Ibn 'AshurAn‑Nisa · 4:163–170

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:163–170, continued

وقالَ الماتِرِيدِيُّ بِمُوافَقَةِ الجُمْهُورِ فِيما عَدا المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ تَعالى عِنْدَ إرادَةِ إفْحامِ الرُّسُلِ خاصَّةً لِأنَّهُ رَآهُ مَبْنى أُصُولِ الدِّينِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ في التَّوْضِيحِ: ”أيْ يَكُونُ الفِعْلُ صِفَةً يُحْمَدُ فاعِلُ الفِعْلِ ويُثابُ لِأجْلِها أوْ يُذَمُّ ويُعاقَبُ لِأجْلِها؛ لِأنَّ وُجُوبَ تَصْدِيقِ النَّبِيءِ إنْ تَوَقَّفَ عَلى الشَّرْعِ يُلْزِمُ الدَّوْرَ“ وصَرَّحَ أيْضًا بِأنَّها تُعَرِّفُ بِالشَّرْعِ أيْضًا.

وقَدْ ضايَقَ المُعْتَزِلَةُ الأشاعِرَةَ في هَذِهِ المَسْألَةِ بِخُصُوصِ وُجُوبِ المَعْرِفَةِ فَقالُوا: لَوْ لَمْ تَجِبِ المَعْرِفَةُ إلّا بِالشَّرْعِ لَلَزِمَ إفْحامُ الرُّسُلِ، فَلَمْ تَكُنْ لِلْبَعْثَةِ فائِدَةٌ. ووَجْهُ اللُّزُومِ أنَّ الرَّسُولَ إذا قالَ لِأحَدٍ: انْظُرْ في مُعْجِزَتِي حَتّى يَظْهَرَ صِدْقِي لَدَيْكَ، فَلَهُ أنْ يَقُولَ: لا أنْظُرُ ما لَمْ يَجِبْ عَلَيَّ، لِأنَّ تَرْكَ غَيْرَ الواجِبِ جائِزٌ، ولا يَجِبُ عَلَيَّ حَتّى يَثْبُتَ عِنْدِي الوُجُوبُ بِالشَّرْعِ، ولا يَثْبُتُ الشَّرْعُ ما دُمْتُ لَمْ أنْظُرْ، لِأنَّ ثُبُوتَ الشَّرْعِ نَظَرِيٌّ لا ضَرُورِيٌّ. وظاهَرَهُمُ الماتِرِيدِيَّةُ وبَعْضُ الشّافِعِيَّةِ عَلى هَذا الِاسْتِدْلالِ.

صفحة ٤٢

ولَمْ أرَ لِلْأشاعِرَةِ جَوابًا مُقْنِعًا، سِوى أنَّ إمامَ الحَرَمَيْنِ في الإرْشادِ أجابَ: بِأنَّ هَذا مُشْتَرِكُ الإلْزامِ لِأنَّ وُجُوبَ التَّأمُّلِ في المُعْجِزَةِ نَظَرِيٌّ لا ضَرُورِيٌّ لا مَحالَةَ، فَلِمَن دَعاهُ الرَّسُولُ أنْ يَقُولَ: لا أتَأمَّلُ في المُعْجِزَةِ ما لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ عَلَيَّ عَقْلًا، ولا يَجِبُ عَلَيَّ عَقْلًا ما لَمْ أنْظُرْ، لِأنَّهُ وُجُوبٌ نَظَرِيٌّ، والنَّظَرِيُّ يَحْتاجُ إلى تَرْتِيبِ مُقَدِّماتٍ، فَأنا لا أُرَتِّبُها. وتَبِعَهُ عَلى هَذا الجَوابِ جَمِيعُ المُتَكَلِّمِينَ بَعْدَهُ مِنَ الأشاعِرَةِ مِثْلُ البَيْضاوِيِّ والعَضُدِ والتَّفْتَزانِيِّ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ في الشّامِلِ: إنَّهُ اعْتِرافٌ بِلُزُومِ الإفْحامِ فَلا يُزِيلُ الشُّبْهَةَ بَلْ يُعَمِّمُها بَيْنَنا وبَيْنَهم، فَلَمْ يَحْصُلْ دَفْعُ الإشْكالِ وكَلامُ ابْنِ عَرَفَةَ رَدٌّ مُتَمَكِّنٌ.

والظّاهِرُ أنَّ مُرادَ إمامِ الحَرَمَيْنِ أنْ يُسْقِطَ اسْتِدْلالَ المُعْتَزِلَةِ لِأنْفُسِهِمْ عَلى الوُجُوبِ العَقْلِيِّ بِتَمَحُّضِ الِاسْتِدْلالِ بِالأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وهو مَطْلُوبُنا.

وأنا أرى أنْ يَكُونَ الجَوابُ بِأحَدِ طَرِيقَيْنِ: أوَّلُهُما بِالمَنعِ وهو أنْ نَمْنَعَ أنْ يَكُونَ وُجُوبُ سَماعِ دَعْوَةِ الرَّسُولِ مُتَوَقِّفًا عَلى الإصْغاءِ إلَيْهِ، والنَّظَرِ في مُعْجِزَتِهِ، وأنَّهُ لَوْ لَمْ يَثْبُتْ وُجُوبُ ذَلِكَ بِالعَقْلِ يَلْزَمُ إفْحامَ الرَّسُولِ، بَلْ نَدَّعِي أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ ثَبَتَ بِالشَّرائِعِ الَّتِي تَعاقَبَ وُرُودُها بَيْنَ البَشَرِ، بِحَيْثُ قَدْ عَلِمَ كُلُّ مَن لَهُ عَلاقَةٌ بِالمَدَنِيَّةِ البَشَرِيَّةِ بِأنَّ دُعاةً أتَوْا إلى النّاسِ في عُصُورٍ مُخْتَلِفَةٍ، ودَعْوَتُهم واحِدَةٌ: كُلٌّ يَقُولُ إنَّهُ مَبْعُوثٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَدْعُوَ النّاسَ إلى ما يُرِيدُهُ اللَّهُ مِنهم، فاسْتَقَرَّ في نُفُوسِ البَشَرِ كُلِّهِمْ أنَّ هُنالِكَ إيمانًا وكُفْرًا، ونَجاةً وارْتِباقًا، اسْتِقْرارًا لا يَجِدُونَ في نُفُوسِهِمْ سَبِيلًا إلى دَفْعِهِ، فَإذا دَعا الرَّسُولُ النّاسَ إلى الإيمانِ حَضَرَتْ في نَفْسِ المَدْعُوِّ السّامِعِ تِلْكَ الأخْبارُ الماضِيَةُ والمُحاوَراتُ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ وُجُوبًا اضْطِرارِيًّا اسْتِماعُهُ والنَّظَرُ في الأمْرِ المُقَرَّرِ في نُفُوسِ البَشَرِ، ولِذَلِكَ آخَذَ اللَّهُ أهْلَ الفَتْرَةِ بِالإشْراكِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ نُصُوصٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ. ولِذَلِكَ فَلَوْ قَدَّرْنا أحَدًا لَمْ يُخالِطْ جَماعاتِ البَشَرِ، ولَمْ يَسْبِقْ لَهُ شُعُورٌ بِأنَّ النّاسَ آمَنُوا وكَفَرُوا وأثْبَتُوا وعَطَّلُوا، لَما وجَبَ عَلَيْهِ الإصْغاءُ إلى الرَّسُولِ لِأنَّ ذَلِكَ

صفحة ٤٣

الِانْسِياقَ الضَّرُورِيَّ مَفْقُودٌ عِنْدَهُ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ الوُجُوبُ غَيْرَ شَرْعِيٍّ، ولا عَقْلِيٍّ نَظَرِيٍّ، بَلْ هو مِنَ الأُمُورِ الضَّرُورِيَّةِ الَّتِي لا يُسْتَطاعُ دَفْعُها فَلا عَجَبَ أنْ تَقَعَ المُؤاخَذَةُ بِتَعَمُّدِ مُخالَفَتِها.

وثانِي الجَوابَيْنِ بِالتَّسْلِيمِ، غَيْرَ أنَّ ما وقَرَ في جِبِلَّةِ البَشَرِ مِنِ اسْتِطْلاعِ الحَوادِثِ والأخْبارِ الجَدِيدَةِ، والإصْغاءِ لِكُلِّ صاحِبِ دَعْوَةٍ، أمْرٌ يَحْمِلُ كُلَّ مَن دَعاهُ الرَّسُولُ إلى الدِّينِ عَلى أنْ يَسْتَمِعَ لِكَلامِهِ، ويَتَلَقّى دَعْوَتَهُ وتَحَدِّيَهُ ومُعْجِزَتَهُ، فَلا يَشْعُرُ إلّا وقَدْ سَلَكَتْ دَعْوَتُهُ إلى نَفْسِ المَدْعُوِّ، فَحَرَّكَتْ فِيهِ داعِيَةَ النَّظَرِ، فَهو يَنْجَذِبُ إلى تَلَقِّي الدَّعْوَةِ، رُوَيْدًا رُوَيْدًا، حَتّى يَجِدَ نَفْسَهُ قَدْ وعاها وعَلِمَها عِلْمًا لا يَسْتَطِيعُ بَعْدَهُ أنْ يَقُولَ: إنِّي لا أنْظُرُ المُعْجِزَةَ، أوْ لا أُصْغِي إلى الدَّعْوَةِ. فَإنْ هو أعْرَضَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدِ اخْتارَ العَمى عَلى الهُدى، فَكانَ مُؤاخَذًا، فَلَوْ قَدَّرْنا أحَدًا مَرَّ بِرَسُولٍ يَدْعُو فَشَغَلَهُ شاغِلٌ عَنْ تَعَرُّفِ أمْرِهِ والإصْغاءِ لِكَلامِهِ والنَّظَرِ في أعْمالِهِ، لَسَلَّمْنا أنَّهُ لا يَكُونُ مُخاطِبًا، وأنَّ هَذا الواحِدَ وأمْثالَهُ إذا أفْحَمَ الرَّسُولَ لا تَتَعَطَّلُ الرِّسالَةُ، ولَكِنَّهُ خَسِرَ هَدْيَهُ، وسَفَّهَ نَفْسَهُ.

ولا يَرِدُ عَلَيْنا أنَّ مَن سَمِعَ دَعْوَةَ الرَّسُولِ فَجَعَلَ أصابِعَهُ في أُذُنَيْهِ وأعْرَضَ هارِبًا حِينَئِذٍ، لا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ وُجُوبُ المَعْرِفَةِ، لِأنَّ هَذا ما صَنَعَ صُنْعَهُ إلّا بَعْدَ أنْ عَلِمَ أنَّهُ قَدْ تَهَيَّأ لِتَوَجُّهِ المُؤاخَذَةِ عَلَيْهِ إذا سَمِعَ فَعَصى، وكَفى بِهَذا شُعُورًا مِنهُ بِتَوَجُّهِ التَّكْلِيفِ إلَيْهِ فَيَكُونُ مُؤاخَذًا عَلى اسْتِحْبابِهِ العَمى عَلى الهُدى، كَما قالَ تَعالى في قَوْمِ نُوحٍ ﴿وإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ﴾ [نوح: ٧] أيْ إلى الإيمانِ ﴿لِتَغْفِرَ لَهم جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ [نوح: ٧] .

والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ في قَوْلِهِ (﴿بَعْدَ الرُّسُلِ﴾) دُونَ أنْ يُقالَ: بَعْدَهم، لِلِاهْتِمامِ بِهَذِهِ القَضِيَّةِ واسْتِقْلالِها في الدَّلالَةِ عَلى مَعْناها حَتّى تَسِيرَ مِسْرى الأمْثالِ.

ومُناسَبَةُ التَّذْيِيلِ بِالوَصْفَيْنِ في قَوْلِهِ (﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾): أمّا بِوَصْفِ الحَكِيمِ فَظاهِرَةٌ،

صفحة ٤٤

لِأنَّ هَذِهِ الأخْبارَ كُلَّها دَلِيلُ حِكْمَتِهِ تَعالى، وأمّا بِوَصْفِ العَزِيزِ فَلِأنَّ العَزِيزَ يُناسِبُ عِزَّتَهُ أنْ يَكُونَ غالِبًا مِن كُلِّ طَرِيقٍ فَهو غالِبٌ مِن طَرِيقِ المَعْبُودِيَّةِ، لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، وغالِبٌ مِن طَرِيقِ المَعْقُولِيَّةِ إذْ شاءَ أنْ لا يُؤاخِذَ عَبِيدَهُ إلّا بَعْدَ الأدِلَّةِ والبَراهِينِ والآياتِ. وتَأْخِيرُ وصْفِ الحَكِيمِ لِأنَّ إجْراءَ عِزَّتِهِ عَلى هَذا التَّمامِ هو أيْضًا مِن ضُرُوبِ الحِكْمَةِ الباهِرَةِ.

4:166Page 104

لَّٰكِنِ ٱللَّهُ يَشۡهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيۡكَۖ أَنزَلَهُۥ بِعِلۡمِهِۦۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَشۡهَدُونَۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا ١٦٦

But Allāh bears witness to that which He has revealed to you. He has sent it down with His knowledge, and the angels bear witness [as well]. And sufficient is Allāh as Witness.

﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ .

هَذا اسْتِدْراكٌ عَلى مَعْنًى أثارَهُ الكَلامُ: لِأنَّ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [النساء: ١٥٣] مَسُوقٌ مَساقَ بَيانِ تَعَنُّتِهِمْ ومُكابَرَتِهِمْ عَنْ أنْ يَشْهَدُوا بِصِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ وصِحَّةِ نِسْبَةِ القُرْآنِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَكانَ هَذا المَعْنى يَسْتَلْزِمُ أنَّهم يَأْبَوْنَ مِنَ الشَّهادَةِ بِصِدْقِ الرَّسُولِ، وأنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُ الرَّسُولَ ﷺ، فَجاءَ الِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ (﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾) . فَإنَّ الِاسْتِدْراكَ تَعْقِيبُ الكَلامِ بِرَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ ثُبُوتُهُ أوْ نَفْيُهُ. والمَعْنى: لَمْ يَشْهَدْ أهْلُ الكِتابِ لَكِنَّ اللَّهَ شَهِدَ وشَهادَةُ اللَّهِ خَيْرٌ مِن شَهادَتِهِمْ.

وقَدْ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أنَّ حَقِيقَةَ الشَّهادَةِ إخْبارٌ لِتَصْدِيقِ مُخْبِرٍ، وتَكْذِيبِ مُخْبِرٍ آخَرَ. وتَقَدَّمَ أنَّها تُطْلَقُ عَلى الخَبَرِ المُحَقِّقِ الَّذِي لا يَتَطَرَّقُهُ الشَّكُّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. فالشَّهادَةُ في قَوْلِهِ (﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾) أُطْلِقَتْ عَلى الإخْبارِ بِنُزُولِ القُرْآنِ مِنَ اللَّهِ إطْلاقًا مَجازِيًّا، لِأنَّ هَذا الخَبَرَ تَضَمَّنَ تَصْدِيقَ الرَّسُولِ وتَكْذِيبَ مُعانَدِيهِ، وهو إطْلاقٌ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ مِنَ الإطْلاقِ الحَقِيقِيِّ هو غَيْرُ الإطْلاقِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] فَإنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ. وعُطِفَ شَهادَةُ المَلائِكَةِ عَلى شَهادَةِ اللَّهِ: لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ هَذِهِ الشَّهادَةِ بِتَعَدُّدِ الشُّهُودِ، ولِأنَّ شَهادَةَ اللَّهِ مَجازٌ في العِلْمِ وشَهادَةَ المَلائِكَةِ

صفحة ٤٥

حَقِيقَةٌ. وإظْهارُ فِعْلِ (يَشْهَدُونَ) مَعَ وُجُودِ حَرْفِ العَطْفِ لِلتَّأْكِيدِ. وحَرْفُ (لَكِنْ) بِسُكُونِ النُّونِ مُخَفَّفُ (لَكِنَّ) المُشَدَّدَةِ النُّونِ الَّتِي هي مِن أخَواتِ (إنَّ) وإذا خُفِّفَتْ بَطُلَ عَمَلُها.

وقَوْلُهُ ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ يَجْرِي عَلى الِاحْتِمالَيْنِ.

وقَوْلُهُ ﴿بِما أنْزَلَ إلَيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ وقَعَ تَحْوِيلٌ في تَرْكِيبِ الجُمْلَةِ لِقَصْدِ الإجْمالِ الَّذِي يَعْقُبُهُ التَّفْصِيلُ، لِيَكُونَ أوْقَعَ في النَّفْسِ. وأصْلُ الكَلامِ: يَشْهَدُ بِإنْزالِ ما أنْزَلَهُ إلَيْكَ بِعِلْمِهِ، لِأنَّ قَوْلَهُ (بِما أنْزَلَ إلَيْكَ) لَمْ يُفَدِ المَشْهُودُ بِهِ إلّا ضِمْنًا مَعَ المَشْهُودِ فِيهِ إذْ جِيءَ بِاسْمِ المَوْصُولِ لِيُوصِلَ بِصِلَةٍ فِيها إيماءٌ إلى المَقْصُودِ، ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يُذْكَرِ المَقْصُودُ مِنَ الشَّهادَةِ الَّذِي هو حَقُّ مَدْخُولِ الباءِ بَعْدَ مادَّةِ شَهِدَ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ (أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) مُكَمِّلَةَ مَعْنى الشَّهادَةِ. وهَذا قَرِيبٌ مِنَ التَّحْوِيلِ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ العَرَبُ في تَمْيِيزِ النِّسْبَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَوْقِعُ قَوْلِهِ (﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾) مِن قَوْلِهِ ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ﴾ مَوْقِعُ الجُمْلَةِ المُفَسِّرَةِ؛ لِأنَّهُ بَيانٌ لِلشَّهادَةِ وأنَّ شَهادَتَهُ بِصِحَّتِهِ أنَّهُ أنْزَلَهُ بِالنَّظْمِ المُعْجِزِ. فَلَعَلَّهُ يَجْعَلُ جُمْلَةَ ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ﴾ مُسْتَقِلَّةً بِالفائِدَةِ، وأنَّ مَعْنى (بِما أنْزَلَ إلَيْكَ) بِصِحَّةِ ما أنْزَلَ إلَيْكَ، وما ذَكَرْتُهُ أعْرَقُ في البَلاغَةِ.

ومَعْنى (أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) أيْ مُتَلَبِّسًا بِعِلْمِهِ، أيْ بالِغًا الغايَةَ في بابِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، شَأْنُ ما يَكُونُ بِعِلْمٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ مُعْجِزٌ لَفْظًا ومَعْنًى، فَكَما أعْجَزَ البُلَغاءَ مِن أهْلِ اللِّسانِ أعْجَزَ العُلَماءَ مِن أهْلِ الحَقائِقِ العالِيَةِ.

والباءُ في قَوْلِهِ ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وأصْلُهُ: كَفى اللَّهُ شَهِيدًا كَقَوْلِهِ:

كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيًا

أوْ يُضَمَّنُ (كَفى) مَعْنى اقْتَنِعُوا، فَتَكُونُ الباءُ لِلتَّعْدِيَةِ.

4:167Page 104

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدۡ ضَلُّواْ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا ١٦٧

Indeed, those who disbelieve and avert [people] from the way of Allāh have certainly gone far astray.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ .

صفحة ٤٦

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا هُنا أهْلَ الكِتابِ، أيِ اليَهُودَ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ بِمَنزِلَةِ الفَذْلَكَةِ لِلْكَلامِ السّابِقِ الرّادِّ عَلى اليَهُودِ مِنَ التَّحاوُرِ المُتَقَدِّمِ.

وصَدُّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن صَدِّ القاصِرِ الَّذِي قِياسُ مُضارِعِهِ يَصِدُّ بِكَسْرِ الصّادِ، أيْ أعْرَضُوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. أيِ الإسْلامِ، أوْ هو مِن (صَدَّ) المُتَعَدِّي الَّذِي قِياسُ مُضارِعِهِ بِضَمِّ الصّادِ، أيْ صَدُّوا النّاسَ. وحُذِفَ المَفْعُولُ لِقَصْدِ التَّكْثِيرِ. فَقَدْ كانَ اليَهُودُ يَتَعَرَّضُونَ لِلْمُسْلِمِينَ بِالفِتْنَةِ، ويُقَوُّونَ أوْهامَ المُشْرِكِينَ بِتَكْذِيبِهِمُ النَّبِيءَ ﷺ . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا المُشْرِكِينَ، كَما هو الغالِبُ في إطْلاقِ هَذا الوَصْفِ في القُرْآنِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، انْتَقَلَ إلَيْهِ بِمُناسَبَةِ الخَوْضِ في مُناواةِ أهْلِ الكِتابِ لِلْإسْلامِ. وصَدُّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، أيْ صَدُّهُمُ النّاسَ عَنِ الدُّخُولِ في الإسْلامِ مَشْهُورٌ.

والضَّلالُ الكُفْرُ لِأنَّهُ ضَياعٌ عَنِ الإيمانِ، الَّذِي هو طَرِيقُ الخَيْرِ والسَّعادَةِ، فَإطْلاقُ الضَّلالِ عَلى الكُفْرِ اسْتِعارَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى اسْتِعارَةِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ لِلْإيمانِ.

ووَصْفُ الضَّلالِ بِالبَعِيدِ مَعَ أنَّ البُعْدَ مِن صِفاتِ المَسافاتِ هو اسْتِعارَةُ البُعْدِ لِشِدَّةِ الضَّلالِ وكَمالِهِ في نَوْعِهِ، بِحَيْثُ لا يُدْرَكُ مِقْدارُهُ، وهو تَشْبِيهٌ شائِعٌ في كَلامِهِمْ: أنْ يُشَبِّهُوا بُلُوغَ الكَمالِ بِما يَدُلُّ عَلى المَسافاتِ والنِّهاياتِ كَقَوْلِهِمْ: بَعِيدُ الغَوْرِ، وبَعِيدُ القَعْرِ، ولا نِهايَةَ لَهُ، ولا غايَةَ لَهُ، ورَجُلٌ بَعِيدُ الهِمَّةِ، وبَعِيدُ المَرْمى، ولا مُنْتَهى لِكِبارِها، وبَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ، وقَوْلِهِمْ: هَذا إغْراقٌ في كَذا.

ومِن بَدِيعِ مُناسَبَتِهِ هُنا أنَّ الضَّلالَ الحَقِيقِيَّ يَكُونُ في الفَيافِي والمَوامِي، فَإذا اشْتَدَّ التِّيهُ والضَّلالُ بَعُدَ صاحِبُهُ عَنِ المَعْمُورِ، فَكانَ في وصْفِهِ بِالبَعِيدِ تَعاهُدٌ لِلْحَقِيقَةِ، وإيماءٌ إلى أنَّ في إطْلاقِهِ عَلى الكُفْرِ والجَهْلِ نَقْلًا عُرْفِيًّا.

4:168–169Page 104

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمۡ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِيَهۡدِيَهُمۡ طَرِيقًا ١٦٨

Indeed, those who disbelieve and commit wrong [or injustice] - never will Allāh forgive them, nor will He guide them to a path,

إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا ١٦٩

Except the path of Hell; they will abide therein forever. And that, for Allāh, is [always] easy.

صفحة ٤٧

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٦٧])، لِأنَّ السّامِعَ يَتَرَقَّبُ مَعْرِفَةَ جَزاءِ هَذا الضَّلالِ فَبَيَّنَتْهُ هَذِهِ الجُمْلَةُ.

وإعادَةُ المَوْصُولِ وصِلَتِهِ دُونَ أنْ يُذْكَرَ ضَمِيرُهم لِتُبْنى عَلَيْهِ صِلَةُ (وظَلَمُوا)، ولِأنَّ في تَكْرِيرِ الصِّلَةِ تَنْدِيدًا عَلَيْهِمْ. ويَجِيءُ عَلى الوَجْهَيْنِ في المُرادِ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها أنْ يَكُونَ عَطْفُ الظُّلْمِ عَلى الكُفْرِ في قَوْلِهِ (﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا﴾) إمّا أنْ يُرادَ بِهِ ظُلْمُ النَّفْسِ، وظُلْمُ النَّبِيءِ والمُسْلِمِينَ، وذَلِكَ اللّائِقُ بِأهْلِ الكِتابِ، وإمّا أنْ يُرادَ بِهِ الشِّرْكُ، كَما هو شائِعٌ في اسْتِعْمالِ القُرْآنِ، قَوْلُهُ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الأخَصِّ عَلى الأعَمِّ في الأنْواعِ، وإمّا أنْ يُرادَ بِهِ التَّعَدِّي عَلى النّاسِ، كَظُلْمِهِمُ النَّبِيءَ ﷺ بِإخْراجِهِ مِن أرْضِهِ، وتَأْلِيبِ النّاسِ عَلَيْهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، وظُلْمِهِمُ المُؤْمِنِينَ بِتَعْذِيبِهِمْ في اللَّهِ، وإخْراجِهِمْ، ومُصادَرَتِهِمْ في أمْوالِهِمْ، ومُعامَلَتِهِمْ بِالنِّفاقِ والسُّخْرِيَةِ والخِداعِ، وإمّا أنْ يُرادَ بِهِ ارْتِكابُ المَفاسِدِ والجَرائِمِ مِمّا اسْتَقَرَّ عِنْدَ أهْلِ العُقُولِ أنَّهُ ظُلْمٌ وعُدْوانٌ.

وقَوْلُهُ (﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾) صِيغَةُ جُحُودٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٧٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، فَهي تَقْتَضِي تَحْقِيقَ النَّفْيِ، وقَدْ نُفِيَ عَنِ اللَّهِ أنْ يَغْفِرَ لَهم تَحْذِيرًا مِنَ البَقاءِ عَلى الكُفْرِ والظُّلْمِ، لِأنَّ هَذا الحُكْمَ نِيطَ بِالوَصْفِ ولَمْ يُنَطْ بِأشْخاصٍ مَعْرُوفِينَ، فَإنْ هم أقْلَعُوا عَنِ الكُفْرِ والظُّلْمِ لَمْ يَكُونُوا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا. ومَعْنى نَفْيِ (أنْ يَهْدِيَهم طَرِيقًا): إنْ كانَ طَرِيقَ يَوْمِ القِيامَةِ فَهو واضِحٌ: أيْ لا يَهْدِيهِمْ طَرِيقًا يُوصِلُهم إلى مَكانٍ إلّا طَرِيقًا يُوَصِّلُ إلى جَهَنَّمَ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ الطَّرِيقِ الآياتُ في الدُّنْيا، كَقَوْلِهِ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] . فَنَفْيُ هَدْيِهِمْ إلَيْهِ

صفحة ٤٨

إنْذارٌ بِأنَّ الكُفْرَ والظُّلْمَ مِن شَأْنِهِما أنْ يُخَيِّما عَلى القَلْبِ بِغِشاوَةٍ تَمْنَعُهُ مِن وُصُولِ الهُدى إلَيْهِ، لِيُحَذِّرَ المُتَلَبِّسَ بِالكُفْرِ والظُّلْمِ مِنَ التَّوَغُّلِ فِيهِما، فَلَعَلَّهُ أنْ يُصْبِحَ ولا مُخَلِّصَ لَهُ مِنهُما. ونَفْيُ هُدى اللَّهِ إيّاهم عَلى هَذا الوَجْهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ في نَفْيِ تَيْسِيرِ أسْبابِ الهُدى بِحَسَبِ قانُونِ حُصُولِ الأسْبابِ وحُصُولِ آثارِها بَعْدَها. وعَلى أيِّ الِاحْتِمالَيْنِ فَتَوْبَةُ الكافِرِ الظّالِمِ بِالإيمانِ مَقْبُولَةٌ، وكَثِيرًا ما آمَنَ الكافِرُونَ الظّالِمُونَ وحَسُنَ إيمانُهم، وآياتُ قَبُولِ التَّوْبَةِ، وكَذَلِكَ مُشاهَدَةُ الواقِعِ، مِمّا يَهْدِي إلى تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَرِيبًا، أيِ (﴿الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٣٧]) الآيَةَ.

وقَوْلُهُ (﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾) اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ إنْ كانَ الطَّرِيقُ الَّذِي نَفى هَدْيَهم إلَيْهِ الطَّرِيقَ الحَقِيقِيَّ، ومُنْقَطِعٌ إنْ أُرِيدَ بِالطَّرِيقِ الأوَّلِ الهُدى. وفي هَذا الِاسْتِثْناءِ تَأْكِيدُ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ؛ لِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِلْإنْذارِ، والِاسْتِثْناءُ فِيهِ رائِحَةُ إطْماعٍ، ثُمَّ إذا سُمِعَ المُسْتَثْنى تَبَيَّنَ أنَّهُ مِن قَبِيلِ الإنْذارِ. وفِيهِ تَهَكُّمٌ لِأنَّهُ اسْتَثْنى مِنَ الطَّرِيقِ المَعْمُولِ لِيَهْدِيَهم، ولَيْسَ الإقْحامُ بِهِمْ في طَرِيقِ جَهَنَّمَ بِهَدْيٍ لِأنَّ الهَدْيَ هو إرْشادُ الضّالِّ إلى المَكانِ المَحْبُوبِ.

ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ (وكانَ ذَلِكَ) أيِ الإقْحامُ بِهِمْ في طَرِيقِ النّارِ (﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾) إذْ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وإذْ هم عَبِيدُهُ يَصْرِفُهم إلى حَيْثُ يَشاءُ.

4:170Page 104

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلۡحَقِّ مِن رَّبِّكُمۡ فَـَٔامِنُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ وَإِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١٧٠

O mankind, the Messenger has come to you with the truth from your Lord, so believe; it is better for you. But if you disbelieve - then indeed, to Allāh belongs whatever is in the heavens and earth. And ever is Allāh Knowing and Wise.

﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ مِن رَبِّكم فَآمِنُوا خَيْرًا لَكم وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ .

بَعْدَ اسْتِفْراغِ الحِوارِ مَعَ أهْلِ الكِتابِ، ثُمَّ خِطابِ أهْلِ الكُفْرِ بِما هو صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ شامِلًا لِأهْلِ الكِتابِ، وُجِّهَ الخِطابُ إلى النّاسِ جَمِيعًا؛

صفحة ٤٩

لِيَكُونَ تَذْيِيلًا وتَأْكِيدًا لِما سَبَقَهُ، إذْ قَدْ تَهَيَّأ مِنَ القَوارِعِ السّالِفَةِ ما قامَتْ بِهِ الحُجَّةُ، واتَّسَعَتِ المَحَجَّةُ، فَكانَ المَقامُ لِلْأمْرِ بِاتِّباعِ الرَّسُولِ والإيمانِ. وكَذَلِكَ شَأْنُ الخَطِيبِ إذا تَهَيَّأتِ الأسْماعُ، ولانَتِ الطِّباعُ. ويُسَمّى هَذا بِالمَقْصِدِ مِنَ الخِطابِ، وما يَتَقَدَّمُهُ بِالمُقَدِّمَةِ. عَلى أنَّ الخِطابَ بِـ (يا أيُّها النّاسُ) يَعْنِي خُصُوصَ المُشْرِكِينَ في الغالِبِ، وهو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ (﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾) .

والتَّعْرِيفُ في (الرَّسُولُ) لِلْعَهْدِ، وهو المَعْهُودُ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ. و(الحَقِّ) هو الشَّرِيعَةُ والقُرْآنُ، و(مِن رَبِّكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (جاءَكم)، أوْ صِفَةٌ لِلْحَقِّ، و(مِن) لِلِابْتِداءِ المَجازِيِّ فِيهِما، وتَعْدِيَةُ (جاءَ) إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ تَرْغِيبٌ لَهم في الإيمانِ لِأنَّ الَّذِي يَجِيءُ مُهْتَمًّا بِناسٍ يَكُونُ حَقًّا عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّبِعُوهُ، وأيْضًا في طَرِيقِ الإضافَةِ مِن قَوْلِهِ (رَبِّكم) تَرْغِيبٌ ثانٍ لِما تَدُلُّ عَلَيْهِ مِنِ اخْتِصاصِهِمْ بِهَذا الدِّينِ الَّذِي هو آتٍ مِن رَبِّهِمْ، فَلِذَلِكَ أُتِيَ بِالأمْرِ بِالإيمانِ مُفَرَّعًا عَلى هاتِهِ الجُمَلِ بِقَوْلِهِ (﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾) .

وانْتَصَبَ (خَيْرًا) عَلى تَعَلُّقِهِ بِمَحْذُوفٍ لازِمِ الحَذْفِ في كَلامِهِمْ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، فَجَرى مَجْرى الأمْثالِ، وذَلِكَ فِيما دَلَّ عَلى الأمْرِ والنَّهْيِ مِنَ الكَلامِ نَحْوَ (﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١])، ووَراءَكَ أوْسَعَ لَكَ، أيْ تَأخَّرْ، وحَسْبُكَ خَيْرًا لَكَ، وقَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ:

فَواعِدِيهِ سَرْحَتَيْ مالِكٍ أوِ الرُّبى بَيْنَهُما. أسْهَلا

فَنَصْبُهُ مِمّا لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ عَنِ العَرَبِ، واتَّفَقَ عَلَيْهِ أئِمَّةُ النَّحْوِ، وإنَّما اخْتَلَفُوا في المَحْذُوفِ: فَجَعَلَهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ فِعْلًا أمْرًا مَدْلُولًا عَلَيْهِ مِن سِياقِ الكَلامِ، تَقْدِيرُهُ: ايْتِ أوِ اقْصِدْ، قالا: لِأنَّكَ لَمّا قُلْتَ لَهُ: انْتَهِ، أوِ افْعَلْ، أوْ حَسْبُكَ، فَأنْتَ تَحْمِلُهُ عَلى شَيْءٍ آخَرَ أفْضَلَ لَهُ. وقالَ الفَرّاءُ مِنَ الكُوفِيِّينَ: هو في مِثْلِهِ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وهو لا يَتَأتّى فِيما كانَ مُنْتَصِبًا بَعْدَ نَهْيٍ، ولا فِيما كانَ مُنْتَصِبًا بَعْدَ غَيْرِ مُتَصَرِّفٍ، نَحْوَ: وراءَكَ وحَسْبُكَ. وقالَ الكِسائِيُّ والكُوفِيُّونَ: نُصِبَ بِكانَ مَحْذُوفَةٍ مَعَ خَبَرِها، والتَّقْدِيرُ: يَكُنْ خَيْرًا. وعِنْدِي: أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى

صفحة ٥٠

الحالِ مِنَ المَصْدَرِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الفِعْلُ، وحْدَهُ، أوْ مَعَ حَرْفِ النَّهْيِ، والتَّقْدِيرُ: فَآمَنُوا حالَ كَوْنِ الإيمانِ خَيْرًا، وحَسْبُكَ حالُ كَوْنِ الِاكْتِفاءِ خَيْرًا، ولا تَفْعَلْ كَذا حالَ كَوْنِ الِانْتِهاءِ خَيْرًا. وعَوْدُ الحالِ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ في مَثَلِهِ كَعَوْدِ الضَّمِيرِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨]، لا سِيَّما وقَدْ جَرى هَذا مَجْرى الأمْثالِ، وشَأْنُ الأمْثالِ قُوَّةُ الإيجازِ. وقَدْ قالَ بِذَلِكَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ وأبُو البَقاءِ.

وقَوْلُهُ (وإنْ تَكْفُرُوا) أُرِيدَ بِهِ أنْ تَبْقَوْا عَلى كُفْرِكم.

وقَوْلُهُ ﴿فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ هو دَلِيلٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ إيمانِكم لِأنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ، وصَرَّحَ بِما حُذِفَ هُنا في سُورَةِ الزُّمَرِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر: ٧] وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُخاطَبِينَ، أيْ إنَّ كُفْرَكم لا يُفْلِتُكم مِن عِقابِهِ، لِأنَّكم عَبِيدُهُ، لِأنَّ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском