Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:150–155
4:150–152Page 102
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤۡمِنُ بِبَعۡضٖ وَنَكۡفُرُ بِبَعۡضٖ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ١٥٠
Indeed, those who disbelieve in Allāh and His messengers and wish to discriminate between Allāh and His messengers and say, "We believe in some and disbelieve in others," and wish to adopt a way in between -
أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ حَقّٗاۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا ١٥١
Those are the disbelievers, truly. And We have prepared for the disbelievers a humiliating punishment.
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَمۡ يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ أُوْلَٰٓئِكَ سَوۡفَ يُؤۡتِيهِمۡ أُجُورَهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٥٢
But they who believe in Allāh and His messengers and do not discriminate between any of them - to those He is going to give their rewards. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.
﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا وأعْتَدْنا لِلْكَفَرَيْنِ عَذابًا مُهِينًا﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم أُولَئِكَ سَوْفَ نُؤْتِيهِمُ أُجُورَهم وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .
عادَةُ القُرْآنِ عِنْدَ التَّعَرُّضِ إلى أحْوالِ مَن أظْهَرُوا النِّواءَ لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يَنْتَقِلَ مِن صِفاتِ المُنافِقِينَ، أوْ أهْلِ الكِتابِ، أوِ المُشْرِكِينَ إلى صِفاتِ الآخَرِينَ، فالمُرادُ مِنَ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ هُنا هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ أهْلُ التَّفْسِيرِ. والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِهِ اليَهُودُ خاصَّةً لِأنَّهُمُ المُخْتَلِطُونَ بِالمُسْلِمِينَ والمُنافِقِينَ، وكانَ كَثِيرٌ مِنَ المُنافِقِينَ يَهُودًا وعَبَّرَ عَنْهم بِطَرِيقِ المَوْصُولِ دُونَ الِاسْمِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ الخَبَرِ، ومِن شَناعَةِ صَنِيعِهِمْ لِيُناسِبَ الإخْبارَ عَنْهم بِاسْمِ الإشارَةِ بَعْدَ ذَلِكَ.
وجَمَعَ الرُّسُلَ لِأنَّ اليَهُودَ كَفَرُوا بِعِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، والنَّصارى كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَجَمَعَ الرُّسُلَ بِاعْتِبارِ مَجْمُوعِ الكُفّارِ، أوْ أرادَ بِالجَمْعِ الِاثْنَيْنِ، أوْ أرادَ بِالإضافَةِ مَعْنى الجِنْسِ فاسْتَوى فِيهِ صِيغَةُ الإفْرادِ والجَمْعِ، لِأنَّ المَقْصُودَ ذَمُّ مَن هَذِهِ صِفَتُهم بِدُونِ تَعْيِينِ فَرِيقٍ، وطَرِيقَةُ العَرَبِ في مِثْلِ هَذا أنْ يُعَبِّرُوا بِصِيَغِ الجُمُوعِ وإنْ كانَ المُعَرَّضُ بِهِ واحِدًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ [النساء: ٥٤] وقَوْلِهِ (﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ [النساء: ٣٧])
صفحة ٩
(﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيئُونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا﴾ [المائدة: ٤٤]) وقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «ما بالُ أقْوامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا» .
وجِيءَ بِالمُضارِعِ هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا أمْرٌ مُتَجَدِّدٌ فِيهِمْ مُسْتَمِرٌّ، لِأنَّهم لَوْ كَفَرُوا في الماضِي ثُمَّ رَجَعُوا لَما كانُوا أحْرِياءَ بِالذَّمِّ.
ومَعْنى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ: أنَّهم لَمّا آمَنُوا بِهِ ووَصَفُوهُ بِصِفاتٍ غَيْرِ صِفاتِهِ مِنَ التَّجْسِيمِ واتِّخاذِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ والحُلُولِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَقَدْ آمَنُوا بِالِاسْمِ لا بِالمُسَمّى، وهم في الحَقِيقَةِ كَفَرُوا بِالمُسَمّى، كَما إذا كانَ أحَدٌ يَظُنُّ أنَّهُ يَعْرِفُ فُلانًا فَقُلْتَ لَهُ: صِفْهُ لِي، فَوَصَفَهُ بِغَيْرِ صِفاتِهِ، تَقُولُ لَهُ: أنْتَ لا تَعْرِفُهُ، عَلى أنَّهم لَمّا كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَ بِهِ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ عَنْ مُماثَلَةِ الحَوادِثِ، فَقَدْ كَفَرُوا بِإلَهِيَّتِهِ الحَقَّةِ؛ إذْ مِنهم مَن جَسَّمَ ومِنهم مَن ثَلَّثَ.
ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ أنَّهم يُحاوِلُونَ ذَلِكَ فَأُطْلِقَتِ الإرادَةُ عَلى المُحاوَلَةِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهُ أمْرٌ صَعْبُ المَنالِ، وأنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا ما أرادُوا مِن ذَلِكَ، لِأنَّهم لَمْ يَزالُوا يُحاوِلُونَهُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ ويُرِيدُونَ ولَوْ بَلَغُوا إلَيْهِ لَقالَ: وفَرَّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ.
ومَعْنى التَّفْرِيقِ بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ أنَّهم يُنْكِرُونَ صِدْقَ بَعْضِ الرُّسُلِ الَّذِينَ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ، ويَعْتَرِفُونَ بِصِدْقِ بَعْضِ الرُّسُلِ دُونَ بَعْضٍ، ويَزْعُمُونَ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، فَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ إذْ نَفَوْا رِسالَتَهم فَأبْعَدُوهم مِنهُ، وهَذا اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، شَبَّهَ الأمْرَ المُتَخَيَّلَ في نُفُوسِهِمْ بِما يُضْمِرُهُ مُرِيدُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الأوْلِياءِ والأحْبابِ، فَهي تَشْبِيهُ هَيْئَةٍ مَعْقُولَةٍ بِهَيْئَةٍ مَعْقُولَةٍ، والغَرَضُ مِنَ التَّشْبِيهِ تَشْوِيهُ المُشَبَّهِ، إذْ قَدْ عَلِمَ النّاسُ أنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ المُتَّصِلِينَ ذَمِيمَةٌ.
وهَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى الآياتِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] - ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]،
صفحة ١٠
وفِي سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٤] إلّا أنَّ تِلْكَ الآياتِ في التَّحْذِيرِ مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الرُّسُلِ، والآيَةُ هَذِهِ في التَّحْذِيرِ مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ اللَّهِ وبَعْضِ رُسُلِهِ، ومَآلُ الجَمِيعِ واحِدٌ؛ لِأنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الرُّسُلِ يَسْتَلْزِمُ التَّفْرِيقَ بَيْنَ اللَّهِ وبَعْضِ رُسُلِهِ.
وإضافَةُ الجَمْعِ إلى الضَّمِيرِ هُنا لِلْعَهْدِ لا لِلْعُمُومِ بِالقَرِينَةِ، وهي قَوْلُهُ ﴿ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ﴾ واقِعَةٌ في مَعْنى الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ لِلتَّفْرِيقِ بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ، ولَكِنَّها عُطِفَتْ؛ لِأنَّها شَأْنٌ خاصٌّ مِن شُئُونِهِمْ، إذْ مَدْلُولُها قَوْلٌ مِن أقْوالِهِمُ الشَّنِيعَةِ، ومَدْلُولُ (يُرِيدُونَ) هَيْئَةٌ حاصِلَةٌ مِن كُفْرِهِمْ، فَلِذَلِكَ حَسُنَ العَطْفُ بِاعْتِبارِ المُغايَرَةِ ولَوْ في الجُمْلَةِ، ولَوْ فُصِلَتْ لَكانَ صَحِيحًا. ومَعْنى (يَقُولُونَ نُؤْمِنُ) الخَ أنَّ اليَهُودَ يَقُولُونَ: نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وبِمُوسى ونَكْفُرُ بِعِيسى ومُحَمَّدٍ، والنَّصارى يَقُولُونَ: نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وبِمُوسى وعِيسى ونَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ، فَآمَنُوا بِاللَّهِ وبَعْضِ رُسُلِهِ ظاهِرًا وفَرَّقُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ بَعْضِ رُسُلِهِ.
والإرادَةُ في قَوْلِهِ ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ إرادَةٌ حَقِيقِيَّةٌ. والسَّبِيلُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ سَبِيلَ النَّجاةِ مِنَ المُؤاخَذَةِ في الآخِرَةِ تَوَهُّمًا أنَّ تِلْكَ حِيلَةٌ تُحَقِّقُ لَهُمُ السَّلامَةَ عَلى تَقْدِيرِ سَلامَةِ المُؤْمِنِينَ، أوْ سَبِيلَ التَّنَصُّلِ مِنَ الكُفْرِ بِبَعْضِ الرُّسُلِ، أوْ سَبِيلًا بَيْنَ دِينَيْنِ، وهَذانِ الوَجْهانِ الأخِيرانِ يُناسِبانِ انْتِقالَهم مِنَ الكُفْرِ الظّاهِرِ إلى النِّفاقِ، فَكَأنَّهُما تَهْيِئَةٌ لِلنِّفاقِ.
وهَذا التَّفْسِيرُ جارٍ عَلى ظاهِرِ نَظْمِ الكَلامِ، وهو أنْ يَكُونَ حَرْفُ العَطْفِ مُشَرِّكًا بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ في حُكْمِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وإذْ قَدْ كانَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ الأوَّلُ صِلَةً لِـ (الَّذِينَ)، كانَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ صِلاتٍ لِذَلِكَ المَوْصُولِ وكانَ ذَلِكَ المَوْصُولُ صاحِبَ تِلْكَ الصِّلاتِ كُلِّها.
صفحة ١١
ونُسِبَ إلى بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ جَعَلَ الواواتِ فِيها بِمَعْنى (أوْ) وجَعَلَ المَوْصُولَ شامِلًا لِفِرَقٍ مِنَ الكُفّارِ تَعَدَّدَتْ أحْوالُ كُفْرِهِمْ عَلى تَوْزِيعِ الصِّلاتِ المُتَعاطِفَةِ، فَجَعَلَ المُرادَ بِالَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ المُشْرِكِينَ، والَّذِينَ يُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ قَوْمًا أثْبَتُوا الخالِقَ وأنْكَرُوا النُّبُوءاتِ كُلَّها، والَّذِينَ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ اليَهُودُ والنَّصارى. وسَكَتَ عَنِ المُرادِ مِن قَوْلِهِ ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾، ولَوْ شاءَ لَجَعَلَ أُولَئِكَ فَرِيقًا آخَرَ: وهُمُ المُنافِقُونَ المُتَرَدِّدُونَ الَّذِينَ لَمْ يَثْبُتُوا عَلى إيمانٍ ولا عَلى كُفْرٍ، بَلْ كانُوا بَيْنَ الحالَيْنِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٤٣] . والَّذِي دَعاهُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ أنَّهُ لَمْ يَجِدْ فَرِيقًا جَمَعَ هَذِهِ الأحْوالَ كُلَّها عَلى ظاهِرِها لِأنَّ اليَهُودَ لَمْ يَكْفُرُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ تَأْوِيلَ الكُفْرِ بِاللَّهِ الكُفْرُ بِالصِّفاتِ الَّتِي يَسْتَلْزِمُ الكُفْرُ بِها نَفْيَ الإلَهِيَّةِ.
وهَذا الأُسْلُوبُ نادِرُ الِاسْتِعْمالِ في فَصِيحِ الكَلامِ، إذْ لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَكانَ الشَّأْنُ أنْ يُقالَ: والَّذِينَ يُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ والَّذِينَ يَقُولُونَ: نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ، كَما قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] .
وقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا﴾ الجُمْلَةُ خَبَرُ (إنَّ) والإشارَةُ إلى أصْحابِ تِلْكَ الصِّلَةِ الماضِيَةِ، ومَوْقِعُ الإشارَةِ هُنا لِقَصْدِ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ لِاسْتِحْضارِهِمْ بِتِلْكَ الأوْصافِ أحْرِياءٌ بِما سَيُحْكَمُ عَلَيْهِمْ مِنَ الحُكْمِ المُعاقِبِ لِاسْمِ الإشارَةِ.
وأفادَ تَعْرِيفُ جُزْأيِ الجُمْلَةِ والإتْيانُ بِضَمِيرِ الفَصْلِ تَأْكِيدَ قَصْرِ صِفَةِ الكُفْرِ عَلَيْهِمْ، وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ مَجازِيٌّ بِتَنْزِيلِ كُفْرِ غَيْرِهِمْ في جانِبِ كُفْرِهِمْ مَنزِلَةَ العَدَمِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في المُنافِقِينَ: (﴿هُمُ العَدُوُّ﴾ [المنافقون: ٤]) . ومِثْلُ هَذا القَصْرِ يَدُلُّ عَلى كَمالِ المَوْصُوفِ في تِلْكَ الصِّفَةِ المَقْصُورَةِ.
صفحة ١٢
ووَجْهُ هَذِهِ المُبالَغَةِ: أنَّ كُفْرَهم قَدِ اشْتَمَلَ عَلى أحْوالٍ عَدِيدَةٍ مِنَ الكُفْرِ، وعَلى سَفالَةٍ في الخُلُقِ، أوْ سَفاهَةٍ في الرَّأْيِ بِمَجْمُوعِ ما حُكِيَ عَنْهم مِن تِلْكَ الصِّلاتِ، فَإنَّ كُلَّ خَصْلَةٍ مِنها إذا انْفَرَدَتْ هي كُفْرٌ، فَكَيْفَ بِها إذا اجْتَمَعَتْ.
و(حَقًّا) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ، أيْ حُقَّهم حَقًّا أيُّها السّامِعُ بِالِغِينَ النِّهايَةَ في الكُفْرِ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهم (جِدًّا) . والتَّوْكِيدُ في مِثْلِ هَذا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ عَلى ما أفادَتْهُ الجُمْلَةُ، ولَيْسَ هو لِرَفْعِ المَجازِ، فَهو تَأْكِيدٌ لِما أفادَتْهُ الجُمْلَةُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى مَعْنى النِّهايَةِ لِأنَّ القَصْرَ مُسْتَعْمَلٌ في ذَلِكَ المَعْنى، ولَمْ يَقْصِدْ بِالتَّوْكِيدِ أنْ يَصِيرَ القَصْرُ حَقِيقِيًّا لِظُهُورِ أنَّ ذَلِكَ لا يَسْتَقِيمُ، فَقَوْلُ بَعْضِ النُّحاةِ في المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ: إنَّهُ يُفِيدُ رَفْعَ احْتِمالِ المَجازِ، بِناءً مِنهم عَلى الغالِبِ في مُفادِ التَّأْكِيدِ.
و(أعْتَدْنا) مَعْناهُ هَيَّأْنا وقَدَّرْنا، والتّاءُ في (أعْتَدْنا) بَدَلٌ مِنَ الدّالِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ اللُّغَةِ، وقالَ كَثِيرٌ مِنهم: التّاءُ أصْلِيَّةٌ، وأنَّهُ بِناءٌ عَلى حِدَةٍ هو غَيْرُ بِناءِ (عَدَّ) . وقالَ بَعْضُهم: إنَّ (عَتُدَ) هو الأصْلُ وأنَّ (عَدَّ) أُدْغِمَتْ مِنهُ التّاءُ في الدّالِ، وقَدْ ورَدَ البِناءانِ كَثِيرًا في كَلامِهِمْ وفي القُرْآنِ.
وجِيءَ بِجُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ إلى آخِرِها لِمُقابَلَةِ المُسِيئِينَ بِالمُحْسِنِينَ، والنِّذارَةِ بِالبِشارَةِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ.
والمُرادُ بِالَّذِينَ آمَنُوا المُؤْمِنُونَ كُلُّهم وخاصَّةً مَن آمَنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ. فَهم مَقْصُودُونَ ابْتِداءً لِما أشْعَرَ بِهِ مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بَعْدَ ذِكْرِ ضَلالِهِمْ ولِما اقْتَضاهُ تَذْيِيلُ الجُمْلَةِ بِقَوْلِهِ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ غَفُورًا لَهم ما سَلَفَ مِن كُفْرِهِمْ، رَحِيمًا بِهِمْ.
والقَوْلُ في الإتْيانِ بِالمَوْصُولِ وبِاسْمِ الإشارَةِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ كالقَوْلِ في مُقابِلِهِ.
وقَوْلُهُ ﴿بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ١٣
وقَرَأ الجُمْهُورُ: نُؤْتِيهِمْ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِياءِ الغائِبِ والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ .
4:153–154Page 102
يَسۡـَٔلُكَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيۡهِمۡ كِتَٰبٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِۚ فَقَدۡ سَأَلُواْ مُوسَىٰٓ أَكۡبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوٓاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ بِظُلۡمِهِمۡۚ ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَعَفَوۡنَا عَن ذَٰلِكَۚ وَءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا ١٥٣
The People of the Scripture ask you to bring down to them a book from the heaven. But they had asked of Moses [even] greater than that and said, "Show us Allāh outright," so the thunderbolt struck them for their wrongdoing. Then they took the calf [for worship] after clear evidences had come to them, and We pardoned that. And We gave Moses a clear authority.
وَرَفَعۡنَا فَوۡقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَٰقِهِمۡ وَقُلۡنَا لَهُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُلۡنَا لَهُمۡ لَا تَعۡدُواْ فِي ٱلسَّبۡتِ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ١٥٤
And We raised over them the mount for [refusal of] their covenant; and We said to them, "Enter the gate bowing humbly"; and We said to them, "Do not transgress on the sabbath"; and We took from them a solemn covenant.
﴿يَسْألُكُ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾ ﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُلْنا لَهم لا تَعَدُّوا في السَّبْتِ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ .
لَمّا ذَكَرَ مَعاذِيرَ أهْلِ الكِتابَيْنِ في إنْكارِهِمْ رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ أعْقَبَها بِذِكْرِ شَيْءٍ مِنِ اقْتِراحِهِمْ مَجِيءَ المُعْجِزاتِ عَلى وِفْقِ مَطالِبِهِمْ.
والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ.
ومَجِيءُ المُضارِعِ هُنا: إمّا لِقَصْدِ اسْتِحْضارِ حالَتِهِمُ العَجِيبَةِ في هَذا السُّؤالِ حَتّى كَأنَّ السّامِعَ يَراهم كَقَوْلِهِ ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ [هود: ٣٨]، وقَوْلِهِ ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢]، وقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [فاطر: ٩] . وإمّا لِلدَّلالَةِ عَلى تَكْرارِ السُّؤالِ وتَجَدُّدِهِ المَرَّةَ بَعْدَ الأُخْرى بِأنْ يَكُونُوا ألَحُّوا في هَذا السُّؤالِ لِقَصْدِ الإعْناتِ، كَقَوْلِ طَرِيفِ بْنِ تَمِيمٍ العَنْبَرِيِّ:
بَعَثُوا إلَيَّ عَرِيفَهم يَتَوَسَّمُ
. أيْ يُكَرِّرُ التَّوَسُّمَ. والمَقْصُودُ عَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ التَّعْجِيبُ مِن هَذا السُّؤالِ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْدَهُ ﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى﴾ .
والسّائِلُونَ هُمُ اليَهُودُ، سَألُوا مُعْجِزَةً مِثْلَ مُعْجِزَةِ مُوسى بِأنْ يُنَزَّلَ
صفحة ١٤
عَلَيْهِ مِثْلُ ما أُنْزِلَتِ الألْواحُ فِيها الكَلِماتُ العَشْرُ عَلى مُوسى، ولَمْ يُرِيدُوا جَمِيعَ التَّوْراةِ كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ فَإنَّ كِتابَ التَّوْراةِ لَمْ يُنَزَّلْ دُفْعَةً واحِدَةً. فالمُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ هُنا خُصُوصُ اليَهُودِ.
والكِتابُ هُنا إمّا اسْمٌ لِلشَّيْءِ المَكْتُوبِ كَما نَزَلَتْ ألْواحُ مُوسى، وإمّا اسْمٌ لِقِطْعَةٍ مُلْتَئِمَةٍ مِن أوْراقٍ مَكْتُوبَةٍ، فَيَكُونُونَ قَدْ سَألُوا مُعْجِزَةً تُغايِرُ مُعْجِزَةَ مُوسى.
والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى﴾ فاءُ الفَصِيحَةِ دالَّةٌ عَلى مُقَدَّرٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ المُضارِعِ، المُرادُ مِنها التَّعْجِيبُ، أيْ فَلا تَعْجَبْ مِن هَذا فَإنَّ ذَلِكَ شَنْشَنَةٌ قَدِيمَةٌ لِأسْلافِهِمْ مَعَ رَسُولِهِمْ إذْ سَألُوهُ مُعْجِزَةً أعْظَمَ مِن هَذا، والِاسْتِدْلالُ عَلى حالَتِهِمْ بِحالَةِ أسْلافِهِمْ مِن قَبِيلِ الِاسْتِدْلالِ بِأخْلاقِ الأُمَمِ والقَبائِلِ عَلى أحْوالِ العَشائِرِ مِنهم، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ كَثِيرٍ مِنهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وفِي هَذا الكَلامِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ ودَلالَةٌ عَلى جَراءَتِهِمْ، وإظْهارُ أنَّ الرُّسُلَ لا تَجِيءُ بِإجابَةِ مُقْتَرَحاتِ الأُمَمِ في طَلَبِ المُعْجِزاتِ بَلْ تَأْتِي المُعْجِزاتُ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ تَحَدِّي الأنْبِياءِ، ولَوْ أجابَ اللَّهُ المُقْتَرِحِينَ إلى ما يَقْتَرِحُونَ مِنَ المُعْجِزاتِ لَجَعَلَ رُسُلَهُ بِمَنزِلَةِ المُشَعْوِذِينَ وأصْحابِ الخَنْقَطَراتِ والسِّيمِياءِ، إذْ يَتَلَقَّوْنَ مُقْتَرَحاتِ النّاسِ في المَحافِلِ والمَجامِعِ العامَّةِ والخاصَّةِ، وهَذا مِمّا يَحُطُّ مِن مِقْدارِ الرِّسالَةِ. وفي إنْجِيلِ مَتّى: أنَّ قَوْمًا قالُوا لِلْمَسِيحِ: نُرِيدُ أنْ نَرى مِنكَ آيَةً فَقالَ: جِيلٌ شِرِّيرٌ يَطْلُبُ آيَةً ولا تُعْطى لَهُ آيَةٌ. وتَكَرَّرَ ذَلِكَ في واقِعَةٍ أُخْرى. وقَدْ يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، كَما حَكى اللَّهُ عَنْ عِيسى ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ١١٢] ﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ١١٣] إلى قَوْلِهِ ﴿قالَ اللَّهُ إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكم فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكم فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥]، وقالَ تَعالى ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] .
صفحة ١٥
وهم لَمّا سَألُوا مُوسى أنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً ما أرادُوا التَّيَمُّنَ بِاللَّهِ، ولا التَّنَعُّمَ بِالمُشاهَدَةِ، ولَكِنَّهم أرادُوا عَجَبًا يَنْظُرُونَهُ، فَلِذَلِكَ قالُوا: (﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾)، ولَمْ يَقُولُوا: لَيْتَنا نَرى رَبَّنا.
و(جَهْرَةً) ضِدُّ خُفْيَةٍ، أيْ عَلَنًا، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلرُّؤْيَةِ المُسْتَفادَةِ مِن أرِنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَرْفُوعِ في أرِنا، أيْ حالَ كَوْنِكَ مُجاهِرًا لَنا في رُؤْيَتِهِ غَيْرَ مُخْفٍ رُؤْيَتَهُ.
واسْتَطْرَدَ هُنا ما لَحِقَهم مِن جَرّاءِ سُؤالِهِمْ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ فَقالَ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾، وهو ما حَكاهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ بِقَوْلِهِ ﴿فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥] . وكانَ ذَلِكَ إرْهابًا لَهم وزَجْرًا، ولِذَلِكَ قالَ (بِظُلْمِهِمْ) .
والظُّلْمُ هو المَحْكِيُّ في سُورَةِ البَقَرَةِ مِنِ امْتِناعِهِمْ مِن تَصْدِيقِ مُوسى إلى أنْ يَرَوُا اللَّهَ جَهْرَةً، ولَيْسَ الظُّلْمُ لِمُجَرَّدِ طَلَبِ الرُّؤْيَةِ؛ لِأنَّ مُوسى قَدْ سَألَ مِثْلَ سُؤالِهِمْ مَرَّةً أُخْرى: حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] الآيَةَ في سُورَةِ الأعْرافِ.
وبَيَّنَ أنَّهم لَمْ يَرْدَعْهم ذَلِكَ فاتَّخَذُوا العِجْلَ إلَهًا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ الدّالَّةُ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ ونَفْيِ الشَّرِيكِ. وعُطِفَتْ جُمْلَةُ اتِّخاذِهِمُ العَجَلَ بِحَرْفِ (ثُمَّ) المُفِيدِ في عَطْفِهِ الجُمَلَ مَعْنى التَّراخِي الرُّتَبِيِّ. فَإنَّ اتِّخاذَهُمُ العِجْلَ إلَهًا أعْظَمُ جُرْمًا مِمّا حُكِيَ قَبْلَهُ، ومَعَ ذَلِكَ عَفا اللَّهُ عَنْهم وآتى مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا، أيْ حُجَّةً واضِحَةً عَلَيْهِمْ في تَمَرُّدِهِمْ، فَصارَ يَزْجُرُهم ويُؤَنِّبُهم. ومِن سُلْطانِهِ المُبِينِ أنْ أحْرَقَ لَهُمُ العِجْلَ الَّذِي اتَّخَذُوهُ إلَهًا.
ثُمَّ ذَكَرَ آياتٍ أُخْرى أظْهَرَها اللَّهُ لَهم وهي: رَفْعُ الطُّورِ، والأمْرُ بِقِتالِ أهْلِ أرِيحا، ودُخُولِهِمْ بابَها سُجَّدًا. والبابُ يُحْتَمَلُ أنَّهُ بابُ مَدِينَةِ أرِيحا، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ بابُ المَمَرِّ بَيْنَ الجِبالِ ونَحْوِها، كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ
صفحة ١٦
الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ [المائدة: ٢٣] إلى قَوْلِهِ ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ [المائدة: ٢٣] في سُورَةِ العُقُودِ؛ وتَحْرِيمُ صَيْدِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ في السَّبْتِ. وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلَيْها جَمِيعًا في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وأخْذُ المِيثاقِ عَلَيْهِمْ: المُرادُ بِهِ العَهْدُ، ووَصْفُهُ بِالغَلِيظِ. أيِ القَوِيِّ، والغِلَظُ مِن صِفاتِ الأجْسامِ، فاسْتُعِيرَ لِقُوَّةِ المَعْنى وكَنّى بِهِ عَنْ تَوَثُّقِ العَهْدِ لِأنَّ الغِلَظَ يَسْتَلْزِمُ القُوَّةَ، والمُرادُ جِنْسُ المِيثاقِ الصّادِقِ بِالعُهُودِ الكَثِيرَةِ الَّتِي أُخِذَتْ عَلَيْهِمْ، وقَدْ ذُكِرَ أكْثَرُها في آيِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا إظْهارُ تَأصُّلِهِمْ في اللَّجاجِ والعِنادِ، مِن عَهْدِ أنْبِيائِهِمْ، تَسْلِيَةً لِلنَّبِيءِ ﷺ عَلى ما لَقِيَ مِنهم، وتَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥] .
وقَوْلُهُ: (لا تَعَدُّوا) قَرَأهُ نافِعٌ في أصَحِّ الرِّواياتِ، وهي لِوَرْشٍ عَنْهُ ولِقالُونَ في إحْدى رِوايَتَيْهِ عَنْهُ بِفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِّ المَضْمُومَةِ أصْلُهُ: لا تَعْتَدُوا، والِاعْتِداءُ افْتِعالٌ مِنَ العَدْوِ، يُقالُ: اعْتَدى عَلى فُلانٍ، أيْ تَجاوَزَ حَدَّ الحَقِّ مَعَهُ، فَلَمّا كانَتِ التّاءُ قَرِيبَةً مِن مَخْرَجِ الدّالِ ووَقَعَتْ مُتَحَرِّكَةً وقَبْلَها ساكِنٌ، تَهَيَّأ إدْغامُها، فَنُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى العَيْنِ السّاكِنَةِ قَبْلَها، وأُدْغِمَتْ في الدّالِ إدْغامًا لِقَصْدِ التَّخْفِيفِ، ولِذَلِكَ جازَ في كَلامِ العَرَبِ إظْهارُها؛ فَقالُوا: تَعْتَدُوا وتَعَدُّوا، لِأنَّها وقَعَتْ قَبْلَ الدّالِ، فَكانَتْ غَيْرَ مَجْذُوبَةٍ إلى مَخْرَجِهِ، ولَوْ وقَعَتْ بَعْدَ الدّالِ لَوَجَبَ إدْغامُها في نَحْوِ أدّانَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ، وقالُونُ في إحْدى رِوايَتَيْنِ عَنْهُ: (﴿لا تَعْدُوا﴾) بِسُكُونِ العَيْنِ وتَخْفِيفِ الدّالِ مُضارِعٌ مَجْزُومٌ مِنَ العَدْوِ، وهو العُدْوانُ، كَقَوْلِهِ ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] في سُورَةِ الأعْرافِ. وفي إحْدى رِوايَتَيْنِ عَنْ قالُونَ: بِاخْتِلاسِ الفَتْحَةِ، وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ: بِسُكُونِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، وهي رِوايَةٌ عَنْ نافِعٍ أيْضًا، رَواها ابْنُ مُجاهِدٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ، في الحُجَّةِ: وكَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ يُنْكِرُونَ الجَمْعَ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ إذا كانَ الثّانِي مِنهُما مُدْغَمًا ولَمْ يَكُنِ الأوَّلُ مِنهُما حَرْفَ لِينٍ، نَحْوَ دابَّةٍ، يَقُولُونَ: المَدُّ يَصِيرُ عِوَضًا عَنِ الحَرَكَةِ، قالَ: وإذا جازَ نَحْوُ دُوَيْبَّةٍ مَعَ نُقْصانِ المَدِّ الَّذِي
صفحة ١٧
فِيهِ لَمْ يُمْتَنَعْ أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ في نَحْوِ: تَعْدُوا. لِأنَّ ما بَيْنَ حَرْفِ اللِّينِ وغَيْرِهِ يَسِيرٌ، أيْ مَعَ عَدَمِ تَعَذُّرِ النُّطْقِ بِهِ.
4:155Page 103
فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ وَكُفۡرِهِم بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَقَتۡلِهِمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَقَوۡلِهِمۡ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَلۡ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيۡهَا بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٥٥
And [We cursed them]1 for their breaking of the covenant and their disbelief in the signs of Allāh and their killing of the prophets without right and their saying, "Our hearts are wrapped" [i.e., sealed against reception]. Rather, Allāh has sealed them because of their disbelief, so they believe not, except for a few.2
﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِئاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ .
التَّفْرِيعُ عَلى قَوْلِهِ (﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ١٥٤]) والباءُ لِلسَّبِيبَةِ جارَّةٌ لِـ (نَقْضِهِمْ)، و(ما) مَزِيدَةٌ بَعْدَ الباءِ لِتَوْكِيدِ التَّسَبُّبِ، وحَرْفُ (ما) المَزِيدُ بَعْدَ الباءِ لا يَكُفُّ الباءَ عَنْ عَمَلِ الجَرِّ، وكَذَلِكَ إذا زِيدَ (ما) بَعْدَ (مِن) وبَعْدَ (عَنْ)
وأمّا إذا زِيدَ بَعْدَ كافِ الجَرِّ وبَعْدَ رُبَّ فَإنَّهُ يَكُفُّ الحَرْفَ عَنْ عَمَلِ الجَرِّ.
ومُتَعَلَّقُ قَوْلِهِ (بِما نَقْضِهِمْ): يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَحْذُوفًا، لِتَذْهَبَ نَفْسُ السّامِعِ في مَذاهِبِ الهَوْلِ، وتَقْدِيرُهُ: فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْنا. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠])، وما بَيْنَهُما مُسْتَطْرَداتٌ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ [النساء: ١٦٠] كالفَذْلَكَةِ الجامِعَةِ لِجَرائِمِهِمُ المَعْدُودَةِ مِن قَبْلُ. ولا يَصْلُحُ تَعْلِيقُ المَجْرُورِ بِـ (طَبَعَ) لِأنَّهُ وقَعَ رَدًّا عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾، وهو مِن جُمْلَةِ المَعْطُوفاتِ الطّالِبَةِ لِلتَّعَلُّقِ، لَكِنْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (طَبَعَ) دَلِيلًا عَلى الجَوابِ المَحْذُوفِ.
وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الأحْداثِ المَذْكُورَةِ هُنا في مَواضِعِها.
وقُدِّمَ المُتَعَلِّقُ لِإفادَةِ الحَصْرِ: وهو أنْ لَيْسَ التَّحْرِيمُ إلّا لِأجْلِ ما صَنَعُوهُ، فالمَعْنى: ما حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ إلّا بِسَبَبِ نَقْضِهِمْ، وأكَّدَ مَعْنى الحَصْرِ والتَّسَبُّبِ بِما الزّائِدَةِ، فَأفادَتِ الجُمْلَةُ حَصْرًا وتَأْكِيدًا.
وقَوْلُهُ ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ المَعاطِيفِ. والطَّبْعُ: إحْكامُ الغَلْقِ بِجَعْلِ طِينٍ ونَحْوِهِ عَلى سَدِّ المَغْلُوقِ بِحَيْثُ لا يَنْفُذُ إلَيْهِ مُسْتَخْرِجُ
صفحة ١٨
ما فِيهِ إلّا بَعْدَ إزالَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ المَطْبُوعِ بِهِ، وقَدْ يَسِمُونَ عَلى ذَلِكَ الغَلْقِ بِسِمَةٍ تَتْرُكُ رَسْمًا في ذَلِكَ المَجْعُولِ، وتُسَمّى الآلَةُ الواسِمَةُ طابَعًا بِفَتْحِ الباءِ فَهو يُرادِفُ الخَتْمَ. ومَعْنى بِكُفْرِهِمْ بِسَبَبِهِ، فالكُفْرُ المُتَزايِدُ يَزِيدُ تَعاصِيَ القُلُوبِ عَنْ تَلَقِّي الإرْشادِ، وأُرِيدَ بِقَوْلِهِ (بِكُفْرِهِمْ) كُفْرُهُمُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ ﴿وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ﴾ .
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ إلّا قَلِيلًا مِن عُمُومِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ: أيْ لا يُؤْمِنُونَ إيمانًا إلّا إيمانًا قَلِيلًا، وهو مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ إذِ الإيمانُ لا يَقْبَلُ القِلَّةَ والكَثْرَةَ، فالقَلِيلُ مِنَ الإيمانِ عَدَمٌ، فَهو كُفْرٌ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨]) . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ قِلَّةُ الإيمانِ كِنايَةً عَنْ قِلَّةِ أصْحابِهِ مِثْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences