Ibn 'AshurAn‑Nisa · 4:171–174

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:171–174

4:171Page 105

يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۖ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌۚ ٱنتَهُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٞۘ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ١٧١

O People of the Scripture, do not commit excess in your religion1 or say about Allāh except the truth. The Messiah, Jesus the son of Mary, was but a messenger of Allāh and His word which He directed to Mary and a soul [created at a command] from Him. So believe in Allāh and His messengers. And do not say, "Three"; desist - it is better for you. Indeed, Allāh is but one God. Exalted is He above having a son. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.

﴿يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ بِخِطابٍ مُوَجَّهٍ إلى النَّصارى خاصَّةً.

وخُوطِبُوا بِعُنْوانِ أهْلِ الكِتابِ تَعْرِيضًا بِأنَّهم خالَفُوا كِتابَهم.

وقَرِينَةُ أنَّهُمُ المُرادُ هي قَوْلُهُ ﴿إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ (﴿أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٧٢]) فَإنَّهُ بَيانٌ لِلْمُرادِ مِن إجْمالِ قَوْلِهِ ﴿لا تَغْلُوا في دِينِكم ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ وابْتُدِئَتْ مَوْعِظَتُهم بِالنَّهْيِ عَنِ الغُلُوِّ لِأنَّ النَّصارى غَلَوْا في تَعْظِيمِ عِيسى فادَّعَوْا لَهُ بُنُوَّةَ اللَّهِ، وجَعَلُوهُ ثالِثَ الآلِهَةِ.

والغُلُوُّ: تَجاوُزُ الحَدِّ المَأْلُوفِ، مُشْتَقٌّ مِن غَلْوَةِ السَّهْمِ، وهي مُنْتَهى انْدِفاعِهِ،

صفحة ٥١

واسْتُعِيرَ لِلزِّيادَةِ عَلى المَطْلُوبِ مِنَ المَعْقُولِ، أوِ المَشْرُوعِ في المُعْتَقَداتِ، والإدْراكاتِ، والأفْعالِ. والغُلُوُّ في الدِّينِ أنْ يُظْهِرَ المُتَدَيِّنُ ما يَفُوتُ الحَدَّ الَّذِي حَدَّدَ لَهُ الدِّينُ. ونَهاهم عَنِ الغُلُوِّ لِأنَّهُ أصْلٌ لِكَثِيرٍ مِن ضَلالِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ الصّادِقِينَ. وغُلُوُّ أهْلِ الكِتابِ تَجاوُزُهُمُ الحَدَّ الَّذِي طَلَبَهُ دِينُهم مِنهم: فاليَهُودُ طُولِبُوا بِاتِّباعِ التَّوْراةِ ومَحَبَّةِ رَسُولِهِمْ، فَتَجاوَزُوهُ إلى بِغْضَةِ الرُّسُلِ كَعِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، والنَّصارى طُولِبُوا بِاتِّباعِ المَسِيحِ فَتَجاوَزُوا فِيهِ الحَدَّ إلى دَعْوى إلَهِيَّتِهِ أوْ كَوْنِهِ ابْنَ اللَّهِ، مَعَ الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ .

وقَوْلُهُ ﴿ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ عَطْفٌ خاصٌّ عَلى عامٍّ لِلِاهْتِمامِ بِالنَّهْيِ عَنِ الِافْتِراءِ الشَّنِيعِ. وفِعْلُ القَوْلِ إذا عُدِّيَ بِحَرْفِ (عَلى) دَلَّ عَلى أنَّ نِسْبَةَ القائِلِ القَوْلِ إلى المَجْرُورِ بِـ (عَلى) نِسْبَةٌ كاذِبَةٌ، قالَ تَعالى ﴿ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [آل عمران: ٧٥] . ومَعْنى القَوْلِ عَلى اللَّهِ هُنا: أنْ يَقُولُوا شَيْئًا يَزْعُمُونَ أنَّهُ مِن دِينِهِمْ، فَإنَّ الدِّينَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُتَلَقّى مِن عِنْدِ اللَّهِ.

وقَوْلُهُ ﴿إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْحَدِّ الَّذِي كانَ الغُلُوُّ عِنْدَهُ، فَإنَّهُ مُجْمَلٌ؛ ومُبَيِّنَةٌ لِلْمُرادِ مِن قَوْلِ الحَقِّ.

ولِكَوْنِها تَتَنَزَّلُ مِنَ الَّتِي قَبْلَها مَنزِلَةَ البَيانِ فُصِلَتْ عَنْها. وقَدْ أفادَتِ الجُمْلَةُ قَصْرَ المَسِيحِ عَلى صِفاتٍ ثَلاثٍ: صِفَةُ الرِّسالَةِ، وصِفَةُ كَوْنِهِ كَلِمَةَ اللَّهِ أُلْقِيَتْ إلى مَرْيَمَ، وصِفَةُ كَوْنِهِ رُوحًا مِن عِنْدِ اللَّهِ. فالقَصْرُ قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ. والقَصْدُ مِن هَذا القَصْرِ إبْطالُ ما أحْدَثَهُ غُلُوُّهم في هَذِهِ الصِّفاتِ غُلُوًّا أخْرَجَها عَنْ كُنْهِها؛ فَإنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ ثابِتَةٌ لِعِيسى، وهم مُثْبِتُونَ لَها فَلا يُنْكَرُ عَلَيْهِمْ وصْفُ عِيسى بِها، لَكِنَّهم تَجاوَزُوا الحَدَّ المَحْدُودَ لَها فَجَعَلُوا الرِّسالَةَ البُنُوَّةَ، وجَعَلُوا الكَلِمَةَ اتِّحادَ حَقِيقَةِ الإلَهِيَّةِ بِعِيسى في بَطْنِ مَرْيَمَ فَجَعَلُوا

صفحة ٥٢

عِيسى ابْنًا لِلَّهِ ومَرْيَمَ صاحِبَةً لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وجَعَلُوا مَعْنى الرُّوحِ عَلى ما بِهِ تَكَوَّنَتْ حَقِيقَةُ المَسِيحِ في بَطْنِ مَرْيَمَ مِن نَفْسِ الإلَهِيَّةِ.

والقَصْرُ إضافِيٌّ، وهو قَصْرُ إفْرادٍ، أيْ عِيسى مَقْصُورٌ عَلى صِفَةِ الرِّسالَةِ والكَلِمَةِ والرُّوحِ، لا يَتَجاوَزُ ذَلِكَ إلى ما يُزادُ عَلى تِلْكَ الصِّفاتِ مِن كَوْنِ المَسِيحِ ابْنًا لِلَّهِ واتِّحادِ الإلَهِيَّةِ بِهِ وكَوْنِ مَرْيَمَ صاحِبَةً.

ووَصْفُ المَسِيحِ بِأنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ وصْفٌ جاءَ التَّعْبِيرُ بِهِ في الأناجِيلِ؛ فَفي صَدْرِ إنْجِيلِ يُوحَنّا: في البَدْءِ كانَ الكَلِمَةُ، والكَلِمَةُ كانَ عِنْدَ اللَّهِ، وكانَ الكَلِمَةُ اللَّهَ، ثُمَّ قالَ والكَلِمَةُ صارَ جَسَدًا وحَلَّ بَيْنَنا. وقَدْ حَكاهُ القُرْآنُ وأثْبَتَهُ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ مِنَ الكَلِماتِ الإنْجِيلِيَّةِ، فَمَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ أثَرُ كَلِمَةِ اللَّهِ. والكَلِمَةُ هي التَّكْوِينُ، وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ في الِاصْطِلاحِ بِـ (كُنْ) . فَإطْلاقُ الكَلِمَةِ عَلى التَّكْوِينِ مَجازٌ، ولَيْسَ هو بِكَلِمَةٍ، ولَكِنَّهُ تَعَلُّقُ القُدْرَةِ. ووَصْفُ عِيسى بِذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِتَكْوِينِهِ التَّأْثِيرُ الظّاهِرُ المَعْرُوفُ في تَكْوِينِ الأجِنَّةِ، فَكانَ حُدُوثُهُ بِتَعَلُّقِ القُدْرَةِ، فَيَكُونُ في كَلِمَتِهِ في الآيَةِ مَجازانِ: مَجازُ حَذْفٍ، ومَجازُ اسْتِعارَةٍ صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً.

ومَعْنى ألْقاها إلى مَرْيَمَ أوْصَلَها إلى مَرْيَمَ، ورُوعِيَ في الضَّمِيرِ تَأْنِيثُ لَفْظِ الكَلِمَةِ، وإلّا فَإنَّ المُرادَ مِنها عِيسى، أوْ أرادَ كَلِمَةَ أمْرِ التَّكْوِينِ. ووَصْفُ عِيسى بِأنَّهُ رُوحُ اللَّهِ وصْفٌ وقَعَ في الأناجِيلِ. وقَدْ أقَرَّهُ اللَّهُ هُنا، فَهو مِمّا نَزَلَ حَقًّا.

ومَعْنى كَوْنِ عِيسى رُوحًا مِنَ اللَّهِ أنَّ رُوحَهُ مِنَ الأرْواحِ الَّتِي هي عَناصِرُ الحَياةِ، لَكِنَّها نُسِبَتْ إلى اللَّهِ لِأنَّها وصَلَتْ إلى مَرْيَمَ بِدُونِ تَكَوُّنٍ في نُطْفَةٍ فَبِهَذا امْتازَ عَنْ بَقِيَّةِ الأرْواحِ. ووُصِفَ بِأنَّهُ مُبْتَدَأٌ مِن جانِبِ اللَّهِ، وقِيلَ: لِأنَّ عِيسى لَمّا غَلَبَتْ عَلى نَفْسِهِ المَلَكِيَّةُ وُصِفَ بِأنَّهُ رُوحٌ، كَأنَّ حُظُوظَ الحَيَوانِيَّةِ مُجَرَّدَةٌ عَنْهُ. وقِيلَ: الرُّوحُ النَّفْخَةُ. والعَرَبُ تُسَمِّي النَّفْسَ رُوحًا والنَّفْخَ رُوحًا. قالَ ذُو الرُّمَّةِ يَذْكُرُ لِرَفِيقِهِ أنْ يُوقِدَ نارًا بِحَطَبٍ:

صفحة ٥٣

فَقُلْتُ لَهُ ارْفَعْها إلَيْكَ فَأحْيِها بِرُوحِكَ واقْتُتْهُ لَها قِيتَةً قَدْرًا

أيْ بِنَفْخِكَ.

وتَلْقِيبُ عِيسى بِالرُّوحِ طَفَحَتْ بِهِ عِباراتُ الأناجِيلِ. و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ عَلى التَّقادِيرِ.

فَإنْ قُلْتَ: ما حِكْمَةُ وُقُوعِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ هُنا عَلى ما فِيهِما مِن شُبْهَةٍ ضَلَّتْ بِها النَّصارى ؟ وهَلّا وُصِفَ المَسِيحُ في جُمْلَةِ القَصْرِ بِمِثْلِ ما وُصِفَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠] فَكانَ أصْرَحُ في بَيانِ العُبُودِيَّةِ، وأنْفى لِلضَّلالِ ؟

قُلْتُ: الحِكْمَةُ في ذَلِكَ أنَّ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ وقَعا في كَلامِ الإنْجِيلِ، أوْ في كَلامِ الحَوارِيِّينَ وصْفًا لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانا مَفْهُومَيْنِ في لُغَةِ المُخاطَبِينَ يَوْمَئِذٍ، فَلَمّا تَغَيَّرَتْ أسالِيبُ اللُّغاتِ، وساءَ الفَهْمُ في إدْراكِ الحَقِيقَةِ والمَجازِ تَسَرَّبَ الضَّلالُ إلى النَّصارى في سُوءِ وضْعِهِما فَأُرِيدَ التَّنْبِيهُ عَلى ذَلِكَ الخَطَأِ في التَّأْوِيلِ، أيْ أنَّ قُصارى ما وقَعَ لَدَيْكم مِن كَلامِ الأناجِيلِ هو وصْفُ المَسِيحِ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وبِرَوْحِ اللَّهِ، ولَيْسَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ما يُؤَدِّي إلى اعْتِقادِ أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وأنَّهُ إلَهٌ.

وتَصْدِيرُ جُمْلَةِ القَصْرِ بِأنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ يُنادِي عَلى وصْفِ العُبُودِيَّةِ إذْ لا يُرْسِلُ الإلَهُ إلَهًا مِثْلَهُ، فَفِيهِ كِفايَةٌ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى مَعْنى الكَلِمَةِ والرُّوحِ.

* * *

﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكم إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ سُبْحَنَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ .

الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَنْ جُمْلَةِ القَصْرِ وما بُنِيَتْ عَلَيْهِ. أيْ إذا وضَحَ كُلُّ ما بَيَّنَهُ اللَّهُ

صفحة ٥٤

مِن وحْدانِيَّتِهِ، وتَنْزِيهِهِ، وصِدْقِ رُسُلِهِ، يَتَفَرَّعُ أنْ آمُرَكم بِالإيمانِ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ. وأُمِرُوا بِالإيمانِ بِاللَّهِ مَعَ كَوْنِهِمْ مُؤْمِنِينَ، أيِ النَّصارى، لِأنَّهم لَمّا وصَفُوا اللَّهَ بِما لا يَلِيقُ فَقَدْ أفْسَدُوا الإيمانَ، ولِيَكُونَ الأمْرُ بِالإيمانِ بِاللَّهِ تَمْهِيدًا لِلْأمْرِ بِالإيمانِ بِرُسُلِهِ، وهو المَقْصُودُ، وهَذا هو الظّاهِرُ عِنْدِي. وأُرِيدَ بِالرُّسُلِ جَمِيعُهم، أيْ لا تَكْفُرُوا بِواحِدٍ مِن رُسُلِهِ. وهَذا بِمَنزِلَةِ الِاحْتِراسِ عَنْ أنْ يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمُونَ أنْ يُعْرِضُوا عَنِ الإيمانِ بِرِسالَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُبالَغَةً في نَفْيِ الإلَهِيَّةِ عَنْهُ.

وقَوْلُهُ ﴿ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ أيْ لا تَنْطِقُوا بِهَذِهِ الكَلِمَةِ، ولَعَلَّها كانَتْ شِعارًا لِلنَّصارى في دِينِهِمْ كَكَلِمَةِ الشَّهادَةِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ، ومِن عَوائِدِهِمُ الإشارَةُ إلى التَّثْلِيثِ بِالأصابِعِ الثَّلاثَةِ: الإبْهامِ والخِنْصَرِ والبِنْصِرِ. والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ النَّهْيُ عَنِ النُّطْقِ بِالمُشْتَهِرِ مِن مَدْلُولِ هَذِهِ الكَلِمَةِ وعَنِ الِاعْتِقادِ. لِأنَّ أصْلَ الكَلامِ الصِّدْقُ فَلا يَنْطِقُ أحَدٌ إلّا عَنِ اعْتِقادٍ، فالنَّهْيُ هُنا كِنايَةٌ بِإرادَةِ المَعْنى ولازِمِهِ. والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ (ولا تَقُولُوا) خُصُوصُ النَّصارى.

و(ثَلاثَةٌ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ كانَ حَذْفُهُ لِيَصْلُحَ لِكُلِّ ما يَصْلُحُ تَقْدِيرُهُ مِن مَذاهِبِهِمْ مِنَ التَّثْلِيثِ، فَإنَّ النَّصارى اضْطَرَبُوا في حَقِيقَةِ تَثْلِيثِ الإلَهِ كَما سَيَأْتِي، فَيُقَدَّرُ المُبْتَدَأُ المَحْذُوفُ عَلى حَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ المَرْدُودُ مِن أقْوالِهِمْ في كَيْفِيَّةِ التَّثْلِيثِ مِمّا يَصِحُّ الإخْبارُ عَنْهُ بِلَفْظِ (ثَلاثَةٌ) مِنَ الأسْماءِ الدّالَّةِ عَلى الإلَهِ، وهي عِدَّةُ أسْماءٍ. فَفي الآيَةِ الأُخْرى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] . وفي آيَةِ آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]، أيْ إلَهَيْنِ مَعَ اللَّهِ، كَما سَيَأْتِي، فالمَجْمُوعُ ثَلاثَةٌ: كُلُّ واحِدٍ مِنهم إلَهٌ؛ ولَكِنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ مَجْمُوعَ الثَّلاثَةِ إلَهٌ واحِدٌ أوِ اتَّحَدَتِ الثَّلاثَةُ فَصارَ إلَهًا واحِدًا. قالَ في الكَشّافِ: (ثَلاثَةٌ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. فَإنْ صَحَّتِ الحِكايَةُ عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ: هو جَوْهَرٌ واحِدٌ وثَلاثَةُ أقانِيمَ، فَتَقْدِيرُهُ اللَّهُ ثَلاثَةٌ وإلّا فَتَقْدِيرُهُ الآلِهَةُ ثَلاثَةٌ اهـ.

والتَّثْلِيثُ أصْلٌ في عَقِيدَةِ النَّصارى كُلِّهِمْ، ولَكِنَّهم مُخْتَلِفُونَ في كَيْفِيَّتِهِ. ونَشَأ

صفحة ٥٥

مِنِ اعْتِقادِ قُدَماءِ الإلَهِيِّينَ مِن نَصارى اليُونانِ أنَّ اللَّهَ تَعالى (ثالُوثٌ)، أيْ أنَّهُ جَوْهَرٌ واحِدٌ، وهَذا الجَوْهَرُ مَجْمُوعُ ثَلاثَةِ أقانِيمَ، واحِدُها أُقْنُومٌ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونُ القافِ. قالَ في القامُوسِ: هو كَلِمَةٌ رُومِيَّةٌ، وفَسَّرَهُ القامُوسُ بِالأصْلِ، وفَسَّرَهُ التَّفْتَزانِيُّ في كِتابِ المَقاصِدِ بِالصِّفَةِ. ويَظْهَرُ أنَّهُ مُعَرَّبُ كَلِمَةِ (قَنُومَ) بِقافٍ مُعَقَّدٍ عَجَمِيٍّ وهو الِاسْمُ، أيِ الكَلِمَةُ. وعَبَّرُوا عَنْ مَجْمُوعِ الأقانِيمِ الثَّلاثَةِ بِعِبارَةٍ (آبا - ابْنا - رُوحا - قُدُسا) وهَذِهِ الأقانِيمُ يَتَفَرَّعُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ: فالأُقْنُومُ الأوَّلُ أُقْنُومُ الذّاتِ أوِ الوُجُودِ القَدِيمِ وهو الأبُ وهو أصْلُ المَوْجُوداتِ.

والأُقْنُومُ الثّانِي أُقْنُومُ العِلْمِ، وهو الِابْنُ، وهو دُونُ الأُقْنُومِ الأوَّلِ، ومِنهُ كانَ تَدْبِيرُ جَمِيعِ القُوى العَقْلِيَّةِ.

والأُقْنُومُ الثّالِثُ أُقْنُومُ الرُّوحِ القُدُسِ، وهو صِفَةُ الحَياةِ، وهي دُونُ أُقْنُومِ العِلْمِ ومِنها كانَ إيجادُ عالَمِ المَحْسُوساتِ.

وقَدْ أهْمَلُوا ذِكْرَ صِفاتٍ تَقْتَضِيها الإلَهِيَّةُ، مِثْلَ القِدَمِ والبَقاءِ، وتَرَكُوا صِفَةَ الكَلامِ والقُدْرَةِ والإرادَةِ، ثُمَّ أرادُوا أنْ يَتَأوَّلُوا ما يَقَعُ في الإنْجِيلِ مِن صِفاتِ اللَّهِ، فَسَمُّوا أُقْنُومَ الذّاتِ بِالأبِ، وأُقْنُومَ العِلْمِ بِالِابْنِ، وأُقْنُومَ الحَياةِ بِالرُّوحِ القُدُسِ، لِأنَّ الإنْجِيلَ أطْلَقَ اسْمَ الأبِ عَلى اللَّهِ، وأطْلَقَ اسْمَ الِابْنِ عَلى المَسِيحِ رَسُولِهِ، وأطْلَقَ الرُّوحَ القُدُسَ عَلى ما بِهِ كُوِّنَ المَسِيحُ في بَطْنِ مَرْيَمَ، عَلى أنَّهم أرادُوا أنْ يُنَبِّهُوا عَلى أنَّ أُقْنُومَ الوُجُودِ هو مُفِيضُ الأُقْنُومَيْنِ الآخَرَيْنِ فَرامُوا أنْ يَدُلُّوا عَلى عَدَمِ تَأخُّرِ بَعْضِ الصِّفاتِ عَنْ بَعْضٍ فَعَبَّرُوا بِالأبِ والِابْنِ، كَما عَبَّرَ الفَلاسِفَةُ اليُونانُ بِالتَّوَلُّدِ. وسَمُّوا أُقْنُومَ العِلْمِ بِالكَلِمَةِ لِأنَّ مِن عِباراتِ الإنْجِيلِ إطْلاقَ الكَلِمَةِ عَلى المَسِيحِ، فَأرادُوا أنَّ المَسِيحَ مَظْهَرُ عِلْمِ اللَّهِ، أيْ أنَّهُ يَعْلَمُ ما عَلِمَهُ اللَّهُ ويُبَلِّغُهُ، وهو مَعْنى الرِّسالَةِ إذْ كانَ العِلْمُ يَوْمَ تَدْوِينِ الأناجِيلِ مُكَلَّلًا بِالألْفاظِ الِاصْطِلاحِيَّةِ لِلْحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ الرُّومِيَّةِ، فَلَمّا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِمُ المَعانِي أخَذُوا بِالظَّواهِرِ فاعْتَقَدُوا أنَّ الأرْبابَ ثَلاثَةٌ، وهَذا أصْلُ النَّصْرانِيَّةِ، وقارَبُوا عَقِيدَةَ الشِّرْكِ.

صفحة ٥٦

ثُمَّ جَرَّهُمُ الغُلُوُّ في تَقْدِيسِ المَسِيحِ فَتَوَهَّمُوا أنَّ عِلْمَ اللَّهِ اتَّحَدَ بِالمَسِيحِ، فَقالُوا: إنَّ المَسِيحَ صارَ ناسُوتُهُ لاهُوتًا، بِاتِّحادِ أُقْنُومِ العِلْمِ بِهِ، فالمَسِيحُ جَوْهَرانِ وأُقْنُومٌ واحِدٌ، ثُمَّ نَشَأتْ فِيهِمْ عَقِيدَةُ الحُلُولِ، أيْ حُلُولِ اللَّهِ في المَسِيحِ بِعِباراتٍ مُتَنَوِّعَةٍ، ثُمَّ اعْتَقَدُوا اتِّحادَ اللَّهِ بِالمَسِيحِ، فَقالُوا: اللَّهُ هو المَسِيحُ. هَذا أصْلُ التَّثْلِيثِ عِنْدَ النَّصارى، وعَنْهُ تَفَرَّعَتْ مَذاهِبُ ثَلاثَةٌ أشارَ إلى جَمِيعِها قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ وقَوْلُهُ ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٢] وقَوْلُهُ ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] وكانُوا يَقُولُونَ: في عِيسى لاهُوتِيَّةٌ مِن جِهَةِ الأبِ وناسُوتِيَّةٌ أيْ إنْسانِيَّةٌ مِن جِهَةِ الأُمِّ.

وظَهَرَ بِالإسْكَنْدَرِيَّةِ راهِبٌ اسْمُهُ (آرِيُوسُ) قالَ بِالتَّوْحِيدِ وأنَّ عِيسى عَبْدُ اللَّهِ مَخْلُوقٌ، وكانَ في زَمَنِ قُسْطَنْطِينُوسَ سُلْطانِ الرُّومِ بانِي القُسْطَنْطِينِيَّةِ. فَلَمّا تَدَيَّنَ قُسْطَنْطِينُوسُ المَذْكُورُ بِالنَّصْرانِيَّةِ سَنَةَ ٣٢٧ تَبِعَ مَقالَةَ آرِيُوسَ، ثُمَّ رَأى مُخالَفَةَ مُعْظَمِ الرُّهْبانِ لَهُ فَأرادَ أنْ يُوَحِّدَ كَلِمَتَهم، فَجَمَعَ مَجْمَعًا مِن عُلَماءِ النَّصارى في أواخِرِ القَرْنِ الرّابِعِ مِنَ التّارِيخِ المَسِيحِيِّ، وكانَ في هَذا المَجْمَعِ نَحْوُ ألْفَيْ عالٍمٍ مِنَ النَّصارى فَوَجَدَهم مُخْتَلِفِينَ اخْتِلافًا كَثِيرًا ووَجَدَ أكْثَرَ طائِفَةٍ مِنهم عَلى قَوْلٍ واحِدٍ ثَلاثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ عالِمًا فَأخَذَ قَوْلَهم وجَعَلَهُ أصْلَ المَسِيحِيَّةِ ونَصَرَهُ، وهَذِهِ الطّائِفَةُ تُلَقَّبُ (المَلْكانِيَّةُ) نِسْبَةً لِلْمَلِكِ.

واتَّفَقَ قَوْلُهم عَلى أنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ اتَّحَدَتْ بِجَسَدِ عِيسى، وتَقَمَّصَتْ في ناسُوتِهِ، أيْ إنْسانِيَّتِهِ، ومازَجَتْهُ امْتِزاجَ الخَمْرِ بِالماءِ، فَصارَتِ الكَلِمَةُ ذاتًا في بَطْنِ مَرْيَمَ، وصارَتْ تِلْكَ الذّاتُ ابْنًا لِلَّهِ تَعالى، فالإلَهُ مَجْمُوعُ ثَلاثَةِ أشْياءَ: الأوَّلُ الأبُ ذُو الوُجُودِ، والثّانِي الِابْنُ ذُو الكَلِمَةِ، أيِ العِلْمِ، والثّالِثُ رُوحُ القُدُسِ.

صفحة ٥٧

ثُمَّ حَدَثَتْ فِيهِمْ فِرْقَةُ اليَعْقُوبِيَّةِ وفِرْقَةُ النَّسْطُورِيَّةِ في مَجامِعٍ أُخْرى انْعَقَدَتْ بَيْنَ الرُّهْبانِ. فاليَعْقُوبِيَّةُ، ويُسَمَّوْنَ الآنَ (أرْثُودُكْسَ)، ظَهَرُوا في أواسِطِ القَرْنِ السّادِسِ المَسِيحِيِّ، وهم أسْبَقُ مِنَ النَّسْطُورِيَّةِ؛ قالُوا: انْقَلَبَتِ الإلَهِيَّةُ لَحْمًا ودَمًا، فَصارَ الإلَهُ هو المَسِيحُ فَلِأجْلِ ذَلِكَ صَدَرَتْ عَنِ المَسِيحِ خَوارِقُ العاداتِ مِن إحْياءِ المَوْتى وإبْراءِ الأكَمَهِ والأبْرَصِ فَأشْبَهَ صُنْعُهُ صُنْعَ اللَّهِ تَعالى مِمّا يَعْجِزُ عَنْهُ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى. وكانَ نَصارى الحَبَشَةِ يَعاقِبَةً، وسَنَتَعَرَّضُ لِذِكْرِها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٢] في سُورَةِ المائِدَةِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ [مريم: ٣٧] .

والنَّسْطُورِيَّةُ قالَتْ: اتَّحَدَتِ الكَلِمَةُ بِجَسَدِ المَسِيحِ بِطَرِيقِ الإشْراقِ كَما تُشْرِقُ الشَّمْسُ مِن كُوَّةٍ مِن بَلُّورٍ، فالمَسِيحُ إنْسانٌ، وهو كَلِمَةُ اللَّهِ، فَلِذَلِكَ هو إنْسانٌ إلَهٌ، أوْ هو لَهُ ذاتِيَّتانِ ذاتٌ إنْسانِيَّةٌ وأُخْرى إلَهِيَّةٌ، وقَدْ أُطْلِقَ عَلى الرَّئِيسِ الدِّينِيِّ لِهَذِهِ النِّحْلَةِ لَقَبُ جاثِلِيقَ. وكانَتِ النِّحْلَةُ النَّسْطُورِيَّةُ غالِبَةً عَلى نَصارى العَرَبِ. وكانَ رُهْبانُ اليَعاقِبَةِ ورُهْبانُ النَّسْطُورِيِّينَ يَتَسابَقُونَ لِبَثِّ كُلِّ فَرِيقٍ نِحْلَتَهُ بَيْنَ قَبائِلِ العَرَبِ. وكانَ الأكاسِرَةُ حُماةً لِلنَّسْطُورِيَّةِ، وقَياصِرَةُ الرُّومِ حُماةً لِلْيَعْقُوبِيَّةِ. وقَدْ شاعَتِ النَّصْرانِيَّةُ بِنِحْلَتَيْها في بَكْرٍ، وتَغْلِبَ، ورَبِيعَةَ، ولَخْمٍ، وجُذامَ، وتَنُوخَ، وكَلْبٍ، ونَجْرانَ، واليَمَنِ، والبَحْرِينِ. وقَدْ بَسَطْتُ هَذا لِيُعْلَمَ حُسْنُ الإيجازِ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾) وإتْيانِهِ عَلى هَذِهِ المَذاهِبِ كُلِّها. فَلِلَّهِ هَذا الإعْجازُ العِلْمِيُّ.

صفحة ٥٨

والقَوْلُ في نَصْبِ (خَيْرًا) مِن قَوْلِهِ (﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾) كالقَوْلِ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧٠]) .

والقَصْرُ في قَوْلِهِ إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ، لِأنَّ (إنَّما) يَلِيها المَقْصُورُ، وهو هُنا قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ لَيْسَ اللَّهُ بِثَلاثَةٍ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ (﴿أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾) إظْهارٌ لِغَلَطِهِمْ في أفْهامِهِمْ، وفي إطْلاقاتِهِمْ لَفْظَ الأبِ والِابْنِ كَيْفَما كانَ مَحْمَلُهُما لِأنَّهُما إمّا ضَلالَةٌ وإمّا إيهامُها، فَكَلِمَةُ (سُبْحانَهُ) تُفِيدُ قُوَّةَ التَّنْزِيهِ لِلَّهِ تَعالى عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، والدَّلالَةُ عَلى غَلَطِ مُثْبِتِيهِ، فَإنَّ الإلَهِيَّةَ تُنافِي الكَوْنَ أبًا واتِّخاذَ ابْنٍ، لِاسْتِحالَةِ الفَناءِ، والِاحْتِياجِ، والِانْفِصالِ، والمُماثَلَةِ لِلْمَخْلُوقاتِ عَنِ اللَّهِ تَعالى. والبُنُوَّةُ تَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ هَذِهِ المُسْتَحِيلاتِ لِأنَّ النَّسْلَ قانُونٌ كَوْنِيٌّ لِلْمَوْجُوداتِ لِحِكْمَةِ اسْتِبْقاءِ النَّوْعِ، والنّاسُ يَتَطَلَّبُونَها لِذَلِكَ، ولِلْإعانَةِ عَلى لَوازِمِ الحَياةِ، وفِيها انْفِصالُ المَوْلُودِ عَنْ أبِيهِ، وفِيها أنَّ الِابْنَ مُماثِلٌ لِأبِيهِ فَأبُوهُ مُماثِلٌ لَهُ لا مَحالَةَ.

و(سُبْحانَ) اسْمُ مَصْدَرِ سَبَّحَ، ولَيْسَ مَصْدَرًا، لِأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ لَهُ فِعْلٌ سالِمٌ. وجَزَمَ ابْنُ جِنِّي بِأنَّهُ عَلَمٌ عَلى التَّسْبِيحِ، فَهو مِن أعْلامِ الأجْناسِ، وهو مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والزِّيادَةِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا﴾ [البقرة: ٣٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وقَوْلُهُ (﴿أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾) مُتَعَلِّقٌ بِـ (سُبْحانَ) بِحَرْفِ الجَرِّ، وهو حَرْفُ (عَنْ) مَحْذُوفًا.

وجُمْلَةُ (﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ (﴿أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾) لِأنَّ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ قَدِ اسْتَغْنى عَنِ الوَلَدِ، ولِأنَّ مَن يَزْعُمُ أنَّهُ ولَدٌ لَهُ هو مِمّا في السَّماواتِ والأرْضِ كالمَلائِكَةِ أوِ المَسِيحِ، فالكُلُّ عَبِيدُهُ ولَيْسَ الِابْنُ بِعَبْدٍ.

صفحة ٥٩

وقَوْلُهُ (﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾) تَذْيِيلٌ، والوَكِيلُ الحافِظُ، والمُرادُ هُنا حافِظُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، أيِ المَوْجُوداتِ كُلِّها. وحُذِفَ مَفْعُولُ (كَفى) لِلْعُمُومِ، أيْ كَفى كُلَّ أحَدٍ، أيْ فَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ، ولا تَتَوَكَّلُوا عَلى مَن تَزْعُمُونَهُ ابْنًا لَهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا التَّرْكِيبِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥] في هَذِهِ السُّورَةِ.

4:172–174Page 105

لَّن يَسۡتَنكِفَ ٱلۡمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبۡدٗا لِّلَّهِ وَلَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ٱلۡمُقَرَّبُونَۚ وَمَن يَسۡتَنكِفۡ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَيَسۡتَكۡبِرۡ فَسَيَحۡشُرُهُمۡ إِلَيۡهِ جَمِيعٗا ١٧٢

Never would the Messiah disdain to be a servant of Allāh, nor would the angels near [to Him]. And whoever disdains His worship and is arrogant - He will gather them to Himself all together.

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمۡ أُجُورَهُمۡ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضۡلِهِۦۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡتَنكَفُواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ١٧٣

And as for those who believed and did righteous deeds, He will give them in full their rewards and grant them extra from His bounty. But as for those who disdained and were arrogant, He will punish them with a painful punishment, and they will not find for themselves besides Allāh any protector or helper.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُم بُرۡهَٰنٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ نُورٗا مُّبِينٗا ١٧٤

O mankind, there has come to you a conclusive proof from your Lord, and We have sent down to you a clear light.1

﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَنُوَفِّيهِمُ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا فَنُعَذِّبَهم عَذابًا ألِيمًا ولا يَجِدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ .

اسْتِئْنافٌ واقِعٌ مَوْقِعَ تَحْقِيقِ جُمْلَةِ (﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [النساء: ١٧١]) أوْ مَوْقِعَ الِاسْتِدْلالِ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ (﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧١]) .

والِاسْتِنْكافُ: التَّكَبُّرُ والِامْتِناعُ بِأنَفَةٍ، فَهو أشَدُّ مِنَ الِاسْتِكْبارِ. ونَفْيُ اسْتِنْكافِ المَسِيحِ: إمّا إخْبارٌ عَنِ اعْتِرافِ عِيسى بِأنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ، وإمّا احْتِجاجٌ عَلى النَّصارى بِما يُوجَدُ في أناجِيلِهِمْ.

قالَ اللَّهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ [مريم: ٣٠] إلَخْ. وفي نُصُوصِ الإنْجِيلِ كَثِيرٌ مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَسِيحَ عَبْدُ اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ إلَهُهُ ورَبُّهُ، كَما في مُجادَلَتِهِ مَعَ إبْلِيسَ، فَقَدْ قالَ لَهُ المَسِيحُ لِلرَّبِّ إلَهِكَ تَسْجُدُ وإيّاهُ وحْدَهُ تَعْبُدُ.

وعُدِلَ عَنْ طَرِيقِ الإضافَةِ في قَوْلِهِ (عَبْدًا لِلَّهِ) فَأُظْهِرَ الحَرْفُ الَّذِي تُقَدَّرُ الإضافَةُ عَلَيْهِ: لِأنَّ التَّنْكِيرَ هُنا أظْهَرُ في العُبُودِيَّةِ، أيْ عَبْدًا مِن جُمْلَةِ العَبِيدِ، ولَوْ قالَ: عَبْدَ اللَّهِ لَأوْهَمَتِ الإضافَةُ أنَّهُ العَبْدُ الخِصِّيصُ، أوْ أنَّ ذَلِكَ عَلَمٌ لَهُ.

صفحة ٦٠

وأمّا ما حَكى اللَّهُ عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ [مريم: ٣٠] فَلِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في مَقامِ خِطابِ مَنِ ادَّعَوْا لَهُ الإلَهِيَّةَ.

وعَطْفُ المَلائِكَةِ عَلى المَسِيحِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِمَزاعِمِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ حَتّى يَتَعَرَّضَ لِرَدِّ ذَلِكَ، إدْماجٌ لِقَصْدِ اسْتِقْصاءِ كُلِّ مَنِ ادُّعِيَتْ لَهُ بُنُوَّةُ اللَّهِ، لِيَشْمَلَهُ الخَبَرُ بِنَفْيِ اسْتِنْكافِهِ عَنْ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَهُ قَوْلُهُ (﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧١])، وقَدْ قالَتِ العَرَبُ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ مِن نِساءِ الجِنِّ، ولِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أيْضًا قَوْلُهُ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [النساء: ١٧١]، ومِن أفْضَلِ ما في السَّماواتِ المَلائِكَةُ، فَذُكِرُوا هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى اعْتِرافِهِمْ بِالعُبُودِيَّةِ. وإنْ جَعَلْتَ قَوْلَهُ (﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ﴾) اسْتِدْلالًا عَلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ (﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧١]) كانَ عَطْفُ (﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾) مُحْتَمِلًا لِلتَّتْمِيمِ كَقَوْلِهِ (﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]) فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى المَسِيحِ، ولا عَلى العَكْسِ، ومُحْتَمِلًا لِلتَّرَقِّي إلى ما هو الأوْلى بِعَكْسِ الحُكْمِ في أوْهامِ المُخاطَبِينَ، وإلى هَذا الأخِيرِ مالَ صاحِبُ الكَشّافِ ومَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] وجَعَلَ الآيَةَ دَلِيلًا عَلى أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنَ المَسِيحِ، وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ بِتَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ، وزَعَمَ أنَّ عِلْمَ المَعانِي لا يَقْتَضِي غَيْرَ ذَلِكَ، وهو تَضْيِيقٌ لِواسِعٍ، فَإنَّ الكَلامَ مُحْتَمِلٌ لِوُجُوهٍ، كَما عَلِمْتَ، فَلا يَنْهَضُ بِهِ الِاسْتِدْلالُ.

واعْلَمْ أنَّ تَفْضِيلَ الأنْبِياءِ عَلى المَلائِكَةِ مُطْلَقًا هو قَوْلُ جُمْهُورِ أهْلِ السُّنَّةِ، وتَفْضِيلَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ قَوْلُ جُمْهُورِ المُعْتَزِلَةِ والباقِلّانِيِّ والحَلِيمِيِّ مِن أهْلِ السُّنَّةِ، وقالَ قَوْمٌ بِالتَّفْصِيلِ في التَّفْضِيلِ، ونُسِبَ إلى بَعْضِ الماتِرِيدِيَّةِ، ولَمْ يُضْبَطْ ذَلِكَ التَّفْصِيلُ، والمَسْألَةُ اجْتِهادِيَّةٌ، ولا طائِلَ وراءَ الخَوْضِ فِيها، وقَدْ نَهى النَّبِيءُ ﷺ عَنِ الخَوْضِ في تُفاضُلِ الأنْبِياءِ، فَما ظَنُّكَ بِالخَوْضِ في التَّفاضُلِ بَيْنَ الأنْبِياءِ وبَيْنَ مَخْلُوقاتِ عالَمٍ آخَرَ لا صِلَةَ لَنا بِهِ.

صفحة ٦١

و(المُقَرَّبُونَ)، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وصْفًا كاشِفًا، وأنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا، فَيُرادُ بِهِمُ المُلَقَّبُونَ بِالكَرُوبِيِّينَ وهم سادَةُ المَلائِكَةِ: جِبْرِيلُ وإسْرافِيلُ ومِيكائِيلُ وعِزْرائِيلُ. ووَصْفُهم بِالكَرُوبِيِّينَ وصْفٌ قَدِيمٌ وقَعَ في بَيْتِ نَسَبٍ إلى أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ. وقَدْ قالُوا: إنَّهُ وصْفٌ مُشْتَقٌّ مِن (كَرَبَ) مُرادِفِ (قَرُبَ)، وزِيدَ فِيهِ صِيغَتا مُبالَغَةٍ، وهي زِنَةُ فَعُولٍ وياءُ النَّسَبِ. والَّذِي أظُنُّ أنَّ هَذا اللَّفْظَ نُقِلَ إلى العَرَبِيَّةِ مِنَ العِبْرانِيَّةِ: لِوُقُوعِ هَذا اللَّفْظِ في التَّوْراةِ في سِفْرِ اللّاوِيِّينَ وفي سِفْرِ الخُرُوجِ، وأنَّهُ في العِبْرانِيَّةِ بِمَعْنى القُرْبِ، فَلِذَلِكَ عَدَلَ عَنْهُ القُرْآنُ وجاءَ بِمُرادِفِهِ الفَصِيحِ فَقالَ (المُقَرَّبُونَ)، وعَلَيْهِ فَمَن دُونَهم مِنَ المَلائِكَةِ يَثْبُتُ لَهم عَدَمُ الِاسْتِنْكافِ عَنِ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ بِدَلالَةِ الأحْرى.

وقَوْلُهُ (﴿ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ﴾) الآيَةَ تَخَلُّصٌ إلى تَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ كَما أنْبَأ عَنْهُ قَوْلُهُ ﴿وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا فَنُعَذِّبَهم عَذابًا ألِيمًا ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ .

وضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ (﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾) عائِدٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ، بَلْ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ، أيْ فَسَيَحْشُرُ النّاسَ إلَيْهِ جَمِيعًا كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّفْصِيلُ المُفَرَّعُ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ (﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾) الخَ. وضَمِيرُ (﴿ولا يَجِدُونَ﴾) عائِدٌ إلى الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا، أيْ لا يَجِدُونَ ولِيًّا حِينَ يَحْشُرُ اللَّهُ النّاسَ جَمِيعًا، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا ويَكُونُ (جَمِيعًا)، بِمَعْنى مَجْمُوعِينَ إلى غَيْرِهِمْ، مَنصُوبًا، فَإنَّ لَفْظَ جَمِيعٍ لَهُ اسْتِعْمالاتٌ جَمَّةٌ: مِنها أنْ يَكُونَ وصْفًا بِمَعْنى المُجْتَمَعِ، وفي كَلامِ عُمَرَ لِلْعَبّاسِ وعَلِيٍّ: ”ثُمَّ جِئْتُمانِي وأمْرُكُما جَمِيعٌ“ أيْ مُتَّفِقٌ مَجْمُوعٌ، فَيَكُونُ مَنصُوبًا عَلى الحالِ ولَيْسَ تَأْكِيدًا. وذِكْرُ فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ في التَّفْصِيلِ يَدُلُّ عَلى أحَدِ التَّقْدِيرَيْنِ.

والتَّوْفِيَةُ أصْلُها إعْطاءُ الشَّيْءِ وافِيًا، أيْ زائِدًا عَلى المِقْدارِ المَطْلُوبِ، ولَمّا كانَ تَحَقُّقُ المُساواةِ يَخْفى لِقِلَّةِ المَوازِينِ عِنْدَهم، ولِاعْتِمادِهِمْ عَلى الكَيْلِ، جَعَلُوا تَحَقُّقَ المُساواةِ بِمِقْدارٍ فِيهِ فَضْلٌ عَلى المِقْدارِ المُساوِي، أُطْلِقَتِ التَّوْفِيَةُ عَلى إعْطاءِ المُعادِلِ، وتُقابَلُ بِالخُسْرانِ وبِالغَبْنِ، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ شُعَيْبٍ

صفحة ٦٢

﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨١] ولِذَلِكَ قالَ هُنا ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾، وهَذِهِ التَّوْفِيَةُ والزِّيادَةُ يَرْجِعانِ إلى تَقْدِيرٍ يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعالى.

وقَوْلُهُ ﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ تَأْسِيسٌ لَهم إذْ قَدْ عُرِفَ عِنْدَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ، مِن أُمَمِ ذَلِكَ العَصْرِ، الِاعْتِمادُ عِنْدَ الضِّيقِ عَلى الأوْلِياءِ والنُّصَراءِ لِيَكُفُّوا عَنْهُمُ المَصائِبَ بِالقِتالِ أوِ الفِداءِ، قالَ النّابِغَةُ:

يَأْمُلْنَ رِحْلَةَ نَصْرٍ وابْنِ سَيّارٍ

ولِذَلِكَ كَثُرَ في القُرْآنِ نَفْيُ الوَلِيِّ، والنَّصِيرِ، والفِداءِ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ وما لَهم مِن ناصِرِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском