His angels, His books, His messengers, and the Last Day has certainly gone far astray.
صفحة ٢٢٩
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ ومَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ .
تَذْيِيلٌ عُقِّبَ بِهِ أمْرُ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَكُونُوا ﴿قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٣٥] فَأمَرَهُمُ اللَّهُ عَقِبَ ذَلِكَ بِما هو جامِعٌ لِمَعانِي القِيامِ بِالقِسْطِ والشَّهادَةِ لِلَّهِ: بِأنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ وكُتُبِهِ، ويَدُومُوا عَلى إيمانِهِمْ، ويَحْذَرُوا مَسارِبَ ما يُخِلُّ بِذَلِكَ.
ووَصْفُ المُخاطَبِينَ بِأنَّهم آمَنُوا، وإرْدافُهُ بِأمْرِهِمْ بِأنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ إلى آخِرِهِ يُرْشِدُ السّامِعَ إلى تَأْوِيلِ الكَلامِ تَأْوِيلًا يَسْتَقِيمُ بِهِ الجَمْعُ بَيْنَ كَوْنِهِمْ آمَنُوا وكَوْنِهِمْ مَأْمُورِينَ بِإيمانٍ.
ويَجُوزُ في هَذا التَّأْوِيلِ خَمْسَةُ مَسالِكَ: المَسْلَكُ الأوَّلُ: تَأْوِيلُ الإيمانِ في قَوْلِهِ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِأنَّهُ إيمانٌ مُخْتَلٌّ مِنهُ بَعْضُ ما يَحِقُّ الإيمانُ بِهِ، فَيَكُونُ فِيها خِطابٌ لِنَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ آمَنُوا، وهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وأسَدٌ وأُسَيْدٌ ابْنا كَعْبٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ قَيْسٍ، وسَلامُ ابْنُ أُخْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وسَلَمَةُ ابْنُ أخِيهِ، ويامِينُ بْنُ يامِينَ، سَألُوا النَّبِيءَ ﷺ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ وبِكِتابِهِ، كَما آمَنُوا بِمُوسى وبِالتَّوْراةِ، وأنْ لا يُؤْمِنُوا بِالإنْجِيلِ، كَما جاءَ في رِوايَةِ الواحِدِيِّ عَنِ الكَلْبِيِّ، ورَواهُ غَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
المَسْلَكُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّأْوِيلُ في الإيمانِ المَأْمُورِ بِهِ أنَّهُ إيمانٌ كامِلٌ لا تَشُوبُهُ كَراهِيَةُ بَعْضِ كُتُبِ اللَّهِ، تَحْذِيرًا مِن ذَلِكَ. فالخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ لِأنَّ وصْفَ الَّذِينَ آمَنُوا صارَ كاللَّقَبِ لِلْمُسْلِمِينَ، ولا شَكَّ أنَّ المُؤْمِنِينَ قَدْ آمَنُوا بِاللَّهِ وما عُطِفَ عَلى اسْمِهِ هُنا.
فالظّاهِرُ أنَّ المَقْصُودَ بِأمْرِهِمْ بِذَلِكَ: إمّا زِيادَةُ تَقْرِيرِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، وتَكْرِيرُ اسْتِحْضارِهِمْ إيّاهُ حَتّى لا يَذْهَلُوا عَنْ شَيْءٍ مِنهُ اهْتِمامًا بِجَمِيعِهِ؛ وإمّا النَّهْيُ عَنْ إنْكارِ الكِتابِ المُنَزَّلِ عَلى مُوسى وإنْكارِ نُبُوءَتِهِ، لِئَلّا يَدْفَعَهم بُغْضُ اليَهُودِ وما بَيْنَهم وبَيْنَهم مِنَ الشَّنَآنِ إلى مُقابَلَتِهِمْ بِمِثْلِ ما يُصَرِّحُ بِهِ اليَهُودُ مِن تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ وإنْكارِ نُزُولِ القُرْآنِ؛ وإمّا أُرِيدَ بِهِ التَّعْرِيضُ بِالَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ
صفحة ٢٣٠
ثُمَّ يُنْكِرُونَ نُبُوءَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ويُنْكِرُونَ القُرْآنَ، حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، ويَكْرَهُونَ بَعْضَ المَلائِكَةِ لِذَلِكَ، وهُمُ اليَهُودُ، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المُسْلِمِينَ أكْمَلُ الأُمَمِ إيمانًا، وأوْلى النّاسِ بِرُسُلِ اللَّهِ وكُتُبِهِ، فَهم أحْرِياءُ بِأنْ يَسُودُوا غَيْرَهم لِسَلامَةِ إيمانِهِمْ مِن إنْكارِ فَضائِلِ أهْلِ الفَضائِلِ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ عَقِبَهُ ﴿ومَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ﴾، ويَزِيدُ ذَلِكَ تَأْيِيدًا أنَّهُ قالَ واليَوْمِ الآخِرِ فَعَطَفَهُ عَلى الأشْياءِ الَّتِي مَن يَكْفُرُ بِها فَقَدْ ضَلَّ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَأْمُرِ المُؤْمِنِينَ بِالإيمانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ فِيما أمَرَهم بِهِ، لِأنَّ الإيمانَ بِهِ يُشارِكُهم فِيهِ اليَهُودُ فَلَمْ يَذْكُرْهُ فِيما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، وذَكَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ.
المَسْلَكُ الثّالِثُ: أنْ يُرادَ بِالأمْرِ بِالإيمانِ الدَّوامُ عَلَيْهِ تَثْبِيتًا لَهم عَلى ذَلِكَ، وتَحْذِيرًا لَهم مِنَ الِارْتِدادِ، فَيَكُونُ هَذا الأمْرُ تَمْهِيدًا وتَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ ﴿ومَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ﴾، ولِقَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٣٧] الآيَةَ.
المَسْلَكُ الرّابِعُ: أنَّ الخِطابَ لِلْمُنافِقِينَ، يَعْنِي: يا أيُّها الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ أخْلِصُوا إيمانَكم حَقًّا.
المَسْلَكُ الخامِسُ: رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ تَأْوِيلُ الأمْرِ في قَوْلِهِ ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ بِأنَّهُ طَلَبٌ لِثَباتِهِمْ عَلى الإيمانِ الَّذِي هم عَلَيْهِ، واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ. وهو الجارِي عَلى ألْسِنَةِ أهْلِ العِلْمِ، وبِناءً عَلَيْهِ جَعَلُوا الآيَةَ شاهِدًا لِاسْتِعْمالِ صِيغَةِ الأمْرِ في طَلَبِ الدَّوامِ.
والمُرادُ بِالكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ الجِنْسُ، والتَّعْرِيفُ لِلِاسْتِغْراقِ يَعْنِي: والكُتُبُ الَّتِي أنْزَلَ اللَّهُ مِن قَبْلِ القُرْآنِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ”﴿وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ﴾“ .
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ: (نَزَّلَ) و(أنْزَلَ) كِلَيْهِما بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالبِناءِ لِلنّائِبِ.
وجاءَ في صِلَةِ وصْفِ الكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ بِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ، وفي صِلَةِ ﴿الكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾ بِصِيغَةِ الإفْعالِ تَفَنُّنًا، أوْ لِأنَّ القُرْآنَ حِينَئِذٍ بِصَدَدِ النُّزُولِ نُجُومًا، والتَّوْراةَ يَوْمَئِذٍ قَدِ انْقَضى نُزُولُها. ومَن قالَ: لِأنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ مُنَجَّمًا بِخِلافِ غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ فَقَدْ أخْطَأ إذْ لا يُعْرَفُ كِتابٌ نَزَلَ دَفْعَةً واحِدَةً.
4:137Page 100
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزۡدَادُواْ كُفۡرٗا لَّمۡ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِيَهۡدِيَهُمۡ سَبِيلَۢا ١٣٧
Indeed, those who have believed then disbelieved, then believed then disbelieved, and then increased in disbelief - never will Allāh forgive them, nor will He guide them to a way.
صفحة ٢٣١
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلًا﴾ اسْتِئْنافٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿ومَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٣٦] الآيَةَ، لِأنَّهُ إذا كانَ الكُفْرُ كَما عَلِمْتَ، فَما ظَنُّكَ بِكُفْرٍ مُضاعَفٍ يُعاوِدُهُ صاحِبُهُ بَعْدَ أنْ دَخَلَ في الإيمانِ، وزالَتْ عَنْهُ عَوائِقُ الِاعْتِرافِ بِالصِّدْقِ، فَكُفْرُهُ بِئْسَ الكُفْرُ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ الآيَةَ أشارَتْ إلى اليَهُودِ لِأنَّهم آمَنُوا بِمُوسى ثُمَّ كَفَرُوا بِهِ، إذْ عَبَدُوا العِجْلَ، ثُمَّ آمَنُوا بِمُوسى ثُمَّ كَفَرُوا بِعِيسى ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ، وعَلَيْهِ فالآيَةُ تَكُونُ مِنَ الذَّمِّ المُتَوَجِّهِ إلى الأُمَّةِ بِاعْتِبارِ فِعْلِ سَلَفِها، وهو بَعِيدٌ، لِأنَّ الآيَةَ حُكْمٌ لا ذَمٌّ، لِقَوْلِهِ ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ .
فَإنَّ الأوَّلِينَ مِنَ اليَهُودِ كَفَرُوا إذْ عَبَدُوا العِجْلَ، ولَكِنَّهم تابُوا فَما اسْتَحَقُّوا عَدَمَ المَغْفِرَةِ وعَدَمَ الهِدايَةِ، كَيْفَ وقَدْ قِيلَ لَهم ﴿فَتُوبُوا إلى بارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] إلى قَوْلِهِ ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، ولِأنَّ المُتَأخِّرِينَ مِنهم ما عَبَدُوا العِجْلَ حَتّى يُعَدَّ عَلَيْهِمُ الكُفْرُ الأوَّلُ، عَلى أنَّ اليَهُودَ كَفَرُوا غَيْرَ مَرَّةٍ في تارِيخِهِمْ فَكَفَرُوا بَعْدَ مَوْتِ سُلَيْمانَ وعَبَدُوا الأوْثانَ، وكَفَرُوا في زَمَنِ بُخْتُنَصَّرَ.
والظّاهِرُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أنْ لا يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ أنَّهم كَفَرُوا كَفْرَةً أُخْرى، بَلِ المُرادُ الإجْمالُ، أيْ ثُمَّ كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ، كَما يَقُولُ الواقِفُ: وأوْلادُهم وأوْلادُ أوْلادِهِمْ وأوْلادُ أوْلادِ أوْلادِهِمْ لا يُرِيدُ بِذَلِكَ الوُقُوفَ عِنْدَ الجِيلِ الثّالِثِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّ الَّذِينَ عُرِفَ مِن دَأْبِهِمُ الخِفَّةُ إلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وإلى خَلْعِ رِبْقَةِ الدِّيانَةِ، هم قَوْمٌ لا يُغْفَرُ لَهم صُنْعُهم، إذْ كانَ ذَلِكَ عَنِ اسْتِخْفافٍ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ إذْ كانُوا يُؤْمِنُونَ إذا لَقُوا المُؤْمِنِينَ، فَإذا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ كَفَرُوا، ولا قَصْدَ حِينَئِذٍ إلى عَدَدِ الإيماناتِ والكَفَراتِ. وعِنْدِي: أنَّهُ يَعْنِي أقْوامًا مِنَ العَرَبِ مِن أهْلِ مَكَّةَ كانُوا يَتَّجِرُونَ إلى المَدِينَةِ فَيُؤْمِنُونَ، فَإذا رَجَعُوا إلى مَكَّةَ كَفَرُوا وتَكَرَّرَ مِنهم ذَلِكَ، وهُمُ الَّذِينَ ذُكِرُوا عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] .
صفحة ٢٣٢
وعَلى الوُجُوهِ كُلِّها فاسْمُ المَوْصُولِ مِن قَوْلِهِ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُرادٌ مِنهُ فَرِيقٌ مَعْهُودٌ، فالآيَةُ وعِيدٌ لَهم ونِذارَةٌ بِأنَّ اللَّهَ حَرَمَهُمُ الهُدى فَلَمْ يَكُنْ لِيَغْفِرَ لَهم، لِأنَّهُ حَرَمَهم سَبَبَ المَغْفِرَةِ، ولِذَلِكَ لَمْ تَكُنِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّ مِن أحْوالِ الكُفْرِ ما لا يَنْفَعُ الإيمانُ بَعْدَهُ. فَقَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ الإيمانَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، ولَوْ كَفَرَ المَرْءُ مِائَةَ مَرَّةٍ، وأنَّ التَّوْبَةَ مِنَ الذُّنُوبِ كَذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ شِبْهُ هَذِهِ الآيَةِ في آلِ عِمْرانَ وهو قَوْلُهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: ٩٠] .
فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ كَذَلِكَ فَهَؤُلاءِ القَوْمُ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ وأخْبَرَ بِنَفْيِ أنْ يَهْدِيَهم وأنْ يَغْفِرَ لَهم، فَإذَنْ لا فائِدَةَ في الطَّلَبِ مِنهم أنْ يُؤْمِنُوا بَعْدَ هَذا الكَلامِ، فَهَلْ هم مَخْصُوصُونَ مِن آياتِ عُمُومِ الدَّعْوَةِ.
قُلْتُ: الأشْخاصُ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، كَأبِي جَهْلٍ، ولَمْ يُخْبِرْ نَبِيئَهُ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ فَهم مُخاطَبُونَ بِالإيمانِ مَعَ عُمُومِ الأُمَّةِ، لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى بِعَدَمِ إيمانِهِمْ لَمْ يُنْصَبْ عَلَيْهِ أمارَةٌ، كَما عُلِمَ مِن مَسْألَةِ التَّكْلِيفِ بِالمُحالِ لِعارِضٍ في أُصُولِ الفِقْهِ، وأمّا هَؤُلاءِ فَلَوْ كانُوا مَعْرُوفِينَ بِأعْيانِهِمْ لَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ صارِفَةً عَنْ دَعْوَتِهِمْ إلى الإيمانِ بَعْدُ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا مَعْرُوفِينَ بِأعْيانِهِمْ فالقَوْلُ فِيهِمْ كالقَوْلِ فِيمَن عَلِمَ اللَّهُ عَدَمَ إيمانِهِ ولَمْ يُخْبِرْ بِهِ، ولَيْسَ ثَمَّةَ ضابِطٌ يَتَحَقَّقُ بِهِ أنَّهم دُعُوا بِأعْيانِهِمْ إلى الإيمانِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها.
والنَّفْيُ في قَوْلِهِ ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ أبْلَغُ مِن: لا يَغْفِرُ اللَّهُ لَهم، لِأنَّ أصْلَ وضْعِ هَذِهِ الصِّيغَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اسْمَ كانَ لَمْ يُجْعَلْ لِيَصْدُرَ مِنهُ خَبَرُها، ولا شَكَّ أنَّ الشَّيْءَ الَّذِي لَمْ يُجْعَلُ لِشَيْءٍ يَكُونُ نابِيًا عَنْهُ، لِأنَّهُ ضِدُّ طَبْعِهِ، ولَقَدْ أبْدَعَ النُّحاةُ في تَسْمِيَةِ اللّامِ، الَّتِي بَعْدَ كانَ المَنفِيَّةِ لامَ الجُحُودِ.
4:138–141Page 100
بَشِّرِ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمًا ١٣٨
Give tidings to the hypocrites that there is for them a painful punishment -
ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ أَيَبۡتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلۡعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا ١٣٩
Those who take disbelievers as allies instead of the believers. Do they seek with them honor [through power]? But indeed, honor belongs to Allāh entirely.1
وَقَدۡ نَزَّلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أَنۡ إِذَا سَمِعۡتُمۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ يُكۡفَرُ بِهَا وَيُسۡتَهۡزَأُ بِهَا فَلَا تَقۡعُدُواْ مَعَهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦٓ إِنَّكُمۡ إِذٗا مِّثۡلُهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡكَٰفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ١٤٠
And it has already come down to you in the Book [i.e., the Qur’ān] that when you hear the verses of Allāh [recited], they are denied [by them] and ridiculed; so do not sit with them until they enter into another conversation. Indeed, you would then be like them.1 Indeed, Allāh will gather the hypocrites and disbelievers in Hell all together -
ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمۡ فَإِن كَانَ لَكُمۡ فَتۡحٞ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوٓاْ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡ وَإِن كَانَ لِلۡكَٰفِرِينَ نَصِيبٞ قَالُوٓاْ أَلَمۡ نَسۡتَحۡوِذۡ عَلَيۡكُمۡ وَنَمۡنَعۡكُم مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ فَٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَلَن يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لِلۡكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ سَبِيلًا ١٤١
Those who wait [and watch] you. Then if you gain a victory from Allāh, they say, "Were we not with you?" But if the disbelievers have a success, they say [to them], "Did we not gain the advantage over you, but we protected you from the believers?" Allāh will judge between [all of] you on the Day of Resurrection, and never will Allāh give the disbelievers over the believers a way [to overcome them].1
صفحة ٢٣٣
﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ ﴿وقَدْ نُزِّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكم إذًا مِثْلُهم إنَّ اللَّهَ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكم فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكم وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ ناشِئٌ عَنْ وصْفِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ [النساء: ١٣٧]، فَإنَّ أُولَئِكَ كانُوا مُظْهِرِينَ الكُفْرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وكانَ ثَمَّةَ طائِفَةٌ تُبْطِنُ الكُفْرَ وهم أهْلُ النِّفاقِ، ولَمّا كانَ التَّظاهُرُ بِالإيمانِ ثُمَّ تَعْقِيبُهُ بِالكُفْرِ ضَرْبًا مِنَ التَّهَكُّمِ بِالإسْلامِ وأهْلِهِ، جِيءَ في جَزاءِ عَمَلِهِمْ بِوَعِيدٍ مُناسِبٍ لِتَهَكُّمِهِمْ بِالمُسْلِمِينَ، فَجاءَ بِهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ إذْ قالَ ”﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ﴾“، فَإنَّ البِشارَةَ هي الخَبَرُ بِما يَفْرَحُ المُخْبَرُ بِهِ، ولَيْسَ العَذابُ كَذَلِكَ. ولِلْعَرَبِ في التَّهَكُّمِ أسالِيبُ كَقَوْلِ شَقِيقِ بْنِ سُلَيْكٍ الأسَدِيِّ:
أتانِي مِن أبِي أنَسٍ وعِيدٌ فَسُلَّ لِغَيْظَةِ الضَّحّاكِ جِسْمِي
وقَوْلِ النّابِغَةِ:
فَإنَّكَ سَوْفَ تَحْلُمُ أوْ تَناهى ∗∗∗ إذا ما شِبْتَ أوْ شابَ الغُرابُ
وقَوْلِ ابْنِ زَيّابَةَ:
نُبِّئْتُ عَمْرًا غارِزًا رَأْسَهُ ∗∗∗ في سِنَةٍ يُوعِدُ أخْوالَهُ
وتِلْكَ مِنهُ غَيْرُ مَأْمُونَةٍ ∗∗∗ أنْ يَفْعَلَ الشَّيْءَ إذا قالَهُ
صفحة ٢٣٤
ومَجِيءُ صِفَتِهِمْ بِطَرِيقَةِ المَوْصُولِ لِإفادَةِ تَعْلِيلِ اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ الألِيمَ، أيْ لِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أيِ اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ لِأجْلِ مُضادَّةِ المُؤْمِنِينَ. والمُرادُ بِالكافِرِينَ مُشْرِكُو مَكَّةَ، أوْ أحْبارُ اليَهُودِ، لِأنَّهُ لَمْ يَبْقَ بِالمَدِينَةِ مُشْرِكُونَ صُرَحاءُ في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَلَيْسَ إلّا مُنافِقُونَ ويَهُودُ. وجُمْلَةُ ﴿أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ بِاعْتِبارِ المَعْطُوفِ وهو ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ﴾ وقَوْلُهُ ”أيَبْتَغُونَ“ هو مَنشَأُ الِاسْتِئْنافِ، وفي ذَلِكَ إيماءٌ إلى أنَّ المُنافِقِينَ لَمْ تَكُنْ مُوالاتُهم لِلْمُشْرِكِينَ لِأجْلِ المُماثَلَةِ في الدِّينِ والعَقِيدَةِ، لِأنَّ مُعْظَمَ المُنافِقِينَ مِنَ اليَهُودِ، بَلِ اتَّخَذُوهم لِيَعْتَزُّوا بِهِمْ عَلى المُؤْمِنِينَ، وإيماءً إلى أنَّ المُنافِقِينَ شَعَرُوا بِالضَّعْفِ فَطَلَبُوا الِاعْتِزازَ، وفي ذَلِكَ نِهايَةُ التَّجْهِيلِ والذَّمِّ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ وتَوْبِيخٌ، ولِذَلِكَ صَحَّ التَّفْرِيعُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أيْ لا عِزَّةَ إلّا بِهِ، لِأنَّ الِاعْتِزازَ بِغَيْرِهِ باطِلٌ. كَما قِيلَ: مَنِ اعْتَزَّ بِغَيْرِ اللَّهِ هانَ. وإنْ كانَ المُرادُ بِالكافِرِينَ اليَهُودَ فالِاسْتِفْهامُ تَهَكُّمٌ بِالفَرِيقَيْنِ كَقَوْلِ المَثَلِ:
كالمُسْتَغِيثِ مِنَ الرَّمْضاءِ بِالنّارِ
. وهَذا الكَلامُ يُفِيدُ التَّحْذِيرَ مِن مُخالَطَتِهِمْ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ نُزِّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ﴾ إلَخْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ﴾ تَذْكِيرًا لِلْمُسْلِمِينَ بِما كانُوا أُعْلِمُوا بِهِ مِمّا يُؤَكِّدُ التَّحْذِيرَ مِن مُخالَطَتِهِمْ، فَضَمِيرُ الخِطابِ مُوَجَّهٌ إلى المُؤْمِنِينَ، وضَمائِرُ الغَيْبَةِ إلى المُنافِقِينَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”يَتَّخِذُونَ“، فَيَكُونُ ضَمِيرُ الخِطابِ في قَوْلِهِ ﴿وقَدْ نُزِّلَ عَلَيْكُمْ﴾ خِطابًا لِأصْحابِ الصِّلَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، كَأنَّهم بَعْدَ أنْ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمُ الصِّلَةُ صارُوا مُعَيَّنِينَ مَعْرُوفِينَ، فالتُفِتَ إلَيْهِمْ بِالخِطابِ، لِأنَّهم يَعْرِفُونَ أنَّهم أصْحابُ تِلْكَ الصِّلَةِ، فَلَعَلَّهم أنْ يُقْلِعُوا عَنْ مُوالاةِ الكافِرِينَ.
وعَلَيْهِ فَضَمِيرُ الخِطابِ لِلْمُنافِقِينَ، وضَمائِرُ الغَيْبَةِ لِلْكافِرِينَ، والَّذِي نُزِّلَ في الكِتابِ هو آياتٌ نَزَلَتْ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ في القُرْآنِ: في شَأْنِ كُفْرِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ واسْتِهْزائِهِمْ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ الَّذِي أُحِيلَ عَلَيْهِ هُنا هو قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] لِأنَّ شَأْنَ الكافِرِينَ يَسْرِي إلى الَّذِينَ يَتَّخِذُونَهم أوْلِياءَ، والظّاهِرُ أنِ الَّذِي أحالَ اللَّهُ عَلَيْهِ هو ما
صفحة ٢٣٥
تَكَرَّرَ في القُرْآنِ مِن قَبْلِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ في البَقَرَةِ ﴿وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] مِمّا حَصَلَ مِن مَجْمُوعِهِ تَقَرُّرُ هَذا المَعْنى.
و”أنْ“ في قَوْلِهِ ﴿أنْ إذا سَمِعْتُمْ﴾ تَفْسِيرِيَّةٌ، لِأنَّ ”نُزِّلَ“ تَضَمَّنَ مَعْنى الكَلامِ دُونَ حُرُوفِ القَوْلِ، إذْ لَمْ يَقْصِدْ حِكايَةَ لَفْظِ ”ما نُزِّلَ“ بَلْ حاصِلَ مَعْناهُ. وجَعَلَها بَعْضُهم مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمَها ضَمِيرَ شَأْنٍ مَحْذُوفًا، وهو بَعِيدٌ.
وإسْنادُ الفِعْلَيْنِ: ”يُكْفَرُ“ و”يُسْتَهْزَأُ“ إلى المَجْهُولِ لِتَتَأتّى، بِحَذْفِ الفاعِلِ، صَلاحِيَةُ إسْنادِ الفِعْلَيْنِ إلى الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ. وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ المُنافِقِينَ يَرْكَنُونَ إلى المُشْرِكِينَ واليَهُودِ لِأنَّهم يَكْفُرُونَ بِالآياتِ ويَسْتَهْزِئُونَ، فَتَنْثَلِجُ لِذَلِكَ نُفُوسُ المُنافِقِينَ، لِأنَّ المُنافِقِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَتَظاهَرُوا بِذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَشْفِي غَلِيلَهم أنْ يَسْمَعَ المُسْلِمُونَ ذَلِكَ مِنَ الكُفّارِ.
وقَدْ جُعِلَ زَمانُ كُفْرِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ هو زَمَنُ سَماعِ المُؤْمِنِينَ آياتِ اللَّهِ. والمَقْصُودُ أنَّهُ زَمَنُ نُزُولِ آياتِ اللَّهِ أوْ قِراءَةِ آياتِ اللَّهِ، فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى سَماعِ المُؤْمِنِينَ، لِيُشِيرَ إلى عَجِيبِ تَضادِّ الحالَيْنِ، فَفي حالَةِ اتِّصافِ المُنافِقِينَ بِالكُفْرِ بِاللَّهِ والهَزْلِ بِآياتِهِ يَتَّصِفُ المُؤْمِنُونَ بِتَلَقِّي آياتِهِ والإصْغاءِ إلَيْها وقَصْدِ الوَعْيِ لَها والعَمَلِ بِها.
وأعْقَبَ ذَلِكَ بِتَفْرِيعِ النَّهْيِ عَنْ مُجالَسَتِهِمْ في تِلْكَ الحالَةِ حَتّى يَنْتَقِلُوا إلى غَيْرِها، لِئَلّا يَتَوَسَّلَ الشَّيْطانُ بِذَلِكَ إلى اسْتِضْعافِ حِرْصِ المُؤْمِنِينَ عَلى سَماعِ القُرْآنِ، لِأنَّ لِلْأخْلاقِ عَدْوى، وفي المَثَلِ
تُعْدِي الصِّحاحَ مَبارِكُ الجُرْبِ
.
وهَذا النَّهْيُ يَقْتَضِي الأمْرَ بِمُغادَرَةِ مَجالِسِهِمْ إذا خاضُوا في الكُفْرِ بِالآياتِ والِاسْتِهْزاءِ بِها. وفي النَّهْيِ عَنِ القُعُودِ إلَيْهِمْ حِكْمَةٌ أُخْرى: وهي وُجُوبُ إظْهارِ الغَضَبِ لِلَّهِ مِن ذَلِكَ كَقَوْلِهِ ﴿تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١] .
و”حَتّى“ حَرْفٌ يَعْطِفُ غايَةَ الشَّيْءِ عَلَيْهِ، فالنَّهْيُ عَنِ القُعُودِ مَعَهم غايَتُهُ أنْ يَكُفُّوا عَنِ الخَوْضِ في الكُفْرِ بِالآياتِ والِاسْتِهْزاءِ بِها.
وهَذا الحُكْمُ تَدْرِيجٌ في تَحْرِيمِ مُوالاةِ المُسْلِمِينَ لِلْكافِرِينَ، جُعِلَ مَبْدَأُ ذَلِكَ أنْ لا يَحْضُرُوا مَجالِسَ كُفْرِهِمْ لِيَظْهَرَ التَّمايُزُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ الخُلَّصِ وبَيْنَ المُنافِقِينَ، ورُخِّصَ
صفحة ٢٣٦
لَهُمُ القُعُودُ مَعَهم إذْ خاضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِ حَدِيثِ الكُفْرِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [التوبة: ٢٣] ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكم وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] .
وجُعِلَ جَوابُ القُعُودِ مَعَهُمُ المَنهِيُّ عَنْهُ أنَّهم إذا لَمْ يَنْتَهُوا عَنِ القُعُودِ مَعَهم يَكُونُونَ مِثْلَهم في الِاسْتِخْفافِ بِآياتِ اللَّهِ إذْ قالَ ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ فَإنَّ ”إذَنْ“ حَرْفُ جَوابٍ وجَزاءٍ لِكَلامٍ مَلْفُوظٍ بِهِ أوْ مُقَدَّرٍ. والمُجازاةُ هُنا لِكَلامٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ النَّهْيُ عَنِ القُعُودِ مَعَهُمْ؛ فَإنَّ التَّقْدِيرَ: إنْ قَعَدْتُمْ مَعَهم إذَنْ إنَّكم مِثْلُهم. ووُقُوعُ إذَنْ جَزاءً لِكَلامٍ مُقَدَّرٍ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِ العَنْبَرِيِّ:
لَوْ كُنْتُ مِن مازِنٍ لَمْ تَسْتَبِحْ إبِلِي ∗∗∗ بَنُو اللَّقِيطَةِ مِن ذُهْلِ بْنِ شَيْبانا
إذَنْ لَقامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ ∗∗∗ عِنْدَ الحَفِيظَةِ إنْ ذُو لَوْثَةٍ لانا
.
قالَ المَرْزُوقِيُّ في شَرْحِ الحَماسَةِ: وفائِدَةُ ”إذَنْ“ هو أنَّهُ أخْرَجَ البَيْتَ الثّانِيَ مَخْرَجَ جَوابِ قائِلٍ لَهُ: ولَوِ اسْتَباحُوا ماذا كانَ يَفْعَلُ بَنُو مازِنٍ ؟ فَقالَ: إذَنْ لَقامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ.
قُلْتُ: ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] . التَّقْدِيرُ: فَلَوْ كُنْتَ تَتْلُو وتَخُطُّ إذَنْ لارْتابَ المُبْطِلُونَ. فَقَدْ عُلِمَ أنَّ الجَزاءَ في قَوْلِهِ إنَّكم إذَنْ مِثْلُهم عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ لا عَنِ النَّهْيِ، كَقَوْلِ الرّاجِزِ، وهو مِن شَواهِدِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ:
لا تَتْرُكَنِّي فِيهِمْ شَطِيرا ∗∗∗ إنِّي إذَنْ أهْلِكَ أوْ أطِيرا
.
والظّاهِرُ أنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا يَجْلِسُونَ هَذِهِ المَجالِسَ فَلا يُقْدِمُونَ عَلى تَغْيِيرِ هَذا ولا يَقُومُونَ عَنْهم تَقِيَّةً لَهم فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. وهَذِهِ المُماثَلَةُ لَهم خارِجَةٌ مَخْرَجَ التَّغْلِيظِ والتَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ، ولا يَصِيرُ المُؤْمِنُ مُنافِقًا بِجُلُوسِهِ إلى المُنافِقِينَ، وأُرِيدَ المُماثَلَةُ في المَعْصِيَةِ لا في مِقْدارِها، أيْ أنَّكم تَصِيرُونَ مِثْلَهم في التَّلَبُّسِ بِالمَعاصِي.
صفحة ٢٣٧
وقَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ تَحْذِيرٌ مِن أنْ يَكُونُوا مِثْلَهم، وإعْلامٌ بِأنَّ الفَرِيقَيْنِ سَواءٌ في عَدَواةِ المُؤْمِنِينَ، ووَعِيدٌ لِلْمُنافِقِينَ بِعَدَمِ جَدْوى إظْهارِهِمُ الإسْلامَ لَهم.
وجُمْلَةُ ”الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكم“ صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ وحْدَهم بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ .
والتَّرَبُّصُ حَقِيقَةً في المُكْثِ بِالمَكانِ، وقَدْ مَرَّ قَوْلُهُ ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وهو مَجازٌ في الِانْتِظارِ وتَرَقُّبِ الحَوادِثِ. وتَفْصِيلُهُ قَوْلُهُ ﴿فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ الآياتِ.
وجُعِلَ ما يَحْصُلُ لِلْمُسْلِمِينَ فَتْحًا لِأنَّهُ انْتِصارٌ دائِمٌ، ونُسِبَ إلى اللَّهِ لِأنَّهُ مُقَدِّرُهُ ومُرِيدُهُ بِأسْبابٍ خَفِيَّةٍ ومُعْجِزاتٍ بَيِّنَةٍ. والمُرادُ بِالكافِرِينَ هُمُ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرُهم لا مَحالَةَ، إذْ لا حَظَّ لِلْيَهُودِ في الحَرْبِ، وجُعِلَ ما يَحْصُلُ لَهم مِنَ النَّصْرِ نَصِيبًا تَحْقِيرًا لَهُ، والمُرادُ نَصِيبٌ مِنَ الفَوْزِ في القِتالِ.
والِاسْتِحْواذُ: الغَلَبَةُ والإحاطَةُ، أبْقَوُا الواوَ عَلى أصْلِها ولَمْ يَقْلِبُوها ألِفًا بَعْدَ الفَتْحَةِ عَلى خِلافِ القِياسِ. وهَذا أحَدُ الأفْعالِ الَّتِي صُحِّحَتْ عَلى خِلافِ القِياسِ مِثْلَ: اسْتَجْوَبَ، وقَدْ يَقُولُونَ: اسْتَحاذَ عَلى القِياسِ كَما يَقُولُونَ: اسْتَجابَ واسْتَصابَ.
والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ. ومَعْنى ﴿ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ ألَمْ نَتَوَلَّ شُئُونَكم ونُحِيطْ بِكم إحاطَةَ العِنايَةِ والنُّصْرَةِ ﴿ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ مِن أنْ يَنالَكم بِأْسُهم، فالمَنعُ هُنا إمّا مَنعٌ مَكْذُوبٌ يُخَيِّلُونَهُ الكُفّارَ واقِعًا وهو الظّاهِرُ، وإمّا مَنعٌ تَقْدِيرِيٌّ وهو كَفُّ النُّصْرَةِ عَنِ المُؤْمِنِينَ، والتَّجَسُّسُ عَلَيْهِمْ بِإبْلاغِ أخْبارِهِمْ لِلْكافِرِينَ، وإلْقاءُ الأراجِيفِ والفِتَنِ بَيْنَ جُيُوشِ المُؤْمِنِينَ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُضْعِفُ بَأْسَ المُؤْمِنِينَ إنْ وقَعَ، وهَذا القَوْلُ كانَ يَقُولُهُ مَن يَنْدَسُّ مِنَ المُنافِقِينَ في جَيْشِ المُسْلِمِينَ في الغَزَواتِ، وخاصَّةً إذا كانَتْ جُيُوشُ المُشْرِكِينَ قُرْبَ المَدِينَةِ مِثْلَ غَزْوَةِ الأحْزابِ.
وقَوْلُهُ ﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الفاءُ لِلْفَصِيحَةِ، والكَلامُ إنْذارٌ لِلْمُنافِقِينَ وكِفايَةٌ لِمُهِمِّ المُؤْمِنِينَ، بِأنْ فُوِّضَ أمْرُ جَزاءِ المُنافِقِينَ عَلى مَكائِدِهِمْ وخُزَعْبِلاتِهِمْ إلَيْهِ تَعالى.
صفحة ٢٣٨
وقَوْلُهُ ﴿ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ تَثْبِيتٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، لِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الأخْبارِ عَنْ دَخائِلِ الأعْداءِ وتَألُّبِهِمْ: مِن عَدُوٍّ مُجاهِرٍ بِكُفْرِهِ، وعَدُوٍّ مُصانِعٍ مُظْهِرٍ لِلْأُخُوَّةِ، وبَيانُ هَذِهِ الأفْعالِ الشَّيْطانِيَّةِ البالِغَةِ أقْصى المَكْرِ والحِيلَةِ يُثِيرُ مَخاوِفَ في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ وقَدْ يُخَيِّلُ لَهم مَهاوِيَ الخَيْبَةِ في مُسْتَقْبَلِهِمْ، فَكانَ مِن شَأْنِ التَّلَطُّفِ بِهِمْ أنْ يُعَقِّبَ ذَلِكَ التَّحْذِيرَ بِالشَّدِّ عَلى العَضُدِ، والوَعْدِ بِحُسْنِ العاقِبَةِ، فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ بِأنْ لا يَجْعَلَ لِلْكافِرِينَ، وإنْ تَألَّبَتْ عِصاباتُهم، واخْتَلَفَتْ مَناحِي كُفْرِهِمْ، سَبِيلًا عَلى المُؤْمِنِينَ.
والمُرادُ بِالسَّبِيلِ طَرِيقُ الوُصُولِ إلى المُؤْمِنِينَ بِالهَزِيمَةِ والغَلَبَةِ، بِقَرِينَةِ تَعْدِيَتِهِ بِعَلى، ولِأنَّ سَبِيلَ العَدُوِّ إلى عَدُوِّهِ هو السَّعْيُ إلى مَضَرَّتِهِ، ولَوْ قالَ لَكَ الحَبِيبُ: لا سَبِيلَ إلَيْكَ، لَتَحَسَّرْتَ؛ ولَوْ قالَ لَكَ العَدُوُّ: لا سَبِيلَ إلَيْكَ، لَتَهَلَّلْتَ بِشْرًا، فَإذا عُدِّيَ بِعَلى صارَ نَصًّا في سَبِيلِ الشَّرِّ والأذى. فالآيَةُ وعْدٌ مَحْضُ دُنْيَوِيٍّ، ولَيْسَتْ مِنَ التَّشْرِيعِ في شَيْءٍ، ولا مِن أُمُورِ الآخِرَةِ في شَيْءٍ لِنُبُوِّ المَقامِ عَنْ هَذَيْنِ.
فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ وعْدًا لَمْ يَجُزْ تَخَلُّفُهُ، ونَحْنُ نَرى الكافِرِينَ يَنْتَصِرُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ انْتِصارًا بَيِّنًا، ورُبَّما تَمَلَّكُوا بِلادَهم وطالَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ تَأْوِيلُ هَذا الوَعْدِ. قُلْتُ: إنْ أُرِيدَ بِالكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ الطّائِفَتانِ المَعْهُودَتانِ بِقَرِينَةِ القِصَّةِ فالإشْكالُ زائِلٌ، لِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ عاقِبَةَ النَّصْرِ أيّامَئِذٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وقَطَعَ دابِرَ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا فَلَمْ يَلْبَثُوا أنْ ثُقِفُوا وأُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا ودَخَلَتْ بَقِيَّتُهم في الإسْلامِ فَأصْبَحُوا أنْصارًا لِلدِّينِ؛ وإنْ أُرِيدَ العُمُومُ فالمَقْصُودُ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُؤْمِنُونَ الخُلَّصُ الَّذِينَ تَلَبَّسُوا بِالإيمانِ بِسائِرِ أحْوالِهِ وأُصُولِهِ وفُرُوعِهِ، ولَوِ اسْتَقامَ المُؤْمِنُونَ عَلى ذَلِكَ لَما نالَ الكافِرُونَ مِنهم مَنالًا، ولَدَفَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ خَيْبَةً وخَبالًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences