Ibn 'AshurAn‑Nisa · 4:19–22

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:19–22

4:19Page 80

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرۡهٗاۖ وَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ لِتَذۡهَبُواْ بِبَعۡضِ مَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِن كَرِهۡتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَيَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيۡرٗا كَثِيرٗا ١٩

O you who have believed, it is not lawful for you to inherit women by compulsion.1 And do not make difficulties for them in order to take [back] part of what you gave them2 unless they commit a clear immorality [i.e., adultery]. And live with them in kindness. For if you dislike them - perhaps you dislike a thing and Allāh makes therein much good.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾ .

اسْتِئْنافُ تَشْرِيعٍ في أحْكامِ النِّساءِ الَّتِي كانَ سِياقُ السُّورَةِ لِبَيانِها وهي الَّتِي لَمْ تَزَلْ آيُها مُبَيِّنَةً لِأحْكامِها تَأْسِيسًا واسْتِطْرادًا، وبَدْءًا وعَوْدًا، وهَذا حُكْمٌ تابِعٌ لِإبْطالِ ما كانَ عَلَيْهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِن جَعْلِ زَوْجِ المَيِّتِ مَوْرُوثَةً عَنْهُ وافْتُتِحَ بُقُولِهِ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا. لِلتَّنْوِيهِ بِما خُوطِبُوا بِهِ.

وخُوطِبَ الَّذِينَ آمَنُوا لِيَعُمَّ الخِطابُ جَمِيعَ الأُمَّةِ، فَيَأْخُذَ كُلٌّ مِنهم بِحَظِّهِ مِنهُ، فَمُرِيدُ الِاخْتِصاصِ بِامْرَأةِ المَيِّتِ يَعْلَمُ ما يَخْتَصُّ بِهِ مِنهُ، والوالِي كَذَلِكَ، ووُلاةُ الأُمُورِ كَذَلِكَ.

وصِيغَةُ (لا يَحِلُّ) صِيغَةُ نَهْيٍ صَرِيحٍ لِأنَّ الحِلَّ هو الإباحَةُ في لِسانِ العَرَبِ ولِسانِ الشَّرِيعَةِ، فَنَفْيُهُ يُرادِفُ مَعْنى التَّحْرِيمِ.

والإرْثُ حَقِيقَتُهُ مَصِيرُ الكَسْبِ إلى شَخْصٍ عَقِبَ شَخْصٍ آخَرَ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ في مَصِيرِ الأمْوالِ، ويُطْلَقُ الإرْثُ مَجازًا عَلى تَمَحُّضِ المِلْكِ لِأحَدٍ بَعْدَ المُشارَكِ فِيهِ، أوْ في

صفحة ٢٨٣

حالَةِ ادِّعاءِ المُشارَكِ فِيهِ، ومِنهُ: يَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها. وهو فِعْلٌ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ، يَتَعَدّى إلى المَتاعِ المَوْرُوثِ، فَتَقُولُ: ورِثْتُ مالَ فُلانٍ، وقَدْ يَتَعَدّى إلى ذاتِ الشَّخْصِ المَوْرُوثِ، يُقالُ: ورِثَ فُلانٌ أباهُ، قالَ تَعالى: فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا يَرِثُنِي. وهَذا هو الغالِبُ فِيهِ إذا تَعَدّى إلى ما لَيْسَ بِمالٍ.

وتَعْدِيَةُ فِعْلِ (﴿أنْ تَرِثُوا﴾) إلى النِّساءِ مِنِ اسْتِعْمالِهِ الأوَّلِ: بِتَنْزِيلِ النِّساءِ مَنزِلَةَ الأمْوالِ المَوْرُوثَةِ، لِإفادَةِ تَبْشِيعِ الحالَةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الجاهِلِيَّةِ. أخْرَجَ البُخارِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانُوا إذا ماتَ الرَّجُلُ كانَ أوْلِياؤُهُ أحَقَّ بِامْرَأتِهِ إنْ شاءَ بَعْضُهم تَزَوَّجَها، وإنْ شاءُوا زَوَّجُوها، وإنْ شاءُوا لَمْ يُزَوِّجُوها، فَهم أحَقُّ بِها مِن أهْلِها فَنَزَلَتْ هَذا الآيَةُ. وعَنْ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ، والزُّهْرِيِّ كانَ الِابْنُ الأكْبَرُ أحَقَّ بِزَوْجِ أبِيهِ إذا لَمْ تَكُنْ أُمَّهُ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ أبْناءٌ فَوَلِيُّ المَيِّتِ إذا سَبَقَ فَألْقى عَلى امْرَأةِ المَيِّتِ ثَوْبَهُ فَهو أحَقُّ بِها، وإنْ سَبَقَتْهُ فَذَهَبَتْ إلى أهْلِها كانَتْ أحَقَّ بِنَفْسِها. وكانَ مِن أشْهَرِ ما وقَعَ مِن ذَلِكَ في الجاهِلِيَّةِ أنَّهُ لَمّا ماتَ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ وتَرَكَ امْرَأتَهُ ولَها أوْلادٌ مِنهُ: العِيصُ، وأبُو العِيصِ، والعاصُ، وأبُو العاصِ، ولَهُ أوْلادٌ مِن غَيْرِها، مِنهم أبُو عَمْرِو بْنُ أُمَيَّةَ فَخَلَفَ أبُو عَمْرٍو عَلى امْرَأةِ أبِيهِ، فَوَلَدَتْ لَهُ: مُسافِرًا، وأبا مُعَيْطٍ، فَكانَ الأعْياصُ أعْمامًا لِمُسافِرٍ وأبِي مُعَيْطٍ وإخْوَتَهُما مِنَ الأُمِّ.

وقَدْ قِيلَ: نَزَلَتِ الآيَةُ لَمّا تُوُفِّيَ أبُو قَيْسِ بْنُ الأسْلَتِ رامَ ابْنُهُ أنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأتَهُ كَبْشَةَ بِنْتَ مَعْنٍ الأنْصارِيَّةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكانَتْ هَذِهِ السِّيرَةُ لازِمَةً في الأنْصارِ، وكانَتْ في قُرَيْشٍ مُباحَةً مَعَ التَّراضِي. وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ قَوْلُهُ ”كُرْهًا“ حالًا مِنَ (النِّساءِ) أيْ كارِهاتٍ غَيْرَ راضِياتٍ، حَتّى يَرْضَيْنَ بِأنْ يَكُنَّ أزْواجًا لِمَن يَرْضَيْنَهُ، مَعَ مُراعاةِ شُرُوطِ النِّكاحِ، والخِطابُ عَلى هَذا الوَجْهِ لِوَرَثَةِ المَيِّتِ.

وقَدْ تَكَرَّرَ هَذا الإكْراهُ بِعَوائِدِهِمُ الَّتِي تَمالَأُوا عَلَيْها، بِحَيْثُ لَوْ رامَتِ المَرْأةُ المَحِيدَ عَنْها، لَأصْبَحَتْ سُبَّةً لَها، ولَما وجَدَتْ مَن يَنْصُرُها، وعَلى هَذا فالمُرادُ بِالنِّساءِ الأزْواجُ، أيْ أزْواجُ الأمْواتِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِعْلُ (تَرِثُوا) مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ ومُتَعَدِّيًا إلى المَوْرُوثِ فَيُفِيدَ

صفحة ٢٨٤

النَّهْيَ عَنْ أحْوالٍ كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ: مِنها أنَّ الأوْلِياءَ يَعْضُلُونَ النِّساءَ ذَواتِ المالِ مِنَ التَّزَوُّجِ خَشْيَةَ أنَّهُنَّ إذا تَزَوَّجْنَ يَلِدْنَ فَيَرِثُهُنَّ أزْواجُهُنَّ وأوْلادُهُنَّ ولَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ العاصِبِ شَيْءٌ مِن أمْوالِهِنَّ، وهُنَّ يَرْغَبْنَ أنْ يَتَزَوَّجْنَ، ومِنها أنَّ الأزْواجَ كانُوا يَكْرَهُونَ أزْواجَهم ويَأْبَوْنَ أنْ يُطَلِّقُوهُنَّ رَغْبَةً في أنْ يَمُتْنَ عِنْدَهم فَيَرِثُوهُنَّ، فَذَلِكَ إكْراهٌ لَهُنَّ عَلى البَقاءِ عَلى حالَةِ الكَراهِيَةِ، إذْ لا تَرْضى المَرْأةُ بِذَلِكَ مُخْتارَةً، وعَلى هَذا فالنِّساءُ مُرادٌ بِهِ جَمْعُ امْرَأةٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كَرْهًا) بِفَتْحِ الكافِ وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِضَمِّ الكافِ وهُما لُغَتانِ.

* * *

﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ عُطِفَ النَّهْيُ عَنِ العَضْلِ عَلى النَّهْيِ عَنْ إرْثِ النِّساءِ كَرْهًا لِمُناسَبَةِ التَّماثُلِ في الإكْراهِ وفي أنَّ مُتَعَلِّقَهُ سُوءُ مُعامَلَةِ المَرْأةِ، وفي أنَّ العَضْلَ لِأجْلِ أخْذِ مالٍ مِنهُنَّ.

والعَضْلُ: مَنعُ ولِيِّ المَرْأةِ إيّاها أنْ تَتَزَوَّجَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنَّ. في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وإنْ كانَ النَّهْيُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾ . هو المَعْنى المُتَبادِرَ مِن فِعْلِ ”تَرِثُوا“، وهو أخْذُ مالِ المَرْأةِ كَرْهًا عَلَيْها، فَعَطْفُ (﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ﴾) إمّا خاصٌّ عَلى عامٍّ، إنْ أُرِيدَ خُصُوصُ مَنعِ الأزْواجِ نِساءَهم مِنَ الطَّلاقِ مَعَ الكَراهِيَةِ، رَغْبَةً في بَقاءِ المَرْأةِ عِنْدَهُ حَتّى تَمُوتَ فَيَرِثَ مِنها مالَها، أوْ عَطْفُ مُبايِنٍ إنْ أُرِيدَ النَّهْيُ عَنْ مَنعِها مِنَ الطَّلاقِ حَتّى يُلْجِئَها إلى الِافْتِداءِ مِنهُ بِبَعْضِ ما آتاها، وأيًّا ما كانَ فَإطْلاقُ العَضْلِ عَلى هَذا الإمْساكِ مَجازٌ بِاعْتِبارِ المُشابَهَةِ لِأنَّها كالَّتِي لا زَوْجَ لَها ولَمْ تَتَمَكَّنْ مِنَ التَّزَوُّجِ.

وإنْ كانَ المَنهِيُّ عَنْهُ في قَوْلِهِ: لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ. المَعْنى المَجازِيَّ لِـ (تَرِثُوا) وهو كَوْنُ المَرْأةِ مِيراثًا، وهو ما كانَ يَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ في مُعامَلَةِ أزْواجِ أقارِبِهِمْ وهو الأظْهَرُ - فَعَطْفُ (ولا تَعْضُلُوهُنَّ) عَطْفُ حُكْمٍ آخَرَ مِن أحْوالِ المُعامَلَةِ، وهو النَّهْيُ عَنْ أنْ يَعْضُلَ الوَلِيُّ المَرْأةَ مِن أنْ تَتَزَوَّجَ لِتَبْقى عِنْدَهُ فَإذا ماتَتْ ورِثَها،

صفحة ٢٨٥

ويَتَعَيَّنُ عَلى هَذا الِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ: لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ. راجِعًا إلى مَن يُتَوَقَّعُ مِنهُ ذَلِكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وهُمُ الأزْواجُ خاصَّةً، وهَذا لَيْسَ بِعَزِيزٍ أنْ يُطْلَقَ ضَمِيرٌ صالِحٌ لِلْجَمْعِ ويُرادَ مِنهُ بَعْضُ ذَلِكَ الجَمْعِ بِالقَرِينَةِ. كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] أيْ لا يَقْتُلْ بَعْضُكم أخاهُ، إذْ قَدْ يُعْرَفُ أنَّ أحْدًا لا يَقْتُلُ نَفْسَهُ، وكَذَلِكَ: فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم. أيْ يُسَلِّمُ الدّاخِلُ عَلى الجالِسِ. فالمَعْنى: لِيَذْهَبَ بَعْضُكم بِبَعْضِ ما آتاهُنَّ بَعْضُكم، كَأنْ يُرِيدَ الوَلِيُّ أنْ يَذْهَبَ في مِيراثِهِ بِبَعْضِ مالِ مَوْلاتِهِ الَّذِي ورِثَتْهُ مِن أُمِّها أوْ قَرِيبِها أوْ مِن زَوْجِها، فَيَكُونُ في الضَّمِيرِ تَوْزِيعٌ. وإطْلاقُ العَضْلِ عَلى هَذا المَعْنى حَقِيقَةٌ. والذَّهابُ في قَوْلِهِ: لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ. مَجازٌ في الأخْذِ، كَقَوْلِهِ: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ، أيْ أزالُهُ.

* * *

﴿إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ .

لَيْسَ إتْيانُهُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ بَعْضًا مِمّا قَبْلَ الِاسْتِثْناءِ، لا مِنَ العَضْلِ ولا مِنَ الإذْهابِ بِبَعْضِ المَهْرِ. فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا اسْتِثْناءً مِن عُمُومِ أحْوالِ الفِعْلِ الواقِعِ في تَعْلِيلِ النَّهْيِ، وهو إرادَةُ الإذْهابِ بِبَعْضِ ما آتَوْهُنَّ، لِأنَّ عُمُومَ الأفْرادِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الأحْوالِ، أيْ إلّا حالَ الإتْيانِ بِفاحِشَةٍ فَيَجُوزُ إذْهابُكم بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا في مَعْنى الِاسْتِدْراكِ، أيْ لَكِنْ إتْيانُهُنَّ بِفاحِشَةٍ يُحِلُّ لَكم أنْ تَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ، فَقِيلَ: هَذا كانَ حُكْمَ الزَّوْجَةِ الَّتِي تَأْتِي بِفاحِشَةٍ وأنَّهُ نُسِخَ بِالحَدِّ. وهو قَوْلُعَطاءٍ.

والفاحِشَةُ هُنا عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ هي الزِّنى، أيْ أنَّ الرَّجُلَ إذا تَحَقَّقَ زِنى زَوْجِهِ فَلَهُ أنْ يَعْضُلَها، فَإذا طَلَبَتِ الطَّلاقَ فَلَهُ أنْ لا يُطَلِّقَها حَتّى تَفْتَدِيَ مِنهُ بِبَعْضِ صَداقِها، لِأنَّها تَسَبَّبَتْ في بَعْثَرَةِ حالِ بَيْتِ الزَّوْجِ، وأحْوَجَتْهُ إلى تَجْدِيدِ زَوْجَةٍ أُخْرى، وذَلِكَ مَوْكُولٌ لِدِينِهِ وأمانَةِ الإيمانِ. فَإنْ حادَ عَنْ ذَلِكَ فَلِلْقُضاةِ حَمْلُهُ عَلى الحَقِّ. وإنَّما لَمْ يَجْعَلِ المُفاداةَ بِجَمِيعِ المَهْرِ لِئَلّا تَصِيرَ مُدَّةُ العِصْمَةِ عَرِيَّةً عَنْ عِوَضٍ مُقابِلٍ، هَذا ما يُؤْخَذُ مِن كَلامِ الحَسَنِ. وأبِي قِلابَةَ، وابْنِ سِيرِينَ وعَطاءٍ؛ لَكِنْ قالَ عَطاءٌ: هَذا الحُكْمُ نُسِخَ بِحَدِّ الزِّنى وبِاللَّعّانِ، فَحُرِّمَ الإضْرارُ والِافْتِداءُ.

صفحة ٢٨٦

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ: الفاحِشَةُ هُنا البُغْضُ والنُّشُوزُ، فَإذا نَشَزَتْ جازَ لَهُ أنْ يَأْخُذَ مِنها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وظاهِرُ قَوْلِ مالِكٍ بِإجازَةِ أخْذِ الخُلْعِ عَنِ النّاشِزِ يُناسِبُ هَذا إلّا أنِّي لا أحْفَظُ نَصًّا في الفاحِشَةِ في هَذِهِ الآيَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مُبِيِّنَةٍ) بِكَسْرِ التَّحْتِيَّةِ؛ اسْمُ فاعِلٍ مِن (بَيَّنَ) اللّازِمِ بِمَعْنى تَبَيَّنَ، كَما في قَوْلِهِمْ في المَثَلِ (بَيَّنَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ) . وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ. وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ اسْمُ مَفْعُولٍ مِن (بَيَّنَ) المُتَعَدِّي أيْ بَيَّنَها وأظْهَرَها بِحَيْثُ أشْهَدَ عَلَيْهِنَّ بِها.

* * *

﴿وعاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ .

أعْقَبَ النَّهْيَ عَنْ إكْراهِ النِّساءِ والإضْرارِ بِهِنَّ بِالأمْرِ بِحُسْنِ المُعاشَرَةِ مَعَهُنَّ، فَهَذا اعْتِراضٌ فِيهِ مَعْنى التَّذْيِيلِ لِما تَقَدَّمَ مِنَ النَّهْيِ، لِأنَّ حُسْنَ المُعاشَرَةِ جامِعٌ لِنَفْيِ الإضْرارِ والإكْراهِ، وزائِدٌ بِمَعانِي إحْسانِ الصُّحْبَةِ.

والمُعاشَرَةُ مُفاعَلَةٌ مِنَ العِشْرَةِ وهي المُخالَطَةُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأرى اللَّفْظَةَ مِن: أعْشارِ الجَزُورِ؛ لِأنَّها مُقاسَمَةٌ ومُخالَطَةٌ، أيْ فَأصْلُ الِاشْتِقاقِ مِنَ الِاسْمِ الجامِدِ وهو عَدَدُ العَشَرَةِ. وأنا أراها مُشْتَقَّةً مِنَ العَشِيرَةِ أيِ الأهْلِ، فَعاشَرَهُ: جَعَلَهُ مِن عَشِيرَتِهِ، كَما يُقالُ: آخاهُ، إذا جَعَلَهُ أخًا. أمّا العَشِيرَةُ فَلا يُعْرَفُ أصْلُ اشْتِقاقِها. وقَدْ قِيلَ: إنَّها مِنَ العَشَرَةِ أيِ اسْمِ العَدَدِ. وفِيهِ نَظَرٌ.

والمَعْرُوفُ ضِدُّ المُنْكَرِ وسُمِّيَ الأمْرُ المَكْرُوهُ مُنْكَرًا لِأنَّ النُّفُوسَ لا تَأْنَسُ بِهِ، فَكَأنَّهُ مَجْهُولٌ عِنْدَها نَكِرَةٌ، إذِ الشَّأْنُ أنَّ المَجْهُولَ يَكُونُ مَكْرُوهًا ثُمَّ أطْلَقُوا اسْمَ المُنْكَرِ عَلى المَكْرُوهِ، وأطْلَقُوا ضِدَّهُ عَلى المَحْبُوبِ لِأنَّهُ تَأْلَفُهُ النُّفُوسُ. والمَعْرُوفُ هُنا ما حَدَّدَهُ الشَّرْعُ ووَصَفَهُ العُرْفُ.

صفحة ٢٨٧

والتَّفْرِيعُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ عَلى لازِمِ الأمْرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿وعاشِرُوهُنَّ﴾ وهو النَّهْيُ عَنْ سُوءِ المُعاشَرَةِ، أيْ فَإنْ وُجِدَ سَبَبُ سُوءِ المُعاشَرَةِ وهو الكَراهِيَةُ. وجُمْلَةُ: فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا. نائِبَةٌ مَنابَ جَوابِ الشَّرْطِ، وهي عِلَّةٌ لَهُ، فَعُلِمَ الجَوابُ مِنها. وتَقْدِيرُهُ: فَتَثَبَّتُوا ولا تَعْجَلُوا بِالطَّلاقِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلُ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا. يُفِيدُ إمْكانَ أنْ تَكُونَ المَرْأةُ المَكْرُوهَةُ سَبَبَ خَيْراتٍ فَيَقْتَضِي أنْ لا يَتَعَجَّلَ في الفِراقِ.

و(عَسى) هُنا لِلْمُقارَبَةِ المَجازِيَّةِ أوِ التَّرَجِّي. و(أنْ تَكْرَهُوا) سادٌّ مَسَدَّ مَعْمُولَيْها، و(يَجْعَلُ) مَعْطُوفٌ عَلى (تَكْرَهُوا) ومَناطُ المُقارَبَةِ والرَّجاءِ هو مَجْمُوعُ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، بِدَلالَةِ القَرِينَةِ عَلى ذَلِكَ.

هَذِهِ حِكْمَةٌ عَظِيمَةٌ، إذْ قَدْ تَكْرَهُ النُّفُوسُ ما في عاقِبَتِهِ خَيْرٌ فَبَعْضُهُ يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ إلى مَعْرِفَةِ ما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ عِنْدَ غَوْصِ الرَّأْيِ. وبَعْضُهُ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّ فِيهِ خَيْرًا لَكِنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لِلنّاسِ. قالَ سَهْلُ بْنُ حَنِيفٍ، حِينَ مَرْجِعِهِ مِن صِفِّينَ: اتَّهِمُوا الرَّأْيَ فَلَقَدْ رَأيْتُنا يَوْمَ أبِي جَنْدَلٍ ولَوْ نَسْتَطِيعُ أنْ نَرُدَّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ أمْرَهُ لَرَدَدْنا، واللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. وقَدْ قالَ تَعالى، في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكم وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] .

والمَقْصُودُ مِن هَذا: الإرْشادُ إلى إعْماقِ النَّظَرِ وتَغَلْغُلِ الرَّأْيِ في عَواقِبِ الأشْياءِ، وعَدَمِ الِاغْتِرارِ بِالبَوارِقِ الظّاهِرَةِ. ولا بِمَيْلِ الشَّهَواتِ إلى ما في الأفْعالِ مِن مُلائِمٍ، حَتّى يَسْبِرَهُ بِمِسْبارِ الرَّأْيِ، فَيَتَحَقَّقَ سَلامَةَ حُسْنِ الظّاهِرِ مِن سُوءِ خَفايا الباطِنِ.

واقْتَصَرَ هُنا عَلى مُقارَبَةِ حُصُولِ الكَراهِيَةِ لِشَيْءٍ فِيهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، دُونَ مُقابِلِه، كَما في آيَةِ البَقَرَةِ: وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكم. لِأنَّ المَقامَ في سُورَةِ البَقَرَةِ مَقامُ بَيانِ الحَقِيقَةِ بِطَرَفَيْها إذِ المُخاطَبُونَ فِيها كَرِهُوا القِتالَ، وأحَبُّوا السِّلْمَ، فَكانَ حالُهم مُقْتَضِيًا بَيانَ أنَّ القِتالَ قَدْ يَكُونُ هو الخَيْرَ لِما يَحْصُلُ بَعْدَهُ مِن أمْنٍ دائِمٍ، وخَضْدِ شَوْكَةِ العَدُوِّ، وأنَّ السِّلْمَ قَدْ يَكُونُ شَرًّا لِما يَحْصُلُ مَعَها مِنِ

صفحة ٢٨٨

اسْتِخْفافِ الأعْداءِ بِهِمْ، وطَمَعِهِمْ فِيهِمْ، وذَهابِ عِزِّهِمُ المُفْضِي إلى اسْتِعْبادِهِمْ، أمّا المَقامُ في هَذِهِ السُّورَةِ فَهو لِبَيانِ حُكْمِ مَن حَدَثَ بَيْنَهُ وبَيْنَ زَوْجِهِ ما كَرِهَهُ فِيها، ورامَ فِراقَها، ولَيْسَ لَهُ مَعَ ذَلِكَ مَيْلٌ إلى غَيْرِها، فَكانَ حالُهُ مُقْتَضِيًا بَيانَ ما في كَثِيرٍ مِنَ المَكْرُوهاتِ مِنَ الخَيْراتِ، ولا يُناسِبُ أنْ يُبَيِّنَ لَهُ أنَّ في بَعْضِ الأُمُورِ المَحْبُوبَةِ شُرُورًا لِكَوْنِهِ فَتْحًا لِبابِ التَّعَلُّلِ لَهم بِما يَأْخُذُونَ مِنَ الطَّرَفِ الَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ هَواهم. وأُسْنِدَ جَعْلُ الخَيْرِ في المَكْرُوهِ هُنا لِلَّهِ بِقَوْلِهِ: ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا. المُقْتَضِي أنَّهُ جَعْلٌ عارِضٌ لِمَكْرُوهٍ خاصٍّ، وفي سُورَةِ البَقَرَةِ قالَ: وهو خَيْرٌ لَكم. لِأنَّ تِلْكَ بَيانٌ لِما يُقارِنُ بَعْضَ الحَقائِقِ مِنَ الخَفاءِ في ذاتِ الحَقِيقَةِ، لِيَكُونَ رَجاءُ الخَيْرِ مِنَ القِتالِ مُطَّرِدًا في جَمِيعِ الأحْوالِ غَيْرَ حاصِلٍ بِجَعْلٍ عارِضٍ، بِخِلافِ هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّ الصَّبْرَ عَلى الزَّوْجَةِ المُؤْذِيَةِ أوِ المَكْرُوهَةِ إذا كانَ لِأجْلِ امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ بِحُسْنِ مُعاشَرَتِهِنَّ، يَكُونُ جَعْلُ الخَيْرِ في ذَلِكَ جَزاءً مِنَ اللَّهِ عَلى الِامْتِثالِ.

4:20–21Page 81

وَإِنۡ أَرَدتُّمُ ٱسۡتِبۡدَالَ زَوۡجٖ مَّكَانَ زَوۡجٖ وَءَاتَيۡتُمۡ إِحۡدَىٰهُنَّ قِنطَارٗا فَلَا تَأۡخُذُواْ مِنۡهُ شَيۡـًٔاۚ أَتَأۡخُذُونَهُۥ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا ٢٠

But if you want to replace one wife with another and you have given one of them a great amount [in gifts], do not take [back] from it anything. Would you take it in injustice and manifest sin?

وَكَيۡفَ تَأۡخُذُونَهُۥ وَقَدۡ أَفۡضَىٰ بَعۡضُكُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ وَأَخَذۡنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ٢١

And how could you take it while you have gone in unto each other and they have taken from you a solemn covenant?

﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا أتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ ﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ .

لا جَرَمَ أنَّ الكَراهِيَةَ تَعْقُبُها إرادَةُ اسْتِبْدالِ المَكْرُوهِ بِضِدِّهِ، فَلِذَلِكَ عَطَفَ الشَّرْطَ عَلى الَّذِي قَبْلَهُ اسْتِطْرادًا واسْتِيفاءً لِلْأحْكامِ.

فالمُرادُ بِالِاسْتِبْدالِ طَلاقُ المَرْأةِ السّابِقَةِ وتَزَوُّجُ امْرَأةٍ أُخْرى.

الِاسْتِبْدالُ: التَّبْدِيلُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: قالَ أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ. في سُورَةِ البَقَرَةِ. أيْ إنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبٌ لِلْفِراقِ إلّا إرادَةَ اسْتِبْدالِ زَوْجٍ بِأُخْرى فَيُلْجِئُ الَّتِي يُرِيدُ فِراقَها، حَتّى تُخالِعَهُ، لِيَجِدَ مالًا يُعْطِيهِ مَهْرًا لِلَّتِي رَغِبَ فِيها، نَهى عَنْ أنْ يَأْخُذُوا شَيْئًا مِمّا أعْطَوْهُ أزْواجَهم مِن مَهْرٍ وغَيْرِهِ

صفحة ٢٨٩

والقِنْطارُ هُنا مُبالَغَةٌ في مِقْدارِ المالِ المُعْطى صَداقًا أيْ مالًا كَثِيرًا، كَثْرَةٌ غَيْرُ مُتَعارَفَةٍ. وهَذِهِ المُبالَغَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ إيتاءَ القِنْطارِ مُباحٌ شَرْعًا لِأنَّ اللَّهَ لا يُمَثِّلُ بِما لا يَرْضى شَرْعَهُ مِثْلَ الحَرامِ، ولِذَلِكَ لَمّا خَطَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَنَهى عَنِ المُغالاةِ في الصَّدُقاتِ، قالَتْ لَهُ امْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ بَعْدَ أنْ نَزَلَ. يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ كِتابُ اللَّهِ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أوْ قَوْلُكَ ؟ قالَ: بَلْ كِتابُ اللَّهِ بِمَ ذَلِكَ ؟ قالَتْ: إنَّكَ نَهَيْتَ النّاسَ آنِفًا أنْ يُغالُوا في صَداقِ النِّساءِ، واللَّهُ يَقُولُ في كِتابِهِ: ﴿وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾ . فَقالَ عُمَرُ كُلُّ أحَدٍ أفْقَهُ مِن عُمَرَ. وفي رِوايَةٍ قالَ: امْرَأةٌ أصابَتْ وأمِيرٌ أخْطَأ واللَّهُ المُسْتَعانُ. ثُمَّ رَجَعَ إلى المِنبَرِ فَقالَ: إنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكم أنْ تُغالُوا في صَدُقاتِ النِّساءِ فَلْيَفْعَلْ كُلُّ رَجُلٍ في مالِهِ ما شاءَ. والظّاهِرُ مِن هَذِهِ الرِّوايَةِ أنَّ عُمَرَ رَجَعَ عَنْ تَحْجِيرِ المُباحِ لِأنَّهُ رَآهُ يُنافِي الإباحَةَ بِمُقْتَضى دَلالَةِ الإشارَةِ وقَدْ كانَ بَدا لَهُ مِن قَبْلُ أنَّ في المُغالاةِ عِلَّةً تَقْتَضِي المَنعَ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ نَسِيَ الآيَةَ بِناءً عَلى أنَّ المُجْتَهِدَ لا يَلْزَمُهُ البَحْثُ عَنِ المُعارِضِ لِدَلِيلِ اجْتِهادِهِ، أوْ أنْ يَكُونَ حَمَلَها عَلى قَصْدِ المُبالَغَةِ فَرَأى أنَّ ذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى الإباحَةِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، أوْ أنْ يَكُونَ رَأى لِنَفْسِهِ أنْ يُحَجِّرَ بَعْضَ المُباحِ لِلْمَصْلَحَةِ ثُمَّ عَدَلَ عَنْهُ لِأنَّهُ يُنافِي إذْنَ الشَّرْعِ في فِعْلِهِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ.

وضَمِيرُ (إحْداهُنَّ) راجِعٌ إلى النِّساءِ. وهَذِهِ هي المَرْأةُ الَّتِي يُرادُ طَلاقُها.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى القِنْطارِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ. في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

والِاسْتِفْهامُ في (أتَأْخُذُونَهُ) إنْكارِيٌّ.

والبُهْتانُ مَصْدَرٌ كالشُّكْرانِ والغُفْرانِ، مَصْدَرُ بَهَتَهُ كَمَنَعَهَ إذا قالَ عَلَيْهِ ما لَمْ يَفْعَلْ. وتَقَدَّمَ البُهْتُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ. في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وانْتُصِبَ (بُهْتانًا) عَلى الحالِ مِنَ الفاعِلِ في (تَأْخُذُونَهُ) بِتَأْوِيلِهِ بِاسْمِ الفاعِلِ، أيْ مُباهِتِينَ. وإنَّما جُعِلَ هَذا الأخْذُ بُهْتانًا لِأنَّهم كانَ مِن عادَتِهِمْ إذا كَرِهُوا المَرْأةَ، وأرادُوا طَلاقَها، رَمَوْها بِسُوءِ المُعاشَرَةِ، واخْتَلَقُوا عَلَيْها ما لَيْسَ فِيها، لِكَيْ تَخْشى

صفحة ٢٩٠

سُوءَ السُّمْعَةِ فَتَبْذُلَ لِلزَّوْجِ مالًا فِداءً لِيُطَلِّقَها، حَكى ذَلِكَ فَخْرُ الدِّينِ الرّازِيُّ، فَصارَ أخْذُ المالِ مِنَ المَرْأةِ عِنْدَ الطَّلاقِ مَظِنَّةٌ بِأنَّها أتَتْ ما لا يُرْضِي الزَّوْجَ، فَقَدْ يَصُدُّ ذَلِكَ الرّاغِبِينَ في التَّزَوُّجِ عَنْ خِطْبَتِها، ولِذَلِكَ لَمّا أذِنَ اللَّهُ لِلْأزْواجِ بِأخْذِ المالِ إذا أتَتْ أزْواجُهم بِفاحِشَةٍ، صارَ أخْذُ المالِ مِنهُنَّ بِدُونِ ذَلِكَ يُوهِمُ أنَّهُ أخَذَهُ في مَحَلِّ الإذْنِ بِأخْذِهِ، هَذا أظْهَرُ الوُجُوهِ في جَعْلِ الأخْذِ بُهْتانًا.

وأمّا كَوْنُهُ إثْمًا مُبِينًا فَقَدْ جُعِلَ هُنا حالًا بَعْدَ الإنْكارِ، وشَأْنُ مِثْلِ هَذا الحالِ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةَ الِانْتِسابِ إلى صاحِبِها حَتّى يُصْبِحَ الإنْكارُ بِاعْتِبارِها، فَيُحْتَمَلُ أنَّ كَوْنَها إثْمًا مُبِينًا قَدْ صارَ مَعْلُومًا لِلْمُخاطَبِينَ مِن قَوْلِهِ: فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا، أوْ مِن آيَةِ البَقَرَةِ: ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلّا أنْ يَخافا أنْ لا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ. أوْ مِمّا تَقَرَّرَ عِنْدَهم مِن أنَّ حُكْمَ الشَّرِيعَةِ في الأمْوالِ أنْ لا تَحِلَّ إلّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ.

وقَوْلُهُ (وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ) اسْتِفْهامٌ تَعَجُّبِيٌّ بَعْدَ الإنْكارِ، أيْ لَيْسَ مِنَ المُرُوءَةِ أنْ تَطْمَعُوا في أخْذِ عِوَضٍ عَنِ الفِراقِ بَعْدَ مُعاشَرَةِ امْتِزاجٍ وعَهْدٍ مَتِينٍ. والإفْضاءُ: الوُصُولُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الفَضاءِ، لِأنَّ في الوُصُولِ قَطْعَ الفَضاءِ بَيْنَ المُتَواصِلِينَ والمِيثاقُ الغَلِيظُ: عُقْدَةُ النِّكاحِ عَلى نِيَّةِ إخْلاصِ النِّيَّةِ ودَوامِ الأُلْفَةِ، والمَعْنى أنَّكم كُنْتُمْ عَلى حالِ مَوَدَّةٍ ومُوالاةٍ، فَهي في المَعْنى كالمِيثاقِ عَلى حُسْنِ المُعامَلَةِ.

والغَلِيظُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن غَلُظَ بِضَمِّ اللّامِ: إذا صَلُبَ، والغِلْظَةُ في الحَقِيقَةِ صَلابَةُ الذَّواتِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ إلى صُعُوبَةِ المَعانِي وشِدَّتِها في أنْواعِها، قالَ تَعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣] . وقَدْ ظَهَرَ أنَّ مَناطَ التَّحْرِيمِ هو أخْذُ المالِ عِنْدَ طَلَبِ اسْتِبْدالِ الزَّوْجَةِ بِأُخْرى، فَلَيْسَ هَذا الحُكْمُ مَنسُوخًا بِآيَةِ البَقَرَةِ خِلافًا لِجابِرِ بْنِ زَيْدٍ إذْ لا إبْطالَ لِمَدْلُولِ هَذا الآيَةِ.

4:22Page 81

وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدۡ سَلَفَۚ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَمَقۡتٗا وَسَآءَ سَبِيلًا ٢٢

And do not marry those [women] whom your fathers married, except what has already occurred.1 Indeed, it was an immorality and hateful [to Allāh] and was evil as a way.

﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا وساءَ سَبِيلًا﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ: لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا، والمُناسَبَةُ

صفحة ٢٩١

أنَّ مِن جُمْلَةِ أحْوالِ إرْثِهِمُ النِّساءَ كَرْهًا، أنْ يَكُونَ ابْنُ المَيِّتِ أوْلى بِزَوْجَةِ أبِيهِ، إذا لَمْ تَكُنْ أُمَّهُ، فَنُهُوا عَنْ هَذِهِ الصُّورَةِ نَهْيًا خاصًّا مُغَلَّظًا، وتُخُلِّصَ مِنهُ إلى إحْصاءِ المُحَرَّماتِ.

(وما نَكَحَ) بِمَعْنى الَّذِي نَكَحَ مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ، فَلِذَلِكَ حَسُنَ وقْعُ (ما) عِوَضَ (مَن) لِأنَّ (مَن) تَكْثُرُ في المَوْصُولِ المَعْلُومِ، عَلى أنَّ البَيانَ بِقَوْلِهِ (مِنَ النِّساءِ) سَوّى بَيْنَ (ما) و(مَن) فَرُجِّحَتْ (ما) لِخِفَّتِها، والبَيانُ أيْضًا يُعَيِّنُ أنْ تَكُونَ (ما) مَوْصُولَةً. وعَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: لا تَنْكِحُوا نِساءَ آبائِكم لِيَدُلَّ بِلَفْظِ (نَكَحَ) عَلى أنَّ عَقْدَ الأبِ عَلى المَرْأةِ كافٍ في حُرْمَةِ تَزَوُّجِ ابْنِهِ إيّاها. وذِكْرُ (مِنَ النِّساءِ) بَيانٌ لِكَوْنِ (ما) مَوْصُولَةً.

والنَّهْيُ يَتَعَلَّقُ بِالمُسْتَقْبَلِ، والفِعْلُ المُضارِعُ مَعَ النَّهْيِ مَدْلُولُهُ إيجادُ الحَدَثِ في المُسْتَقْبَلِ، وهَذا المَعْنى يُفِيدُ النَّهْيَ عَنِ الِاسْتِمْرارِ عَلى نِكاحِهِنَّ إذا كانَ قَدْ حَصَلَ قَبْلَ وُرُودِ النَّهْيِ. والنِّكاحُ حَقِيقَةٌ في العَقْدِ شَرْعًا بَيْنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ عَلى المُعاشَرَةِ والِاسْتِمْتاعِ بِالمَعْنى الصَّحِيحِ شَرْعًا، وتَقَدَّمَ أنَّهُ حَقِيقَةٌ في هَذا المَعْنى دُونَ الوَطْءِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَحَرامٌ عَلى الرَّجُلِ أنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأةً عَقَدَ أبُوهُ عَلَيْها عَقْدَ نِكاحٍ صَحِيحٍ، ولَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِها، وأمّا إطْلاقُ النِّكاحِ عَلى الوَطْءِ بِعَقْدٍ فَقَدْ حَمَلَ لَفْظَ النِّكاحِ عَلَيْهِ بَعْضُ العُلَماءِ، وزَعَمُوا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] أطْلَقَ فِيهِ النِّكاحَ عَلى الوَطْءِ لِأنَّها لا يُحِلُّها لِمُطَلِّقِها ثَلاثًا مُجَرَّدُ العَقْدِ أيْ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى الِاسْتِعانَةِ بِبَيانِ السُّنَّةِ لِلْمَقْصُودِ مِن قَوْلِهِ (تَنْكِحَ) وقَدْ بَيَّنْتُ رَدَّ ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ.

أمّا الوَطْءُ الحَرامُ مِن زِنًى فَكَوْنُهُ مِن مَعانِيَ النِّكاحِ في لُغَةِ العَرَبِ دَعْوى واهِيَةٌ.

وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ فِيمَن زَنى بِامْرَأةٍ هَلْ تَحْرُمُ عَلى ابْنِهِ أوْ عَلى أبِيهِ. فالَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مالِكٌ في المُوَطَّأِ، والشّافِعِيُّ: أنَّ الزِّنى لا يَنْشُرُ الحُرْمَةَ، وهَذا

صفحة ٢٩٢

الَّذِي حَكاهُ الشَّيْخُ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ أبِي زَيْدٍ في الرِّسالَةِ، ويُرْوى ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، ورَبِيعَةَ، واللَّيْثِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، وابْنُ الماجِشُونَ مِن أصْحابِ مالِكٍ: الزِّنى يَنْشُرُ الحُرْمَةَ. قالَ ابْنُ الماجِشُونَ: ماتَ مالِكٌ عَلى هَذا. وهو قَوْلُ الأوْزاعِيِّ والثَّوْرِيِّ. وقالَ ابْنُ المَوّازِ هو مَكْرُوهٌ، ووَقَعَ في المُدَوَّنَةِ (يُفارِقُها) فَحَمَلَهُ الأكْثَرُ عَلى الوُجُوبِ. وتَأوَّلَهُ بَعْضُهم عَلى الكَراهَةِ. وهَذِهِ المَسْألَةُ جَرَتْ فِيها مُناظَرَةٌ بَيْنَ الشّافِعِيِّ ومُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ أشارَ إلَيْها الجَصّاصُ في أحْكامِهِ، والفَخْرُ في مَفاتِيحِ الغَيْبِ، وهي طَوِيلَةٌ.

(وما سَلَفَ) هو ما سَبَقَ نُزُولَ هَذِهِ الآيَةِ. أيْ إلّا نِكاحًا قَدْ سَلَفَ فَتَعَيَّنَ أنَّ هَذا النِّكاحَ صارَ مُحَرَّمًا. ولِذَلِكَ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: إلّا ما قَدْ سَلَفَ. مُؤَوَّلًا؛ إذْ ما قَدْ سَلَفَ كَيْفَ يُسْتَثْنى مِنَ النَّهْيِ عَنْ فِعْلِهِ وهو قَدْ حَصَلَ، فَتَعَيَّنَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ يَرْجِعُ إلى ما يَقْتَضِيهِ النَّهْيُ مِنَ الإثْمِ، أيْ لا إثْمَ عَلَيْكم فِيما قَدْ سَلَفَ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ النَّظَرُ إلى أنَّهُ هَلْ يُقَرَّرُ عَلَيْهِ فَلا يُفَرَّقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ اللَّذَيْنِ تَزَوَّجا قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ، وهَذا لَمْ يَقُلْ بِهِ إلّا بَعْضُ المُفَسِّرِينَ فِيما نَقَلَهُ الفَخْرُ، ولَمْ أقِفْ عَلى أثَرٍ يُثْبِتُ قَضِيَّةً مُعَيَّنَةً فَرَّقَ فِيها النَّبِيءُ ﷺ بَيْنَ رَجُلٍ وزَوْجِ أبِيهِ مِمّا كانَ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ، ولا عَلى تَعْيِينِ قائِلِ هَذا القَوْلِ، ولَعَلَّ النّاسَ قَدْ بادَرُوا إلى فِراقِ أزْواجِ الآباءِ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.

وقَدْ تَزَوَّجَ قَبْلَ الإسْلامِ كَثِيرٌ أزْواجَ آبائِهِمْ: مِنهم عُمَرُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، خَلَفَ عَلى زَوْجِ أبِيهِ أُمَيَّةَ كَما تَقَدَّمَ، ومِنهم صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ تَزَوَّجَ امْرَأةَ أبِيهِ فاخِتَةَ بِنْتَ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ بْنِ أسَدٍ، ومِنهم مَنظُورُ بْنُ رَيّانَ بْنِ سَيّارٍ، تَزَوَّجَ امْرَأةَ أبِيهِ مُلْكِيَّةَ بِنْتَ خارِجَةَ، ومِنهم حِصْنُ بْنُ أبِي قَيْسٍ، تَزَوَّجَ بَعْدَ أبِي قَيْسٍ زَوْجَهُ. ولَمْ يُرْوَ أنَّ أحَدًا مِن هَؤُلاءِ أسَلْمَ وقُرِّرَ عَلى نِكاحِ زَوْجِ أبِيهِ.

وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مِن لازِمِ النَّهْيِ وهو العُقُوبَةُ أيْ لا عُقُوبَةَ عَلى ما قَدْ سَلَفَ. وعِنْدِي أنَّ مِثْلَ هَذا ظاهِرٌ لِلنّاسِ فَلا يَحْتاجُ لِلِاسْتِثْناءِ، ومَتى يَظُنُّ أحَدٌ المُؤاخَذَةَ عَنْ أعْمالٍ كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ مَجِيءِ الدِّينِ ونُزُولِ النَّهْيِ.

صفحة ٢٩٣

وقِيلَ: هو مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ: أيْ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ مِنهُ فانْكِحُوا ما قَدْ سَلَفَ مِن نِساءِ الآباءِ البائِدَةِ، كَأنَّهُ يُوهِمُ أنَّهُ يُرَخِّصُ لَهم بَعْضَهُ، فَيَجِدُ السّامِعُ ما رُخِّصَ لَهُ مُتَعَذَّرًا فَيَتَأكَّدُ النَّهْيُ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:

ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ

وقَوْلِهِمْ (حَتّى يَؤُوبَ القارِظانِ) و(حَتّى يَشِيبَ الغُرابُ) وهَذا وجْهٌ بَعِيدٌ في آياتِ التَّشْرِيعِ.

والظّاهِرٌ أنَّ قَوْلَهُ إلّا ما قَدْ سَلَفَ قُصِدَ مِنهُ بَيانُ صِحَّةِ ما سَلَفَ مِن ذَلِكَ في عَهْدِ الجاهِلِيَّةِ، وتَعَذَّرَ تَدارُكُهُ الآنَ، لِمَوْتِ الزَّوْجَيْنِ، مِن حَيْثُ إنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ثُبُوتُ أنْسابٍ، وحُقُوقُ مُهُورٍ ومَوارِيثُ، وأيْضًا بَيانُ تَصْحِيحِ أنْسابِ الَّذِينَ وُلِدُوا مِن ذَلِكَ النِّكاحِ، وأنَّ المُسْلِمِينَ انْتُدِبُوا لِلْإقْلاعِ عَنْ ذَلِكَ اخْتِيارًا مِنهم، وقَدْ تَأوَّلَ سائِرُ المُفَسِّرِينَ قَوْلَهُ تَعالى: إلّا ما قَدْ سَلَفَ. بِوُجُوهٍ تَرْجِعُ إلى التَّجَوُّزِ في مَعْنى الِاسْتِثْناءِ أوْ في مَعْنى (ما نَكَحَ) حَمَلَهم عَلَيْها أنَّ نِكاحَ زَوْجِ الأبِ لَمْ يُقَرِّرْهُ الإسْلامُ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ، لِأنَّهُ قالَ: ﴿إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا وساءَ سَبِيلًا﴾ . أيْ ومِثْلُ هَذا لا يُقَرَّرُ لِأنَّهُ فاسِدٌ بِالذّاتِ.

والمَقْتُ اسْمٌ سَمَّتْ بِهِ العَرَبُ نِكاحَ زَوْجِ الأبِ فَقالُوا: نِكاحُ المَقْتِ أيِ البُغْضِ، وسَمَّوْا فاعِلَ ذَلِكَ الضَّيْزَنَ، وسُمَّوْا الِابْنَ مِن ذَلِكَ النِّكاحِ مَقِيتًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском